issue17221

مـــنـــذ آلاف الـــســـنـــن لـــــم يـــكـــن نـــهـــر الــنــيــل بالنسبة إلى المصريين مجرّد مجرى مائي، بل شريان حياة ورمز لهويتهم ووجودهم «مصر هــبــة الـــنـــيـــل»، ومـــحـــور حــضــارتــهــم وثـقـافـتـهـم واقــــتــــصــــادهــــم، كـــمـــا هــــو شــــريــــان حــــيــــاة آخـــر لـلـسـودانـيـن حـيـث قـامـت عـلـى ضـفـافـه ممالك وحــــضــــارات قــديــمــة ازدهـــــــرت بــفــضــل مــيــاهــه، ويمثّل جزءا من حياتهم الاقتصادية والثقافية والـسـيـاحـيـة، أمـــا بـالـنـسـبـة إلـــى إثـيـوبـيـا فهو مـصـدر ثـــروة هـائـلـة، إل أنـــه فــي الــوقــت نفسه يشكّل مصدر خـاف مع دولتَي المصب، مصر والـــــســـــودان، بـسـبـب شـكـوكـهـمـا ومـخـاوفـهـمـا مـن تأثير المـشـاريـع الإثيوبية الـتـي تُــقـام على حصصهما وأهمها «سد النهضة». ســــد الـنـهـضـة الإثـــيـــوبـــي المـــعـــروف سـابـقـا باسم «سد الألفية الكبير»، هو سد على النيل ، ويقع 2011 الأزرق في إثيوبيا. بدأ إنشاؤه عام فــي منطقة إقـلـيـم بنيشنغول-قماز الإثـيـوبـي أميال) شرقا من 9( ً كيلومترا 15 على بُعد نحو الحدود الإثيوبية-السودانية، ويبعد أكثر من مـيـل) مـن مـصـر. وُضـع 1600( كيلومتر 2500 .2011 ) أبريل (نيسان 2 حجر الأســاس له في وأعلنت إثيوبيا أن الهدف الأساسي من إنشاء كيلومتر، وارتفاعه 1.8 السد الذي يبلغ عرضه مــــتــــراً، هــــو تـــولـــيـــد الـــكـــهـــربـــاء لـتـعـويـض 145 النقص الحاد من المياه في إثيوبيا، بالإضافة إلــــى تــصــديــرهــا إلــــى الـــبـــلـــدان المــــجــــاورة. ومــن المــتــوقّــع أن يصبح الـسـد أكـبـر محطة للطاقة الكهربائية في أفريقيا وسابع أكبر محطة في آلاف 6 الـعـالـم، بـقـدرة إنتاجية مخططة تبلغ مــيــغــاواط مـــن الــطــاقــة الـكـهـربـائـيـة، مع 450 و مليار متر 74 قدرة تخزينية قصوى تصل إلى مكعّب من المياه. هذا، وقد بدأ ملء الخزان في ، ومن المتوقّع أن يستغرق 2020 ) يوليو (تموز عاماً، وذلك وفقا للظروف 15 و 5 اكتماله ما بين الهيدروليجية خلال فترة الملء، والاتفاقات بين مصر والسودان وإثيوبيا. ، بعد أربعة 2025 ) سبتمبر (أيــلــول 9 فـي عـــشـــر عــــامــــا، افــتــتــحــت إثـــيـــوبـــيـــا رســـمـــيـــا ســـد النهضة، وأعـلـن رئيس الـــوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي أن السد يمثّل مشروعا استراتيجيا للتنمية وتـولـيـد الـطـاقـة الـكـهـربـائـيـة. وشـــدّد أمام القادة الأفريقيين على أن السد جاء لإنارة ملايين المنازل ودعم التنمية، وأنه لا يهدف إلى الإضرار بمصر والسودان. تـدشـن بــدء تشغيل سـد النهضة رسميا فــتــح مــلــف الـــخـــاف مـــع دولــــتَــــي المـــصـــب، مما يضع الدولتَين أمـام واقـع جديد يفرض إعادة حـسـابـات اسـتـراتـيـجـيـة بــشــأن الأمــــن الـغـذائـي وخـيـارات التعامل مع هـذا الـواقـع. لــذا، تشهد العلاقات بين البلدان الثلاثة (مصر وإثيوبيا والــــســــودان) تـــوتـــرا شـــديـــدا حـالـيـا بـسـبـب هـذا الـسـد، حيث تشعر مصر بــأن حقوقها المائية انـتـقـصـت إزاء مـــلء إثـيـوبـيـا الــســد مـــن جـانـب واحــــــد، وهــــي الـــتـــي تـعـتـمـد عــلــى مـــيـــاه الـنـيـل في المائة تقريبا في ري مشروعاتها 97 بنسبة واحــتــيــاجــات مــواطــنــيــهــا، عــــــادّة إيــــاه تـهـديـدا مباشرا لأمنها المـائـي مـع اسـتـمـرار مساعيها لحل تفاوضي، فيما يذهب السودان إلى مزيج من المخاوف والفرص، لكنه ينظر بعين القلق إلـى الآثــار الكارثية التي من المؤكد أن تحصل فــي حـــال كـــان التشغيل أحــــادي الـجـانـب فيما يتعلق بفتح الـبـوابـات وإدارة منسوب المياه بــمــا يـــؤثـــر عــلــى الــــســــدود الـــســـودانـــيـــة (مــــروي والـــروصـــيـــرص وغـــيـــرهـــمـــا...) فـــي ظــــل انــعــدام الاتفاق القانوني الملزم، إلا أنه يثمّن في الوقت ذاتــه الفوائد المحتملة للسد فـي تنظيم تدفّق النيل وحجز الطمي وتعدّد الدورات الزراعية. ، اعترضت مصر على بناء 2019 فـي عــام الـــســـد بـسـبـب خـشـيـتـهـا مـــن أنـــه سـيـقـلّــل كمية حصّتها من مياه النيل، وأعلنت أن المحادثات بــن الــقــاهــرة وأديــــس أبــابــا والــخــرطــوم بشأن سد النهضة وصلت إلى طريق مسدود بسبب تــــشــــدّد الـــجـــانـــب الإثــــيــــوبــــي، مــطــالــبــة بـتـدخـل وسيط دولي في المفاوضات. فـــي الـــواقـــع، فـيـمـا يـتـعـلـق بتشغيل الـسـد وضمان استمرار تدفق المياه وتأمين حصتَي الـــدولـــتَـــن، تــجــب المــطــالــبــة بــــ«اتـــفـــاق قـانـونـي مـــلـــزم» بـسـبـب تـــضـــارب المــصــالــح لـنـهـر دولـــي عـابـر لـلـحـدود، وبالتالي تنطبق عليه قواعد القانون الدولي، حيث يرى السودان أن التحكّم فـي تـدفـقـات المـيـاه يشكّل تـهـديـدا لأمـنـه المائي وتشغيل سدوده القريبة. وتعد مصر أن السد بـحـد ذاتـــه يشكل تـهـديـدا وجــوديــا لاعتمادها عـلـى الـنـيـل، مـصـدرهـا الـرئـيـسـي والأســـاســـي، فـــي المـــائـــة مـــن احـتـيـاجـاتـهـا 97 لــتــأمــن نــحــو المائية، في حين تصفه إثيوبيا بـ«حلم وطني». ولـكـي يتم الاتــفــاق على آلـيـة تشغيل مشترك، عـلـى الــفــرقــاء الــثــاثــة إعـــــادة تـمـوضـع جـديـد، سياسيا وقانونيا ودبلوماسياً، مما يجعلها قضية محرجة ومعقّدة، ينتشر تأثيرها محليا وإقليميا ودولـيـا، مـع وجــود تداعيات سلبية محتملة مثل الــري ومـيـاه الـشـرب على دولتَي المصب (مصر والـسـودان)، وإيجابية بتحقيق إيــــــــرادات بــمــلــيــار دولار أمـــيـــركـــي ســنــويــا من الكهرباء للاقتصاد الإثيوبي. لكن سيناريوهات كثيرة تعود بنا إلى لب المشكلة وعمقها: هل هي أزمة عداوات تاريخية أم صـــراع جيوسياسي أم أزمـــة تنمية وإدارة موارد؟! Issue 17221 - العدد Wednesday - 2026/1/21 الأربعاء ربــمــا تختلف تـصـاريـف حــيــاة الفلاسفة ودنـيـويـتـهـم وأفــكــارهــم عــن بعضهم البعض؛ ولــــكــــن مـــــا يـــجـــمـــعـــهـــم مــــفــــهــــوم «الأثـــــــــــر» الـــــذي يـخـلّــدهـم؛ هــذا المعنى الـــذي يـغـذّي مـن بعدهم بالإلهام ويعطيهم الحيويّة الفكرية التي تمنح قارئيهم لا أفكار الاعتناق المدْرسي وإنما القوّة التي يتساءلون بها ويتجاوزن عبر السؤال كل نظرية مرّت عليهم مهما كان طارحها. هــــذا الــــذي كـــرّســـه الــفــاســفــة الــكــبــار منذ العصر اليوناني إلى اليوم؛ ومن آخر من رحل عن دنيانا الأستاذ مراد وهبة، وهو الموسوعي والشارح البارع لعديد من النظريات والممسك بتلابيب أسس القول الفلسفي قديمه وحديثه. قبل يومين كتب الأستاذ سمير عطا الله مقالة مهمة بعنوان: «قرن من الفلسفة» يقول: «ودّعـت مصر أشهر مفكريها الأحياء الدكتور مـــراد وهـبـة عــن قـــرن كــامــل عـاشـه فــي الفلسفة والأدب وحياة الفكر والحبر. اجتمع في وداعه قـلـة مـن الــرفــاق والــزمــاء والمعجبين وأسـاتـذة الـفـلـسـفـة. فــالــرجــل كــــان مـنـغـلـقـا عــلــى عــالمــه لا يخرج منه إلا لماما لحضور مؤتمر هنا أو إلقاء محاضرة هناك. وكما هو متوقع حفل الغياب بالرثائيات التي كتبها الرفاق والزملاء وأهل الفكر وكانت جميعها من قبيل الثناء والتعبير عن الاحترام لعطائه وأدائه معاً». ثــــم يـــضـــيـــف: «يــــتــــذكــــر المـــــــرء الــفــيــلــســوف الشهير عبد الرحمن بدوي الذي اهتم المعنيون بأحواله الشخصية أكثر مما اهتموا بأعماله الفكرية، على كثرتها وجدتها». عــــلــــى الـــنـــقـــيـــض مـــــن حــــالــــة بــــــــدوي الـــتـــي سأناقشها، ثمة مـثـال فرنسي أسـاسـي فحين ألّــف جيل دلـوز مع فليكس غيتاري كتاب «ما هــي الفلسفة» كـــان الـكـتـاب مـشـتـركـا؛ ومـــا كـان الكتاب على طريقة التأليف المعتادة مقسوما إلــى قسمين مـثـا بـل كــان كتابا أثّـــر على جيل فلسفي بأكمله. إن نماذج التأليف هذه تدل على وجود ما يمكن تسميته بـ«النسك المعرفي» كان غيتاري يـعـرف أن جيل دلـــوز أشـهـر صيتاً، وأن اسمه سيكون ثـانـيـا، لكنها الـشـراكـة المعرفية الـفـذّة التي تعالت بممارسيها عن الحماقات أنجحت ذلك المشروع. قـــوة هـــؤلاء الـفـاسـفـة الأفــــذاذ الــذيــن كلما قـــرأ الإنـــســـان سـيـرتـهـم يـشـعـر بـمـسـافـة أدبــيــة هائلة تجاوزوا بها الترهات تكمن في تغليب الأدبـيـات المعرفية على النزعات الـذاتـيـة. هذه الــنــمــاذج لا تعني أن الـفـاسـفـة وأهـــل الثقافة أبرياء من التنافس. فهناك موسوعات فلسفية أشعلت خصومات بين مؤلفيها، وهناك تآليف مشتركة فضّت، وهناك حروب بينهم مثل التي جرت بين هيغل وشبنهور. لـــو قـــرأنـــا بـعـض الــســجــالات بـــن المثقفين الــعــرب لأدركــنــا صـعـوبـة إيــجــاد صيغة التقاء مـــشـــتـــركـــة، فــــضــــا عــــن شــــيــــوع الاشــــــتــــــراك فـي الــتــآلــيــف؛ مـــثـــا فـــــؤاد زكـــريـــا يـــأخـــذ عــلــى عبد الـرحـمـن بـــدوي أنـــه يغلق الــبــاب بـقـوة حينما يـنـزل مـن الـسـيـارة، وهـــذا بـــدوي يصف العقاد بـ«(....) الذي لا يقرأ له أحد»، ولا يشتري كتبه أحـــد كـمـا فــي مــذكــرات بـــدوي «ســيــرة حياتي» وأركــــون - حسب مـا يـــروي سعيد الــاونــدي - يـقـول: «لا أخفيك أن بـــدوي كـريـه». والجابري وصـــف طـرابـيـشـي بــــــ«... الـــذي لا يـحـق لــه نقد الــتــراث الإســـامـــي»، كما يـــروي الــراحــل محمد جابر الأنصاري. هـــذه الـــصـــورة بـالـطـبـع لـيـسـت صــــورة كل الثقافة العربية لكنها وجه من آثار التعالق بين المثقف وبيئته، وتنبئ العبارات عن استحالة شيوع التعاون المعرفي بمعناه الكلي. الأكيد أننا بحاجة إلـى إعــادة صيغ الـتـداول الثقافي والمعرفي الذي يعشش ضمن وسط محطّم. بـالـعـودة إلـــى مـقـالـة الأســتــاذ سمير عطا الله الذي قال فيها: «أما الأكاديميون أنفسهم فلم يعد بينهم الكثير من أولئك الأعلام. كذلك ظـــل مـــحـــدودا الــنــشــاط الـفـلـسـفـي خــــارج نـطـاق الأكاديمية. وتنطبق حالة الجفاف على الشعر كـــمـــا تــنــطــبــق عـــلـــى الــفــلــســفــة. ويــــبــــدو أحــيــانــا وكأننا أصبحنا من دون المغردين الكبار، وهذا محمود درويـــش بـا بـديـل، وغــاب نــزار قباني بــا وريــــث، ولـــم يـعـد كــل عــقــل يــبــدأ ومــعــه تلك الأســـمـــاء الـامـعـة الـتـي تحملها طـوعـا وعـفـوا أنـــهـــار الــنــيــل والــــفــــرات وبــــــردى. نــاهــيــك طبعا عن أكثر أسماء الأنهر شعرية النهر المعروف بالرقراق في المغرب». هــذا صحيح؛ وبتعليق مبسط على هذا المــوضــوع، فإنني أذكـــر بـقـول مهم لجيل دلـوز حين كتب: «نحن نقترب من الوقت الذي سوف يـــكـــون مـــن المـسـتـحـيـل عـلـيـنـا أن نــكــتــب كـتـابـا فلسفيا بالطريقة نفسها التي كتبت بها الكتب الفلسفية السابقة». بـــل رأى أن وظــيــفــة الــفــلــســفــة ومــبــادئــهــا الإغـريـقـيـة يـجـب أن تفحص وتـفـتـت وتضبط بتهمة وضــع «ترسيمة» للمناهج والخطوط التي تسير بها. الآن ثــمــة مـــن يـنـعـى «الـــــروايـــــة» ويــتــرحّــم عـلـيـهـا، ويـعـتـبـرهـا بــا وظـيـفـة وتـسـبـيـب ذلـك الرأي وتعليله أن العالم بات مشدوها بالعالم الـسـيـنـمـائـي الــســحــري؛ ومـــا عـــاد بـحـاجـة إلـى الاطـــــــاع عـــلـــى روايــــــــة مــــن ألـــــف صـــفـــحـــة بـغـيـة الاستناد إلى التصوّر والفهم لحكاية كما كان عليه الحال في السابق. الخلاصة؛ أن تبويب الفلسفة يأتي ضمن الحيويّة الدنيويّة وتطوّر التحديات فهي تكبر مــثــل الـــنـــاس، ولا يـمـكـن أن يــكــون الـفـيـلـسـوف إلا ضـمـن هـــذا المــعــنــى، وتــقــديــري أن مــذكــرات الفلاسفة ثبتت أن معظمهم انشغلوا بسفاسف الأمــــور؛ هــل يعقل أن فيلسوفا مـثـل شبنهور يقيم دعـــوى على أمــه بسبب مكينة خياطة؟! نعم هذا ما حدث. هــل أضـحـت الـــقـــارة الأمـيـركـيـة الـاتـيـنـيـة ملعبا جديدا للأمم، ومسرحا لحروب الوكالات القطبية، لا سيما في أوقات تتغير فيها الأوضاع الجيوسياسية العالمية؟ يمكن القطع بأن هذا هو ما تجري به المقادير في الوقت الحاضر بالفعل، لا سيما بعد أن باتت مسرحا لمواجهة ثلاثية بين الولايات المتحدة الأميركية، التي تسعى لتفعيل «مبدأ مونرو»، والصين القطب القادم، ذاك الــذي نسج خيوطا وثيقة الصلة مع العديد من دول الــقــارة منذ نحو عقدين مـن الــزمــن، عطفا على روســـيـــا، ذات الإرث الــتــاريــخــي فـــي تــلــك الـبـقـعـة من العالم. فـي المقدمة مـن أحـجـار الدومينو التي تتسارع مـــن حـولـهـا الــســبــاقــات، تــبــدو كــوبــا مـرشـحـة بشكل كبير لتكون الموقع والموضع القادم للمزيد من النفوذ الأمـيـركـي المتصاعد، ويكفي الاسـتـمـاع إلــى الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثا عن إمكانية ترشيح وزير خارجيته، ماركو روبيو، رئيسا قادما لفنزويلا. يتساءل البعض: هل يمكن أن يشبه اليوم الأمس على الجزيرة المثيرة؟ القصد مـن التساؤل ولا شـك، استحضار شبح أحــــــداث أزمـــــة الـــصـــواريـــخ الــســوفــيــاتــيــة فـــي أكــتــوبــر ، لكن الحقيقة هي أن كوبا اليوم 1962 ) (تشرين الأول تختلف شـكـا ومـوضـوعـا عــن كـوبـا الأمــــس، ذلـــك أن الحضور الـروسـي الحاضر هـنـاك لا يـقـارن بما كان قبل أكثر مـن نصف قــرن، كما أن الأوضـــاع الداخلية الكوبية مهترئة للغاية، في كثير من المجالات. وفـــوق كــل ذلـــك تـبـدو كـوبـا وكـأنـهـا تلقت طعنة قـويـة بتغيير نـظـام نـيـكـولاس مــــادورو فـي فنزويلا، والـــذي عمل كحبل سـري يحمل الحياة لهافانا عبر عشرين سنة خلت، تدفقت فيها ستون مليار دولار على الكوبيين. كـوبـا قــد تـكـون المــســرح الأمــمــي الأقــــرب والأكـثـر هـشـاشـة، وهـــو مــا لمَّـــح إلــيــه الـرئـيـس تــرمــب بالفعل، وبخاصة في ظل العديد من الأصوات الشبابية التي تــنــادي بــالــخــروج مــن دائــــرة الـحـكـم الـشـيـوعـي الــذي تجاوزه الزمن. تـكـتـسـي كـــوبـــا، عــلــى صــغــر حـجـمـهـا وتـــواضـــع عـــددهـــا، بـأهـمـيـة الــقــرب الـجـغـرافـي، مــا يجعل منها منصة متقدمة لـــ«الآذان المترصدة» لدبيب النمل في الداخل الأميركي، لا سيما من جانب الصين، وهو ما تخشاه واشنطن بقوة. مــــن بــــن الــــــــدول الــــتــــي تــفــهــمــت «زمـــــــن الــغــضــب الــتــرمــبــي» تــأتــي كـولـومـبـيـا، والـجـمـيـع يـتـرقـب لـقـاء رئـيـسـهـا غــوســتــاف بــيــتــرو مـــع تـــرمـــب فـــي الأســـبـــوع الأول من شهر فبراير (شباط) المقبل، على أمل تغيير المـــقــاديـــر، وبـــلـــورة تـفـاهـمـات تـقـي الـكـولـومـبـيـن شر «نهج دونـــرو»، لكن من المؤكد أن هناك أكلافا عالية وغالية سيتوجب دفعها. تـبـدو أمـيـركـا اللاتينية رقـعـة شطرنج لتنافس ثلاثي، أميركي - روسـي - صيني، كل بما يتوافر له من أدوات القوة والنفوذ. فــــي هـــــذا الـــســـيـــاق تــظــهــر رهــــانــــات الـــصـــن عـبـر مـلـمـح ومـلـمـس اقــتــصــادي بــالــدرجــة الأولـــــى، وبـكـن صاحبة رؤية وتوجه سياسيين يتسقان مع سعيها الإمــــبــــراطــــوري الـــنـــاعـــم، وهـــــذا مـــا تـضـمـنـتـه ورقـتـهـا المعروفة باسم «الرؤية السياسية الثالثة للصين في أميركا اللاتينية»، والصادرة العام الماضي. يــرى الصينيون أن الـقـارة الأميركية الجنوبية منطقة جيوسياسية لها تقاليد عريقة في الاستقلال الـــوطـــنـــي، وركــــــن ركـــــن فــــي عـــالـــم مـــتـــعـــدد الأقــــطــــاب، ويعتبرون أنها لا تستهدف طرفا ثالثاً، ولا تخضع فـي الـوقـت عينه لأي حسابات استراتيجية لأطـراف ثالثية، في إشارة إلى واشنطن. على الجانب الآخـر تـدرك واشنطن أن الصين لا تفصل بين العسكرة والاقتصاد، وأن مبادرة الطريق والـــــحـــــزام لا تــفــهــم مــــن جـــانـــب الـــعـــم ســـــام بـوصـفـهـا مشاريع تجارية فحسب، بل هي بنية تحتية مزدوجة الاستخدام، مدنية وعسكرية. إنها لعبة التاريخ، وليست لعبة الأمم فحسب، فالولايات المتحدة الأميركية نفسها تحولت من قوة اقتصادية صاعدة في أواخر القرن التاسع عشر إلى قــوة عسكرية عالمية فـي الـقـرن العشرين، ولـهـذا فإن صناع القرار الأميركي يفترضون أن الصين قد تسلك مسارا مشابهاً. ماذا عن روسيا الاتحادية في القارة اللاتينية؟ تــشــيــر الــتــحــلــيــات الــجــيــوســيــاســيــة والــعــقــيــدة الـــعـــســـكـــريـــة الــــروســــيــــة إلــــــى أن مـــوســـكـــو تــســتــخــدم حضورها في أميركا اللاتينية كجزء من استراتيجية «المعاملة بالمثل» للرد على حلف شمال الأطلسي. تبنت روسـيـا منذ سقوط الاتـحـاد السوفياتي مـا يـعـرف بــ«عـقـيـدة بـريـمـاكـوف»، الـتـي تعني إنهاء الهيمنة الأحـاديـة فـي الـقـارة الجنوبية، والنظر إلى دول حليفة مثل فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا، كمنطقة موازية لشرق أوروبا. غـيـر أنـــه لا يغيب عــن الأذهــــان أن روســيــا التي أنـهـكـت عـسـكـريـا، بــاتــت تـسـتـبـدل بــوجــودهــا المسلح أدوات الـــحـــرب الــهــجــيــنــة، مـــن هــجــمــات سـيـبـرانـيـة، وتجسس إلكتروني، وتضليل إعـامـي، ودعــم -ولـو أدبياً- للأنظمة المناهضة لواشنطن، بهدف استنزاف الأخيرة. الـــســـؤال الأهـــــم: مـــن سـيـكـون لـــه سـبـق الـــفـــوز في أميركا اللاتينية؟ عـــلـــى المـــــــدى المــــنــــظــــور تـــكـــســـب واشــــنــــطــــن، لـكـن منظور القوة الخشنة المجردة نــادرا ما تطول أزمنة انتصاراته. فهد سليمان الشقيران إميل أمين سعاد كريم OPINION الرأي 14 أميركا اللاتينية ولعبة الأمم الجديدة عن الفلاسفة والنقاش الدنيوي أزمة سد النهضة والتوافق المطلوب

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky