issue17220

الثقافة CULTURE 19 Issue 17220 - العدد Tuesday - 2026/1/20 الثلاثاء تخوم مضطربة لا يصلح معها خطاب الغفران السهل «رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا :)Titology( يُــقــال فــي عـلـم عـنـاويـن الـكـتـب «كلما تساءلنا كيف نتحدث عـن الكتب هرعت الـعـنـاويـن لإنــقــاذنــا»، ولكنني الآن لا أهـــرع إلى عنوان هذا الكتاب «رسالة اللا غفران نقد ثقافي عـلـى تــخــوم مـضـطـربـة» لـحـسـام الـــديـــن محمد، بوصفه منقذاً، ولكن لأنّــه عـنـوان يفرض نفسه بنفسه ويغرينا بالحديث عنه. يــصــعــب عــلــيــنــا أن نـــتـــنـــاول هـــــذا الـــعـــنـــوان بالتحليل والتأويل من غير أن نستدعي عنوان كتاب «رسـالـة الغفران» لأبـي العلاء المعري (ت: هــــ)، لأنـنـا أمـــام إحـالـة تـراثـيـة بيّنة يستند 449 الــعــنــوان إلـيـهـا بــجــاء ويـسـتـثـمـر فـيـهـا بــذكــاء. وكــتــاب «رســالــة الــغــفــران» عـمـل نــثــري فـريـد في الـــتـــراث الــعــربــي، يـجـمـع بــن الــســرد التخيّيلي، والنقد الأدبي واللغوي، والتأمّل الفلسفي، وقد كُتب جوابا على رسالة ابن القارح، لكنه تجاوز إطار المناسبة ليطوّف في رحلة أخروية متخيَّلة إلــى عـوالـم الجنة والـنـار كاشفا عـن وعـــي مبكِّر بـدور الخيال بوصفه أداة نقد معرفي لا مجرد وسيلة ترفيه. يــســتــدعــي المــــعــــري فــــي هـــــذه الـــرحـــلـــة عــــددا لا بــــــأس بـــــه مـــــن الـــشـــعـــراء كـــشـــعـــراء المــعــلــقــات ولـبـيـد والأعـــــــــشـــــــــى، والــــلــــغــــويــــن كـالـفـراهـيـدي والأصـمـعـي، والـــــــــنـــــــــحـــــــــاة كــــســــيــــبــــويــــه والــــكــــســــائــــي، والمـــتـــكـــلّـــمـــن كــــــأبــــــي الــــــهــــــذيــــــل الـــــعـــــاف وأبـــــي الــحــســن الــبــصــري، وســــواهــــم مــــن شـخـصـيـات مـخـتـلـفـة مـــن آل الــبــيــت أو الــــصــــحــــابــــة أو الـــخـــلـــفـــاء أو رجـــــــال الـــســـلـــطـــة، ومـــن خــال مـا يـــورده مـن أخبار ومـنـاقـشـات يمتحن عدالة الأحـكـام البشرية، ويتأمل فــــــــي الـــــقـــــيـــــم الأخــــــاقــــــيــــــة، وســـلـــطـــة الـــلـــغـــة فــــي إنـــتـــاج المعنى مـتـوسّــا المـفـارقـات اللغوية، والتلاعب الأسلوبي، والتهكّم العميق شــبــه المـــكـــتـــوم، لــيــقــول مـــا لا يُـــقـــال وهــــو يفضح هشاشة الفهم الـبـشـري مـن غير أن ينتهي إلى إنكار الإيمان الديني. فـــي «رســـالـــة الـــا غـــفـــران» نـحـن أمــــام رحـلـة أيــــضــــا، لــكــنّــهــا غـــيـــر مــتــخــيــلــة ولا ســــاخــــرة ولا متهكمة. رحـلـة فــي عــوالــم شخصيات متنوعة تـــراثـــيـــة ومـــعـــاصـــرة: شـــعـــراء وأدبـــــــاء وفــاســفــة ومفكرين عربا وغربيين، وفي أثناء تلك الرحلة يــمــور الــكــتــاب بــالمــقــاربــات الـلّــمـاحـة والمــقــارنــات المـحـفـزة: المتنبي وابـــن هـانـئ الأنـدلـسـي، فـراس الـــســـواح وفــاطــمــة المــرنــيــسـي، المـسـيـح وغــيــفــارا، جان جاك روسو وبرتراند راسل، فوكو ودولوز، مــحــمــود درويــــــش وســلــيــم بــــركــــات، جـــمـــال عبد الناصر وسيد قطب، ماو وهتلر، وسواهم. يشير عـنـوان «رسـالـة الـا غـفـران» إلـى أننا أمـــــام مـــســـاءلـــة أخـــاقـــيـــة لا تــصــالــحــيــة، تـرفـض الـتـسـويـات الـرمـزيـة، وتــعــارض ثقافة التسويغ والتسامح المجاني، ولا تتجاوز الحد الذي ينقلب فـيـه الـغـفـران مــن فضيلة إلـــى رخــــاوة وتـسـاهـل، وهذا يتناغم تماما مع توصيف الكتاب الفرعي: نقد ثقافي على تخوم مضطربة. وهذه التخوم هي العنف، والسلطة، والشر، والتواطؤ الثقافي، والـتـدلـيـس الـفـكـري، والانـــحـــراف الـقـيـمـي، وهـي مناطق لا يصلح معها خطاب الغفران السهل. فــا غــفــران لأدونــيــس وهـــو يــؤلّــه نـفـسـه، أو يخوض معركة التفكيك والنقد والمساءلة لفكر طــائــفــة مـعـيـنـة بـــدعـــوى أن فــكــرهــا فــكــر اتِّـــبـــاع، ويغض الطرف عن فكر طائفة أخرى هي بحاجة أيـــضـــا لـلـتـفـكـيـك والــنــقــد والمـــســـاءلـــة بـــدعـــوى أن فـكـرهـا فـكـر إبـــــداع. ولا تــهــاون مــع الـكـاتـبـن بو عـلـي يــاســن ونـبـيـل سـلـيـمـان فـــي أطـروحـتـهـمـا الأدب والآيـــديـــولـــوجـــيـــا الـــتـــي اســتــخــدمــا فيها الـنـظـريـة المـاركـسـيـة الـنـاجـزة والمكتفية فتحول الأدباء السوريين موضوع دراستهما إلى مجرد: رجعيين، أو ليبراليين رأسماليين، أو برجوازيين صــــغــــار مـــضـــلـــلـــن، أو أدبـــــــــاء تـــقـــدمـــيـــن. وفـــي تحليلهما لأسباب النكسة يوجهان السياط إلى «الـتـخـلـف»، ويقتصر نقدهما لـقـائـدي النكسة صــــاح جـــديـــد وحـــافـــظ الأســـــد عــلــى قـصـورهـمـا وانحرافهما عن الفكر الاشتراكي. فـي «رسـالـة الــا غـفـران» نـقـرأ عـن المـاغـوط، وكـــيـــف قــبــل رئـــاســـة تــحــريــر «مــجــلــة الـــشـــرطـــة»، وحيدر حيدر وحرب الثقافات السورية، ومظفر النواب الذي شرعن الغوغائية وأعطاها لبوس الأدب، وعن حكم البابا ذلك الثوري النزق الذي كـان سيصيب المعري نفسه بالحيرة في الحكم عــلــيــه، فـكـثـيـر مـــن حــســنــات جـــرأتـــه وشـجـاعـتـه وتصديه للسلطة الأسـديـة واضـحـة، وكثير من سيئاته وأذيــتــه وأخـطـائـه السياسية فاضحة، ويشابهه في ذلك رسام الكاريكاتير علي فرزات الـذي يهوي من عبقرية الرسم إلـى قـاع شتّامي «الــفــيــس بــــوك» مـمـن قــــرّر أن يــتــبــارى مـعـهـم، أو سعدي يوسف الذي تخلفت مواقفه العملية عن مواقفه النظرية الثورية. يأتي عنوان «رسالة اللا غفران» في خضم حـديـث الــشــارع الــســوري عـن الـعـدالـة الانتقالية ليقول بـــأن الـغـفـران ليس قيمة أخلاقية بريئة، بــــل قــــد يـــكـــون أداة لإغــــــاق المـــلـــفـــات، أو تـقـنـيـة لمــحــو الـــــذاكـــــرة، أو لــغــة لـتـبـيـيـض الـــجـــرائـــم، أو شـرطـا لـاسـتـقـرار الــزائــف، وعـلـيـه، فــإن «رسـالـة الـــا غـــفـــران» تـعـنـي: رفـــض تـحـويـل الـثـقـافـة إلـى محكمة تصالحية بلا عـدالـة، وهـذا ينسجم مع موضوعات الكتاب العديدة التي تناولت الإبادة، والفن، والسلطة، والمثقف، والاستبداد، والشر، والمسؤولية. أما العنوان الفرعي «نقد ثقافي على تخوم مـــضـــطـــربـــة»، فـــيـــطـــرح الـــنـــقـــد الـــثـــقـــافـــي بـوصـفـه تـــجـــاوزا لـلـنـقـد الأدبـــــي الـتـقـلـيـدي حـــن بـــدا هـذا الأخير عاجزا عن الإحاطة بما يتجاوز النص من أنساق وسلطات وتمثيلات تــعــمــل فــــي عـــمـــق الـــخـــطـــاب. فــالــنــقــد الــثــقــافــي لا ينطلق من سؤال الجمال أو البلاغة أو الـقـيـمـة الـفـنـيـة وحـــدهـــا، بـــــل مـــــن الأســــئــــلــــة الـــكـــبـــرى: مـــــــن يــــتــــكــــلــــم؟ بــــــاســــــم مـــــن؟ ولـصـالـح أي سلطة؟ وكيف تُـــنـــتـــج المـــعـــانـــي وتُـــشـــرعـــن؟ وهــنــا يــأتــي الــنــقــد الـثـقـافـي لـــــيـــــقـــــدم قـــــــــــــــراءة تـــفـــكـــيـــكـــيـــة لـــلـــخـــطـــابـــات، فــتــتــعــامــل مـع الـــــنـــــصـــــوص الأدبـــــــيـــــــة عــلــى اخــتــاف أجـنـاسـهـا بـمـا هي نــــصــــوص ثـــقـــافـــيـــة تـخـضـع لمـنـطـق الـتـمـثـيـل والـهـيـمـنـة، فــالــنــص، فـــي هــــذا المــنــظــور، ليس بريئاً، ولا معزولاً، بل محمّل بأنساق مضمَرة: نسق السلطة، ونسق الذكورة/الأنوثة، ونسق المركز/الهامش، ونسق الاستعمار/التحرر، ونسق العقلانية/الأسطرة. الميزة الجوهرية للنقد الثقافي أنّه لا يسأل: هـــل الـــنـــص جــمــيــل؟ بـــل يـــســـأل: مـــا الـــــذي يـــمـــرّره النص دون أن يصرّح به؟ وأهم ما يكشفه النقد الــثــقــافــي أنــــه يـفـضـح تـــواطـــؤ الأدب أحــيــانــا مع السلطة أو القيم المهيمنة، وهذا ما أنجزه حسام الدين محمد في نصوص هذا الكتاب. يفعّل كاتبنا النقد الثقافي بتوسيع مفهوم «الـــــنـــــص»، فـــالـــحـــدث الـــســـيـــاســـي، أو الـــخـــطـــاب الإعلامي، أو الشخصية العامة، أو حتى الجدل حـــول شــاعــر أو روائــــي يـتــحــوّل عــنــده إلـــى نـص ثقافي قابل للقراءة والتحليل، واكتشاف أنساقه الثقافية الـتـي تنتج الــحــدث وتمنحه شرعيته ودلالــتــه، فحين يكتب عـن الــصــراع الــســوري، أو عن التاريخ الإسـامـي المبكر، أو عن الإبـــادة في البوسنة، أو عن التعقيدات الهائلة بين السيرة والفكر لـدى بعض الشعراء أو الفلاسفة فهو لا يتعامل مع الوقائع بوصفها معطيات سياسية فـقـط، بـل بوصفها خـطـابـات محمّلة بتمثيلات وقـيـم وأســاطــيــر، وبــهــذا المـعـنـى، يحقق كاتبنا جوهر النقد الثقافي، وعلى سبيل المثال لا يقف في تناوله لصعود ترمب أو الشعبوية الغربية عند شخصية الرئيس أو قراراته، بل يعمل على تفكيك الـنـسـق الـثـقـافـي الــــذي سـمـح بـصـعـوده: نسق الخوف. نسق التفوق الأبيض. نسق تآكل العقلانية الليبرالية. هنا تصبح الحالة الترمبية عــــاوة عــلــى كــونــهــا «شــــــذوذا ســيــاســيــا» عـرضـا ثقافيا لخلل أعمق في بنية الوعي الغربي. تجدر الإشارة هنا إلى أسلوب الكاتب البياني الــــــذي امــــتــــاز بــلــغــة تـحـلـيـلـيـة واعــــيــــة بـوظـيـفـتـهـا، قليلة الزخرفة، حـذرة من الإيقاع الخطابي، وهذا يتماشى مــع الـنـقـد الـثـقـافـي الـــذي يـــرى الـلـغـة أداة سلطة، ولذلك استخدمها برصانة واتّزان. في علم عناوين الكتب يُقرأ العنوان ثلاث مـــــرات دلالــــيــــا: قــبــل قــــــراءة الـــكـــتـــاب عــلــى سبيل التوقّع، وفي أثناء قراءته لاختبار هذا التوقع، وبعد القراءة لإعادة بنائه، وبإمكاننا القول: إذا لم نكن في «رسالة الغفران» للمعري أمام دعوة للغفران، بـل أمــام نقد ومساءلة لمنطق الغفران نفسه، فهذا يعني أن عنوان كتاب حسام الدين مـحـمـد «رســـالـــة الــــا غـــفـــران» هـــو امـــتـــداد لـــروح «رســـالـــة الـــغـــفـــران» الــنــقــديــة، ولــكــن دون تـوسّــل التهكم الغائم أو الخفي، وكـأن الغفران الساخر هو نفسه اللا غفران الجاد. * كاتب سوري *محمد أمير ناشر النعم لا تكتب المستقبل بدافع الفضول أو التخييل الحر بل بدافع القلق الواعي الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة ) مفهوم Preemptive Novel( الرواية الاستباقيّة يـقـتـرن عضويا بالمستقبل؛ لــذا مـن المـنـاسـب الـبـدء بالمستقبل. لـم يكن المستقبل فـي تـاريـخ الـروايـة الحديثة مــحــض زمــــن لـــم يــــأت بـــعـــدُ، بـــل كـــان دائـــمـــا مـسـاحـة اخــتــبــاريّــة لــأفــكــار، ومُــخـتـبـرا أخــاقــيّــا تُـــقـــاس فيه عــــواقــــب الـــحـــاضـــر ومــفــاعــيــلُــه المُـــتـــوقّـــعـــة. (الــــروايــــة الاستباقية) تحتل موقعا خاصّا داخل نطاق الرواية المستقبليّة. هذه الرواية لها خصوصيّة مميّزة: هي لا تكتب المستقبل بدافع الفضول أو التخييل الحر بل بدافع القلق الواعي. إنها روايــة تنطلق من الخوف؛ لكن ليس ذلك النمط من الخوف الذي يشل قدرات الإنسان وعقله عــن الـفـعـل؛ بــل هــو الــخــوف الـــذي يـسـتـحـث دافـعـيّــة التفكير ومساءلة المسارات المتوقّعة قبل أن تتحوّل إلى أقدار كارثيّة مشهودة على الأرض. الرواية الاستباقية لا تعلن الهزيمة من الواقع بل تلاحقُه إلى نهاياته الممكنة، وتضع القارئ أمام سـؤال يعبث براحته الممتدّة وكسله المعيب: هل ما نعيشُه اليوم يقودنا، بالضرورة أو بالاعتياد، إلى هـذا المصير الــذي تتوقّعه الإحصائيات ودراســـات معاهد الفكر ومراكز التفكير الاستراتيجيّ؟ ما قدّمتُه أعلاه هو وصف للرواية الاستباقيّة، وهـو لا يُغني عـن تقديم تعريف تقني لها. تُــعـرَّف الــــروايــــة الاســتــبــاقــيــة بــأنّــهــا شــكــل ســـــردي يـتـنـاول المـسـتـقـبـل الــقــريــب أو المـــتـــوسّـــط، لا بـوصـفـه تنبؤا غيبيّاً، ولا نبوءة أدبية، بل بوصفه نتيجة منطقية لمـــســـارات قـائـمـة فــي الــحــاضــر. لـيـس مــن شـــأن هـذه الــروايــة أو اهتماماتها الإبــداعــيّــة أن تخترع عالما كــامــا مــن مــــادّة الـخـيـال الــخــالــص، بــل تـعـمـل على تـــــصـــــوّر شـــكـــل المـــســـتـــقـــبـــل عـــبـــر تــضــخــيـــم عــنــاصــر واقــعــيّــة قـائـمـة، منها عـلـى سبيل المـــثـــال: السلطة، البيروقراطية، التقنيّة، الـسـوق، الإعـــام، الـخـوف، أو حتى اللغة نفسها. بهذا الفهم لن تكون الرواية الاسـتـبـاقـيّــة خــيــالا عـلـمـيّــا بــالــضــرورة وإن وظّــفـت بـعـض أدواتــــــه. لـــو شـئـنـا الاخــتــصــار سـنـقـول إنّــهـا أدب تحليلي نقدي ذو طبيعة استشرافيّة، تتناول الديستوبيا الكارثيّة فـي معظم الــحــالات، وتتّخذ من السرد وسيلة بديلة عن الأطروحات الأكاديميّة، ومـــن المستقبل فــضــاء روائـــيّـــا لـزمـن مـشـخّــص دون الماضي والحاضر. ثمّة تمييزان ضروريّان في هذا الميدان. تختلف الــــروايــــة الاســتــبــاقــيــة عـــن كـثـيـر مـــن أدب المستقبل ) في كيفية توظيف الخيال. Literature of Future( الخيال في الرواية الاستباقيّة ليس غاية بل وسيلة فحسب مثلما هو في رواية المستقبل. يبدو أن هذا هو السبب الذي يجعل الروايات الاستباقيّة قاتمة أو مزعجة لأنّها لا تقدّم عــزاءً، ولا بطلا منقذاً، ولا نهاية مطمْئِنة. هي تضع القارئ أمـام بُنْية كاملة من الفشل الجماعي، حيث لا تكون الكارثة نتيجة شر فردي الطابع بل حصيلة نظامٍ، واعتياد، وقبول طوعي طويل الأمد. لا بــد أيـضـا مـن التمييز الــواضــح بـن الـروايـة Alternate( الاســتــبــاقــيّــة وروايــــــة الـــتـــاريـــخ الــبــديــل ). روايـــة الـتـاريـخ البديل تعيد فتح History Novel مــلــفّــات المـــاضـــي، وتــتــنــاولــه بـوسـائـلـهـا الـــســـرديّـــة؛ منطلقة من سؤال افتراضي: مــاذا لـو لـم يحدث مـا حــدث؟ وهــي بذلك تعيد تخيّل الـتـاريـخ عبر نقطة انـعـطـاف مــحــددة، غالبا بـهـدف الملاعبة الـسـرديّــة المحضة أو مساءلة فكرة الـحـتّــمـيـة الـتـاريــخـيــة (سـعـيــا لـتـفـنـيـد هــــذه الـفـكـرة ودحضها). الـروايـة الاستباقية، وعلى العكس من روايــة التاريخ البديل، تنطلق في خـط الشروع من الــحــاضــر، وســؤالُــهــا المـــركـــزي لــيــس: مــــاذا لــو تغيّر المــاضــي عـنـد واقــعــة مفصليّة فـيـه؟ بـــل: مـــاذا لــو لم يـتـغـيّــر الــحــاضــر ومـــضـــى فـــي مـــســـاراتـــه الــحــالــيّــة؟ الرواية الاستباقيّة هي رواية الاستمرارية الخطِرة، حيث لا تنشأ الـكـارثـة مـن حــدث استثنائي بـل من الاعـتـيـاد، والتطبيع مـع الفكر الـكـارثـي، والتأجيل المتكرّر لمحفّزات المخاطر الوجوديّة المستقبليّة؛ لذا فهي أكثر التصاقا بالواقع، وأكثر قدرة على إزعاج الـقـارئ لأنّــهـا لا تقصد طمأنته أبـــداً. يمكن إضافة ملاحظة أخيرة: الرواية الاستباقيّة، حسب الأنماط الــشــائــعــة مــنــهــا، هـــي روايـــــة ديـسـتـوبـيـة وكـــارثـــيّـــة. دعـــونـــا نـسـمِّــهـا روايــــــة الــتــحــذيــر مـــن الـديـسـتـوبـيـا الكارثيّة. ***** مـن المناسب هنا تقديم نـمـاذج كلاسيكية من الــروايــة الاسـتـبـاقـيّــة. المـثـيـر والـغـريـب معا أن كثرة مـــن الــــروايــــات الــتــي شــاعــت فـــي الأدب الــعــالمــي هي » إحـدى 1984« روايــــات استباقيّة مـعـيـاريّــة. روايـــة هذه الـروايـات. لم يكتب أورويــل عن مستقبل بعيد بـل حـلّــل آلـيّــات الشمولية الحديثة: السيطرة على الــلــغــة، وإعـــــادة كـتـابـة الـحـقـيـقـة، وتــحــويــل المـراقـبـة إلــــى أســـلـــوب حـــيـــاة. الأخ الأكـــبـــر فـــي الــــروايــــة ليس فـردا بل بنية سلطة شاملة تبدأ من الوعي قبل أن تـصـل إلـــى الــجــســد. «عـــالـــم جــديــد شـــجـــاع» نــمــوذج ثــــانٍ. فــي مـقـابـل الـقـمـع الـشـمـولـي الــــذي يـكـتـب عنه أورويل، يقدّم ألدوس هكسلي عالما قائما على اللذّة المُنَظّمة. السيطرة هنا لا تُمارَس بوسائل عنفيّة بل بالإشباع والاستهلاك في نطاق مجتمع يتخلّى عن الحرية لأنّه لم يَعُد قادرا على تحمّل قلق خياراتها الـكـثـيـرة. «حـكـايـة الــخــادمــة» نـــمـــوذج ثــالــث. روايـــة استباقية سياسية - نسوية، أعادت فيها مارغريت آتـــــوود تـركـيـب أشـــكـــال قـمـع تـاريـخـيـة حقيقية في مستقبل قريب، مؤكّدَة أن الاستبداد لا يولَد من فراغ بل يُعاد إنتاجُه حين تتغيّر اللغة وتُبرَّر السيطرة بـاسـم الأخـــاق أو المسعى الـخـاصـي. «فهرنهايت » نموذج رابع. هذه ليست رواية عن حرق الكتب 451 فحسب بل عن مجتمع يتخلّى عن التفكير طواعيّةً، حيث تصبح الرثاثة فضيلة، ويغدو التفكّر العميق تهديدا للاستقرار. «نحن»، رواية يفغيني زامياتين نـمـوذج خـامـس. تعد هـذه الــروايــة إحــدى الـروايـات التأسيسيّة للرواية الاستباقية، حيث تتحول فيها العقلانية المطلقة إلى أداة لسحق الفرد باسم النظام والشفافية. لــو شـئـت اخـتـيـار روايــــة اسـتـبـاقـيّــة نموذجية فـــي الـــقـــرن الــــحــــادي والـــعـــشـــريـــن فـــســـأخـــتـــار روايــــة ، ومؤلّفها 2023 ، المنشورة عام Deluge ،» «الطوفان هو الـروائـي - الصحافي الأميركي ستيفن ماركلي . تمثل روايــــة «الــطــوفــان» ذروة Stephen Markley معاصرة للرواية الاستباقية؛ إذ تجري وقائعها في مستقبل قريب للغاية يكاد يكون امـتـدادا مباشرا للَّحظة الراهنة. تتابع الـروايـة مصائر شخصيات مـــتـــعـــددة عــلـــى شــاكــلـــة نــشـــطـــاء بــيــئــيــن، وعــلــمـــاء، وسياسيين، ورجـال أعمال، ومواطنين عاديين، في عالم ينهار تدريجيّا تحت وطــأة التغيّر المناخي؛ غير أن الكارثة هنا لا تأتي على شكل نهاية مفاجئة بـل كعملية بطيئة مـؤلمـة. تكشف الــروايــة عـن كيف تتحول الأزمات البيئية إلى أزمات سياسية وأمنية، وكيف تُستخدَم حالة الطوارئ لتبرير أنماط جديدة مـن السيطرة. إنّــهـا روايـــة لا تـحـذّر مـن الديكتاتور الفرد بل من نظام كامل يتغذّى على الخطر ويطيل تأثيره لدى الناس. ***** لا تــعــمــل الــــروايــــة الاســتــبــاقــيــة عــلــى مـسـتـوى التخييل السياسي فحسب؛ بل تؤدّي وظيفة أعمق تــخــتــص بـــإعـــادة تـشـكـيـل الـــوعـــي الــجــمــعــي. هـــي لا تـخـاطـب الــقــارئ بـوصـفـه فـــردا مــعــزولا بــل بوصفه جـزءا من هيكل مؤسّساتي: دولـة، سـوق، ثقافة، أو شبكة تـقـنـيـة. هــي تـقـول لـلـقـارئ مــن غـيـر تصريح مـــكـــشـــوف: أنــــت لــســت بــريــئــا بــالــكــامــل مـــن الــكــارثــة المقبلة. أنت تسرّع في قدومها بفعل القبول بالوضع السيّئ الراهن، والتكيّف معه، واللامبالاة المُفْجعة، وإيثار السلامة الشخصية على الصالح العام. يمكن اعتبار الرواية الاستباقية نوعا من أدب ). تـنـبـع خـاصـيّــة Resistance Literature( مــقــاومــة المقاومة في هذه الرواية من أنّها غير محايدة وإنّما منحازة أخلاقيّا إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة. تتعزّز جرعة المقاومة فيها من حقيقة أنّها لا تقدّم حــلــولا جــاهــزة بـقـدر مــا تـنـشـغـل بـتـعـريـة المــســارات الكارثية الراهنة المنذرة بكوارث مستقبليّة أعظم. فــــتــــحــــت الـــــنـــــمـــــاذج الـــــــروائـــــــيّـــــــة الاســــتــــبــــاقــــيّــــة الكلاسيكيّة أمامنا نوافذ عظيمة لمكاشفة أنفسنا بشأن المستقبل، وأظنّنا في أشد الحاجة اليوم إلى هذه الرواية؛ فالمستقبل لم يَعُد بعيدا كما يُزيّن لنا تقاعسُنا عن الفعل، ولأن الكارثة لم تَعُد استثناءً. إنها لا تنفك تذكّرُنا بأن التاريخ لا يقفز فجأة إلى المشهد بل ينزلق بصمت. حــن يـتـقـدّم الـــســـرد عـلـى الــتــاريــخ فــي الــروايــة الاســتــبــاقــيّــة فــهــو لا يـفـعـل ذلــــك بـــدافـــع الــرغــبــة في الـتـفـوّق بـل بـدافـع الإنــــذار الخطير: قـد يـكـون هناك وقـــــتٌ؛ لــكــن لا تــتــوهّــمــوا أبـــــداً. لــيــس وقــتــا طــويــاً. الاســــتــــرخــــاء والـــكـــســـل والاعـــتـــيـــاد لــيــســت خـــيـــارات مناسبة، ونـحـن إزاء مستقبل يحمل نُــــذُر الكارثة العالميّة التي قد تكون أعظم بكثير من قدرتِنا على التحمّل فضلا على المواجهة. ستيفن ماركلي لطفيّة الدليمي يمكن اعتبار الرواية الاستباقية نوعا من أدب المقاومة... إنّها غير محايدة وإنّما منحازة أخلاقيّا إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky