حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبيا في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت. في فرنسا فرض ديكارت نفسه. ربما لهذا السبب لم يصل الكتاب إلى الشعبية التي بلغها في بلدان أخرى». إجـــــابـــــة مــــاركــــيــــز تــــبــــدو صـــــادمـــــة جـــــداً، وغريبة في الوقت نفسه. فما علاقة ديكارت الفيلسوف الفرنسي الشهير بـروايـة تُترجم إلى الفرنسية، وكيف أخضع ديكارت فرنسا وسيطر عليها كليا حتى لا تتمكن من تقبل رواية من طراز «مائة عام من العزلة»؟ من جانب آخر، أستطيع أن أضع ثقافتنا الآن في مواجهة سـؤال يشبه ما قاله ماركيز عـــن كــبــريــاء الـفـرنـسـي الـعـقـانـي الــــذي رفـض تذوق رواية من أميركا اللاتينية لأنها صدمت أركـــــــان الـــعـــالـــم الــعــقــلــي الــــــذي بـــنـــاه ديـــكـــارت للفرنسيين لـ«حمايتهم مـن الـوهـم والتأكيد على عالم التجربة المحدود الذي نعيش فيه». بــالــنــســبــة لـــنـــا كــــقــــراء فــــي ثـــقـــافـــة أخــــرى مختلفة عـن الثقافة الفرنسية فـي كـل شـيء، أُعـــجـــبـــنـــا بــــأعــــمــــال مــــاركــــيــــز جـــمـــيـــعـــهـــا. لـقـد اعتبرنا كتاب أميركا اللاتينية صانعي رواية بامتياز. وانتشرت كتب ماركيز وبورخيس وكورتاثار وفوينتس وساباتو وغيرهم من الـكـتـاب بيننا ومــا زلـنـا نـقـرأهـا. لكن الـسـؤال الأهــــــم الــــــذي يـــطـــرح نــفــســه هـــــو: هــــل أضـــافـــت روايـات ماركيز على أقل تقدير إيقاعا جديدا على أعـمـال روائــيــة تكتب وتنشر عـنـدنـا؟ أو بـعـبـارة أكـثـر دقـــة: هـل استفدنا مـن الواقعية الـــســـحـــريـــة فــــي تــغــيــيــر وجـــهـــة نـــظـــر الــــروائــــي العربي تجاه الواقع الذي يعيش فيه، ويكتب عنه؟ وإذا كان ماركيز فسر عدم انتشار روايته شعبيا فــي فـرنـسـا بسبب التفكير العقلاني الذي يتمتع به الفرنسي فكيف نفسر انتشار روايـــــة الــواقــعــيــة الـسـحـريـة بـــن الــــقــــراء، ومـن ضـمـنـهـم كــتــاب روائــــيــــون، دون أن نستطيع تحديد ملامح هذا التأثر الفني بهذا الاتجاه الفني الـرائـد، أعني هل لدينا نماذج روايـات اسـتـلـهـمـت الـــواقـــعـــيـــة الــســحــريــة وقـــربـــت لنا الـواقـع بطريقة مختلفة بحيث جعلتنا نـراه من زاوية أخرى؟ من خلال متابعتنا لما يكتب هنا وهناك، وجدنا أن هناك فجوة كبيرة بين الإعـجـاب بماركيز واستلهام تـــراث الواقعية السحرية. كما أن هناك اهتماما قليلا بمنهج الــواقــعــيــة الـسـحـريـة كـفـن يـــحـــاول أن يعلمنا تحطيم الحدود الشكلية للأشياء، والأهم من هــذا يسعى الــروائــي الـــذي يستلهم الواقعية السحرية إلى التقليل من سيطرة العقل على العالم. وهــذا أحـد أهــداف الواقعية السحرية المهمة. ولـــــــو كـــــــان مــــاركــــيــــز مـــتـــابـــعـــا لـــأعـــمـــال الــروائــيــة الـــصـــادرة عـنـدنـا ربــمــا لتعجب من عــــدد الـــقـــراء المـعـجـبـن بـــأدبـــه مـــع قــلــة الـتـأثـر بهذا النوع من الأدب. لا أعـرف كيف سيفسر مـاركـيـز هـــذه الــظــاهــرة الـغـريـبـة الــتــي تـنـدرج ضمن الإعجاب بأدبه دون أي تأثر بما كتب. فـمـا زلــنــا نـفـكـر بـالـعـالـم وكــأنــه كـتـلـة تخضع لتفسير واحد وعلينا تصديق هذا التفسير... هذا ما يجعلني أقول إن ماركيز منفي عندنا كما نفته فرنسا قبلنا حين وضعته في سجن عقلها الديكارتي. لكن كيف فهمنا الواقعية السحرية في نهاية المطاف. هل هناك رواية عربية تعاملت مع الواقع من خلال وجهة نظر خاصة تقودنا إلى الشعور بالعالم وهو يسير بسرعة فائقة أمـامـه؟ أليست هــذه هـي رسـالـة ماركيز أولاً، ورسالة واقعيته السحرية قبل كل شيء؟ بـهـذا الـوعـي تنفتح الـواقـعـيـة السحرية عـــلـــى عــــالــــم الأشــــــيــــــاء، وهــــنــــا فـــــي إطـــــــار هـــذا الإحــســاس الـشـفـاف بالعالم تخضع التقنية لــوجــهــة نــظــر الــــروائــــي فـتـنـدمـج بــهــا وتــــذوب بشكل كامل. التقنية مـرآة تكشف لنا حقيقة العالم وإظـهـاره بصورة جديدة مختلفة. لذا سيكون تـسـاؤلـي بعد كـل مـا قـلـت: هـل لدينا عــائــق مـــا مـــن حــــدوث الـتـغـيـر الـجـمـالـي الـــذي يجعلنا نفكر بأسلوب جديد وبعاطفة أكثر تـسـامـحـا؟ هــل مـــرت عـاصـفـة روايــــات ماركيز دون أن تـحـدث التغير المطلوب فـي طريقتنا المتعلقة برؤية العالم من حولنا؟ ليست الواقعية السحرية تكتيكا سرديا يستخدمه الـــروائـــي للتأثير فــي الـــقـــراء، كما أنــهــا لـيـسـت نــقــا مــبــاشــرا لــلــواقــع كـمـا نـــراه. تقترب الواقعية السحرية من الوجودية إلى درجـــة يختفي الـحـد الـفـاصـل بينهما. وهنا يتشابه الـــروائـــي ذو الـخـيـال الأكــثــر نـقـاء مع الوجودي الذي يكره سيطرة الاحتمال الواحد على الواقع. نحن إذن أمام تمرد كبير يحاول تخليصنا من الإحـسـاس المتكرر بالعالم من حـولـنـا وكــأنــنــا نــقــوم بـــالـــدور نـفـسـه كـــل يـوم متناسين أفعالنا الإنسانية وقلقنا الوجودي الذي لا يهدأ. بعد هذه المقدمة لا بد من التوقف عند وجـــهـــة نــظــر مـــحـــددة طــرحــهــا الـــنـــاقـــد فـاضـل ثـــامـــر فــــي كـــتـــاب «المــــقــــمــــوع والمــــســــكــــوت عـنـه فــي الــســرد الــعــربــي». الحقيقة أحـسـسـت بـأن الواقعية السحرية التي تحدث عنها ثامر في كتابه تختلف جذريا عن الواقعية السحرية الـتـي أشــار ماركيز إليها فـي بعض أحاديثه ومقالاته وأعماله الروائية. فعلى مستوى المفهوم استخدم فاضل ثامر ثلاث مفردات هي الغرائبي والفانتازي والـــواقـــعـــي الـــســـحـــري ظــنــا مــنــه أنـــهـــا كـلـمـات مترادفة. والحقيقة أن هناك فرقا بينها لا بد مـن إيـضـاحـه، فما يستخدم فـي مـجـال النقد »؛ أي الواقعية السحرية، وهذا Magico« هو المصطلح هو الأكثر شهرة والأكثر استخداما في إسبانيا وفي أميركا اللاتينية، والأدق في التعبير عن هذه المدرسة الفنية. أمــا الغرائبي فهي مـفـردة تشير إلــى ما هو غريب عن الـواقـع، وهـي ليست أفضل من كلمة «الـفـانـتـازي»؛ هــذه الكلمة المعربة التي تــعــنــي الــــوهــــم، ولا عـــاقـــة لــهــاتــن الـكـلـمـتـن بالواقعية الـسـحـريـة. ولــو عـدنـا إلــى ماركيز فـقـد حــــاول تـبـبـن وجــهــة نــظــره الــتــي ترتبط بالخيال كمفهوم نقدي قبل كل شيء. إذن اســــتــــخــــدام هـــــذه الـــكـــلـــمـــات الـــثـــاث مــتــرادفــات خـطـأ نـقـدي لا بــد مــن الانـتـبـاه لـه. ولا يــمــكــن بـــــأي حـــــال مــــن الأحــــــــوال الاعـــتـــقـــاد أن الـــواقـــعـــيـــة الــســحــريــة هـــي مـــجـــرد أســلــوب أدبــي يمكن تعلمه بـل هـي وجهة نظر فكرية تنتقد أي تفكير يحاول السيطرة على الواقع ويـفـرض عليه طابعا واحـــداً. إن قــوة الـروايـة تأتي من هذا الإيمان بأن الحياة تنوع مذهل يصدم الإنسان ويدفعه للتساؤل والحيرة إزاء ما يراه. لكن إذا عدنا لوجهة نظر فاضل ثامر فـــســـنـــرى أن الـــواقـــعـــيـــة الـــســـحـــريـــة شـــــيء آخـــر يختلف كثيرا عما قدمه ماركيز، ومـا تحدث عـــنـــه. وفـــاضـــل ثـــامـــر يـــضـــرب مـــثـــا لـلـواقـعـيـة السحرية بماركيز نفسه. أظن أن الخطأ النقدي الثاني الذي وقع فيه فـاضـل ثـامـر هـو محاولته تفسير ظهور الواقعية السحرية وكأن هذا النمط من السرد خــضــع لمــنــطــق الــســبــب والــنــتــيــجــة، إذ لعبت الــظــروف فـي دفــع الــروائــي إلــى الـلـجـوء لسرد غـيـر تـقـلـيـدي تـمـاشـيـا مــع تـغـيـيـرات الـعـصـر. يقول فاضل ثامر «إن القاص العربي لم يعد قـــادرا على تصوير معاناة الإنـسـان فـي عالم شديد التعقيد بالأدوات الواقعية أو التقليدية الـتـي كــان معتادا عليها، خـاصـة بعد أن راح هـذا الإنـسـان يتعرض لسلسلة مـن الضغوط والإحباطات والعذابات التي لا يمكن قهرها .)2 أو مواجهتها» (ص هذا أحد أسباب تفضيل الروائي العربي للواقعية السحرية. لنتابع كـي نتعرف على أسباب أخرى يعرضها الناقد لنا، يقول أيضاً: «كــمــا يـسـهـم هــــذا المــنــحــى فـــي تــحــريــر الــســرد العربي من الرتابة والتقليدية والفوتغرافية والآلية ويكسبه المزيد من الشفافية والرهافة .)3 والفنية» (ص إذن هناك سبب فني أيضا دفع الروائي لاختيار أسلوب الواقعية السحرية، ثم نصل إلــى النقطة الأخــيــرة الـتـي يـقـول فيها فاضل ثـامـر: «إضــافــة إلــى مـا تـقـدم فــإن هــذا المنحى الغرائبي والسحري والفنطازي يعيد سرد ما انقطع بين السرد العربي الحديث والمــوروث .)4( » السردي والحكائي العربي القديم الـــواقـــعـــيـــة الــســحــريــة هـــي مــنــحــى أدبـــي لـجـأ إلـيـه الـــروائـــي ليتمكن مــن وصـــف واقـعـه بأسلوب لا تستطيع الأدوات التقليدية فعله. وكانت هناك أسباب خارجية دفعت الروائي لممارسة هذا اللون من السرد، أهمها إمكانية تـصـويـر الــواقــع بشكل أفـضـل كـمـا بـيـنـا. لكن هــل هـــذه الأســـبـــاب كــل مــا جعلت مـاركـيـز هو مـــاركـــيـــز؟ هـــل هــــذه هـــي كـــل أســــــرار الــواقــعــيــة السحرية التي عرضها لنا فاضل ثامر بأمانة كبيرة؟ أيـن الوعي النقدي بالواقعية السحرية كما تكشف عنها أحاديث ماركيز؟ أين فاعلية الخيال التي ترفض الاحتمال الواحد وتقدم الحياة على أنـهـا أكـثـر رحـابـة وأكـثـر جـمـالاً؟ أيـــن الـصـدمـة الـتـي تـعـرض لـهـا مـاركـيـز وهـو يــلــمــس فــــي لــحــظــة قـــصـــيـــرة فـــنـــاء مـــاكـــونـــدو مدينته الأثيرة عنده؟ أســـئـــلـــة أخـــــــرى لــــن نـــجـــد أجـــوبـــتـــهـــا فـي الصورة التي رسمها فاضل ثامر لهذا المنهج الـــســـردي الـــرائـــع الــــذي أجـــد فـيـه صــرخــة ضد عقلانية الاحتمال الواحد. ثم كيف نفسر إصــرار الناقد على ربط الواقعية السحرية بأسلوب قديم سردي قديم يجد الناقد فيه بذورا لواقعية سحرية قديمة. ولـو أن الناقد فاضل ثامر عـرف لنا الخيال، ولـو أنـه حلل ما قاله ماركيز عن عمله لوجد أن هـنـاك مـسـافـة كـبـيـرة بــن الــســرد الحكائي المــــوروث وســـرد الـواقـعـيـة الـسـحـريـة. أظـــن أن مشكلة فهمنا للواقعية السحرية ينشأ من افــتــقــار ثـقـافـتـنـا لــاهــتــمــام بـعـنـصـر الـخـيـال قـــبـــل كــــل شــــــيء. إنـــنـــا نــجــيــد مـــعـــركـــة الـــجـــدل والاســـتـــنـــتـــاج والـــبـــحـــث عــــن حــقــيــقــة وحـــيـــدة ومـطـلـقـة. وكـــل هـــذا يطبع وعـيـنـا ويجعله لا يهضم عملا لماركيز أو بورخيس. لست متفقا مع الناقد في أن هناك بذورا للواقعية السحرية فـي أنـمـاط سـرديـة قديمة يـعـددهـا الـنـاقـد فـاضـل ثـامـر مـثـل «ألـــف ليلة ولـيـلـة»، والسير والمــغــازي وسـيـرة عنترة بن شــداد والسيرة الهلالية. وهنا أتـسـاءل كيف لـم تترك هــذه الـسـرديـات المتنوعة فنا خاصا بـنـا لـــه مــامــح واقــعــيــة سـحـريـة قــرأنــاهــا في أعــمــال أدبــيــة شـهـيـرة. فـكـل هـــذه الأنـــمـــاط من الـسـرد تضم مـامـح واقعية سـاذجـة مطابقة للواقع أو تستخدم الوهم الذي يكرهه ماركيز أو تصف واقعا معينا وكأنه واقع ساكن ثابت لا ينتهي. مثل هذه الملامح السردية تحاربها الواقعية السحرية. وعلى النقد أن يقوم أولا بتحديد المصطلحات ثم دراسـة وجهة النظر الـنـقـديـة الــخــاقــة الــتــي تعلمنا إيـــاهـــا روايـــة حقيقية غير تقليدية وتستحق أن نقول بحق إنها رواية تعكس روح الواقعية السحرية. لو كان ماركيز متابعا للأعمال الروائية الصادرة عندنا ربما لتعجب من عدد القراء المعجبين بأدبه مع قلة تأثر الكتاب الثقافة CULTURE 18 Issue 17219 - العدد Monday - 2026/1/19 الاثنين رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين تلعب روايــة «صيف مختلف... مذكرات سـالـم» للكاتبة الأردنــيــة رونـــد الكفارنة على وتر التنمية الذاتية لليافعين، وتخاطب فيهم الوجدان والعقل معاً. اخـــــتـــــارت الـــكـــاتـــبـــة أن تـــجـــعـــل روايـــتـــهـــا الصادرة حديثا عن «الآن ناشرون وموزعون» فــي الأردن، عـلـى صـــورة يـومـيـات عـلـى لسان ســالــم؛ بـطـل الـقـصـة، إذ يــبــدأ حـديـثـه بـالـيـوم الأخـــيـــر فـــي المــــدرســــة فـــيـــقـــول: «هـــــذا هـــو آخــر يوم لنا في المدرسة، كنت أراقـب السَّاعة على حـائـط الـصـف وهــي تقترب مـن آخــر اختبار، رن الجرس، قفزت من دَرجي، وناولت الأستاذ ورقة الاختبار، وانطلقت مُسرعا تجاه الباب؛ مُعلنا أن العطلة بدأت». ولمجرد أن العطلة قد بدأت فلا يشغل بال سالم سـوى اللعب والحلوى واللهو والنوم، معلنا أنه سيمارس هواية النَّوم حتَّى الظُّهر: «أسـهَــر حتَّى الصَّباح، فلا مـدرسـة، ولا مزيد من الطَّوابير الصباحيَّة. لا وجود للمدير الذي يصر على انضباط الصفِّ، ورياضة الصَّباح، دون الاهتمام إن كان الطَّقس باردا وماطراً، أو كانت حـرارة شهر آب الـذي يشبه خليَّة نحل، أو مُحرِّك درَّاجـة ناريَّة، ودون أصـوات الطَّلبة الــعــالــيــة، وحـــتَّـــى أســـتـــاذ الأحـــيـــاء (فــــرج الـلـه) بنظَّارته السَّميكة، وإشاراته الحمراء الكثيرة على دفتري، ثُــم من أخبره أنَّني أحـب مادَّتي الأحياء والجغرافيا؟». وككثيرين مـن أبـنـاء هــذا الجيل فكل ما يشغل سـالـم هـو اللعب والـلـهـو والــركــض مع الـــرفـــاق، ولــكــن لـيـس كـــل شـــيء يـتـمـنـاه الـفـرد يــجــده، فـحـن راودت ســالــم فــكــرة الـــراحـــة في الإجــازة تذكر أن أمـه ستدعو عمته وأبناءها لـقـضـاء أســـبـــوع فـــي بـيـتـهـم، وبــــدأ يـشـكـو من أبـــنـــاء عـمـتـه ومــــا يـسـبـبـونـه مـــن إزعــــــاج، كما أنــــه يـشـعـر أن أمــــه لـــن تــتــركــه دون أن تكلفه بـمـهـام كــثــيــرة، فـيـقـول ســـالـــم: «عــنــدمــا تـكـون الــولــد الأكـــبـــر، وتــبــدأ الـعـطـلـة سـيـكـون هنالك مـهـام كـثـيـرة، ستستغلُّني أمِّـــي بعمل أشياء كثيرة لاعـتـقـادهـا بـــأن هــذا يـصـنَــع مـنِّــي ولـدا صــالــحــا، وهـــكـــذا أخـبـرتـنـي أنَّــــه يــتــرتَّــب عـلـي تنظيف العِليَّة، فالعِليَّة تُشكِّل المخزن الرَّسمي للعائلة، بها كـل مـا لا ترغب أمِّــي فـي رؤيته، كـانـت جـدَّتـي تـرفـض رفـضـا قاطعا أن نقترب مـنـهـا، لــم تـخـبـرنـي أبـــــداً... مــا المــانــع مــن عـدم السَّماح لي أتجوَّل فيها ومُعاينة ما فيها؟». وعــنــدمــا بـــدأ ســالــم فـــي تـنـظـيـف الـعِــلّــيّــة لفت نظره مظروف مغلق يمكن القول إنـه قد تسبب في تغيير أشياء كثيرة في شخصية سـالـم، وفـي أحـــداث أيـامـه خـال فترة الإجــازة الصيفية. وعـــنـــدمـــا شـــاهـــد ســـالـــم رســــائــــل كــثــيــرة وحكى له أبوه عن الوقت الذي كانت تستغرقه المخاطبات والرسائل بين الناس، وأنهم كانوا ينتظرون أحيانا لشهر أو أكثر حتى تصلهم أخــــبــــار الـــغـــائـــبـــن أو المـــســـافـــريـــن أخـــــذ يـفـكـر: «تأكَّدت أنَّنا نملك كثيرا من النّعَم بين أيدينا، إذا أحسنَّا ورشَّــدنـا استخدام التكنولوجيا، بما ينفعنا فـي حياتنا ومُستقبلنا. حقيقة هـــي نــعــمــة كــبــيــرة جـــــدّا يــجــب أن نــشــكــر الـلـه عليها». وتـخـتـتـم الـكـفـارنـة روايــتــهــا عـلـى لسان ســـالـــم الـــــذي تـــوصَّـــل إلــــى حــكــمــة بــعــد كـــل ما رآه وعــاشــه، تُــعـد خـاصـة تجربته: «أظـــن أن الــكُــنــوز تـتـعـلّــق بـكـيـف تـجـعـلـنـا ســـعـــداء وأنـــا اليوم سعيد، سعيد جدّاً، ولكنَّني توقَّفت عن العبث بمُكوِّنات أي عِليَّة في أي مكان، يكفيني كـل ذلــك، والغريب أن ذلـك لم يُعفِني من لعب الـكـاراتـيـه أبـــداً، وعـنـدمـا عُــدنـا أخبرتني أمِّــي أن الـــدروس التي سآخذها ستكون مضاعفة لألحق بالطلَّب الآخرين». ولـــلـــمـــؤلـــفـــة مـــجـــمـــوعـــتـــان قــصــصــيــتــان: «للأشياء أسماء أخــرى»، و«ذاكــرة متكسرة»، ورواية بعنوان «فستان أحمر». عمان: «الشرق الأوسط» مائة عام على ميلاد السياب والبياتي وبلند الحيدري هل الذاكرة عقلانية؟ حـــن فـاتـحـنـي الــصــديــق الــدكــتــور عــارف الـسـاعـدي برغبته فـي أن أشــارك فــي ذكــــرى مــــرور مــائــة عـــام عـلـى مـيـاد الـــشـــعـــراء الـــثـــاثـــة (الـــســـيـــاب والــبــيــاتــي وبـلـنـد الــحــيــدري) أذهـلـتـنـي الـفـكـرة من حيث قيمة الوفاء لذاكرة الثقافة، ثم من حيث تحريك ذهني لمعنى الحديث عن ميلاد أي أحد بعد مائة عام من الحدث؛ ذاك الحدث الذي كان من حقه الأفول كما هــي حـــال كــل مـوالـيـد ذاك الـعــام البعيد عنا زمـنـا ومـكـانـا ومعنى. وهـــذه لعبة مخاتلة من ألاعيب الذاكرة التي تبتكر احتيالاتها الخاصة فتختار واحدا منا لكي يتذكر وهذا ليس اختيارا عشوائيا بدليل أن الــذاكــرة اخــتــارت هــذا الـواحـد لأمر توسمته فيه وهو أن يحترم هدية الــــذاكــــرة، مـــن حــيــث هـــي ذاكــــــرة ثـقـافـيـة تـحـمـل بـرهـانـهـا الـــخـــاص وعـــامـــة ذلـك هي الدهشة التي تختالنا مع مثل هذه الـــحـــالـــة الــعــجــائــبــيــة، وكـــيـــف اخــتــارنــي عـــارف ليطلب مـنـي طـلـبـا كــهــذا، ومـــاذا لو اعتذرت منه بحجة ما، مثل أن أبتكر أي كذبة يسمونها عادة بالبيضاء كي أتخلص. ولكني لـم أبحث عـن عــذر، وكـل ما قـلـتـه لـــه هـــو «أبــــشــــر»، ولــــم أزد عليها، ولـــم أتــــردد عــن اسـتـخـدام كـلـمـة هــي من مـوروثـي الـخـاص فـأنـا أعـيـش فـي بيئة إذا قـال أحـدنـا كلمة «أبـشـر» فهو يعلن الاحـــتـــفـــال بـــالـــوعـــد وهـــــو وعــــــد مـحـمـل بـبـهـجـة الـــبـــذل دون مــنــة ولا تـسـويـف. ولـــيـــس مــــن عــــادتــــي أن أطـــلـــق «أبـــشـــر» بسهولة لأنها كلمة ذات حمولة قيمية عالية المـعـنـى، والـتـراخـي معها يحدث وحـــشـــة روحـــيـــة لا تــــدع لــحــظــاتــك تمر دون أن تشعر بخجل يحاصر معانيك وهـذا ميثاق وفـاء للذاكرة، تلك الذاكرة الـتـي حـركـت الـسـاعـدي ومـــن ثــم حركت الـــغـــذامـــي، وقــــد لا تـــكـــون الــــذاكــــرة هنا غريبة على الساعدي لأنه عراقي ولأنه شـــاعـــر ولأنــــه مـــعـــروف بــالــوفــاء لــذاكــرة الثقافة العراقية ولشعراء العراق. أمــــا أنــــا فــمــحــب لــلــعــراق ولــلــذاكــرة الــعــراقــيــة وهـــــذا أكـــيـــد عـــنـــدي ولا شــك، ولـكـن أن تتحرك ذاكـــرة مـائـة عــام فهذه مسألة لها دواعيها الأخرى، وهي دواع لن أحاول تحديدها لأني أرى أن الذاكرة تختارنا ولسنا من يختارها، وإذا هي اخــتــارتــنــا دفـعـتـنـا لـلـقـبـول دون تفكر، وهـــل تـفـكـر الـــــذاكـــــرة...؟!، لـــن أقــــول نعم لأن الذاكرة تشتغل بشروطها الخاصة وشرطها غير عقلاني، إنه يحدث فقط. وإذا حــدث تحقق، وستعتري الدهشة كـل واحـــد يتلقى خبرا عـن ميلاد ثلاثة ســيــكــونــون شـــعـــراء وســـيـــمـــرون بـحـيـاة صاخبة، فيها نـور ونــارٌ، وفيها بهجة وانــــتــــصــــار بــمــثــل مــــا فــيــهــا مــــن وجـــــعٍ، ولكنها ستصنع خريطة ثقافية تلونها بألوانها الخاصة وهـي ألـــوان لا يمكن محوها وكلما غفلنا عنها أو نسيناها عادت لنا عبر سفراء لها مثل الساعدي. وهــــــنــــــا نــــفــــتــــح صـــــفـــــحـــــات الـــــزمـــــن ونـــقـــف نـتـبـصـر بـــحـــال مـــوالـــيـــد دخــلــوا الـــدنـــيـــا غــــربــــاء وعــــاديــــن كــغــيــرهــم مـن أبناء جغرافيتهم، ولكنهم خرجوا من الــدنــيــا بـــأصـــوات مـــدويـــة تـكـتـب أثـرهـم وتروي قصصهم، وتكتب لهم شهادات مـيـاد غير تلك الـتـي كـانـت لـهـم، وإنما هـــي شـــهـــادات كـتـبـوهـا بـدمـهـم وأرقــهــم وقلقهم وبمعانيهم التي احترقوا بها فأنضجتهم بمقدار ما أوجعتهم، وكل وجـــع هـو قـصـيـدة انتزعتها الـــروح من ســـكـــون الــنــفــس المــكــلــومــة لــكــي تـتـحـول لقصيدة ينشغل بها النقاد كما ستكون مــيــراثــا إبــداعــيــا يـوقـع أجـــيـــالا بحبائل حــيــلــه عــلــيــهــم لـــكـــي يــوقــعــهــم بـصـحـبـة مـــع أشــقــيــاء الــحــيــاة ونـسـمـيـهـم صـنـاع الــــحــــيــــاة، أولــــئــــك الــــذيــــن يـــمـــوتـــون قـبـل غيرهم لأنـهـم كالسيف فـي غـمـده يأكل بعضه بـعـضـاّ، كما وصــف الفيلسوف الكندي أبا تمام وتوقع له موتا مبكراّ. وبــعـــض الــثــاثــة عــــاش أطـــــول من بعض، والسياب أسرعهم للموت وكأنه كان مستعجلا أكثر من رفيقيه، ولكنهم كلهم مـاتـوا مكفنين بالقصائد ووجـع الـقـصـائـد مـنـذ صـرخـتـهـم الأولــــى حتى صرختهم الأخيرة، أو بالأحرى صرخة الثقافة عليهم حين رحلوا وصــار الكل يحبهم، وفي حياتهم كان الكل يلعنهم. هؤلاء الجنس البشري العجيب الذي لا يعيش إلا بالشقاء ولا يموت إلا تحت الشقاء، وكلهم تعرضوا للتشرد وكان لا بد لهم أن يتشردوا كي يبرهنوا على اسـتـحـقـاقـهـم الـــشـــعـــري، واسـتـحـقـاقـهـم لمـــكـــان أثـــيـــر فـــي الــــذاكــــرة ولــكــي نـتـحـرك نحن لنتذكر أنهم ولــدوا قبل مائة عام من هذه الوقفة التي نقفها عليهم وعلى صورهم في أذهاننا وأبيات قصيدهم فــي رؤوس أقـامـنـا نـحـن الــنــقــاد، وفـي أشـعـار أجـيـال مـن شـعـراء الـعـرب ورثـوا الـشـعـر عـنـهـم واســـتـــدامـــوا شعلته بعد غيابهم. عبد الله الغذامي بلند الحيدري بدر شاكر السياب عبد الوهاب البياتي الواقعية السحرية ليست مجرد أسلوب أدبي بل وجهة نظر فكرية كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟ نوزاد حسن ماركيز فاضل ثامر
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky