الثقافة CULTURE 17 Issue 17218 - العدد Sunday - 2026/1/18 الأحد على المستوى العالمي 2025 الرواية صنّفت ضمن أفضل كتب عام «حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية فـي الـوقـت الـــذي تحتفي فيه وسائل الإعـــــــام الـــعـــالمـــيـــة بــالــنــمــو الــتــكــنــولــوجــي الهائل للعملاق الصيني ومـعـدلات نموه الـقـيـاسـيـة، تــأتــي روايـــــة «حــيــاتــي كعامل توصيل فـي بـكـن» للصيني «هــو أنـيـان» لـــتـــعـــرض الــــجــــانــــب المـــظـــلـــم مـــــن المـــعـــجـــزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سـيـرة ذاتــيــة لـعـامـل بسيط قـضـى عقدين مـن الــزمــن، وهــو فـي صـــراع مـن أجــل لقمة الـعـيـش، بــل هــو صـرخـة الأيـــــادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي. يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظـروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتبا مشهورا بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب ملايين نسخة، وهــو ما 3 فـي الصين إلــى يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُــرحـت الترجمة الفرنسية للكتاب يناير (كانون 7 في الأسواق الفرنسية في الـثـانـي) الحالي عـن دار «أوتـــرومـــون» في صـفـحـة، وكــانــت مـسـبـوقـة بالنسخة 320 الإنـــجـــلـــيـــزيـــة الــــتــــي نــــشــــرت فـــــي أكـــتـــوبـــر ، كما تم الإعــان عن 2025 ) (تشرين الأول صدور قريب للنسخة الألمانية. «حـيـاتــي كـعـامـل تـوصـيـل فــي بكين» تــوثّــق بـدقـة ظـــروف الـعـمـل الـقـاسـيـة التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصــــفــــا تـــلـــك الـــفـــتـــرة بـــأنـــهـــا «اســـتـــنـــزاف لـلـروح قبل الـجـسـد»، حيث يجد الإنـسـان نـفـسـه مـــجـــردا مـــن هــويــتــه، لا يـنـظـر إلـيـه إلا كـــ«رقـــم تـتـبـع» فــي تطبيق إلـكـتـرونـي. 12 الـــكـــاتـــب وصـــــف الــــــــدوام الــــــذي يــمــتــد لـــــ سـاعـة متتالية، والـفـتـرات التجريبية بلا أجـــر، والـــبـــرد الـــقـــارس والـــحـــرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الـــطـــرود، كـمـا وصـــف أيــضــا كـيـف يعيش عـــمـــال الـــتـــوصـــيـــل فــــي غـــــرف مــقــســمــة إلـــى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهـــي وحــــدات مـحـمـولـة لا تـتـجـاوز حجم الــــســــريــــر. الـــكـــتـــاب قُــــســــم لـــفـــصـــول قــدمــت كـــ«يــومــيــات مــعــركــة»، فـفـي الـفـصـل الأول «سباق ضد الـزمـن» يستعرض هو أنيان الــضــغــط الــنــفــســي الـــهـــائـــل الـــــذي تـفـرضـه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكــيــف تـتـحـول الـــشـــوارع إلـى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الـثـانـي «المــديــنــة غـيـر المــرئــيــة» إلـــى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفـي الفصل الثالث الـذي يحمل عــنــوان «فـلـسـفـة الـــطـــرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلـى التأمل الفلسفي، مــــتــــســــائــــا عـــــن قـــيـــمـــة الــــعــــمــــل والــــكــــرامــــة الإنـــســـانـــيـــة فــــي عـــصـــر يـــتـــم فـــيـــه تــشــيــيء البشر. فـــي واحــــد مـــن أكــثــر المــقــاطــع تــأثــيــراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كــــنــــت أقـــــــــود قـــــــــدري المــــتــــرنــــح بــــــن زحــــــام الـــســـيـــارات. فـــي عــيــون الــزبــائـــن، أنـــا لست بـــشـــراً، أنـــا مــجــرد مـهـمـة يـجـب أن تنتهي بــســرعــة. ولـــكـــن فـــي أعـــمـــاقـــي، كــنــت أخــــزّن كـــل نــظــرة ازدراء لأصــنــع مـنـهـا درعــــا من الكلمات». وفي مقطع آخـر، يحلّل الكاتب عــاقــتــه بـــالـــخـــوارزمـــيـــة الـــتـــي تـتـحـكـم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تــــعــــرف الــــتــــعــــب، ولا تــــعــــرف أنــــنــــي أب أو أنــنــي مـــريـــض. إنــهــا تـطـلـب مـــزيـــدا من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين». حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والــفــرنــســيــة، حــيــث وُصـــــف «هــــو أنـــيـــان» بأنه أحـد أبــرز المـواهـب الأدبـيـة الصينية الــجــديــدة مــن قـبـل صحيفة «فـايـنـانـشـال تـــايـــمـــز» الــبــريــطــانــيــة. وقــــد اخـــتـــار ثــاث مــن أبـــرز المـنـابـر الـثـقـافـيـة: «الــغــارديــان»، و«صـنـداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن . فـــــي صـحـيـفـة 2025 أفــــضــــل كـــتـــب عــــــام «الـــــغـــــارديـــــان» أشـــــــارت الـــنـــاقـــدة ريـبـيـكـا لـــيـــو إلـــــى أن الـــكـــتـــاب يـــتـــنـــاول مـــوضـــوع الــطــبــقــة الاجـــتـــمـــاعـــيـــة، وتـــحـــديـــدا الـــقـــوة العاملة منخفضة الأجـــر الـتـي لا تحظى بـالاعـتـراف، والـتـي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفــــي مــراجــعــتــهــا بـصـحـيـفـة «نـــيـــويـــورك تـايـمـز»، اعـتـبـرت الـنـاقـدة لـيـا غرينبلات أن الكتاب يقدم شـهـادة حية مـن خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحــلــة الـكـاتـب مــن عــامــل متنقل بين الـــوظـــائـــف مـنـخـفـضـة الأجـــــر إلــــى مـؤلـف مشهور عالميا تحمل طابعا استثنائياً. أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حـيـث رأى نـقّــادهـا أن قــوة «هـــو أنــيــان» لا تكمن فـي كـونـه ضحية لنظام اقتصادي جـائـر فـقـط، بــل فــي امـتـاكـه تـلـك «الـنـظـرة الــســوســيــولــوجــيــة» الــثــاقــبــة الـــتـــي تحلل الـطـبـقـة الاجـتـمـاعـيـة الصينية الـجـديـدة. واعــتــبــرت الـصـحـيـفـة أن الـكـتـاب يـتـجـاوز حــــدود الـسـيـرة الــذاتــيــة ليصبح بـيـانـا أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الـحـر، مـشـيـدة بـقـدرة الـكـاتـب على وصف «اســـتـــنـــزاف الــــــروح» الـــــذي يـسـبـق انـهـيـار الـجـسـد، وكـيـف يتحول الـفـرد فـي شــوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أمـا صحيفة «لفيغارو»، فـــقـــد ركّــــــــزت فــــي قــــراءتــــهــــا عـــلـــى الـــجـــانـــب الـــجـــمـــالـــي والأخــــــاقــــــي لــــلــــنــــصّ، واصـــفـــة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تـــهـــدف إلــــى اســــتــــدرار الــعــطــف، بـــل إلــى إثــارة التأمل الفلسفي حـول قيمة الكرامة الإنـــســـانـــيـــة. وأشـــــــارت الـصـحـيـفـة إلــــى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، مـن العيش فـي «بـيـوت الـقـواقـع» ووحـــدات الحاويات الضيقة إلـــى مـنـصـات الـتـوقـيـع فــي كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصارا للوعي عــلــى المــــــادة. وذهـــبـــت «لـــفـــيـــغـــارو» إلــــى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المـــدن الـكـبـرى، تلك الـحـريـة الـتـي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين». باريس: أنيسة مخالدي صحيفة «لوموند»: يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بيانا ضد توحش اقتصاد العمل الحر بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي» «لــــدى الــتــصــدي لتحقيق مـخـطـوطـات تــنــتــمــي لـــعـــالـــم الـــثـــقـــافـــة الــشــعــبــيــة المــتــســع والمـــراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضـرورة يـــضـــطـــر إلـــيـــهـــا المـــحـــقـــق اضــــــطــــــراراً، فـنـحـن فـــي واقــــع الـــحـــال نــكــون أمــــام ثــقــافــة مــوازيــة لمـــــا تـــعـــلـــمـــنـــاه فـــــي قـــــاعـــــات الــــــــــــدرس، وهــــي ثـقـافـة مختلفة إلـــى حــد بـعـيـد، كـمـا أن هـذه المخطوطات دائـمـا مـا تثير قضايا خلافية وتدفع إلـى بلورة أفكار جـديـدة، ســواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فـــاخـــتـــاف طــبــيــعــة المـــخـــطـــوط ومــضــمــونــه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه». بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حـــــدود المـصـطـلـح والإجـــــــــراءات المـنـهـجـيـة»، الـذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يـسـتـعـرض مــفــهــوم عــلــم الـتـحـقـيـق وحــــدود المنهجية، وتحقيق الــتــراث الشعبي بشكل خـــــــاص، كـــمـــا يـــتـــعـــرض فــــي أحــــــد الـــفـــصـــول للاختلاف فـي بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عـن تجاربه فـي تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كليا عن تـحـقـيـق الــــتــــراث المــــعــــروف، لــيــس مـــن حيث مــادتــه فـحـسـب، بــل مــن حـيـث فلسفة العمل ومــنــهــجــه وبــنــيــة المــفــاهــيــم الــحــاكــمــة لعمل المحقق. وفـــي هـــذا الإطـــــار، يـؤكـد المــؤلــف حاجة تحقيق مخطوطات الـتـراث الشعبي إلــى ما يـسـمـيـه «المـــحـــقـــق المـــتـــخـــصـــص»، فــمــثــل هــذا المـــحـــقـــق وحــــــده الــــــذي يــســتــطــيــع اســتــنــطــاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومــــن دونـــــه ســيــكــون الــعــمــل أشـــبـــه بـفـوضـى لا تـقـدم جــديــداً. وقــد ضــرب المــؤلــف، فـي هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها فـــي حـقـيـقـة الـــحـــال لا تـــقـــدم شــيــئــا، بـــل إنـهـا تــحــتــوي عــلــى «تـــدلـــيـــس عـــلـــمـــي»، حــســب ما يـقـول. ويـــرى أن «كــل مخطوط جـديـد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعز عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوســع بكثير من قاعات الـــدرس». إنه، كـمـا يـضـيـف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلـى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية الـتـي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المـــتـــجـــددة مـــع كـــل عــمــل جــــديــــد... وكـــذلـــك كل مـخـطـوط جـديـد يـحـتـاج خـبـرة جــديــدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبــــزمــــن نـــســـخـــه. ثــــم وهــــــو الأهــــــــم: بـــالمـــجـــال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية الـتـي تنتج معرفة حقيقية نافعة». وســـبـــق لــلــمــؤلــف أن أصـــــدر فـــي مـجـال تحقيق مخطوطات الـتـراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخـــــــــرى»، و«مـــعـــجـــم الـــتـــحـــفـــة الـــوفـــائـــيـــة فـي الـعـامـيـة المــصــريــة»، و«المـقـتـضـب فيما وافــق لغة أهـل مصر من لغة الـعـرب»، كما صدرت له عـدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، مـنـهـا: «فــضــل الـــخـــرافـــة»، و«مــعــجــم الـنـيـل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول». لندن: «الشرق الأوسط» تواجه المرض بالإبداع وتصدر كتابها الأربعين نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد بــدأت الـريـادة الحقيقية لمسيرة النقد الــعــراقــي مـــع مـــشـــروع الــدكــتــور عـلـي جـــواد الـــطـــاهـــر الـــنـــقـــدي الــــــذي لـــفـــت الأنــــظــــار إلـــى مــتــانــتــه ومــنــهــجــيــتــه ومـــواكـــبـــتـــه الــــــدؤوب لــلــنــتــاج الأدبـــــــي الــــعــــراقــــي، ثــــم ظـــهـــرت إلـــى جانبه مـحـاولات نقدية مشكلة وإيــاه نواة مـــنـــظـــورة لـــحـــركـــة الـــنـــقـــد الأدبـــــــي الـــعـــراقـــي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الـطـاهـر كـــان الأبــــرز تـمـثـيـا لـهـا والأوضــــح تحفيزا لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخـــر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم الــعــانــي، وفـــاضـــل ثـــامـــر، ويـــاســـن النصير الـــذيـــن شــــيّــــدوا مـتـنـا نــقــديــا عـــراقـــيـــا نهض كـل منهم فـي صياغة جـانـب مـنـه؛ لتنطلق حركة نقدية جـادة قوية التأثير في العمل الإبـــداعـــي الــعــراقــي؛ شـعـريـا وســـرديـــا، آتـت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربيا وعالميا بالانفتاح على مـنـاهـج ومــــدارس وتــجــارب نـقـديـة وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولـــــــن تـــفـــوتـــنـــا إســـــهـــــامـــــات عــــبــــد الـــرحـــمـــن طهمازي لكن صوته الشعري كـان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية. وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جــديــدة لـشـبـان واعــديــن مـثـل محمد جبير وعـبـد الـرحـمـن عـنـاد ومــؤيــد الــطــال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر. خـــــال الــثــمــانــيــنــات ولــــــدت تــجــربــتــان نــــقــــديــــتــــان مــــهــــمــــتــــان مـــثـــلـــتـــهـــمـــا كـــتـــابـــات الـدكـتـوريـن مـالـك المطلبي وحــاتــم الصكر؛ الأولـــــى اقــتــفــت أثــــر المـــدرســـة الـفـرنـسـيـة في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج الــقــرائــي وتــعــدد مـسـتـويـات قـــراءاتـــه، وإلــى جـــــوار هـــاتـــن الـتـجـربـتـن المـهـمـتـن الـلـتـن أثــــرتــــا تـــأثـــيـــرا كـــبـــيـــرا فــــي فـــحـــص الإبـــــــداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفـي ظلهما بـدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد. خـــــال الــعــقــديــن المــنــصــرمــن بـــــزغ فـي المـــشـــهـــد الـــنـــقـــدي الـــعـــراقـــي اســـــم نـــســـوي لا ذكــــوري. إنـــه اســـم الـنـاقـدة الــدكــتــورة نـاديـة هـــنـــاوي؛ اســـم اعـتـلـى عـتـبـات الـنـقـد الأدبـــي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انـــتـــبـــاه المـــبـــدعـــن الـــكـــبـــار عـــراقـــيـــا وعــربــيــا؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خـــال مــقــالات وكــتــب قـيـمـة أصــدرتــهــا دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بـــالإعـــجـــاب والـــثـــنـــاء والـــتـــقـــديـــر. وكـــــان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثـامـر الـــذي وصـفـهـا بـراهـبـة الـنـقـد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلــــى الـــقـــول «يـــحـــق لــنــا أن نـحـتـفـي بــــولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم الـعـانـي بكونها نــاقــدة «قــــادرة على خــرق المسلمات النقدية العراقية والإتـيـان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة». ومـــــن خـــــــارج دائــــــــرة الـــنـــقـــد الـــعـــراقـــي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي. ومـــرد ذلــك متانة ورصــانــة مشروعها الــــنــــقــــدي وأهـــمـــيـــتـــه وفـــاعـــلـــيـــتـــه الـــنـــظـــريـــة والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فـاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكـدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مــــشــــروع بـــنـــيـــوي مـــعـــرفـــي شـــهـــد تـــحـــولات مهمة وشـكَّــل مرحلة مفصلية فـي النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول مــن نـصـانـي إلـــى مـعـرفـي فلسفي والـنـفـس للحداثة واضـح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بـــل تـــحـــاوره وتـسـائـلـه وتــنــتــزع مصطلحا يـنـتـمـي إلــــى فــضــائــهــا، كــمــا هـــو الـــحـــال في اجتراحها مصطلح «روايـــة الـتـاريـخ» بعد مــســاءلــة فــكــريــة فـلـسـفـيـة مــفــنــدة مصطلح المتخيل الـتـاريـخـي الـــذي ذهــب إلـيـه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بـل اسـتـدعـاء للمساءلة، والاسـتـدعـاء كسر لسلطة التاريخ. لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والمـــلـــكـــة الـــنـــقـــديـــة، وأن مــشــروعــهــا الـكـبـيـر شكلته عـدة روافــد، منها المـدونـات الغربية غــيــر أنــهــا لـــم تــكــن نــاقــلــة لــهــا، بـــل فـاحـصـة ومـحـاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث الــــعــــربــــي، لــكــنــهــا لــــم تـــســـتـــدعـــه لــلــمــبــاهــاة أو المـــبـــاهـــلـــة، بـــل لإثـــبـــات الـــتـــاقـــح الــفــكــري والإبــداعــي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها المـوسـوعـيـة الاسـتـقـصـائـيـة، وقـــد تـجـاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي». ويـــــأتـــــي الــــكــــتــــاب الأربـــــــعـــــــون «أقـــلـــمـــة سرديات الرحلة عربيا وأجنبياً»، الصادر مـــؤخـــرا عـــن دار «أبـــجـــد»، فـــي الـــوقـــت الـــذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين. والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصــــول ومـــتـــون فـــي مـــصـــادر ومـــظـــان تـــرود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة. ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) مـن ناحيتي التأصيل الـنـظـري والنمذجة الإجـرائـيـة عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي. بـــيـــنـــمـــا يــــركــــز الــــفــــصــــل الــــثــــانــــي عــلــى دور رحـــلـــة غــلــغــامــش فـــي نـــشـــأة الـتـقـالـيـد مـــوضـــوعـــيـــا وفـــنـــيـــا كـــونـــهـــا - أي الـــرحـــلـــة الـغـلـغـامـشـيـة - مـــصـــدرا أصــلــيــا ســاهــم في الـبـنـاء الـشـعـري المـلـحـمـي، أولاً، والـتـدويـن والـــنـــســـخ، ثــانــيــا، فـــي تــرســيــخ أصـــالـــة هــذا المـــصـــدر الـــــذي تــمــظــهــرت أقــلــمــتــه بــأشــكــال مختلفة لا فــي مـــرويـــات الـــرحـــات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعا رئيسياً. *جهاد مجيد النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky