11 ذكرى تنصيب ترمب NEWS Issue 17220 - العدد Tuesday - 2026/1/20 الثلاثاء ASHARQ AL-AWSAT لتأسيس الولايات المتحدة 250 حروب... ويستعد لسنة فاصلة في الذكرى الـ 8 يتباهى بأنه أنهى ترمب يسعى إلى ترسيخ «أميركا العظمى» من بوابة السلام والهيمنة لا تعدو الذكرى السنوية الأولى لعودة الرئيس الأمـيـركـي دونـالـد تـرمـب إلــى البيت الأبيض كونها علامة رمزية لحدث آخر بالغ 250 الاستثنائية الـعـام الـحـالـي؛ السنوية الـــ لولادة قوة عظمى هي الولايات المتحدة. لا أحــــــد يـــجـــســـد أكــــثــــر مـــــن تــــرمــــب الآن «عــظــمــة» أمــيــركــا وقــوتــهــا وحــضــورهــا على الــســاحــة الـــدولـــيـــة. فـعـلـى الـــرغـــم مـــن اعـتـقـاد ساد لسنوات كثيرة في شأن انكفاء الولايات المتحدة عـن عالم القطب الـواحـد، الــذي ساد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية في التسعينات من القرن الماضي، عـــــاد تـــرمـــب مـــنـــذ ولايــــتــــه الـــرئـــاســـيـــة الأولـــــى بصفير «النسر الأقرع» الأميركي، ولكن أكثر فـي ولايـتـه الـرئـاسـيـة الثانية مـع دوي يكاد يتردد كل يـوم: «لنجعل أميركا عظيمة مرة المقبلة من 250 أخرى»، استعدادا للسنوات الـ حياة أعرق الديمقراطيات في العالم المعاصر. ومــنــذ الـــيـــوم الأول مـــن رئــاســتــه الـثـانـيـة في ، قــدّم ترمب 2025 ) يناير (كـانـون الـثـانـي 20 فـــي خــطــاب تنصيبه تـحـت قـبـة الـكـونـغـرس مـؤشـرات إلــى البُعدين الـداخـلـي والخارجي لما يسعى إليه في مستهل «العصر الذهبي لأميركا، التي ستكون محط أنظار كل الأمم» لأن أمــيــركــا «سـتـصـبـح قـريـبـا أعــظــم وأقـــوى وأكثر تميزا من أي وقت مضى». وقــــــــــــال: «انـــــتـــــهـــــى انـــــــحـــــــدار أمـــــيـــــركـــــا»، مضيفا أن «الـحـلـم الأمـيـركـي سيعود قريبا ويـــزدهـــر»، أولا وقـبـل أي شـــيء آخـــر عـبـر ما يـسـمـى «الـــتـــفـــوق الــعــســكــري الــامــتــنــاهــي»؛ بهدف «دحــر أعـــداء أمـيـركـا». ومـع ذلــك، قـال: «سنقيس نجاحنا ليس فقط بالمعارك التي نــنــتــصــر فـــيـــهـــا، بــــل أيـــضـــا بــــالــــحــــروب الــتــي ننهيها. وربما الأهـم من ذلـك، الحروب التي لا نـخـوضـهـا أبـــــداً»، مــؤكــدا أن «إرثــــي الأبـــرز سيكون صانع السلام». وكــــــرّر تـــرمـــب خــــال الـــعـــام المـــاضـــي أنــه أشــــهــــر». وفـــاخـــرت 8 حــــــروب فــــي 8 «أنــــهــــى وزارة الخارجية الأميركية في منشور على حساباتها عبر منصات التواصل الاجتماعي بأن الرئيس 2025 ) في أكتوبر (تشرين الأول أنهى الحروب بين كمبوديا وتايلاند، وبين كوسوفو وصربيا، وبين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، وبين باكستان والهند، وبين إسرائيل وإيران، وبين مصر وإثيوبيا، وبـــن أرمـيـنـيـا وأذربـــيـــجـــان، وبـــن إسـرائـيـل و«حماس». وعــــلــــى الــــرغــــم مــــن أن الــــوقــــائــــع تـشـيـر بالفعل إلى أنه بذل جهودا بين كل هذه الدول والأطراف المشار إليها، فإن بعض الحالات لم تشهد حروبا فعلية، بما في ذلـك بين مصر وإثـيـوبـيـا رغـــم الـتـوتـر بينهما عـلـى خلفية بناء أديس أبابا سد النهضة على نهر النيل، وبـن كوسوفو وصربيا رغـم التوتر القديم بينهما منذ تفكك يوغوسلافيا السابقة في مـطـلـع الـتـسـعـيـنـات مـــن الـــقـــرن المـــاضـــي. ولـم تـــرق الـصـدامـات عبر الــحــدود بـن باكستان والهند إلـى حـرب شاملة. وكذلك هي الحال فـــي الاشـــتـــبـــاكـــات الـــحـــدوديـــة بـــن كـمـبـوديـا وتايلاند. للسلام وللحرب ولا شــك فـي أن الـرئـيـس تـرمـب اضطلع بدور جوهري في التوصل إلى وقف للأعمال الــعــدائــيــة بـــن إســـرائـــيـــل و«حــــمــــاس»، ضمن بندا نجحت مرحلتها الأولى في 20 خطة من إطـــاق الـرهـائـن الإسـرائـيـلـيـن مقابل أسـرى فـلـسـطـيـنـيـن. وانــطــلــقــت مـرحـلـتـهـا الـثـانـيـة بـتـشـكـيـل «مــجــلــس الــــســــام» الـــــذي يــتــرأســه عقود من الصراع 8 ترمب؛ سعيا إلـى إنهاء الدامي بين الفلسطينيين والإسرائيليين. كـــــــمـــــــا نـــــــجـــــــح الــــــــرئــــــــيــــــــس تــــــــرمــــــــب فــــي جـــمـــع الـــرئـــيـــســـن الــــــروانــــــدي بـــــول كـــاغـــامـــي والكونغولي فيليكس تشيسكيدي في البيت الأبـــيـــض لـلـتـوقـيـع عــلــى اتـــفـــاق ســــام ينهي ســنــوات طـويـلـة مــن الـــحـــروب بــن بلديهما. كما استضاف الرئيس الأذري إلهام علييف ورئيس الـوزراء الأرميني نيكول باشينيان، اللذين وقّعا اتفاق سلام ينهي النزاع القديم حول إقليم ناغورنو كاراباخ. وخـــــال الــصــيــف المـــاضـــي، أعـــلـــن تـرمـب بين إيـران وإسرائيل، 12 إنهاء حرب الأيـام الــ بـــعـــدمـــا وجّــــهــــت الــــقــــاذفــــات الاســتــراتــيــجــيــة الأمـيـركـيـة ضــربــة وصـفـهـا بـأنـهـا «قـاضـيـة» أدّت إلــــــى «اجـــــتـــــثـــــاث» الــــبــــرنــــامــــج الــــنــــووي الإيــــرانــــي. غــيــر أن الـــنـــزاع بــقــي مـعـلـقـا حتى بعد هــذه الـضـربـة، وســط عـامـات استفهام كـبـيـرة حــيــال الــخــطــوات الـتـالـيـة الــتــي يمكن أن يــتــخــذهــا تـــرمـــب إذا عــمــلــت إيـــــــران عـلـى إعــادة بناء هـذا البرنامج، وإذ لم تتخل عن برامجها للصواريخ الباليستية، وعـن دعم ميليشيات تـــدور فــي فلكها الإقـلـيـمـي، مثل «حزب الله» في لبنان، وجماعة الحوثي في الـيـمـن، وكثير مـن الفصائل فـي الــعــراق. ولا تـــزال هـنـاك تــســاؤلات عـمّــا إذا كـانـت سـوريـا لا تزال مسرحا لبعض الفلول المؤيِّدة لإيران بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد. وعـــــلـــــى خــــــــط مـــــــــــــوازٍ، تــــســــعــــى الإدارة الأمــــيــــركــــيــــة إلــــــى إيـــــجـــــاد تـــســـويـــة تــتــضــمَّــن اتّــفــاق عــدم اعــتــداء طـويـل الأجـــل بـن سوريا وإسرائيل، بالإضافة إلـى اتّفاق على إنشاء «مـــنـــطـــقـــة تـــرمـــب الاقــــتــــصــــاديــــة» بــــن لــبــنــان وإسرائيل، تتضمَّن نزعا لسلاح «حزب الله» عـبـر الـضـفـتـن الـجـنـوبـيـة والـشـمـالـيـة لنهر الليطاني. النصف الغربي غير أن استعادة أميركا لما عدّها ترمب «مــكــانــتــهــا الــائــقــة بـوصـفـهـا أعـــظـــم وأقــــوى وأكثر الدول احتراما على وجه الأرض»، كما قال في خطاب تنصيبه، لا يمكن أن تتحقَّق إلا عبر الهدف الأبعد، المتمثل أولا وقبل أي شيء آخر في تأمين الهيمنة التامة للولايات المـــتـــحـــدة عـــلـــى الـــنـــصـــف الـــغـــربـــي مــــن الـــكـــرة الأرضية، الذي يضم طبقا لـوزارة الخارجية الأمـيـركـيـة والـــوكـــالات الـتـابـعـة لـهـا، كــل دول أمــيــركــا الـشـمـالـيـة والـــوســـطـــى والـجـنـوبـيـة، بالإضافة إلى جزر الكاريبي. وهـــو يـشـمـل، بــالإضــافــة إلـــى الـــولايـــات المتحدة، كندا والمكسيك، في أميركا الشمالية، وكُـــــا مـــن بـلـيـز وكــوســتــاريــكــا والــســلــفــادور وغواتيمالا وهــنــدوراس ونـيـكـاراغـوا وبنما في أميركا الوسطى، وأنتيغوا وبربودا وجزر الـبـهـامـاس وبـــاربـــادوس وكـوبـا ودومينيكا وجمهورية الدومينيكان وغـرانـادا وهايتي وجامايكا وسانت كيتس ونيفيس وسانت لـوسـيـا وســانــت فينسنت وجـــزر غـريـنـاديـن وتـريـنـيـداد وتــوبــاغــو فــي أمـيـركـا اللاتينية والكاريبي، والأرجنتين والبرازيل وتشيلي وأوروغواي وبوليفيا وكولومبيا والإكوادور وغـــيـــانـــا وبــــــاراغــــــواي والـــبـــيـــرو وســـوريـــنـــام وفـنـزويـا فــي أمـيـركـا الـجـنـوبـيـة، فـضـا عن كثير من الدول الجزرية الصغيرة. وباشر الرئيس ترمب مساعيه لفرض هذه الهيمنة الأميركية المُطلقة، بما قاله في خـطـاب الـقـسـم لـولايـتـه الـثـانـيـة لجهة فـرض اســـم «خـلـيـج أمــيــركــا» عـلـى خليج المكسيك، مُعيدا الاعتبار قوميا لاسم الرئيس الأميركي ، ويـلـيـام ماكينلي، الـــذي قـــاد الــولايــات 25 الـــــ المتحدة إلــى النصر فـي الـحـرب الإسبانية - الأميركية، وزاد التعريفات الجمركية لتعزيز الـــصـــنـــاعـــات الأمـــيـــركـــيـــة، فــــي اســتــراتــيــجــيــة يتبناها الرئيس ترمب بصورة شبه كاملة هـــذه الأيــــــام. وكـــذلـــك طــالــب بــاســتــعــادة قـنـاة بنما التي بناها الأميركيون، ولكن تُشغّلها شركات صينية، مضيفاً: «لم نُعطِها للصين، بل أعطيناها لبنما، وها نحن نستعيدها». وبـــعـــد أيـــــام مـــن تـنـصـيـب تـــرمـــب، كتب الـنـائـب الـجـمـهـوري المــؤيــد لـــه، تـــوم كـــول، أن «هــنــاك حقيقة واحــــدة ثـابـتـة: أمـيـركـا أعظم دولة على وجه الأرض»، عادّا أن ولاية ترمب الثانية أثبتت أن أمـيـركـا «أعـظـم أمــة عرفها الـــعـــالـــم عـــلـــى الإطـــــــــاق». غـــيـــر أن المــــؤشــــرات الأقـوى للعودة الأميركية تمثّلت في الحشد الـــعـــســـكـــري الـــضـــخـــم الــــــذي أمـــــر بــــه الــرئــيــس تـــرمـــب فــــي مــنــطــقــة الـــبـــحـــر الـــكـــاريـــبـــي تـحـت شعار مكافحة تهريب المخدرات من دول مثل فنزويلا وكولومبيا والمكسيك، والـــذي أدى أولا إلـــى فـــرض حــصــار عـلـى نـــاقـــات النفط الموضوعة على لوائح العقوبات الأميركية، ولــــم يــنــتــه بــعــد عــلــى الـــرغـــم مـــن إنـــــزال قـــوات أمـــيـــركـــيـــة خـــاصـــة فــــي كـــــاراكـــــاس، والــقــبــض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مــادورو، وزوجـــــتـــــه ســيــلــيــا فــــلــــوريــــس، واقـــتـــيـــادهـــمـــا مخفورين إلــى سجن أمـيـركـي فـي نيويورك لمـــواجـــهـــة مــحــاكــمــة بــتــهــم قــــيــــادة عــصــابــات مــــخــــدرات مـــســـؤولـــة عــــن قـــتـــل عــــشــــرات آلاف الأميركيين. وعلى الـرغـم مـن تنصيب نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز رئيسة مـؤقـتـة لـلـبـاد، أصـــر تـرمـب عـلـى وضـــع هـذا البلد تحت «الإدارة الأميركية» إلى أجل غير مسمى. قلق عالمي بــــث الـــرئـــيـــس تـــرمـــب الــقــلــق فـــي نـفـوس زعــمــاء المنطقة والــعــالــم، لا سيما فــي بـلـدان مجاورة مثل كولومبيا التي أجـرى رئيسها الـيـسـاري غـوسـتـافـو بـيـتـرو اتــصــالا هاتفيا بالرئيس ترمب، الذي دعاه إلى زيارة البيت الأبيض «قريباً». ولم يتردّد ترمب أيضا في إطـــاق دعــابــة، مـعـبـرا عــن إعـجـابـه بـفـكـرة أن يصير وزيـر الخارجية الأميركي ومستشار البيت الأبيض للأمن القومي ماركو روبيو رئيسا لكوبا بدلا من الرئيس الكوبي ميغيل ديــاز كانيل، علما بـأن روبيو ابـن مهاجرين كوبيين. وسط الدلائل المتزايدة على الطموحات الترمبية على امـتـداد الـقـارة الأمـيـركـيـة، من شـمـالـهـا إلـــى أقــصــى جـنـوبـهـا، يُـــكـــرّر تـرمـب مطالباته بــ«الـحـصـول» على غرينلاند بما في ذلك عبر استخدام القوة العسكرية، بغية مـنـع الـصـن وروســيــا مــن أي نـشـاطـات على مثل هــذه المسافة مـن الــولايــات المـتـحـدة، في أمــر ترفضه الـدنـمـارك، الــدولــة الأم للجزيرة الأكـــبـــر عــالمــيــا، وتـــنـــدد بـــه الـــــدول الأوروبـــيـــة عـــمـــومـــا، مـــحـــذرة مـــن أن الإصـــــــرار عــلــى ذلــك يعني تفكك حلف شمال الأطلسي «الناتو». وتحت وطـأة كل هـذا الضجيج، يسعى ترمب منذ أشهر إلى وقف الحرب المتواصلة ســنــوات بــن روسـيـا 4 بــا هــــوادة مـنـذ نـحـو وأوكرانيا، حتى لو تنازلت كييف عن منطقة دونــبــاس الـغـنـيـة لمصلحة مـوسـكـو. غـيـر أن القطبة الخفية لا تزال قائمة في السؤال: لماذا لم تحصل الصفقة المنشودة حتى الآن؟ يستعد الـرئـيـس تــرمــب لـسـنـة فـاصـلـة، ،2026 ) يوليو (تموز 4 وموعد تاريخي هو بتحضيرات بـدأت مع تشكيله «فريق العمل »، قــائــا إنـه 250 المـعـنـي بـاحـتـفـالات أمـيـركـا ، ستحتفل أميركا بأهم 2026 يوليو 4 «فــي عاماً 250 حـدث في تاريخها، ألا وهـو مـرور على استقلالها»، مضيفا أنه «بورقة واحدة تـــوقـــيـــعـــا، بـــــــدأت أمـــيـــركـــا أعــــظــــم رحــلــة 56 و سياسية في تاريخ البشرية». كانت تلك الورقة إعلان استقلال أميركا. المؤيدون والخصوم يرددون كل يوم: ترمب، ترمب، ترمب. وترمب يردد على مدار الساعة: أميركا، أميركا، أميركا. واشنطن: علي بردى (أ.ف.ب) 2025 مايو 26 الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال احتفال يوم العيد الوطني بمقبرة أرلينغتون في قدّم ترمب منذ بدء رئاسته الثانية مؤشرات على البُعدين الداخلي والخارجي لما سمّاه «العصر الذهبي لأميركا» ؟2025 من الفوضى إلى السيطرة... كيف أعاد ترمب تشكيل البيت الأبيض في لم يعد البيت الأبيض مجرد مركز لاتخاذ القرارات الـتـنـفـيـذيـة، بـــل تـــحـــوّل، خـــال الـــعـــام الأول مـــن الــولايــة الرئاسية الثانية لدونالد ترمب، إلى حصن للسياسات القومية الصارمة. وخــال هـذا الـعـام، سعى ترمب إلى إعادة رسم خريطة الولايات المتحدة داخليا وخارجياً. ولــــم يــكــتــف بـتـعـزيـز الـسـلـطـة الـتـنـفـيـذيـة عــلــى حـسـاب السلطتين التشريعية والقضائية، بـل أحــدث تحولات جذرية في هيكلة البيت الأبيض وأدواتـه، مستفيدا من دروس ولايته الأولى لفرض أجندة أكثر تنظيماً، وأشد عدوانية في بعض الأحيان. واستطلعت صحيفة «الشرق الأوسط» آراء خبراء ومسؤولين أميركيين سابقين، حذّروا من أن العام الأول من ولايـة ترمب الثانية يرسّخ توجّه الولايات المتحدة نحو انعزالية اقتصادية وسياسية، في وقت تتصاعد فيه التوترات الدولية والانقسامات الداخلية. كما يثير هذا النهج، في نظر بعضهم، مخاوف من تحوّل الرئاسة إلـــى أداة قـــوة شخصية تــخــدم شــاغــل الـبـيـت الأبــيــض، وسط خشية متزايدة من تآكل الديمقراطية وترسّخ ما باتت تُعرف بـ«عقيدة القوة» في السياسة الأميركية. من الفوضى إلى التنظيم )2021 - 2017( اتــســمــت الــــولايــــة الأولــــــى لــتــرمــب بفوضى إداريـــة واضـحـة، عكستها تعيينات متسارعة وإقــــــــالات مـــفـــاجـــئـــة. أمـــــا ولايــــتــــه الـــثـــانـــيـــة، فـــبـــدت أكــثــر تـنـظـيـمـا واســـتـــعـــداداً، مـسـتـفـيـدة مـــن أجـــنـــدة واضــحــة، » الـصـادر عن معهد «هيريتغ»، 2025 أبـرزهـا «مـشـروع الـذي يهدف إلى تعزيز السياسات المحافظة اليمينية، وتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية. ،2025 ) وحــتــى منتصف ديـسـمـبـر (كـــانـــون الأول أمرا تنفيذياً، وهو عدد يفوق 220 أصدر ترمب أكثر من إجمالي الأوامـــر التنفيذية التي أصـدرهـا خـال ولايته أمراً)؛ ما يشكّل أعلى معدل لاستخدام هذه 220( الأولى الأداة منذ عهد الرئيس فرانكلين روزفلت. واستُخدمت الأوامــــر التنفيذية لـتـجـاوز الـكـونـغـرس، وإلــغــاء برامج مثل سياسات التنوع والإنصاف، وتشديد أمن الحدود الجنوبية، وفـــرض قـيـود صـارمـة على الـهـجـرة. وعلى خــاف ولايـتـه الأولــــى، الـتـي اتسمت قـراراتـهـا بـقـدر من الارتجال، ركّــزت الولاية الثانية على الاقتصاد والأمن، وتــفــكــيــك الــبــيــروقــراطــيــة الـــفـــيـــدرالـــيـــة، وإعـــــــادة تـرتـيـب الأولـــويـــات الاقــتــصــاديــة، وتـعـظـيـم دور رجــــال الأعــمــال وأباطرة التكنولوجيا داخل الإدارة. ، فرض ترمب تعريفات 2025 ) وفي أبريل (نيسان في المائة، تصاعدت لتتراوح 10 جمركية عامة بنسبة في المائة على الصين ودول أخرى؛ بهدف 145 و 50 بين تقليص العجز الـتـجـاري. غير أن هـذه السياسات أدت إلــى ركـــود صناعي جـزئـي وأضـعـفـت الطبقة الوسطى الأمـيـركـيـة، خـافـا لــوعــود تـرمـب الانـتـخـابـيـة بتحقيق «الازدهـار الاقتصادي». ويرى خبراء أن البيت الأبيض في العام الأول من ولاية ترمب الثانية تحوّل من ساحة صراعات داخلية إلى أداة للسيطرة، مع بروز شخصيات نافذة مثل سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، الـتـي تمتلك تـأثـيـرا واسـعـا فـي توجيه الـرئـيـس وإدارة اندفاعه ورغبته في الانتقام السياسي، وفـق مراقبين. كما تعزّز نفوذ كـارولـن ليفيت، أصغر متحدثة باسم عاماً)، في صياغة الرسائل الإعلامية 28( البيت الأبيض ومــواجــهــة الانـــتـــقـــادات. وتـمـثـل الشخصيتان نموذجا لحضور نسائي قوي داخل إدارة ترمب. التدخلات الأميركية مستمرة يشير السفير الأميركي المتقاعد جيمس جيفري، المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا، إلى هيمنة التيار الداعم للتدخل الدولي في الشرق الأوسط، والذي يضم فريق ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، وتوماس برّاك، ومورغان أورتيغوس. ويقول، في تصريحات لـ«الشرق الأوســــط»، إن هـذا التيار متحالف مـع وزيــر الخارجية ماركو روبيو، وما تبقَّى من مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية، لافتا إلـى وجـود مصالح تجارية قوية مرتبطة بــالإدارة وبترمب شخصياً؛ ما أسفر عن استمرار الانخراط العسكري والتجاري والدبلوماسي المكثف في المنطقة. مـن جهته، يــرى آرون ديفيد ميلر، الزميل الـبـارز فـي مؤسسة «كـارنـيـغـي» للسلام الــدولــي، والـــذي شغل مـنـاصـب فــي إدارات أمـيـركـيـة ديـمـقـراطـيـة وجـمـهـوريـة عــدة، أن السنة الأولـــى مـن ولايــة ترمب الثانية اتسمت بالبراغماتية والتركيز على إبــرام الصفقات السريعة. ويشير، فـي حديث لــ«الـشـرق الأوســــط»، إلــى أن ترمب، نـــــزاعـــــات، فـــإنـــه لا يـــبـــدو مـهـتـمـا 8 رغـــــم ادعــــائــــه إنــــهــــاء بــمــعــالــجــة الــــجــــذور الــعــمــيــقــة لـــلـــصـــراعـــات، بـــل يكتفي بإنهائها على السطح. ويخصّص ميلر حديثه للوضع في غـزة، عـادّا أنه رغم وقف إطـاق النار وإطـاق سراح الـرهـائـن، فــإن غــزة لـم تقترب مـن الاسـتـقـرار الوظيفي. وفيما يتعلق بإيران، يرى أن الضربات الأميركية أخَّرت البرنامج الـنـووي، لكنها لـم تقض عليه. أمـا فنزويلا، فيصفها بأنها تجسيد لنهج «الانتصار السريع»؛ إذ لا يسعى ترمب إلى خلق ظروف انتقال ديمقراطي، بل إلى استعراض البراعة العسكرية، عبر «اختطاف» الرئيس نــيــكــولاس مـــــادورو وزوجـــتـــه، مـــع الإبـــقـــاء عـلـى الـنـظـام قائماً، على حد وصفه. ويشير ميلر إلـى أن ترمب يـــروّج لفكرة استعادة الـعـزيـمـة والـــقـــوة الأمــيــركــيــة؛ مـــا دفـــع قــــادة الــعــالــم إلـى الإســـــراع فــي الــتــواصــل مــعــه؛ إمـــا خــوفــا، كـمـا فــي حالة الـــرئـــيـــس الـــكـــولـــومـــبـــي، أو شــــعــــورا بــالــتــهــمــيــش، كـمـا لــــدى المـــعـــارضـــة الـفـنـزويـلـيـة بــقــيــادة مـــاريـــا مــاتــشــادو، أو بـسـبـب الانـــقـــســـام الـــداخـــلـــي، كــمــا هـــي حــــال الاتــحــاد الأوروبـــي. ويلاحظ ميلر حالة غضب وإحـبـاط واسعة من سياسات ترمب الخارجية، تقابلها في الوقت ذاته محاولات متزايدة من قادة العالم لاسترضائه والتقرّب منه. ويضيف أن أكثر ما يثير قلقه هو «تعطّل النظام السياسي الأميركي»، عادّا أن إصلاحه «سيستغرق وقتا المتبقية 3 طويلاً»، ومتسائلا عمّا قد تحمله السنوات الـ من ولاية ترمب. خيبة أمل تيار «أميركا أولاً» أدّت التدخلات الخارجية التي أقدم عليها الرئيس الأميركي، إلى خيبة أمل داخل التيار الانعزالي في إدارة تــرمــب. ويــقــول سـكـوت أبــرامــســون، الـزمـيـل فــي «معهد واشـنـطـن لـسـيـاسـات الــشــرق الأدنـــــى»، إن قــاعــدة ترمب الانتخابية وإدارته أشادتا بخطاب الرئيس في الرياض فـي مايو (أيـــار)، حـن انتقد «المتدخلين فـي مجتمعات معقدة لا يفهمونها». ويــــســــتــــدرك أبـــــرامـــــســـــون، فـــــي حــــديــــث لـــــ«الــــشــــرق الأوســط»، قائلاً: «لكن منذ ذلـك الخطاب، توسّع نطاق الانـخـراط الأميركي الخارجي، من رعاية اتفاق السلام بـن أرمينيا وأذربـيـجـان، إلــى اتـفـاق وقــف إطــاق النار في غـزة، ومـحـاولات التوصل إلـى تسوية بين إسرائيل وســـــوريـــــا». ويــــــرى أبــــرامــــســــون أن الـــنـــجـــاح الأمـــيـــركـــي فــي اســتــهــداف الـبـرنـامـج الـــنـــووي الإيـــرانـــي، والإطــاحــة بأقرب حلفاء طهران في نصف الكرة الغربي، الرئيس نـــيـــكـــولاس مـــــــــادورو، عــــــزّز مـــيـــل تـــرمـــب إلـــــى اســـتـــخـــدام الـقـوة الأمـيـركـيـة دولــيــا، فـي حـن يتحسر الانـعـزالـيـون فــي قـاعـدتـه الانـتـخـابـيـة عـلـى هـــذا الــتــوجــه، عـــادّيـــن أنـه يتناقض مـع شـعـار «أمـيـركـا أولاً». ويختلف ميلر في تفسير هــذا الـشـعـار، عـــادّا أنــه لا يعكس انعزالية بقدر ما يجسّد «إحساس ترمب بالقوة والسيطرة، وإثبات أن لـلـولايـات المتحدة نـفـوذا فـي كـل مـكـان». ويشير إلى «تضخم غير مسبوق» في السلطة الرئاسية، وتقويض المـعـايـيـر والمــؤســســات الأمــيــركــيــة، وارتـــفـــاع مستويات الــفــســاد والمــحــســوبــيــة، فــضــا عـــن الـــضـــرر الــــذي يلحق بالنسيج الأساسي للحكومة الأميركية. «القوة تصنع الحق» يــصــف جــيــمــس زغـــبـــي، رئـــيـــس المــعــهــد الـــعـــربـــي - الأمــيــركــي فـــي واشــنــطــن، الـــعـــام الأول مـــن ولايــــة تـرمـب الثانية بأنه «مخيف»، معربا عن قلقه من الأضرار التي لحقت بالديمقراطية الأميركية وبالسياسة الداخلية والخارجية. ويقول لـ«الشرق الأوســط» إن ترمب «فكّك الحماية الدستورية، وأطلق العنان لقوى تنفذ أوامره، وقمع الاحتجاجات، وفرض برنامجا اقتصاديا أدى إلى تسريح عشرات الآلاف من الموظفين الفيدراليين». ويـتـفـق زغــبــي مــع مـيـلـر فــي أن ابــتــعــاد تــرمــب عن الـقـانـون الـدولـي واعـتـمـاده على «أخـاقـيـاتـه الخاصة» يعنيان أن القوة باتت هي التي تصنع الحق. ويشير إلى أن وعود ترمب للأميركيين بالاستفادة من نفط فنزويلا لا تستند إلى واقع؛ إذ إن إصلاح البنية التحتية للنفط الثقيل سيستغرق سنوات طويلة، عادّا أن النفط لم يكن سوى ذريعة لإيصال رسالة مفادها أن ترمب قادر على فعل ما يريد دون رادع. أجواء التنافس داخل البيت الأبيض مـــع اقــــتــــراب مـــوســـم الـــحـــمـــات الانــتــخــابــيــة، يـبـرز تنافس واضح بين نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية مـاركـو روبـيـو. ويــرى زغبي أن هـذا الصراع يتمحور حـول النفوذ والمناصب أكثر مـن كونه خلافا جوهريا في السياسات، محذّرا من أن ما يقوم به ترمب مـــن تـعـيـيـنـات قــائــمــة عــلــى الــــــولاء، ووضــــع اســمــه على واجـهـات مؤسسات وطنية، يعكس مسار بناء «نظام ســلــطــوي طـــمـــوح»، ســتــكــون لـــه تـــداعـــيـــات عـمـيـقـة على الديمقراطية الأميركية خلال السنوات المقبلة. واشنطن: هبة القدسي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky