issue17221

10 ذكرى تنصيب ترمب NEWS Issue 17221 - العدد Wednesday - 2026/1/21 الأربعاء ASHARQ AL-AWSAT قضية إبستين وعملية فنزويلا تسبّبتا بشرخ جمهوري... وفشل ديمقراطي في عرقلة أجندة البيت الأبيض الكونغرس في عام ترمب الأول... جمود تشريعي وانقسامات حزبية فــي الـثـالـث مــن يـنـايـر (كــانــون الـثـانـي) 119 ، الـــتـــأم الــكــونــغــرس الأمـــيـــركـــي الــــــ 2025 لـلـمـرة الأولـــــى، بـأغـلـبـيـة جـمـهـوريـة ضئيلة فــي مـجـلـسَــي الـــنـــواب والــشــيــوخ لــم تُضعف حــمــاســة الــجــمــهــوريــن لاســتــقــبــال الـرئـيـس دونـالـد ترمب، مع انطلاق عهده الثاني في البيت الأبيض. وتـحـت قـبـة المـجـلـس الـتـشـريـعـي، وقـف ترمب فـي العشرين مـن الشهر نفسه مُدليا بـقـسـم الـيـمـن فــي حـفـل تنصيب خــــارج عن المـــألـــوف داخـــل قـاعـة «الـــروتـــنـــدا»، الـتـي لجأ إلـيـهـا هــربــا مــن الــبــرد الـــقـــارس، لـيـكـون أول رئـــيـــس يـــجـــري حـــفـــل تـنـصـيـبـه فــــي الـــداخـــل مـــنـــذ الـــرئـــيـــس الأســــبــــق رونــــالــــد ريــــغــــان فـي . مشاهد استثنائية مهَّدت لعهد 1985 عـام اسـتـثـنـائـي بـكـل مـعـنـى الـكـلـمـة، بــــدأه ترمب بموجة من القرارات التنفيذية التي وضعت المُشرِّعين أمام أمر واقع جديد. وكان واضحا لـلـمُــشـرِّعـن أن عـهـد تــرمــب الــثــانــي سيكون مختلفا عن عهده الأول، وسيصُب في اتّجاه «تحييد» السلطة التشريعية. وبــــمــــواجــــهــــة ذلـــــــك، جـــلـــس المُــــشــــرِّعــــون عــلــى مـقـعـد المــتــفــرج مـــع مـــحـــاولات خـجـولـة للقيام بواجباتهم التشريعية، في ظل شلل واضـح تسبَّبت به الانقسامات العميقة بين الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، والشرخ بـن قـاعـدة «اجـعـلـوا أمـيـركـا عظيمة مجددا (مـــــاغـــــا)»، والـــجـــمـــهـــوريـــن الــتــقــلــيــديــن؛ ما أدّى إلـــى أطـــول إغـــاق حـكـومـي فــي الـتـاريـخ الأميركي. الكونغرس الأقل فاعلية ولعل الأرقام خير دليل على هذا الشّلل، هـو الكونغرس الأقـل 119 فالكونغرس رقــم فاعلية فـي الـتـاريـخ الـحـديـث مـن حيث عدد القوانين التي أقرَّها. 220 حـتـى الــســاعــة، ومــقــابــل أكــثــر مـــن 68 قـــــرارا تـنـفـيـذيـا لــتــرمــب، تـــم إقـــــرار قـــرابـــة مــشــروعــا مـتـفـرقـا فـــي المـجـلـس الـتـشـريـعـي، مـــشـــروعـــا أســـاســـيـــا فـــقـــط. ويُـــعـــد 38 مــنــهــا هـــــذا الأداء ضــعــيــفــا بـــالمـــقـــارنـــة مــــع دورات ، الــتــي أقــــرَّت 116 و 117 و 118 الــكــونــغــرس قانوناً 344 و 365 و 275 خلال السنة الأولـى على التوالي. أرقـــام مهمة، تعكس عمق الانقسامات الحزبية من جهة، وتسليم المُشرِّعين بالأمر الواقع من جهة أخرى. ضعف مؤسساتي يقول مايكل هارداوي، المساعد السابق لـلـرئـيـس بـــــاراك أوبـــامـــا ومـــديـــر الاتـــصـــالات الـــســـابـــق لـــزعـــيـــم الأقـــلـــيـــة الـــديـــمـــقـــراطـــيـــة فـي مجلس النواب، إن الكونغرس شهد في العام الماضي ضعفا مؤسساتيا متزايداً، وأخفق بشكل متزايد فـي أداء دوره بوصفه سلطة مستقلة في النظام الأميركي. واتّــــــهــــــم هـــــــــــــــارداوي، فـــــي تـــصـــريـــحـــات لــ«الـشـرق الأوســــط»، رئـيـس مجلس الـنـواب مـــــايـــــك جـــــونـــــســـــون، وزعـــــيـــــم الأغــــلــــبــــيــــة فــي مـجـلـس الــشــيــوخ جـــون ثــــون، بــالــتــنــازل عن كثير من الصلاحيات الدستورية الممنوحة للكونغرس، والتي تُعد «جوهرية في نظام الـضـوابـط والــتــوازنــات الأمــيــركــي»، وتشمل ســـلـــطـــة إعــــــــان الــــــحــــــرب، وفــــــــرض الــــرســــوم الجمركية، إضافة إلى مسؤوليته في تحديد الإنفاق الفيدرالي. وحذّر قائلاً: «هذه الإشكاليات لم تبدأ مع هذا الكونغرس تحديداً، لكنها تسارعت بوتيرة باتت تُــهـدِّد قــدرة الــولايــات المتحدة عــلــى الـــحـــفـــاظ عــلــى مــكــانــتــهــا الاقــتــصــاديــة والأخلاقية». لـكـن دوغــــاس هـــاي، مـديـر الاتــصــالات السابق للجنة الوطنية الجمهورية ونائب مدير الاتصالات لزعيم الأغلبية الجمهورية فــــي مـــجـــلـــس الــــــنــــــواب، ســــلّــــط الــــضــــوء عـلـى الاخـــتـــاف الـــجـــذري بــن الـحـقـبـة السياسية الــحــالــيــة وســـابـــقـــاتـــهـــا. وتــــحــــدَّث لــــ«الـــشـــرق الأوسط» قائلاً: «صحيح أن الأحزاب لم تكن يـومـا مـتـحـمّــسـة للتحقيق مــع نفسها، لكن هـذا الــدور تلاشى عملياً؛ إذ أصبحت لجنة الرقابة فـي الكونغرس مـن أهـم اللجان ذات الوزن السياسي والإعلامي؛ بسبب الاهتمام الـذي تحظى به عندما تستهدف خصومها الـسـيـاسـيـن - مـــن الـتـغـطـيـة الإعـــامـــيـــة إلــى جــمــع الـــتـــبـــرعـــات - لـكـنـهـا لـــم تــعــد تُـــمـــارس الرقابة بهدف المحاسبة الفعلية». «إنجازات جمهورية» وافتتح الجمهوريون عهد ترمب الثاني بمهمة واضحة؛ تنفيذ أجندة الرئيس التي أوصلتهم فعليا إلى الأغلبية في المجلسين، وعلى رأسها ملف الهجرة. فـكـان مـشـروع «لايـكـن رايــلــي» المـشـروع الأول الذي أقرَّه الكونغرس بدورته الجديدة، والـــذي أعطى الإدارة صلاحيات واسـعـة في ملف القبض على المهاجرين غير القانونيين، وسُمّي تيمنا بالأميركية التي قتلها مهاجر غير قانوني في ولاية جورجيا. لكن النصر التشريعي الأول، والأكبر، لــتــرمــب تــمــثّــل فـــي إقــــــرار «المــــشــــروع الـكـبـيـر والــجــمــيــل» الــــذي وقَّــــع عـلـيـه فـــي الـــرابـــع من يــولــيــو (تــــمــــوز)، وســــط مــشــاهــد احـتـفـالـيـة حـافـلـة، تـزامـنـت مــع إحــيــاء عـيـد الاسـتـقـال الأمـــيـــركـــي. وقــــد أظـــهـــر هــــذا المــــشــــروع عُــمـق الانـــقـــســـامـــات الـــداخـــلـــيـــة الـــجـــمـــهـــوريـــة بـعـد اعـــتـــراض بــعــض الــجــمــهــوريــن عــلــى قيمته الهائلة، مشيرين إلــى أنــه سيتسبب بعجز فــي المـيـزانـيـة، وســـط تـقـاريـر تـتـوقَّــع إضـافـة تـريـلـيـونـات دولار للعجز الـعـام 3 الــقــانــون سـنـوات. كما أنــه تسبب فـي بداية 10 خــال الـقـطـيـعـة بــن تــرمــب وحـلـيـفـه إيــلــون ماسك الذي عارض المشروع علناً. أمــــــا المــــلــــف الـــــــذي أظــــهــــر فـــعـــلـــيـــا حـجـم الانـــقـــســـامـــات، فــهــو مــلــف جــيــفــري إبـسـتـن، حـيـث تـحـدى الـكـونـغـرس إدارة تـرمـب لأول مــــــرة، وأقـــــــر قـــانـــونـــا فــــي نـــوفـــمـــبـــر (تــشــريــن لـإفـراج عن الوثائق المتعلّقة 2025 ) الثاني بــــرجــــل الأعـــــمـــــال الأمــــيــــركــــي الـــــراحـــــل المــــــدان بجرائم جنسية ضد قاصرات. وأُقر القانون رغــــــم تـــمـــلـــمـــل تـــــرمـــــب، الـــــــذي ســـعـــى جـــاهـــدا لاحتواء الأزمة التي ولّدها الملف، والتي أدّت إلى قطيعة بينه وبين أحد أبـرز حلفائه في الكونغرس؛ مارجوري تايلور غرين. وفي حين تسعى القيادات الجمهورية، خـصـوصـا فــي مـجـلـس الـــنـــواب، إلـــى إرضـــاء تــــرمــــب تـــجـــنّـــبـــا لـــســـخـــطـــه الــــــــذي قـــــد يُــنــهــي مستقبلهم السياسي فـي الـكـونـغـرس، فإنه فاجأهم باستعمال «قلم الفيتو» لأول مرة في عهده الثاني، في ديسمبر (كانون الأول) لـنـقـض مـشـروعـن لــم يعتقد الـجـمـهـوريـون أنـهـمـا مــثــيــران لــلــجــدل. المـــشـــروع الأول كـان يتعلّق بتوسيع محمية قبيلة ميكوسوكي فـــــي فـــــلـــــوريـــــدا، لـــتـــشـــمـــل جــــــــزءا مـــــن مـــتـــنـــزه «إيـفـرغـلـيـدز» الــوطــنــي. أمـــا الـثـانـي فيهدف إلى إكمال خط أنابيب مياه نظيفة في شرق كولورادو. ورغـــــــــــم وجـــــــــــود إجـــــــمـــــــاع ســــــاحــــــق فـــي الـــكـــونـــغـــرس عـــلـــى المــــشــــروعــــن، فـــــإن بـعـض الجمهوريين رفضوا التصويت لكسر الفيتو الـــرئـــاســـي، تـــفـــاديـــا لمـــواجـــهـــة ســخــط تــرمــب؛ فــي دلالـــة عـلـى حـسـابـات سياسية تتخطى الــتــشــريــع وتـــركـــز عــلــى مـــســـار الانــتــخــابــات النصفية المقبلة. الأقلية المُعرقلة يـتـخـبّــط الــديــمــقــراطــيــون فـــي مـواجـهـة تـــرمـــب وأغــلــبــيــتــه الـــجـــمـــهـــوريـــة؛ فــالــرئــيــس الأميركي بدأ يومه الأول في البيت الأبيض برسالة مباشرة لمعارضيه؛ إذ أصــدر قـرارا تنفيذيا أظــهــر عـمـق الاخــتــافــات مــع حـزب شـــخـــص مـتـهـم 1500 الأقــــلــــيــــة، وعــــفــــا عـــــن باقتحام المبنى التشريعي في السادس من وتهديد أعضائه. 2020 يناير قرار صدم الديمقراطيين، الذين أدركوا أن أقليتهم التشريعية لن تسمح لهم بعرقلة قــــــــرارات الـــرئـــيـــس المـــثـــيـــرة لـــلـــجـــدل مــــن دون مساعدة الجمهوريين. وتسبّب هذا الضعف التشريعي في فشل الكونغرس في المصادقة على مشروع قانون تمويل الحكومة؛ ما أدّى إلى أطول إغلاق في التاريخ. وســـعـــى الـــديـــمـــقـــراطـــيـــون لاسـتـعـمـال نـــفـــوذهـــم وقــــدرتــــهــــم عـــلـــى عـــرقـــلـــة مـــشـــروع الـــقـــانـــون عـــبـــر الـــضـــغـــط لــتــمــديــد إعــــفــــاءات الرعاية الصحية، إلا أن هذه المناورة انقلبت عليهم بعد فشلهم في انتزاع أي تنازلات من الجانب الجمهوري. ومع استمرار الإغلاق وتداعياته المؤلمة على ملايين المـواطـنـن، عـاد الديمقراطيون أدراجـــــهـــــم مـــنـــهـــزمـــن، وبــــــــدأوا بـالـتـخـطـيـط للانتخابات النصفية الـتـي ستكون أملهم الـــوحـــيـــد فــــي مـــواجـــهـــة الـــرئـــيـــس الأمـــيـــركـــي وأجندته، إذا تمكَّنوا من انتزاع الأغلبية في مجلس واحد على الأقل. السياسة الخارجية لـــم تـقـتـصـر قــــــرارات تـــرمـــب الـتـنـفـيـذيـة على السياسات الداخلية فحسب؛ إذ عمد إلـــى وقـــف المــســاعــدات الـخـارجـيـة الــتــي يُــقـر الكونغرس تمويلها، فـي قـــرار لـم يعارضه حزبه. لكن المواجهة الأبـرز التي شهدها ملف السياسة الخارجية تمثلت في ملف فنزويلا. وأثـــــارت الـعـمـلـيـة الـعـسـكـريـة الأمــيــركــيــة في كــاراكــاس، التي أدّت إلـى إلـقـاء القبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مـــادورو ونقله إلـــى نــيــويــورك، مــخــاوف بــن قــاعــدة «مـاغـا» مـن تخلي الرئيس عـن مبدأ «أمـيـركـا أولاً»، وفتح جبهات خارجية بدلا من التركيز على 5 ّ الداخل الأميركي. ومن هذا المنطلق، انشق جمهوريين عن حزبهم في مجلس الشيوخ، وصــــوّتــــوا لــصــالــح مــنــع تـــرمـــب مـــن تـوسـيـع نطاق العمليات العسكرية في فنزويلا دون موافقة الكونغرس. الانتخابات النصفية فــــي ظــــل هـــــذه الـــتـــجـــاذبـــات الـسـيـاسـيـة العميقة، يسعى تـرمـب إلــى تغيير المعادلة التاريخية التي تُرجّح خسارة حزب الرئيس أغلبيتها فـي الانـتـخـابـات النصفية. وعلّق تـــرمـــب صــــراحــــة عـــلـــى اســـتـــحـــقـــاق الــتــجــديــد النصفي المتوقّع في نوفمبر المقبل، محذّراً: «إن لـــم يـحـتـفـظ الــجــمــهــوريــون بـالأغـلـبـيـة، فسيعزلني الديمقراطيون». وعـــمـــد تـــرمـــب إلـــــى مـــــنـــــاورة سـيـاسـيـة خارجة عن المألوف، ودعـا الجمهوريين إلى إعـادة رسم الخرائط الانتخابية في ولايات تـعـطـي مـقـاعـد إضــافــيــة لـحـزبـه فـــي مجلس النواب. فــــهــــل ســــيُــــبــــقــــي الــــجــــمــــهــــوريــــون عــلــى سيطرتهم أم أن الـديـمـقـراطـيـن سيدخلون على خط التوازن المعهود تاريخيا لتصحيح مسار النظام الأميركي؟ يُرجّح هارداوي فوز الديمقراطيين بالأغلبية، مشيرا إلى ارتفاع الأسعار وفقدان ملايين الأميركيين تغطيتهم الصحية. وأضاف أن «حصول الديمقراطيين على الأغلبية سيعيد فـــورا وظيفة الرقابة الـبـرلمـانـيـة لـلـكـونـغـرس، والأولـــويـــة ستكون تــثــبــيــت الاقــــتــــصــــاد، واســــتــــعــــادة مــصــداقــيــة المـؤسـسـات، وإعــــادة تأكيد دور الكونغرس بوصفها سلطة موازية ومتكافئة مع باقي فروع الحكم». وعــــــــن احـــــتـــــمـــــال عــــــــزل تــــــرمــــــب، يـــقـــول هــــارداوي إن «الـعـزل ليس رد فعل سياسيا آنـيّــا، بـل هـو أداة دسـتـوريـة وُجـــدت لضمان المساءلة عندما تفشل أدوات الرقابة الأخرى. وإذا اسـتـعـاد الديمقراطيون الأغـلـبـيـة، فلن يكون السؤال ما إذا كان العزل مرغوباً، بل ما إذا كانت الوقائع والسلوكيات التي تكشف عنها التحقيقات الرقابية تفرضه. هذا القرار يأتي بعد التحقيق، لا قبله». ويــــــشــــــيــــــر هـــــــــــاي إلـــــــــــى أن الــــــتــــــاريــــــخ واســــــتــــــطــــــاعــــــات الــــــــــــــرأي يــــــــــــدلان عـــــلـــــى أن الديمقراطيين ينبغي أن يستعيدوا مجلس النواب. (رويترز) 2026 يناير 13 ترمب يرقص خلال حدث في ديترويت بميشيغان في واشنطن: رنا أبتر الضعف التشريعي أدّى إلى أطول إغلاق حكومي في التاريخ زلزال «أميركا أولاً» في البنتاغون بعد مرور عام كامل على عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، لــم تـعُــد المـؤسـسـة العسكرية الأمـيـركـيـة هي ذاتـهـا الـتـي عرفها الـعـالـم لـعـقـود. لـم يكتف تـرمـب بتغيير الــقــيــادات، بــل أحـــدث انقلابا جذريا في فلسفة الـقـوة، مُــحـوّلا البنتاغون مـن حــارس للنظام العالمي إلـى أداة لتعزيز الهيمنة الأميركية. من «الدفاع» إلى «الحرب» كــــانــــت الــــخــــطــــوة الأولــــــــــى فـــــي أجــــنــــدة تــرمــب هـــي إعـــــادة تــعــريــف هــويــة المـؤسـسـة العسكرية. وبتعيينه بيت هيغسيث وزيرا للحرب، بدأت عملية «تطهير» آيديولوجي واســــعــــة الــــنــــطــــاق، حـــيـــث تــــم إلــــغــــاء جـمـيـع مــكــاتــب «الـــتـــنـــوع والإنــــصــــاف والـــشـــمـــول»، الـتـي اسـتُــحـدثـت فـي عهد الـرئـيـس السابق جو بايدن، وعُــدّت «سموما أضعفت الـروح القتالية». وأحـيـا ترمب «عقيدة المـحـارب»، وهــــــي رؤيـــــــة عـــســـكـــريـــة تــــركــــز حــــصــــرا عـلـى «الـفـتـك» والانـتـصـار فـي المــيــدان، بعيدا عن القضايا الاجتماعية. أدّى ذلـــك إلـــى تـقـاعـد قــســري لـعـشـرات الـــجـــنـــرالات الـــذيـــن وُصـــفـــوا بـــ«المُــســيّــســن»، واسـتـبـدال قــادة شباب يتبنّون رؤيــة ترمب القومية بهم. هـــذا الــتــحــول لـــم يـكـن إداريــــــا فحسب، بــل كـــان إعــانــا عــن عـــودة «وزارة الــحــرب» - بـــدل وزارة الـــدفـــاع - بـمـفـهـومـهـا الـهـجـومـي الصريح، حيث الغاية هي التفوق الساحق، وليست «إدارة النزاعات». خصخصة «التفوق العسكري» رغـــــــم تــــوجّــــهــــه نــــحــــو خــــفــــض الإنــــفــــاق الـــــحـــــكـــــومـــــي، اســــتــــثــــنــــى تـــــرمـــــب المــــؤسّــــســــة الــعــســكــريــة، دافـــعـــا بـمـيـزانـيـة دفــاعــيــة لـعـام حطّمت الأرقام القياسية باقترابها من 2026 حاجز تريليون دولار. واقــتــرح سـيـد الـبـيـت الأبــيــض ميزانية تـــريـــلـــيـــون دولار؛ 1.5 بــقــيــمــة 2027 لــــعــــام بـهـدف تشكيل «جـيـش الأحـــام» عبر مــوارد مالية ضخمة مستمَدة من إيــرادات الرسوم الجمركية المتنامية. هـذه الميزانية لا تموِّل فقط العمليات التشغيلية، بل تغطي توسّعا كــبــيــرا فـــي الـــصـــنـــاعـــات الـــدفـــاعـــيـــة، وأنــظــمــة الأسلحة المتقدمة، والقدرات النووية، إضافة إلى الضغط على مقاولي الدفاع للاستثمار فــــي الإنـــــتـــــاج ولــــيــــس تــــوزيــــع الأربـــــــــاح عـلـى المساهمين. كما انتقلت الميزانية من تمويل «الــــوجــــود الــــدائــــم» فـــي الـــخـــارج إلــــى تـعـزيـز «التفوق التكنولوجي». وحظي مشروع «القبة الذهبية» لبناء درع صــاروخــيــة مـتـطـورة وشـامـلـة لحماية المـدن الأميركية بحصة الأسـد من الميزانية، في محاكاة لبرنامج «حرب النجوم» في عهد الرئيس رونالد ريغان، ولكن بتقنيات الذكاء الاصــطــنــاعــي المــعــاصــر. كـمـا تـــم الاسـتـغـنـاء عن «الخردة المُكلفة»، حيث ألغى البنتاغون مـشـروعـات لـبـنـاء حــامــات طــائــرات عملاقة وتطوير مقاتلات جيل سادس مأهولة، عادّا إيـاهـا «أهـدافـا سهلة» فـي حــروب المستقبل، مــقــابــل الاســـتـــثـــمـــار فـــي «أســـــــراب المُـــســـيّـــرات الانــتــحــاريــة» الـتـي يمكن إنـتـاجـهـا بكميات هـائـلـة داخــــل المـصـانـع الأمـيـركـيـة المـؤتـمـتـة. وهـــو مـــا يــــراه الـبـيـت الأبـــيـــض «ديـمـقـراطـيـة الــقــوة» الـتـي تمنح واشـنـطـن تفوقا كاسحا بـتـكـلـفـة أقــــل. وقــــام بـتـعـزيـز «قــــوة الـفـضـاء» لــتُــصــبــح الـــفـــرع الأكـــثـــر نـــمـــواً، مـــع الـتـركـيـز على حماية الأقـمـار الاصطناعية التجارية والـــعـــســـكـــريـــة مـــــن الـــهـــجـــمـــات الـــســـيـــبـــرانـــيـــة والصينية. غــيــر أن الــتــطــور الأبـــــرز كــــان الانـــدمـــاج غـــيـــر المـــســـبـــوق بــــن الـــبـــنـــتـــاغـــون وعــمــالــقــة التكنولوجيا في «سيليكون فالي». فالعقود الــعــســكــريــة الـــكـــبـــرى لـــم تـــعُـــد تـــذهـــب حـصـرا لــشــركــات الــســاح الـتـقـلـيـديـة مـثـل «بـويـنـغ» أو «لوكهيد مـارتـن»، بل بــرزت شركات مثل «أنـــدوريـــل» و«بـالانـتـيـر» و«سـبـايـس إكــس» بوصفها أعــمــدة لـأمـن الـقـومـي. وتـحـت ما يُــســمــى بــرنــامــج «المــنــتــقــم الـــرقـــمـــي»، وقَّــعــت الإدارة عـقـودا بمليارات الــــدولارات لتطوير أنـظـمـة ذكــــاء اصـطـنـاعـي قــــادرة عـلـى اتـخـاذ قرارات قتالية في أجزاء من الثانية. وهو ما يعكس رغبة ترمب في جيش «أصغر حجماً، وأكثر ذكاءً، وأقل تكلفة بشرية». إحياء «عقيدة مونرو» أحــــــدث تـــرمـــب صــــدمــــة جــيــوســيــاســيــة بــإعــانــه الــرســمــي إحـــيـــاء «عــقــيــدة مـــونـــرو» ، ولــكــن بـنـسـخـة الـــقـــرن الــحــادي 1823 لــعــام والـــعـــشـــريـــن، أو مــــا أُطــــلــــق عــلــيــهــا «عــقــيــدة دونرو» تيمّنا باسمه (دونالد). تـقـوم هــذه العقيدة على مـبـدأ «أميركا للأميركيين»؛ ما يعني عد أي تدخل أجنبي (صيني أو روسـي) في نصف الكرة الغربي تهديدا مباشراً. وقـد أدّى ذلـك إلـى إعــادة توزيع القوات بشكل غـيـر مـسـبـوق؛ بـهـدف الانـسـحـاب من «المستنقعات». وتم سحب آلاف الجنود من ألمانيا وأفريقيا وأجـزاء من الشرق الأوسط، وإعــــادتــــهــــم إلـــــى الــــقــــواعــــد داخــــــل الــــولايــــات المـتـحـدة أو نـشـرهـم فــي «المـحـيـط الـحـيـوي» القريب. وعــــلــــى الـــجـــبـــهـــة الـــجـــنـــوبـــيـــة، تـــحـــوَّلـــت الــــحــــدود مـــع المــكــســيــك «مــنــطــقــة عــســكــريــة»، واستخدم ترمب الـقـوات النظامية لمواجهة كارتلات المخدرات، عادّا إياها «قوات معادية غـيـر نـظـامـيـة». وشــــن ضــربــات مميتة على «قــــــوارب المــــخــــدرات» فـــي الــكــاريــبــي، وفـــرض حـــــصـــــارا عـــلـــى فــــنــــزويــــا مـــمـــهـــدا لـلـعـمـلـيـة الـعـسـكـريـة الـخـاطـفـة الــتــي أدت إلـــى اعـتـقـال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلـــــى نــــيــــويــــورك لــلــمــحــاكــمــة. هـــــذا الـتـغـيـيـر أعـــاد تعريف دور الجيش الأمـيـركـي ليكون «حـــارســـا لــلــحــدود»، قـبـل أن يـكـون «ضامنا للأمن الإقليمي» في القارات البعيدة. تكلفة الحماية لــم يـعـد الانــتــشــار الـعـسـكـري الأمـيـركـي يـعـتـمـد عــلــى المـــعـــاهـــدات الــقــديــمــة بـــقـــدر ما يعتمد على «عقود الحماية». في العام الأول من ولايته الثانية، فرض ترمب على حلفاء «ناتو» واليابان وكوريا الجنوبية دفع كامل تكاليف الوجود العسكري الأميركي، مُهدّدا بالانسحاب التام. وتـــمـــنـــح «عـــقـــيـــدة دونــــــــــرو» واشــنــطــن شرعية أخلاقية وقانونية - من وجهة نظر الإدارة - للتدخل في أميركا اللاتينية، ومنع الــصــن مـــن بــنــاء مـــــوان أو قـــواعـــد عسكرية هــنــاك؛ مــا يـغـلـق «الــفــنــاء الـخـلـفـي» لأمـيـركـا أمام المنافسين. «ناتو»... الدفع أو الرحيل عـــــاش حـــلـــف شـــمـــال الأطـــلـــســـي (نـــاتـــو) .1949 أصعب عـام لـه منذ تأسيسه فـي عـام فقد طبّق ترمب حرفيا مبدأ «الحماية مقابل الــــرســــوم». وبــمــا يـشـبـه نـــمـــوذج «الاشـــتـــراك الأمــنــي»، أبلغت واشـنـطـن بـروكـسـل رسميا بأن القوات الأميركية لن تدافع عن أي دولة لا في المائة على الأقـل من ناتجها 3 تخصِّص المــحــلــي لـــلـــدفـــاع. وهــــو مـــا أدّى إلــــى انـقـسـام الــحــلــف لــطــبــقــتــن؛ دول «الــــدرجــــة الأولـــــى» (مثل بولندا ودول البلطيق) التي سارعت لـرفـع ميزانياتها، ودول «الــدرجــة الثانية» التي بدأت تبحث عن بدائل دفاعية أوروبية مستقلة. ومــن خــال الـتـهـديـد بـوقـف المـسـاعـدات العسكرية، يدفع ترمب نحو «اتفاقية سلام» تـــــــؤدّي إلـــــى تــجــمــيــد الــــحــــرب الأوكــــرانــــيــــة - الروسية وفق خطوط التماس الحالية. وهو مــا عــــدّه الأوروبــــيــــون طـعـنـة لمـفـهـوم «وحـــدة الأراضي»، بينما عدّه ترمب «توفيرا لمليارات الدولارات الأميركية في حرب لا نهاية لها». نظام إقليمي جديد أدى انسحاب «الشرطي الأميركي» من مـنـاطـق الـــنـــزاع الـتـقـلـيـديـة إلـــى ولادة نـظـام عالمي جديد يقوم على «الأقطاب الإقليمية». وبـــعـــد عــــام مـــن ولايـــــة تـــرمـــب الــثــانــيــة، بـــدت الـــولايـــات المـتـحـدة وكـأنـهـا دولـــة تتجه نحو الانعزالية وتعتمد على قـوة عسكرية وتكنولوجية غـيـر مـسـبـوقـة، تعيد تعريف مفهوم «السلام من خـال الـقـوة». ومـع ذلك، يــبــقــى هــــذا الـــســـام هــشــا فـــي عـــالـــم مـتـغـيـر، حيث تراجع دور التدخل الأميركي المباشر وأصبح أمن البلاد مرتبطا فقط بمصالحها الأساسية. عـاوة على ذلـك، فإن «عسكرة الداخل» واستخدام الجيش في مهام إنفاذ القانون والـحـدود أثـار مخاوف حقوقية ودستورية لـــم تـشـهـدهـا الـــولايـــات المــتــحــدة مـنـذ عـقـود، حيث يخشى البعض من تحول الجيش أداة سياسية في يد السلطة التنفيذية. واشنطن: إيلي يوسف

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky