يقول الوزير السابق عادل أفيوني، وهو خبير مالي دولي، إن «تغيير النظام وإصلاحه من الداخل بالعمل مع بعض الطبقة الحاكمة وبطريقة تدريجية لإنقاذ البلد، نظرية أثبتت فشلها ألف مرة». سـبـب الـتـذكـيـر بـهـذا التقييم مــن تجربة وزاريــــــــة، اعـــتـــذر صــاحــبــهــا عـــن المـــشـــاركـــة في الحكومة الحالية، هو ما يواجهه لبنان اليوم كأنه بلد عصي على التغيير، فيما التعافي والاستقرار رهـن حلول حقيقية في مسألتين محوريتين: حصرية السلاح، والإصلاح. ويبرز الاستعصاء رغم الإعصار الهيولي على خلفية كارثة «طوفان الأقصى»، والزلزال الـــلـــبـــنـــانـــي بـــعـــد جـــريـــمـــة حــــــرب «الإســــــنــــــاد»، وقبلهما نكبة الانـهـيـار المـالـي المـبـرمـج، الـذي طال المال العام والودائع؛ مما أفقر البلد وأذل مواطنيه. ويقدم الأداء الرسمي صورة كالحة رغم مرور عام على بدء ولاية الرئيس جوزيف شهرا على قيام حكومة نواف سلام. 11 عون، و خـطـاب الـقـسـم، ثــم الـبـيـان الـــــوزاري الــذي على أساسه نالت الحكومة الثقة، حملا وعودا وتعهدات، وأطلقا تفاؤلا وتسوناميا شعبيا داعماً، لم يعهده أي عهد منذ «اتفاق الطائف» سنة. 35 قبل أكثر من مـــنـــذ الــلــحــظــة الأولـــــــى بـــــدا أن الــتــحــدي يــفــتــرض الــكــســر مـــع زمــــن مــنــظــومــة الـتـسـلـط المسؤولة عن التفريط في السيادة، واستبدال «الـــدولـــة الطبيعية» بـــ«الــدولــة المـــزرعـــة» التي تحاصصتها ميليشيا المال والسلاح. كان واضحا أنه لا أولوية تفوق استعادة السيادة بوجهيها: بسط سيادة الدولة بقواها الذاتية؛ ليستعيد لبنان مكانته والقدرة على خـــوض مــواجــهــة دبـلـومـاسـيـة تُـــعـــرّي أطـمـاع العدو وتحاصره، على طريق إنهاء الاحتلال الــــذي اســتــدرجــه الـــســـاح الـــاشـــرعـــي. وبـسـط السيادة المالية؛ لأنها الوجه الآخـر في مسار استعادة الثقة على خلفية إنقاذ ودائع الناس، وهيكلة «القطاع المصرفي» بوصفه بديلا عن «مصارف زومبي» مرآة للفساد. وتـفـتـرض الـسـيـادة المـالـيـة ولـــوج إصـاح حـقـيـقـي، يـثـبـت لـلـعـالـم أنـــه أُرســـــي فـــي لبنان نــظــام شــفــاف يحمي مـــال المــــودع والمستثمر، ويحاسب من أثري على حساب الناس. يوما على «اتفاق وقف الأعمال 420 بعد يوما على قيام الحكومة، ما 330 العدائية»، و تحقق لجهة حصر السلاح جنوب الليطاني «مـــهـــم؛ وغـــيـــر كـــــــافٍ»؛ فــلــبــنــان لا يــمــلــك تــرف الــوقــت لتنفيذ الاتـــفـــاق: نـــزع الــســاح فــي كل لبنان، وتفكيك البنى العسكرية لـ«حزب الله» والتنظيمات الأخـــرى، الـتـي يتغطى بعضها بــلــبــاس مــجــمــوعــات كــشــفــيــة؛ لأنــــه مـــن خــال ذلك تُبسط السيادة، وتتولى القوى الشرعية حماية الأرواح والأرض. إن الممر الإجباري لذلك يكون بوضع حد لاسـتـقـواء لا مـقـومـات لــه؛ مما يعني مـغـادرة السلطة زمن السكوت عن ترهات بلغت بالأمين الـعـام لــ«حـزب الـلـه»، نعيم قـاسـم، حــد القول: «تجريدنا من السلاح... طويلة على رقبتكم»، والــــــرد عــلــى دعـــــوة الـــرئـــيـــس إلــــى الـعـقـانـيـة، بــقــولــه: «المـــقـــاومـــة هـــي الأعـــــقـــــل»... و«الــعــاقــل لـيـس مــن يــقــدم الــتــنــازلات لإســرائــيــل؛ بــل من يحفظ قـوتـنـا»، قــافــزا بـذلـك فـــوق مسؤوليته الشخصية والحزبية عن تنازلات خطيرة في اتــفــاق وقـــف الــنــار منحت الــعــدو الإسـرائـيـلـي «حق» استباحة البلد متى يشاء وأنّى يشاء، وهــا هـو مستمر فـي القتل والـتـدمـيـر يومياً، مقابل عجز مطلق من «حزب الله» الذي توسل لوقف النار بـأي ثمن، فأسقط من الاتفاق أي إشارة إلى عودة المهجرين وتحرير الأسرى! واضـــــــح أن لـــبـــنـــان لــــم يـــلـــج زمـــــن إعـــــادة تـــأســـيـــس جـــديـــة بـــعـــد عـــقـــود تــبــعــيــة وفـــســـاد وارتهان. تغيرت وجوه ولم يتوقف الانهيار. عموما أُبعدت الكفاءات ونجحت المنظومة في منع تفكيك المحاصصة الطائفية، وفي احتكار السلطة لتغطية الفساد. وبالتأكيد لا يعالج مشكلات البلد بعض الــتــغــيــيــرات الـتـجـمـيـلـيـة الـــتـــي طـــالـــت مــواقــع جانبية. ويمكن الـقـول إن الأداء الــذي حمل لافتة «الإصـــــــــاح» افـــتـــقـــر إلـــــى مــضــمــونــه الــفــعــلــي؛ بمحافظته على الامــتــيــازات. ولا مبالغة في أن الـهـزيـمـة بـكـارثـة حـــرب «الإســـنـــاد»، تقابَل بـنـهـج تـرتـيـب تـداعـيـاتـهـا عـلـى الــعــامــة، فيما الــــرهــــان الـطـبـيـعـي الــقــطــع مـــع مـــا تـسـبـب في الهزيمة والانـهـيـار، وإنـهـاء تدفيع المواطنين ثمن «المَنْهَبَة»، وولـوج المحاسبة لإنهاء زمن الإفلات من العقاب. ورغـــــم وجـــــود نـــخـــب فـــي الـــحـــكـــومـــة، فــإن مــنــظــومــة الـــفـــســـاد المــمــســكــة بـــالـــقـــرار أظــهــرت عــدم قــدرة على التكيف مـع الـجـديـد، فهم «لم يتعلموا شيئا ولم ينسوا شيئاً»؛ وفق وصف تاليران لآل البوربون. قفزوا فوق متطلبات استعادة الثقة من خـال مـشـروع قـانـون «الـفـجـوة» المالية، الـذي يقوم على اقتطاع عشوائي للودائع لتخفيف خسائر المـسـؤولـن عـن الـسـرقـة؛ مما سيفاقم المعاناة ويمدد عزلة البلد. أســـقـــطـــوا مــــن قــــانــــون الـــعـــقـــوبـــات جـــرائـــم الــــســــرقــــة والاحــــــتــــــيــــــال وتـــبـــيـــيـــض الأمـــــــــــوال، فاصطدموا بالمودعين كما «صندوق النقد». أمـــا الـــذيـــن ســطــوا عـلـى المــــال الـــعـــام والــخــاص فــأطــلــقــوا حـمـلـة لـــهـــدر الاحــتــيــاطــي الــذهــبــي؛ لأن استبدال «الـفـجـوة» بــ«الـسـرقـة» حصّنهم لرفض إعادة اليسير مما سرقوه! تشرين الأول/ أكتوبر» 17« وتبقى ثورة الكامنة اليوم العنوان لإخراج لبنان من أزمنة التحاصص والارتهان والبؤس. لم تفشل؛ بل كـسـرت حـاجـز الـخـوف، وأسـقـطـت ورقـــة التين عن مثالب تحالف مافياوي. قــــوتــــهــــا، رغــــــم الـــقـــمـــع والــــتــــجــــويــــع، فـي تمسكها بالدستور والضغط لتطبيقه وألا يـــكـــون شـــمـــاعـــة، وهــــي الـــيـــوم أمـــــام الــتــحــدي لمـبـادرة تـقـدم البديل للبنانيين؛ مما يُسقط تحميل العامة أوزار الانهيار والتفريط في السيادة. Issue 17220 - العدد Tuesday - 2026/1/20 الثلاثاء وكـأن العالم كـان في انتظار أن يأتيَه رئيس أميركي اسمُه دونالد ترمب، ليدخل دوامة حقبة جديدة في تاريخه الطويل. وها نحن الآن نعيش الـحـقـبـة الـتـرمـبـيـة لــنــكــون شـــهـــود عـــيـــان عـلـيـهـا. نتابعها في وسائل الإعــام، ونتمنّى ألا يطولنا منها ما طال غيرنا من تداعياتها. ليس من السهولة بمكان على مراقب أو مؤرخ تخيّل شكل أميركا والعالم لدى مغادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب البيت الأبيض بعد ثلاث سـنـوات مـن الآن، مقارنة بما حــدث مـن تغييرات خلال عام واحد فقط من ولايته الثانية. هذا طبعا في حال امتثاله لنصوص الدستور الأميركي ولم يقم بتعديله بحيلة قانونية لتمديد وجــوده في الحكم لأربع سنوات أخرى. ســواء اتفقنا مـع الرئيس ترمب سياسيا أو اختلفنا، فـا أحــد يـجـادل فـي حقيقة أنّـــه ظاهرة ســـيـــاســـيـــة مـــمـــيـــزة؛ كــــونــــه أضــــفــــى عـــلـــى مـنـصـب الرئيس سمة شخصية يحسده عليها كثيرون من قـادة العالم، كونه الوحيد من بينهم القادر على تحقيق ما يريده، سواء بالطرق الدبلوماسية، أو بقوة السلاح، أو بالسطوة الاقتصادية. تـمـكـن الــرئــيــس تــرمــب خــــال عــــام واحــــد من محو ما يسمى «المنطقة الرمادية» في السياسة والاقتصاد. فالعالم بالنسبة له ولأنصاره يتكون من لونين فقط: أبيض أو أسود؛ أي مع أميركا أو ضدها. وبدقة أكثر: مع دونالد ترمب أو ضده. أمــيــركــا فـــي ســيــاق الـحـقـبـة الـتـرمـبـيـة تعني الــرئــيــس دونـــالـــد تـــرمـــب. وشـــعـــار «أمــيــركــا أولاً» يفضي إلى حقيقة لا يختلف حولها عاقلان وهي: ترمب أولاً. المــقــارنــة بـــن تــرمــب ومـــن سـبـقـه مـــن رؤســـاء أميركا لا تخضع للمنطق التقليدي، لأن الرئيس تـرمـب ليس رئيسا تقليديا مثلهم، ولأنـــه تجرأ، مــنــذ الـــبـــدايـــة، عــلــى الــتــحــلــيــق والـــتـــغـــريـــد خـــارج السرب، بل وأثبت أنه لا يخضع لقوانين الجاذبية تلك التي عملت على شد وكبح غيره من الرؤساء الأمـيـركـيـن قبله إلـــى أصــفــاد الــقــانــون الأمـيـركـي والــــدولــــي، وإلــــى الـــصـــراع مـــع الــكــونــغــرس. أثـبـت الرئيس ترمب قدرته على الطيران فرديا من دون جــنــاحــن، بــطــيــرانــه مـــن فــنــزويــا إلــــى غـريـنـانـد فـــي وقــــت قـــيـــاســـي، وأي مـــحـــاولـــة جــــرت لإيــقــافــه جـوبـهـت بـوعـيـد وتــهــديــد بـعـقـوبـات فـــوريـــة عبر فرض التعريفات الجمركية. أزمة شراء غرينلاند ومعارضة حلفائه الأوروبيين تسببت في غضبه وإطـــــاق تـــهـــديـــدات بـجـلـدهـم بــســوط الـتـعـريـفـات الجمركية. وهـذا يوضح بما لا يدع مجالا للشك أن الــتــعــريــفــات الــجــمــركــيــة لا عـــاقـــة لــهــا بــالأمــن الاقــتــصــادي أو عـــدم الإنــصــاف الـــذي تـتـعـرض له أميركا فـي تعاملاتها التجارية مـع بقية الــدول، أو بهدف حماية القوى العاملة الأميركية كما كان يــدّعــي. الـرئـيـس تـرمـب أدرك ويـــدرك أن مـن يملك سـوقـا بحجم الـسـوق الأمـيـركـيـة، يملك الـحـق في وضع شروط الدخول إليها من «الباب الرئيسي» وبـالـثـمـن الــــذي يــــراه هــو مـنـاسـبـا. قــد يــكــون ذلـك الثمن الخضوع والإذعـــان لمشيئته ورغباته هو، وملّوحا عاليا بالسوط. فـــي ســابــقــة أخـــــرى غــيــر مـــعـــهـــودة، طالعتنا وســـائـــل الإعـــــام مـــؤخـــرا بـخـبـر تـــنـــازل المــعــارضــة الــفــنــزويــلــيــة مـــاريـــا كـــوريـــنـــا مـــاتـــشـــادو (الـــفـــائـــزة ) عن جائزتها للرئيس 2025 بجائزة نوبل للسلام تـرمـب. ورغـــم الابـتـسـامـات الـتـي ظـهـرت بها أمـام عـدسـات المـصـوريـن، فـإن التنازل لـم يكن طوعياً، بـل كــان سعيا لنيل رضــا رئـيـس حـانـق وغاضب عليها، مما أدى بـه إلـى التقليل مـن شأنها علنا وتهميشها كزعيمة معارضة للنظام الفنزويلي. الحصول على رضــا الرئيس ترمب ليس سهلاً، وتبي كذلك أنه مكلف جدا في آن واحـد. وها هو الآن يبتسم منتصرا بعد أن حظي بالجائزة التي امتُنعت عنه سابقاً؛ فبالنسبة لـه، العبرة دائما بالنتائج لا بالوسائل. لـــــم يــــتــــوقــــف الأمــــــــر عــــنــــد حــــــــدود الـــســـيـــاســـة الـــخـــارجـــيـــة؛ بـــل إن الــبــيــت الأبـــيـــض نـفـسـه شهد تغييرات بملايين الـدولارات أثارت زوابع سرعان مـــا ســكــنــت. ووصـــلـــت ذروة الـــتـــحـــدي حـــن أعـلـن الـــرئـــيـــس تـــرمـــب حـــربـــا شـــعـــواء عــلــى رئـــيـــس بنك الاحــتــيــاطــي الـــفـــيـــدرالـــي، مـــتـــجـــاوزا المـــوانـــع الـتـي شُـــيـــدت لــحــمــايــة اســتــقــالــيــة الـــنـــظـــام المـــالـــي منذ تأسيسه. فــي سـابـقـة تـاريـخـيـة، تمكن الـرئـيـس ترمب من قهر المـوانـع مثل «تسونامي سياسي» بقفزة واحـــــــدة، وأخـــضـــع المـــؤســـســـات لــســلــطــان قـــراراتـــه التنفيذية بعيدا عـن ضجيج جـــدال الكونغرس، لأنــــه لا يــعــتــرف بـــالـــحـــدود، ســـــواء كـــانـــت قــوانــن دولية أو أعرافا دبلوماسية. هذا الواقع سيجعل مهمة المـؤرخـن مستقبلا صعبة وسهلة فـي آن. الصعوبة تكمن في استحالة التنبؤ بالشكل الذي سيكون عليه العالم بعد انتهاء ولايـتـه. وسهلة لأن التعرض لسيرته بالدراسة والتحليل مغرية وســهــلــة الـــرصـــد مـــن خــــال الـــوثـــائـــق. والأهــــــم، أن الـرئـيـس تـرمـب خلق «سـابـقـة تـاريـخـيـة» لكل من سيشغل الـبـيـت الأبـــيـــض، بـعـد أن حـــول الرئيس ترمب الحدود المؤسسية من ثوابت إلى خيارات. جمعة بوكليب حنا صالح OPINION الرأي 14 يمكن قـــراءة المشهد الإقليمي والـدولـي اليوم من زاوية جيو-استراتيجية وتاريخية أكـــثـــر عـــمـــقـــا، حـــيـــث نـــحـــن أمــــــام صــــــراع بـن مــشــروعــن مـتـنـاقـضـن لا يـمـكـن أن يلتقيا بــســبــب حـــالـــة الانـــــســـــداد الـــبـــنـــيـــوي لمـــشـــروع إســــرائــــيــــلــــي هـــجـــن يــــرفــــع شــــعــــار الــــســــام، لـكـنـه يستطبن مـشـروعـا تـقـويـضـيـا مـضـادا للسيادة، ويـحـاول تسويق ذاتــه بتحالفات غير قابلة للعيش، لأنها مبنية على إنكار مــتــواصــل لـحـقـائـق الـجـغـرافـيـا الـسـيـاسـيـة، وتــــجــــاهــــل عــنــيــد لـــلـــتـــاريـــخ بـــوصـــفـــه ذاكـــــرة جمعية لا تُمحى بالقوة، وتعامل انتقائي مع مفاهيم السيادة والشرعية والعدالة. في المقابل، يقف هـذا المـشـروع الهجين، أمـام مشروع ممتد تمثله السعودية اليوم، ومـــعـــهـــا دول إســـامـــيـــة وازنــــــــة، لا بـوصـفـه مـــحـــورا آيــديــولــوجــيــا؛ بـــل هـــو مـــشـــروع رغـم الــفــروق قـائـم عـلـى تـحـالـف ســرديــة واضـحـة «الــــــســــــيــــــادة»، حــــيــــث تـــــــرى هـــــــذه الــــــــــدول أن الاســـتـــقـــرار لا يُـــصـــنَـــع بـــالـــقـــوة ولا بتفكيك الـدول؛ بل بإعادة الاعتبار للدولة الوطنية، ووحــــدة الـجـغـرافـيـا، وربـــط الأمـــن بالتنمية بوصفهما شرطين متلازمين. مـا كــان يُـــدار لعقود مضت تحت مظلة «الاســـتـــثـــنـــاء الإســــرائــــيــــلــــي» بـــوصـــفـــه حــالــة خاصة داخل النظام الدولي، بات اليوم عبئا سـيـاسـيـا وأخــاقــيــا يـتـآكـل مــن الـــداخـــل، في لحظة تـاريـخـيـة تـتـقـدم فيها ســرديــة بديلة ترى أن ما بعد غزة، وربما ما بعد سوريا، لا يحتمل ترف التجزئة ولا هندسة الانفصال، وكل ما تبع ذلك في الـسـودان، أو يحاول أن يـتـم فـــي الـيـمـن هـــو جــــزء مـــن ذلــــك الانـــســـداد البنيوي تجاه فكرة الاستقرار والسيادة. الاستثناء الإسرائيلي، الذي شكّل جزءا ثابتا مـن هندسة السياسة الأمـيـركـيـة منذ نهاية الحرب الباردة، لم يكن مجرد تحالف عسكري أو تفضيل دبلوماسي، بل كان عقد شرعية ضمنياً. إسـرائـيـل قُــدِّمـت بوصفها «ديمقراطية استثنائية» في محيط مضطرب، ما سمح بمنحها قواعد خاصة وتعليق ما لا يُعلّق عــن غـيـرهـا. غـيـر أن حـــرب غـــزة كــســرت هـذا العقد على مستوى الـتـاريـخ الـسـيـاسـي، لا بسبب التكلفة الإنـسـانـيـة وحــدهــا؛ بــل لأن «الــديــمــقــراطــيــة الـشـكـانـيـة» فــقــدت قـدرتـهـا عــلــى إخـــفـــاء واقـــــع الـــقـــوة حـــن تـنـفـصـل عن العدالة. الــعــنــاد الإســرائــيــلــي تــجــاه الـجـغـرافـيـا؛ من غزة إلى الضفة، وتجاه التاريخ، وتجاه فـــكـــرة الـــســـيـــادة الـفـلـسـطـيـنـيـة ذاتــــهــــا، جعل المــــشــــروع يـــبـــدو كـــأنـــه يــعــيــش خـــــارج الــزمــن الجيوسياسي، يراكم تفوقاً، لكنه يستنزف رصـيـده مـن الشرعية طويلة الأمـــد، ويغذّي تــصــورات التفكيك بــدل أن ينتج أفـقـا للحل أو لــاســتــقــرار أو حـتـى لــلــســام، فــضــا عن المشاريع المضادة للهويّات الخاصة؛ ومنها المــحــمــلــة بــمــضــامــن أقـــــرب لـــلـــشـــعـــارات منه للواقعية. الـــســـعـــوديـــة بــاعــتــبــارهــا الـــاعـــب الأهـــم ومـعـهـا الـــــدول الــكــبــرى فـــي الإقــلــيــم، تسعى إلـــى تـحـالـف غـيـر صــدامــي ومـــن دون ادعـــاء أو تــدخــل فــي شــــؤون الـــــدول، وإلــــى مـشـروع استقرار وإعادة موضعته باعتباره مصلحة إقليمية ضــروريــة لـبـنـاء شــراكــات تنموية، بعيدا عن الشعارات التي تستطبن مشاريع انفصالية، هـذا المشروع لا يصدر نموذجاً؛ بـــل يـسـتـنـد إلـــى أولـــويـــات لا يـمـكـن الـتـنـازل عنها، باعتبارها محددات جيو-استراتيجية واضحة وبسيطة: أولـويـة الـدولـة الوطنية، ووحـــدة الجغرافيا السياسية، وربــط الأمـن بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية. هذه الثلاثية ليست شعارات أو نظرية؛ بـــل ســيــاق واقـــعـــي وعــمــلــي نــــراه الـــيـــوم رغــم التحديات يحاول تصحيح ملفات إقليمية حساسة. في اليمن، جرى التحول تدريجيا مـن منطق إدارة الـحـرب إلــى منطق احـتـواء التفكك، ومنع تحوله إلـى كيانات وظيفية. وفي السودان حيث بات واضحا أن استمرار الـصـراع لا يـخـدم إلا اقتصاد الانـهـيـار، وأن أي أفـــــق لـــاســـتـــقـــرار يـــمـــر عـــبـــر إعـــــــادة بــنــاء الـدولـة، لا عبر شرعنة سلطات أمـر واقـع أو مشاريع انفصال مقنّعة. وحتى في ملفات مثل «أرض الصومال»، يتقدم خطاب عربي وإسلامي سيادي يرى أن تكريس الانفصال لــيــس حــــا لــاســتــقــرار؛ بـــل وصــفــة لتعميم الـــعـــدوى الـتـفـكـيـكـيـة فـــي الإقــلــيــمــن الـعـربـي والأفريقي معاً. مــــا بـــعـــد غـــــزة ســـيـــكـــون اخـــتـــبـــارا أوســــع لهذين النهجين؛ ليس أخلاقيا فقط بل جيواستراتيجيا ً. فـــــي عــــــدد مـــــن الــــــــــدول؛ مـــــن الـــيـــمـــن إلـــى الـسـودان وسوريا ولبنان، وكلها تقف عند مــفــتــرق تـــاريـــخـــي بــعــد ســـنـــوات مـــن الــحــرب والـــــتـــــدخـــــات، مـــرشـــحـــة لأن تــــكــــون ســـاحـــة مـــركـــزيـــة لـــهـــذا الاشـــتـــبـــاك بــــن الـــســـرديـــتـــن، حيث المشروع الإسرائيلي الانفصالي، الذي استفاد طويلا من بيئات التفكك والفوضى، بوصفها هـوامـش مـنـاورة أمنية، ومشروع الكتلة الإقليمية مـن الـــدول الـسـيـاديـة الـذي يتشكل وتـقـوده السعودية برؤية واضحة، ترى أن إعـادة إنتاج الـدول، لا تفكيكها، هي شرط الأمن الإقليمي. هـــذا الانــســجــام لا يـعـنـي تـطـابـقـا كـامـا في الرؤى أو المصالح بين السعودية ومصر وتــركــيــا وبــاكــســتــان، لـكـنـه يـعـكـس تقاطعا مــتــزايــدا حـــول قـــاعـــدة أثـبـتـهـا تـــاريـــخ الـقـرن الـعـشـريـن: الاسـتـقـرار لا يُبنى على كيانات هشة، ولا على هـويـات انفصالية، ولا على جغرافيا تُدار من الخارج. العامل الحاسم الذي يسرّع هذا التحول هــــو تــــراجــــع الاســـتـــثـــنـــاء الإســـرائـــيـــلـــي عـلـى مـــســـتـــوى الـــســـرديـــة الـــعـــالمـــيـــة؛ لا فـــقـــط عـلـى مستوى السياسات. الأجيال الجديدة، خصوصا في الغرب، لــم تــعُــد تـنـخـدع بـسـهـولـة بــالــشــعــارات التي تفصل بين القيم والممارسة. ما عاشته هذه الأجـــيـــال مـــن عــدمــيــة أخــاقــيــة فـــي غــــزة؛ من صـــور الـقـتـل والــحــصــار والـتـجـويـع بــا أفـق سـيـاسـي، خـلـق وعــيــا جــديــدا أكــثــر صــرامــة، هـو رفــض تحويل الـقـانـون الـدولـي إلــى أداة انـتـقـائـيـة، ورفـــض تـبـريـر الــقــوة لمـجـرد أنها صادرة عن حليف. تتزامن هذه التحولات مع لحظة مواتية عـــلـــى المــــســــتــــوى الـــــدولـــــي أهـــمـــهـــا الـــصـــعـــود الـصـيـنـي، بـمـا يحمله مــن قـــدرة عـلـى إنـتـاج نتائج دبلوماسية واقتصادية خارج الأطر الغربية التقليدية، يكسر احتكار الوساطة والــشــرعــيــة. وفــــي أوروبـــــــا، يـتـعـاظـم شـعـور بالخذلان من السياسات الأميركية المتقلبة، ومن العجز عن التأثير الحقيقي في مسارات الـــحـــرب والـــســـام، مـمـا يـفـاقـم حــالــة إحـبـاط وســخــط تــجــاه ازدواجــــيــــة المـعـايـيـر وصـلـف السلوك الإسرائيلي. عــــالمــــيــــا، تـــتـــســـع دائــــــــــرة الاســـــتـــــيـــــاء مــن مـــمـــارســـات إدارة تـــرمـــب الـــتـــي تــتــعــامــل مع الــــقــــانــــون الــــــدولــــــي والمـــــؤســـــســـــات مـــتـــعـــددة الأطـــــراف، بـوصـفـهـا عــوائــق لا أطـــرا ناظمة. صـــحـــيـــح أن هـــــــذه المـــــمـــــارســـــات قـــــد تــعــطــي انـطـبـاعـا بـمـحـاولـة بـنـاء «عـصـر قـــوة» قائم عــلــى الــصــفــقــات والإجــــــــــراءات الاقــتــصــاديــة الأحادية، لكنها تمتلك في الوقت نفسه قدرة هائلة على التحشيد العكسي، لأنها تمهّد لـعـالـم غــامــض مــا بـعـد الـنـظـام الــــذي تشكّل عقب الـحـرب العالمية الـثـانـيـة، عـالـم فـــراغ لا يحتمل الاستمرار طويلاً. الرياض اليوم تتحرك بمنطق التوازن لا الصدام، وتجد نفسها في موقع يسمح لها بجمع أطــراف متباعدة حـول قاعدة واحـدة: لا تنمية بلا دولـة، ولا دولـة بلا سيادة، ولا سيادة مع مشاريع التفكيك. هـــــذا مــــا يــجــعــل الـــتـــحـــالـــفـــات المــتــوقــعــة بينها وبـــن مـصـر وتــركــيــا، ومـــع امـــتـــدادات بـــاكـــســـتـــانـــيـــة، تـــحـــالـــفـــات دول ســــيــــاديــــة لا سلطوية، تُــعــرّف نفسها بما ترفضه بقدر مـــا تُـــعـــرّف نـفـسـهـا بــمــا تـسـعـى إلـــيـــه: رفــض الــــفــــوضــــى، ورفـــــــض الــــخــــرائــــط الـــصـــغـــيـــرة، ورفض تحويل المآسي الإنسانية إلى أدوات ابتزاز سياسي. يوسف الديني سردية الاستقرار في مواجهة خرائط الانفصال ترمب يحوّل الثوابت إلى خيارات لبنان وتحدي إعادة تأسيس الدولة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky