بــعــد الـــحـــرب الــعــالمــيــة الــثــانــيــة، كـــانـــت أمــيــركــا ســبَّــاقــة لحياكة عالم جديد، سمَّاه الرئيس الأميركي الأسبق فرنكلين روزفلت عالم «الأمم المتحدة»، وفيه تتساوَى الدول -صغيرها وكبيرها- أمام القانون، ويتَّفق فيه الجميع على أن استخدام القوة جريمة، وأن الـحـدود مقدسة يحرُم تغييرُها بالقوة، وأن الخلافات تُحل بالطرق السلمية. هـــذا الــبــنــاء الـقـانـونـي الأخـــاقـــي صـمـد فــي وجـــه ريــاح عاتية، ومـنـذ الأربـعـيـنـات عـــاش الـعـالـم سـامـا مـعـقـولاً، وإن شــابــتــه نـــزاعـــات ضـيـقـة سـبـبـهـا تـــنـــازع المـــصـــالـــح وتــضــارب الأهــــــداف؛ كــذلــك أعــطــى فــرصــة لـلـشـعـوب لـتـقـريـر مصيرها، وفيه ازدهرت التجارة، وعاش البشر رفاهية لم يعرفوها في تاريخهم المنصرم. وتحمَّل هذا البناء أيضا هزاتٍ، وصمدَ، ولكنَّه يتعرَّض الآن لـــهـــزات تــتــجــاوز «مــقــيــاس ريــخــتــر» مـــع إعـــــان الـرئـيـس الأمـيـركـي دونـالـد تـرمـب أن «لا شــيء يُلزمه فـي هــذا العالم، وأنَّه ليس بحاجة لقانون دولي»؛ وتأكيده أن البوصلة التي تـــرشـــده: «أخـــاقـــه»، أي مــا يـــراه هــو صـــوابـــا. هـــذا التصريح خطير لكونه يصدر عن أقوى رئيس في العالم، وبعد تدميره للمفاعلات النووية الإيرانية، واختطافه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قصره، وتهديده إيران بقصفها إذا لم تُــوقـف قتلها للمتظاهرين، وإعـانـه نيتَه امـتـاك غرينلاند سلما أو حرباً. اهتمام ترمب بجزيرة غرينلاند ليس مفاجئاً؛ بل سبقه إليه سياسيون أميركيون كبار، مثل الرئيس أندرو جونسون ) الـذي راودتــه فكرة شرائها، والرئيس هـاري ترومان 1876( ) الــذي قــدم طلبا سريا لشرائها بمبلغ مليون دولار 1946( ذهــبــا، والـرئـيـس روزفــلــت الـــذي نـشـر «المــاريــنــز» فيها لكيلا يستخدمها هتلر ضد الأمن الأميركي بعد احتلاله الدنمارك. هـــذه الـرغـبـات أعـــاه تثبت عـنـصـريـن: أهـمـيـة الـجـزيـرة لـأمـن الأمــيــركــي، وحـــرص الـــرؤســـاء عـلـى شـرعـيـة الامــتــاك. وكمثال: لم ينشر روزفلت «المارينز» إلا بعد توقيعه اتفاقية «غرينلاند الدفاعية» مع السفير الدنماركي (غير الخاضع للحكومة الدنماركية المتعاونة مع الاحتلال الألماني). وتـــرمـــب خــــاف أقــــرانَّــــه الــسَّــابــقــن اســتــبــدل بـالـشـرعـيـة الواقعية التبريرية وليس القانون، بقوله: «الحيازة ضرورة أمنية مُلحَّة؛ لأن الدنمارك عاجزة عن منع روسيا أو الصين مـن احـتـالـهـا، ولأن سـكـان الـجـزيـرة الستة والخمسين ألف شـخـص قـــد يــنــالــون الاســتــقــال ويـتـحـالـفـون مـــع الــصــن أو روسيا». هذا النسق التبريري يتجاهل تماما غياب التهديد الصيني والـــروســـي، وكـذلـك وجـــود قـــوات أميركية بموجب الموسعة والمانحة عمليا السيادة العسكرية 1951 اتفاقية عام لأميركا على الجزيرة؛ وكلمة السيادة هنا تعني أن لأميركا مطلق الحرية في نشر قواتها وصواريخها كما تراه مناسباً، والـدنـمـارك رحَّــبـت، مـع الاتـحـاد الأوروبــــي، بمشاركة أميركا في استغلال الموارد الطبيعية للجزيرة، وحمايتها أمنياً؛ لم توافق –فقط- على إعطائه صك الملكية. هـــكـــذا تــمــحــور الـــخـــاف عــلــى صـــك المــلــكــيــة؛ لأن تـرمـب -كـونـه رجــل عــقــارات- لا يـرغـب فـي استثمار لا يملك رقبته، والملكية عـنـده مفصلية؛ لأنَّـــه بحيازتها سيتفوّق على كل الـرؤسـاء السابقين بتوسيع حـدود أميركا وزيــادة مواردها الاقتصادية. لهذا أزاح الغبش عن عيون الأوروبيين وغيرهم بقوله: «القانون الدولي لا يُلزمه؛ بل يلتزم بما يراه صواباً»؛ بهذه القاعدة الذاتية النابعة من فكر قومي (لنجعل أميركا عــظــيــمــة) يـــتـــاقـــى تـــرمـــب مــــع الـــرئـــيـــس الــــروســــي فــاديــمــيــر بوتين الــذي ينكر وجــود دولــة أوكـرانـيـا؛ لأنها –بـرأيـه- جزء من روسيا، ومـن حقه احتلالها لعودة الفرع للأصل، ومنع انـضـمـامـهـا لـحـلـف «الـــنـــاتـــو» الـــــذي يـشـكـل خـــطـــرا عــلــى أمــن روسيا. وبالمعيار نفسه يرى الرئيس الصيني شي جينبينغ أن مــن حــق بـــاده الـتـوسـع فــي جـنـوب بـحـر الـصـن وشـرقـه، وبناء جزر صناعية لتمديد سيطرته على المعابر البحرية، ومـــن حـقـه احــتــال تـــايـــوان بــالــقــوة؛ لأنــهــا –بـــرأيـــه- جـــزء من الصين، وستعود إليه سلما أو حرباً. هــذا العبث بـالـقـانـون الــدولــي لـم يقتصر على الكبار؛ بـل تمدد إلـى دول متوسطة الحجم، بـإعـان رئيس الـــوزراء الإســـرائـــيـــلـــي بــنــيــامــن نـتـنـيـاهـو عـــن «إســـرائـــيـــل الـــكـــبـــرى»، وقضمه الأراضـي المحتلة، وارتكابه في غزة ما يرقى لإبادة جماعية، وحـقـه بـزنـار أمـنـي فـي ســوريــا؛ وكـذلـك إيـــران قبل انـدحـارهـا كـانـت تتباهى بسيطرتها على عـواصـم عربية، وتدعم ميليشيات لا تقيم للحدود وزناً، ولا للقانون اعتباراً. عالم الأمـم المتحدة يتهاوى أمـام الأعــن، وبديله عودة مرعبة للماضي بقاعدته الذهبية: «القوي يفرض، والضعيف يرضخ». والمخيف أن هذه الدول تبني توجهاتها على شعار الـقـومـيـة ولــيــس الــوطــنــيــة؛ فـالـوطـنـيـة -كــمــا يــقــول أورويـــــل- بـطـبـيـعـتـهـا دفـــاعـــيـــة عــســكــريــا وثـــقـــافـــيـــا، والـــوطـــنـــي يتعلق بالمكان وطريقة العيش، بينما القومية هي الرغبة المتزايدة في منسوب القوة والسمعة، والقومي يريد القوة والسمعة لأجل أمته، وأفكاره دائما تدور حول النصر، والمجد، وهزيمة الأعـــــداء، ويـــرى نفسه محقا وغــيــره مـخـطـئـا؛ فـشـعـار ترمب «لنجعل أميركا عظيمة» معناه خسارة الدنمارك لأرضها، وعند بوتين ذوبـــان أوكـرانـيـا، وعند شـي الهيمنة فـي شرق آسيا، وضـم تـايـوان. وهــذا النسق من السياسة يقفل الباب أمام أي تسويات عادلة، ويدفع الطرف الآخر إلى الإذعان أو التمرد. هكذا ينهار ميثاق الأمــم المتحدة، وقـد ينهار حلف «الـــنـــاتـــو»، وتـتـغـيـر الــتــحــالــفــات، ويـــعـــود الــعــالــم بـعـد تـمـدن لقانون الغاب. كـــــان هـــنـــالـــك تـــــوقّـــــع واســــــــع بـــــــأن الـــضـــربـــة الأمـــيـــركـــيـــة الإسـرائـيـلـيـة عـلـى إيــــران فــي طـريـقـهـا إلـــى الــحــصــول، ولكن الأمـــــور هــمــدت قــلــيــا الآن. وكـــانـــت الـــتـــســـاؤلات حــــول حجم الضربة وتوقيتها. فهل تكون بمثابة رسالة ردعية لإيـران للضغط باتجاه إحـــداث تغيير فـي سياساتها فـي المنطقة؟ أم أن الهدف كما يتصور البعض الآخر قد يكون العمل عبر حرب مفتوحة وواسعة لإسقاط النظام؟ وهـــذا السيناريو، إسـقـاط النظام بالضربة القاضية، يبقى مـن الأمـــور المستبعدة، نـظـرا لتركيبة الـنـظـام وبنيته العقائدية السياسية والأمنية، ولـو أن ما يمكن أن يحصل هو إضعاف للنظام وإحــداث ارتباك داخلي في صنع القرار بين القوى المؤثرة، مما يُسهِم في مزيد من إضعاف النظام. التغييرات الإقليمية وأهمها دون شـك التغيير فـي سوريا الذي أسقط ورقة أساسية من يد طهران وأثَّر بشكل كبير في إضعاف موقعها، وبالتالي تأثيرها الاستراتيجي «في لعبة القوى» في المشرق العربي. أضف إلى ذلك بالطبع تداعيات الحرب الإسرائيلية، حرب الاستنزاف، على لبنان التي يبدو أنها ما زالت مفتوحة في الزمان والمكان مع الخسائر الباهظة في مختلف المجالات التي دفعها ويدفعها لبنان. أضـف أن التغيرات التي حصلت في لبنان: السلطة الجديدة (رئاسة وحكومة) تؤكد بشكل مستمر على أولوية تحقيق حصرية السلاح في إطـار إعــادة الدولة إلـى دورهــا الطبيعي: الطرف الـوحـيـد والـحـصـري والمـــســـؤول عــن قــــرارات الــحــرب والـسـلـم. ورغم صعوبة تحقيق ذلك، مع حصول تقدم في هذا المجال، فإنه يبقى هدفا يحظى بالأولوية عند السلطة وبدعم شعبي واسع، تحت عنوان الذهاب نحو إعادة إحياء وتفعيل اتفاقية ، حـتـى لا يبقى لـبـنـان بمثابة «صـنـدوق 1949 الـهـدنـة لـعـام بريد» في صراعات المنطقة يستفيد منه هذا الطرف أو ذاك في لحظة معينة. في الـعـودة إلـى سيناريوهات الحرب على إيــران يبدو أن الـهـدف الأميركي يبقى فـي إحــداث تغيير فـي السياسات الإيرانية، وتحديدا في الشأن الخارجي السياسي والأمني، وبـشـكـل خـــاص الإقــلــيــمــي، وهــــذا هـــو الأهــــم لـلـقـوى الـدولـيـة المتصادمة مـع سياسة طـهـران أكثر مـن القضايا الداخلية: الانـتـفـاضـة الـشـعـبـيـة الــتــي حـصـلـت فــي إيــــران والــتــي كانت بمثابة جــرس إنـــذار حــول التحديات الداخلية الاقتصادية والــحــيــاتــيــة بـشـكـل خـــــاص. الــتــحــديــات الـــتـــي عــلــى الـسـلـطـة التعامل معها بواقعية لـلـعـودة إلــى مـسـار بـنـاء الاسـتـقـرار ولـيـس عبر التنكر لـهـذا الــواقــع حتى لـو تـم احــتــواؤه لفترة قصيرة، وليست دائـمـةً، ما دامـت مسببات التوتر الداخلية المجتمعية دون معالجة جذرية. أطــراف عربية وإقليمية عديدة معنية بالاستقرار في الخليج وفــي الـشـرق الأوســـط تعمل على الـتـوسـط لاحـتـواء المـــوقـــف ووقـــــف الـتـصـعـيـد وتـــافـــي الـــحـــرب الـــتـــي قـــد تـكـون مفتوحة على احتمالات عديدة. ثــاثــيــة «الــــنــــووي» و«الـــصـــواريـــخ الـبـالـيـسـتـيـة» ودور «الــــوكــــاء» فـــي حــــروب المـنـطـقـة وصــراعــاتــهــا هـــي الـعـنـاويـن »، رغم أن «عنوانها» 1+6« الثلاثة للمفاوضات التي عرفت بالـ الـرسـمـي كـــان «الـــنـــووي» والــتــي تـعـثـرت وتـوقـفـت ثــم أخــذت بالعودة بأشكال وصيغ مختلفة مباشرة وغير مباشرة. فـــــي هــــــذه المــــرحــــلــــة الـــحـــســـاســـة مـــــن تــــطــــور المـــواجـــهـــة واحــتــمــالاتــهــا المــتــعــددة هـنـالـك ســبــاق بـــن الـــعـــودة لـلـحـوار وبـن اشتعال الجبهة الإيرانية. من الأمــور شديدة التعقيد عـلـى طــاولــة الـــحـــوار إذا مــا عـــادت هـــذه الأخـــيـــرة إلـــى دورهـــا السابق، إصرار الرئيس ترمب على «صفر تخصيب نووي» بالنسبة لإيـــران، وهـو مـا ترفضه كليا الأخـيـرة وتصر على حـقـهـا بـالـتـخـصـيـب حــســب شـــــروط وقـــواعـــد اتــفــاقــيــة حظر انتشار الأسلحة النووية، مع التذكير أن إيران صارت تملك من اليورانيوم المخصب، «المحفوظ جانباً» ما يكفي للذهاب خلال أشهر، في عملية زيـادة مستوى التخصيب (الوصول في المائة) نحو دخول النادي النووي. 90 إلى نسبة الـــطـــرح الأمــيــركــي بــإقــامــة مــركــز تـخـصـيـب إقـلـيـمـي في الخليج تشارك فيه إيران بديلا عن التخصيب على الأراضي الإيرانية أمر ترفضه طهران كلياً. أضف العامل الإسرائيلي ومــــدى قــدرتــه فــي هـــذه الـلـحـظـة الإقـلـيـمـيـة شــديــدة التعقيد فــي دفـــع واشـنـطـن نـحـو حـــرب مــع إيــــران، فــي ظــل الأولــويــات الأميركية المختلفة من حيث التعامل معها في الإقليم. هـــذه المـسـائـل كـافـة تبقى عـلـى طــاولــة المــفــاوضــات غير المباشرة وكذلك المباشرة، وهي مترابطة بعضها مع البعض الآخر. فهل يذهب التوتر المتزايد، مع إشارات تهدئة ضرورية ولـــو غـيـر كـافـيـة تـظـهـر بـــن الــحــن والآخــــــر، نـحـو الاحـــتـــواء والـعـودة التدريجية نحو التفاوض كخيار وحيد أم نشهد «حروبا مـحـدودة» في الزمان والمـكـان، تكون بمثابة رسائل تـهـديـد عـبـر التصعيد المـقـيـد، أم نشهد حـربـا مـفـتـوحـة، قد تــنــزلــق إلــيــهــا الأطــــــراف المــعــنــيــة. حــــرب قـــد تـتـخـطـى المــســرح الجغرافي الاستراتيجي الإيـرانـي المباشر بتداعياتها ولو بدرجات مختلفة، ربما للعودة بعد ذلـك إلـى التفاوض، أيا كانت الصيغ التي سيتم ضمنها هذا التفاوض. كلها أسئلة وتساؤلات ستجيب عنها الأيام المقبلة القريبة والأبعد. تُــظــهــر أزمـــــة إيـــــران الــحــالــيــة فــشــا ذريــعــا لاستراتيجية «الـــدفـــاع الأمـــامـــي» الـتـي تبنَّتها طـــهـــران مــنــذ عـــقـــود، وتـــقـــوم عــلــى مــبــدأ حـمـايـة تـــرابـــهـــا الـــوطـــنـــي عـــن طـــريـــق تــوظــيــف عــــدد من الأدوات لـنـقـل المــعــركــة خــــارج حــــدودهــــا. ولـكـن الـيـوم، بعض حلفائها «الأماميين» اختفوا، أو أصبحوا أضعف من أن يساعدوها على تنفيذ تلك الاستراتيجية لمواجهة تهديدات إسرائيل، فــاتــبــاع إيـــــران تــلــك الــســيــاســة أدَّى إلــــى إهــمــال جبهتها الداخلية التي تخلخلت، واقتصادها الـذي شــارف على الانهيار، وعلاقاتها المتردية مع معظم جيرانها. هـذه الاضـطـرابـات، وإن زادت حدّتُها هذه المــــــرة، لــيــســت غــريــبــة عــلــى إيـــــــران؛ فـالمـنـظـمـات الـدولـيـة تـضـع إيــــران فــي الأســفــل لتصنيفاتها بـــشـــأن الــــســــام والأمـــــــن الــــداخــــلــــي، إذ يـضـعـهـا فـي المرتبة 2025 «مـؤشـر الـسـام العالمي» لعام دولـــــة، راصـــــدا تـــدهـــور الأوضــــاع 163 بـــن 142 .2020 الأمنية فيها منذ عام بــعــد أســابــيــع قـلـيـلـة ســــوف تــحــل الـــذكـــرى لقيام الـثـورة الإيرانية، وربما لم تخل أي 47 الـــ سنة من تلك السنوات من التوتر والاضطرابات، لكنَّها لم تشهد أحداثا مماثلة لما تواجهه الآن، حـيـث قـتـل آلاف مــن المـتـظـاهـريـن وقــــوات الأمـــن، وانتشرت الاحتجاجات في مناطق إيران كافة؛ فــي طـــهـــران، الأهــــــواز، أراك، داركـــهـــان، فــرســان، فــــاســــا، فــــولادشــــهــــر، هــــمــــدان، أصـــفـــهـــان، إيـــــزه، كرمانشاه، مشهد، مارليك، نجف آباد، نور آباد، قشم، قم، شيراز، ساري وغيرها، وفقا للتقارير المتداولة. اقتصادياً، كلّفت سياسة «الدفاع الأمامي» إيــــــــران الـــكـــثـــيـــرَ، بــســبــب عــســكــرتــهــا لــاقــتــصــاد وإعطائها الأولوية للمغامرات الخارجية، كما يتَّضح مـن مقارنة وضــع إيـــران بجيرانها قبل ، السنة التي سبقت 1978 الثورة وبعدها. ففي الــــثــــورة، بــلــغ حـــجـــم الـــنـــاتـــج المــحــلــي الإجــمــالــي مـلـيـار دولار، قـريـبـا مـــن اقـتـصـاد 78 الإيـــرانـــي المـمـلـكـة الـعـربـيـة الــســعــوديــة، الــــذي لــم يـتـجـاوز مليارا فـي ذلــك الـوقـت. أمــا الـيـوم فـــإن حجم 80 مليار دولار، 1250 الاقتصاد السعودي يتجاوز أي تـقـريـبـا أربــعــة أضــعــاف الاقــتــصــاد الإيــرانــي مـلـيـاراً)، مـع أن إيـــران تتمتع بالكثير من 350( الموارد الطبيعية والبشرية التي لا تتوفر سوى لقليل من الدول إمكانات شعبها الذين يتجاوز مليونا ً. 90 تعدادهم أمَّـــــا حـيـنـمـا تـنـظـر إلــــى نـصـيـب الـــفـــرد في الـبـلـديـن، فــــإن دخـــل الــفــرد فــي الـسـعـوديـة يبلغ اليوم عشرة أضعاف دخل الفرد في إيران، حيث مـلـيـون مــواطــن تـحـت خط 28 إلـــى 18 يـقـع بــن الفقر. ولــــهــــذا فــلــيــس مــــن المـــســـتـــغـــرب أن تـنـتـشـر الاحـــتـــجـــاجـــات فـــي عـــمـــوم إيـــــران فـــي ظـــل تـــردي الأوضـــــــــاع الاقــــتــــصــــاديــــة وتـــشـــديـــد الـــعـــقـــوبـــات الـدولـيـة، وضـعـف ثقة المـواطـن فـي قـــدرة الـدولـة على الدفاع عن نفسها أمام الهجمات الخارجية، وتدهور مكانتها الإقليمية والدولية. اســـتـــراتـــيـــجـــيـــة «الــــــدفــــــاع الأمــــــامــــــي» كـــان المقصود منها تمكين إيـــران مـن فــرض نفوذها بـــعـــيـــدا عــــن حـــــدودهـــــا، ومــــنــــع الـــهـــجـــمـــات عـلـى أراضــيــهــا، وردع خـصـومـهـا، لـكـي تـخـلـق بـعـدا اسـتـراتـيـجـيـا أعـــمـــق، وتُــبــعــد شـبـح الـــحـــرب عن مواطنيها، وذلك باستخدام وكلائها في الدول الأخـــــرى، وتـرسـانـتـهـا مــن الــصــواريــخ المتقدمة والمسيّرات، وأدوات الحرب السيبرانية. ولمدة من الزمن بدا أن هذه الاستراتيجية قد نجحتْ؛ ففي أثناء «الربيع العربي» احتفلت إيــــــران بـسـيـطـرتـهـا عــلــى أربــــع عـــواصـــم عـربـيـة، فهيمنت على سوريا، ونجحت في جعل «حزب الـــلـــه» الـــقـــوة الــــوازنــــة فـــي الـسـيـاسـة الـلـبـنـانـيـة، وساعدت الحوثيين في انقلابهم على الحكومة الشرعية في اليمن وهجماتهم ضد دول الخليج وضد الملاحة في البحر الأحمر. وطـــــــــــوَّرت إيـــــــــــران قـــــدراتِـــــهـــــا فـــــي صـــنـــاعـــة الــصــواريــخ والمــســيــرات، للتعويض عــن ضعف أدواتــــهــــا الـعـسـكـريـة الــتــقــلــيــديــة، وقـــامـــت بـشـن هـــجـــمـــات صــــاروخــــيــــة، مـــبـــاشـــرة أو مــــن خـــال وكلائها، على دول الخليج، كما طــورت أدوات الحرب السيبرانية لتهاجم بها جيرانها أيضاً. واعــتــقــدت طــهــران أن هـــذه الأدوات كافية لــتــأمــن مـصـالـحـهـا، ولـــهـــذا لـــم تـــطـــور قــدراتــهــا الدبلوماسية، أو الاقتصادية، سواء مع جيرانها أو مــع المجتمع الـــدولـــي، فـأصـبـح الـتـحـدي بـدل الـــتـــعـــاون عـــامـــة فـــارقـــة لـتـعـامـلـهـا مـــع الــوكــالــة الدولية للطاقة الذرية، والدبلوماسية الخشنة أسلوبا للتعاطي مع الأصدقاء والخصوم، ممّا عزل إيران دوليا وإقليمياً. أثـــبـــتـــت أحــــــداث الـــعـــامـــن المـــاضـــيـــن فـشـا ذريـعـا لاستراتيجية الـدفـاع الأمـامـي، ففي عام سقط نظام الأسـد، وقضت إسرائيل على 2024 قـيـادات «حــزب الـلـه»، مما أفقد إيـــران اثنين من فشلت 2025 أقوى دفاعاتها الأمامية. وفي عام صـــواريـــخـــهـــا ومــســيــراتــهــا فـــي ردع إســـرائـــيـــل، الــتــي هـاجـمـت إيـــــران فـــي عُــقــر دارهـــــا، وألـحـقـت الضرر بمنشآتها النووية، واغتالت العديد من علمائها الـنـوويـن وقـادتـهـا العسكريين، وهي تهدد الآن بهجوم جديد. من المـفـروض في ضـوء فشل استراتيجية الدفاع الأمامي أن تنهج إيران طريقا آخر. وإذا تمكنت من الخروج بسلام من أزمتها الحالية، فـــــــإن مــــن الـــحـــكـــمـــة أن تـــعـــطـــي طـــــهـــــران أولــــويــــة لـلـدبـلـومـاسـيـة فــي إعــــادة تـرتـيـب عـاقـاتـهـا مع جــيــرانــهــا فـــي مـجـلـس الـــتـــعـــاون، وتــتــخــلّــى عن اسـتـخـدام الـقـوة أو التهديد بها تجاههم. لقد مــــدَّت دول المـجـلـس يـــد الــصــداقــة لإيــــران مــــراراً، ودعمتها دبلوماسياً، وعرضت عليها صفقة لا تُعوض: مقابل وفاء إيران بالتزاماتها الدولية، وبــمــبــادئ الأمـــم المـتـحـدة وقـــواعـــد الـتـعـامـل بين الـــدول، يتم تطبيع العلاقات وتحقيق التكامل الإقليمي في الخليج، بما سيعود بالنفع على الجانبين ويُخرج إيران من عزلتها. ومــثــل هـــذا المــــآل سـيـكـون عَــــودا حـمـيـدا لما كانت عليه العلاقات بين ساحلي الخليج لآلاف السنين، وتـعـود إيـــران جــزءا مـن نسيج المنطقة ثقافيا واقتصاديا وسياسياً، وحلقة وصل بين غـرب آسيا، حيث الــدول العربية، ووســط آسيا وجـنـوبـهـا، وسـيـكـون هــذا التكامل كـذلـك عامل قوة لإيران في مواجهة التهديدات الخارجية. OPINION الرأي 12 Issue 17220 - العدد Tuesday - 2026/1/20 الثلاثاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com أحمد محمود عجاج إيران... سيناريوهات حروب مُعَجَّلة أو مُؤَجَّلة غرينلاند... هل نتَّجه نحو شريعة الغاب أزمة إيران وفشل استراتيجية «الدفاع الأمامي» ناصيف حتي عبد العزيز حمد العويشق
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky