OPINION الرأي 12 Issue 17219 - العدد Monday - 2026/1/19 الاثنين وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com احتجاجات إيران... كل الطرق تؤدي إلى واشنطن الاقتصاد في ربطة حذاء أزمات الإقليم الخمس لا أحــد فـي الإقـلـيـم ولا فـي الـعـالـم يـريـد أن يرى إيران تتشظَّى أو تتفكَّك، ليس تعاطفا مع النظام بل لأن انهيار دولة بحجم إيـران لن يكون حدثا محليا يمكن عزله. إنَّه زلزال جيوسياسي تطول ارتداداته الــشــرق الأوســــط كـلـه، مــن أســــواق الـطـاقـة إلـــى الأمــن الــحــدودي، ومــن طــرق الـتـجـارة إلــى خـرائـط النفوذ. والمنطقة التي أنهكتها الحروب لا تحتمل اضطرابا جـديـدا بهذا الحجم، فيما هشاشة اسـتـقـرار أواخــر تزيد القلق من الحدث الإيراني. 2025 لكن القلق وحده لا يكفي لاحتواء الاحتجاجات ومعالجة أسبابها. لذلك فإن المقاربات التي تكتفي بـالـخـوف مـن انـهـيـار إيــــران، وتــراهــن على أن الأزمــة ستنتهي بالقوة أو بمرور الوقت، تتجاهل حقيقة أساسية هي أن إيــران دخلت مرحلة مختلفة، قد لا تسقط السلطة فوراً، لكنها لن تمر من دون أثر عميق في طبيعة الحكم ومعادلات الدولة والشارع. هــذه الاحـتـجـاجـات لا تشبه سابقاتها، ليست فـــقـــط لاتـــســـاعـــهـــا الـــجـــغـــرافـــي وكـــثـــافـــتـــهـــا، بــــل لأنــهــا انفجرت في لحظة حساسة للنظام، إذ تزامنت مع تراجع قدرته على المناورة عبر الساحات الخارجية بعد انهيار شبكة الوكلاء، وتقلص هامش «تصدير الأزمة» الذي لطالما حوّل الضغط الداخلي إلى تعبئة سياسية وأمـنـيـة، مـا يجبره على مـواجـهـة الـداخـل بـــأدوات أقـل فاعلية وأعـلـى تكلفة. الحكم فقد جـزءا من السطوة أمــام شعبه بعد الضربات الأميركية - الإسرائيلية التي أصابت الدفاعات الجوية، وألحقت أضـرارا جسيمة بالمشروع النووي، ما رسّخ شعورا بــــأن دولـــــة «الــــقــــوة والاقـــــتـــــدار» لـــم تـسـتـطـع حـمـايـة أمنها بالمعنى الرمزي قبل العسكري. وهـذه ليست تـفـصـيـاً، لأن الأنــظــمــة الــتــي تـبـنـي شـرعـيـتـهـا على «معادلة الحماية» تدفع ثمنا مضاعفا حين تنكشف هشاشتها. أمــــا الاقـــتـــصـــاد فــهــو نـقـطـة الاخـــتـــنـــاق المـمـيـتـة، أوضــــاع معيشية خـانـقـة، وعــقــوبــات تـعـمـق الـعـزلـة وتسد منافذ التعافي، لتظهر الحقيقة التي يؤجلها الـنـظـام بـــأن طـريـق الــخــروج شـبـه الـوحـيـد يـمـر عبر تـفـاهـم مــع واشــنــطــن، أو تـسـويـة تـخـفـف الـعـقـوبـات وتنعش الاقتصاد وتعيد وصل إيران بالنظام المالي العالمي. لذا فالأزمة بنيوية لا ظرفية، لأن الاعتراف بـهـذه الحقيقة يـفـرض عـلـى الـنـظـام تــنــازلات تمس سرديته التأسيسية القائمة على المواجهة، وموقعه الإقليمي، وطريقة إدارته الداخل. أخطر ما في الاحتجاجات نوعيتها لا حجمها: إنـهـا تسقط مـحـرمـات الـنـظـام. شـعـار ولايـــة الفقيه بعد الفشل في الداخل والخارج مع تصاعد التنديد برموز الثورة، ما ينقل الاحتجاج من الاعتراض على السياسات إلى الطعن في شرعية النظام ومنطقه. ولــلــمــرة الأولــــــى، يـحـضـر بـــقـــوة دور المـــعـــارضـــة في الـــخـــارج، خـصـوصـا رضـــا بـهـلـوي فــي عــنــوان رمــزي لدى جزء من الشارع. وتــأتــي هـــذه الــتــطــورات فــي زمـــن دونــالــد ترمب الــــــذي لا يـــتـــصـــرف كـــأنـــه حــــــارس لــلــنــظــام الــــدولــــي، ويـــفـــضـــل الـــضـــغـــط الأقــــصــــى وكـــســـر الــــقــــواعــــد عـلـى الأدوات الدبلوماسية التقليدية، ما يبقي السيناريو الإيراني مفتوحا على تدخل مباشر أو غير مباشر، أو على الأقل تصعيد الحصار لفرض تنازلات وكسر الجمود في مفاوضات لم تتوقف عمليا وإن تبدلت عناوينها. لكن، سواء تدخل الخارج أم لم يتدخل، وسواء نـجـحـت الـسـلـطـة فــي احـــتـــواء المــوجــة الـحـالـيـة أم لم تنجح، يبقى أن إيران بعد هذه الاحتجاجات لن تكون كما كانت قبلها. ومـن هنا تتعدد السيناريوهات، لكن الثابت أنه لن يُسمح بتشظي الدولة، الأمر الذي يـفـسّــر تــريــث الــتــدخــل الأمـــيـــركـــي. الأرجـــــح أن تتجه الأمـــــور إلــــى تــســويــة يـحـفـزهـا أركـــــان الــنــظــام الــذيــن لا يـــريـــدون الـتـضـحـيـة بـمـكـتـسـبـات عــمــرهــا عــقــود، ويدركون أن عليهم تقديم تنازلات موجعة تنقذهم عبر تخفيف العقوبات والعودة إلى المجتمع الدولي وتفاهمات مع الغرب. ربما أيضا بتغيير في تركيبة الـسـلـطـة لـصـالـح تـيـار بـراغـمـاتـي يـــدرك أن القبضة وحدها لا تنقذ الدولة. وقد يرافق ذلك مسار تسوية وطنية أو حكومة اتحاد وطني تضم معارضين أو مستقلين إذا تراكمت الضغوط الداخلية والخارجية. الأكثر رجحانا ليس بسقوط فوري ولا إصلاح وردي، بل بانتقال طويل ومؤلم. هذه الاحتجاجات ليست حادثا بل إشــارة إلـى أن زمـن إدارة الحكم بالشعارات يقترب من نهايته، وأن إيران بحجمها وتاريخها وتركيبتها المتعددة لا تـمـلـك رفــاهــيــة قـطـيـعـة أبـــديـــة مـــع الــعــالــم. لــذلــك لـــم يعد الــســؤال: هـل تنتهي الاحـتـجـاجـات؟ بـل أي إيـــران ستخرج مـنـهـا؟ وكـيـف ستعيد تـعـريـف نفسها بــن شـعـب لــم يعد يخاف وعالم متغير وإقليم أنهكه عدم الاستقرار؟ تحدانَا أستاذ الجراحة أن نُمسك ورقة وقلماً، ونشرح كيف نعقد رباط حذاء بطريقة معينة. قدرتُنا اللغوية لم تسعفنا. ولو مرَّرنَا هذا الشَّرح لشخص لم يربط حذاءَه من قبل، سيفشل. لأن حدود معرفتِه ستكون ما كتبنَاه. نحن نتعلم بالعين، وبالتجربة، وبالمعايشة، إنَّها تفاصيل أضخم كثيرا من قدرة اللّغة على النَّقل. كان هذا درسا لم أنسه أبداً. أضـــــاف الأســــتــــاذ: مـــا بــالــكــم إن أردت شـــــرح عـمـلـيـة جراحية؟ عـنـد هـــذه الـنـقـطـة ننتقل إلـــى دائــــرة مـعـرفـة أصـعـب، ومعها نـواجـه تحديا إضـافـيـا. فـي هــذه الــدائــرة تراكمت معرفة إنسانية أضـخـم آلاف المـــرات مـن ربـطـة حـــذاء. إلى درجــة أن فريقا مـن المتخصصين قـد يجتمع لاتـخـاذ قـرار يخص حالة، ويخرج القرار قاصراً. ربما لم يحيطوا علما بطبيب باحث يجري تجربة على تقنية جـديـدة، أو بأفرع أخــرى من الطب والهندسة الجينية. وربــمــا راوغـتـهـم تفصيلة صـغـيـرة لــم يلتفتوا إليها. نسمع اليوم عن حالات نجح فيها الذكاء الاصطناعي فــــي تــشــخــيــص مــــريــــض، أو اقــــتــــراح عـــــاج لــــم يــفــكــر فـيـه مــتــخــصــصــون. لـــيـــس لأنـــــه يـــعـــرف أكــــثــــر، بــــل لأنـــــه يــربــط المعلومات المتاحة ويستدعيها بطريقة أفضل. أمــا الــدائــرة الثالثة فهي أصـعـب مـن ذلــك كـلـه. دائــرة المــعــرفــة المـجـهـولـة تــمــامــا. مـــا لـــم نـصـل إلــيــه مـــن أســاســه، ولا نـعـرف حتى بــوجــوده. هــذه دائـــرة لازمـــت البشر عبر التاريخ. علم أبقراط أقل من علم طبيب امتياز معاصر. وقبل قـرن واحـد لم نكن نعرف المـضـادات الحيوية، ولا الأشعة المقطعية، ولا الرنين المغناطيسي. إن اتـفـقـنـا عـلـى مــا ســبــق، يمكننا إخــــراج الــطــب من المعادلة، وإدخال الاقتصاد، لكن بعد الإجابة عن سؤالين: كـيـف تــصــرف أسـافـنـا حــن كــانــت مـعـارفـهـم قــاصــرة عن تفسير ما يواجهونه؟ وهل التقدم في المعرفة تقدم أخلاقي بالضرورة؟ في الطب كما في غيره، ملأ البشر مساحة المجهول بطريقتين. الحكيم قال إنه لا يعلم، وانشغل بملاحظة ما يفعله الأصــحــاء ليقي نفسه. عـجـزه عـن التفسير لـم يمنعه من الفعل السليم، لأنه استند إلى التجربة. أما الأقل حكمة فانحرف مسافة قصيرة في البداية، شـاسـعـة فــي الـنـهـايـة. أقـــر أيـضـا بـــأن الأمـــر غـيـبـي، وطــرح حـلـولا كتقديم قـربـان لإلــه البحر. لكن مكمن المشكلة أنه حوّل تفسيره إلى عقيدة تلاحق من يشكك فيها. هـذا السلوك لم يختف، بل تغيرت لافتته. انتقل من الدين إلى الأخلاق. وهنا نصل إلــى الـسـؤال الـثـانـي. هـل التقدم المعرفي تقدم أخلاقي؟ الإجـــابـــة الــقــديــمــة الـــتـــي قــدمــهــا ســـقـــراط: الــخــيــر هو المعرفة. لا لأنها طاهرة، بل لأنها نافعة. في الطب تشفي المرضى، وفي الاقتصاد تحسن المعيشة، وتقلل الحرمان والتشرد والعسر. وهي أخلاقية بهذا المعنى، لأنها تحقق مقصد المهنة. وبــهــذا المـعـنـى أيــضــا، يـكـون الاقــتــصــاد الـنـاجـح أكثر أخلاقية من اقتصاد فاشل يفرض نفسه بشعارات أخلاقية. اســـتـــيـــعـــاب هـــــذه الـــفـــكـــرة أســـهـــل فــــي الـــطـــب مـــنـــه فـي الاقتصاد. السبب أن المسؤولية في الطب فردية. بوسعك اختيار علاج معاصر أو علاج من القرون الوسطى، وتحمل النتيجة وحدك. الاقـــتـــصـــاد عــلــى الــعــكــس جــمــاعــي بـــالـــضـــرورة. حتى الضار منه قد يخدم فئات. وهـذا ما يجعل الاقتصاد مجالا تلزم فيه الاستفادة من تجربة الأسلاف. الـحـكـيـم يـفـسـر فـقـط مـــا نــعــرفــه، ويـنـشـغـل بملاحظة الــعــادات الـتـي تـقـوي الاقـتـصـاد ويـمـارسـهـا. كما فعل آدم سميث. لم يدَّع الإحاطة بخوارزمية السوق، بل سمَّاها يد السوق الخفية، إقرارا منه بمحدودية معرفتنا بها. أمَّا الأقل حكمةً، فيقدم تفسيرا يقينيا شاملاً. يتجاهل المجهول الذي لم ندركه، ولا يقر بما يخفى علينا من المعلوم، مـن عـوامـل نفسية واجتماعية وغـريـزيـة وجينية وثقافية تـؤثـر فـي الاقـتـصـاد. ثـم يحشر هــذه المـعـرفـة، الـتـي لا تزيد نسبيا عن مساحة جمل في صحراء، في ثقب اللغة الأضيق. فيصير ما كتبه الكاتب هو حدود المعرفة عند المتلقي. لتكتمل متوالية الـصـدى فـي دائـــرة المتعلمين، المتمحورة حول المكتوب، التي أفرزت لنا الماركسية ونسلها. محاولة فــرض منطق لـم يخضع للتجربة على واقـــع أعـقـد مـن أن يختزل، ثم تحصين هـذا المنطق بمنظور معين للأخلاق. بينما الاقــتــصــاد، كـالـفـيـزيـاء، يعمل ســـواء فـهـمـنـاه أم لم نـفـهـمـه. جـهـلـك بــقــوانــن الــجــاذبــيــة لا يمنعها مـــن العمل وادعاءاتك الأخلاقية لا تعنيها. خمس أزمات أساسية قابلة لمزيد من الانفجار تشكل اليوم معضلة الأمــن الإقليمي في الشرق الأوســـط، في ظل غياب المرجعيات القانونية والسياسية. أزمـــات متداخلة لا يمكن فصلها إلا ذهنيا أو على الــورق، أي على مستوى التحليل لا الواقع. أمن أي دولة في الإقليم اليوم أصبح تحت منظار الأزمــات الخمس حيث تُشكل التهديدات والاستجابات في فضاء إقليمي واحد. هذه الأزمات الكبرى هي: التوتر الإيراني - الأميركي، ومصير القضية الفلسطينية بعد حرب غزة، والأزمة اليمنية بصيغتها الجديدة، وأزمــة الحكم في الـسـودان، وأخـيـرا الأزمــة السورية وتحديات إعادة بناء الدولة. التوتر الإيـرانـي - الغربي يقف على حافة مواجهة مفتوحة، ويمتد جغرافيا عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن. كما أن أي انهيار محتمل للنظام الإيـرانـي نتيجة ضربة عسكرية أميركية لا يقل خطورة عن هذا التمدد، بل قد يفتح باب فوضى إقليمية واسعة، شبيهة - وربما أعمق . انهيار إيران، إن حدث، 2003 - بما أعقب سقوط نظام صدام حسين عام سـيـكـون زلـــــزالا جيوسياسيا يـتـجـاوز حـــدود الـخـلـيـج لـيـطـول تــوازنــات المنطقة بأسرها. أما القضية الفلسطينية، فقد دخلت مرحلة غير مسبوقة بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مجلس رئاسي لإدارة غزة عقب حرب الإبادة. هذا المجلس، الذي يضم أسماء مختلفة الاتجاهات، يعكس انتقال الـولايـات المتحدة من موقع الوسيط إلـى موقع الطرف المباشر في إدارة الصراع. من حيث المبدأ، يضع هذا التحول حدا لوهم الحياد الأميركي، وهو أمر إيجابي من ناحية كشف الوقائع. لكن المعضلة الأساسية تكمن في غياب المرجعية: لا قانون دولـيـا، ولا التزاما بحل الدولتين، ولا أفقا سياسيا حقيقياً. كيف يمكن لمجلس يُسمى «مجلس ســـام» أن يُنشأ خارج أي إطار قانوني أو سياسي يُفضي فعلا إلى السلام؟ حرب غزة الأخيرة، وما رافقها من تهديدات إسرائيلية بالترحيل أو القتل الجماعي، جعلت القضية الفلسطينية مسألة أمن إقليمي ودولي، تتجاوز كونها نزاعا محلياً. كما أن تداخل القضية الفلسطينية مع أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في ظل تمدد العلاقات الإسرائيلية في تلك المنطقة، أضاف طبقات جديدة من التعقيد إلى المشهد الأمني والسياسي. في هذا السياق، يكتسب المؤتمر الذي عقدته فرنسا والسعودية في الأمـم المتحدة أهمية خاصة. فقد مثّل هـذا المؤتمر محاولة جـادة لإعـادة تثبيت المرجعية الدولية للقضية الفلسطينية، وإحياء مسار حل الدولتين بوصفه الإطار الشرعي الوحيد القابل للاستدامة. وهذا يفرض الاستمرار في هذا المسار الهادئ والذكي لإعـادة القضية الفلسطينية إلى مسارها القانوني الدولي. مسار مواز يستند إلى الشرعية الدولية، ويستثمر في التناقضات داخل النظام الدولي ذاته، ويعيد وضع حل الدولتين في قلب أي تسوية مستقبلية. بالنسبة للأزمة اليمنية، وبعد ما حدث من جانب المجلس الانتقالي، هناك تحركات سعودية حثيثة لإعـادة صياغة مسار صحيح بعيدا عن النزاعات المفتوحة وإنهاء التوترات عن طريق الحوار الشامل. فـي الــســودان، أدى انهيار الشرعية وتـعـدد مـراكـز الـقـوة، إلـى جانب الجرائم الواسعة في دارفور وكردفان، إلى أزمة إنسانية وأمنية خطيرة تـقـتـرب مــن حــــدود الإبـــــادة الـجـمـاعـيـة. ورغــــم أن الـــســـودان لا يـشـكـل قـوة عسكرية إقليمية، فإن موقعه الجغرافي جعله ساحة تنافس إقليمي تؤثر بشكل غير مباشر على أمن البحر الأحمر وممرات التجارة الدولية. أما سوريا، فهي لا تزال العقدة الأكثر تعقيداً. دولة منهكة، متعددة مناطق النفوذ، تتقاطع فيها المصالح الإسرائيلية والتركية والإيرانية والروسية والأميركية. أي تحرك في الداخل السوري ينعكس فـورا على لبنان والأردن والعراق، ما يجعل سوريا مركزا حساسا لأي اختلال في التوازنات الإقليمية. خلاصة المشهد أن أزمات الشرق الأوسط مترابطة ولا يمكن مقاربتها كملفات منفصلة. التوتر مع إيران، ومستقبل القضية الفلسطينية، واليمن، والسودان، وسوريا، تشكل منظومة أزمات واحدة، يغذيها غياب المرجعية أكثر مما تحكمها قواعد مستقرة. ومن دون إعادة الاعتبار للقانون الدولي وحـــل الــدولــتــن بوصفهما مرجعيتين نـاظـمـتـن، ستظل المـنـطـقـة رهينة مبادرات فوقية مؤقتة، لا تنتج سلاماً، بل تؤجل الانفجار القادم. مأمون فندي سام منسى خالد البري
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky