يمكن الــقــول إنَّـــه مـنـذ الانــســحــاب الـبـريـطـانـي من ، دخـلـت منطقة الـشـرق الأوســـط في 1968 الخليج عــام مـرحـلـة أو حــالــة مــن الــفــراغ الاسـتـراتـيـجـي، وأصبحت تــتــنــازع عـلـيـهـا قــــوى إقـلـيـمـيـة ودولـــيـــة عـــــدة. وأصــبــح قــدر المنطقة أن تعيش فـي حـالـة مستمرة مـن التحول والصراع وعدم الاستقرار. وضمن هذا المشهد الدرامي المأساوي، تبلور ما عُرف بـ«محور الاعتدال» أو الاعتدال الــعــربــي بــوصــفــه اســتــجــابــة عـقـانـيـة لـحـمـايـة الـــدولـــة الوطنية ومنعها من الانهيار، تقوده السعودية ومصر ودول الخليج والأردن والمغرب، مستندة إلى رؤية تعلي من شأن الاستقرار والدولة الوطنية، واحترام السيادة عـلـى حـسـاب المـشـاريـع الآيـديـولـوجـيـة، ولــديــه سياسة معتدلة مع الغرب. وعلى الجانب الآخر، ظهرت محاور أخـــــرى تـسـمـى «المـــقـــاومـــة أو المــمــانــعــة» وأنـــــا أسـمـيـهـا مـــحـــاور لا تــؤمــن بــســيــادة الـــــدول واســـتـــقـــرارهـــا، وعـلـى عـاقـة مـتـوتـرة مــع الـــغـــرب، واخـــتـــارت طـريـق الفوضى والتدخل الـخـارجـي، تحت شـعـارات الـثـورة والمقاومة، فحوَّلت المنطقة إلى ساحات تصفية حسابات. وعندما اندلعت موجات ما سُمِّي «الربيع العربي» ، لعبت محاور التغيير دورا بــارزا في 2011 مطلع عـام تغذيتها ودفعها نحو مسارات فوضوية، مستفيدة من حالتَي الغضب الشعبي والـفـراغ السياسي؛ لتقويض الــدولــة الـوطـنـيـة، وإعــــادة تشكيل مــوازيــن الـنـفـوذ عبر التدخل الـخـارجـي. فدخلت المنطقة فـي مرحلة وحالة من الفوضى العارمة، حيث انهارت الأنظمة السياسية فـــي كـثـيـر مـــن الـــــــدول، وانــــعــــدم الاســـتـــقـــرار الــســيــاســي، وتـــرهـــلـــت مــؤســســاتــهــا الأمـــنـــيـــة والـــعـــســـكـــريـــة، ورأيـــنـــا تـداخـل الأمــن بالسياسة، والـديـن بالسلاح، فأصبحت هذه الـدول عرضة وبيئة خصبة للتدخلات الخارجية والمنظمات الإرهابية. ودفعت المجتمعات ثمنا باهظا مــن أمـنـهـا واســتــقــرارهــا. ولـــم تـكـن تكلفة تـلـك المـرحـلـة سياسية وأمنية فحسب، بل جـاءت باهظة اقتصاديا واجتماعياً، إذ قـدرت تقارير أممية ودراســات إقليمية الـخـسـائـر بـمـئـات المــلــيــارات مــن الــــــدولارات، إلـــى جانب تفاقم البطالة، واتساع هشاشة المجتمعات في واحدة مــن أكـثـر الــفــتــرات تكلفة فــي الــتــاريــخ الـحـديـث للشرق الأوسط. ومع فشل وانكشاف التكلفة العالية لهذه المشاريع التي راهنت على تقويض مفهوم الدولة الوطنية ودعم منطق الـــادولـــة، ومـــا تـرتـب عليها مــن فـوضـى ودمـــار وتفكك في عدد من دول المنطقة، برز المشروع السعودي لـيـعـيـد قـــيـــادة «مـــحـــور الاعـــــتـــــدال» مـــن جـــديـــد بـوصـفـه الـنـقـيـض الاســتــراتــيــجــي لـتـلـك المـــشـــاريـــع. فــقــد راهــنــت السعودية على أن أمن المنطقة واستقرارها لا يتحققان عبر الآيديولوجيا أو الصراعات بالوكالة، بل من خلال الاستقرار السياسي والأمني والتنمية الاقتصادية. وقــــد عـــبَّـــر ولــــي الــعــهــد الـــســـعـــودي الأمـــيـــر محمد بــن سـلـمـان بــوضــوح عــن مـامـح هـــذا الـتـوجـه فــي أكثر مـــن مـحـطـة مـفـصـلـيـة. فـفـي مـؤتـمـر «مـــبـــادرة مستقبل ، أكد أن الشرق الأوسط 2018 الاستثمار» بالرياض عام قـــادر على أن يـكـون أوروبــــا الـجـديـدة إذا مـا استثمرت دولـه إمكاناتها الاقتصادية والبشرية، في إشـارة إلى انتقال المنطقة مـن منطق الـصـراع إلــى منطق التنمية والــتــكــامــل. ثـــم عـــاد لـيـؤكـد هـــذا المـــســـار فـــي حـــــواره مع ، حين شدَّد على أن 2019 صحيفة «الشرق الأوسط» عام أولويات المملكة تقوم على تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، بوصفه شرطا لازما للتنمية الاقتصادية، وأن دور الـسـعـوديـة إقليميا هــو دعـــم الــســام، وبــنــاء بيئة مستقرة ومحفزة. وبالتالي عادت السعودية بوصفها قــوة ســام وتنمية تـتـجـاوز منطق الــصــراع وتستبدل منطق البناء والتكامل المشترك بمنطق الهيمنة. هي مـقـاربـة تستند إلـــى إرث عميق مــن الحكمة والــتــوازن والــــقــــدرة عــلــى بـــنـــاء الـــعـــاقـــات عــلــى أســـــاس الاحـــتـــرام المتبادل في السياسة السعودية، ترجمت لمنهج ثابت يـقـوم عـلـى الـدبـلـومـاسـيـة الــهــادئــة الــواعــيــة بتعقيدات المشهد الــدولــي، والـعـمـل الإنـسـانـي، والتنمية العابرة لـلـحـدود، بوصفها أدوات متكاملة لإعــــادة الاسـتـقـرار وصياغة توازن إقليمي مستدام. وقـــــد تـــجـــلَّـــت بـــــدايـــــات المـــــشـــــروع الــــســــعــــودي عـبـر دعـــم اســتــقــرار الـــــدول الـعـربـيـة المـــحـــوريـــة، وربــــط الأمـــن بالتنمية من الخليج إلى مصر والعراق واليمن امتدادا إلـــى أفـريـقـيـا، مــن خـــال وســاطــات سياسية ومـشـاريـع اقتصادية كبرى ومساعدات إنسانية وتنموية، مهدت إلـــى فـاعـل 2025 جميعها لـتـحـول الــســعــوديــة بـحـلـول مركزي في إعادة الاستقرار وبناء التوازن الإقليمي بعد عقدين من الفوضى والدمار. كــان عاما ساخنا في 2025 ويمكن الـقـول إن عــام المنطقة، وهــو امــتــداد لأعـــوام متلاحقة مـن الاضـطـراب وتراكم وتشابك الأزمات، لكن رأينا فيه انفراجة في كثير من ملفاته، وقـد بـرزت السعودية في حلحلة كثير من هذه الملفات المعقدة، حيث تحركت بشكل كبير ومؤثر فــي مـلـفـات الـقـضـيـة الفلسطينية، وســـوريـــا، ولـبـنـان، والعراق، واليمن، والسودان، وفق مقاربة واحدة تعيد الاعـتـبـار لـلـدولـة الـوطـنـيـة والـسـلـطـة المــركــزيــة، وتـربـط أي مسار سياسي بوقف النزاعات، وإعـادة الاستقرار، وتحسين الأوضاع المعيشية بوصفها مدخلا للاستقرار الدائم. فــفــي الــقــضــيــة الـفـلـسـطـيـنـيـة، عــمــلــت الــســعــوديــة على مسارين رئيسيَّين، الأول حشدت جهدا سياسيا وإنسانيا دولـيـا لـوقـف الـحـرب على غــزة ومـنـع انــزلاق المنطقة إلـى دوامــة صـراع مفتوح، والثاني هو السعي لحل جذري للقضية عبر ترسيخ مركزية حل الدولتين إطارا وحيدا للسلام. حيث أطلقت في سبتمبر (كانون ، «التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين» 2024 ) الأول لــيــكــون مـنـصـة دبــلــومــاســيــة تـسـتـهـدف إحـــيـــاء عملية الـــســـام الـفـلـسـطـيـنـيـة - الإســرائــيــلــيــة، وتـــــدرج مــســاره عـبـر اجـتـمـاعـات دولــيــة مــتــعــددة فــي كــل مــن الــريــاض، وبــــروكــــســــل، وأوســـــلـــــو، والــــقــــاهــــرة قـــبـــل أن يــــتــــوَّج فـي بــعــقــد مــؤتــمــر دولـــــي فـــي الأمـــم 2025 ) يــولــيــو (تــــمــــوز المتحدة استضافته السعودية وفـرنـسـا، ولاقـــى زخما واســعــا وتـوافـقـا دولــيــا عـلـى تـسـويـة «عـــادلـــة» للقضية الفلسطينية، وانتهاء بإقرار إعلان نيويورك المؤيد لحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بأغلبية ساحقة. أمــــا فـــي ســـوريـــا فــقــد دعـــمـــت الــســعــوديــة إعــــادة ســــوريــــا الــــجــــديــــدة، بـــعـــد ســـقـــوط نـــظـــام الأســـــــد، إلـــى مــحــيــطــهــا الإقـــلـــيـــمـــي، وربـــــــط أي انـــفـــتـــاح ســيــاســي بــالــحــفــاظ عــلــى وحـــــدة الــــدولــــة وتــحــســن الأوضـــــاع المعيشية، وتهيئة بيئة آمـنـة لـعـودة الـاجـئـن. كما لعبت السعودية دورا مـؤثـرا عبر تكثيف التنسيق الدبلوماسي عبر الـشـركـاء الـدولـيـن، وعـلـى رأسهم الولايات المتحدة؛ لدفع مسار رفع العقوبات وتوسيع الاســتــثــنــاءات عــن ســـوريـــا، بـمـا يـتـيـح دعـــم التعافي الاقــتــصــادي وفـتـح المــجــال أمـــام الاسـتـثـمـار، وإعـــادة الإعـمـار بوصفه مـدخـا ضـروريـا لاسـتـقـرار سوريا. وفي العراق، استمرَّت في تعميق شراكتها مع العراق عبر مسارات التنمية والطاقة والربط الاقتصادي. وقـــد بـــرز المــلــف الـــســـودانـــي بـوصـفـه أحـــد المـلـفـات ، وقد واصلت السعودية دورها 2025 الساخنة في عام المحوري في دعم مسار التهدئة ووقف القتال، مستندة إلــــى اتـــفـــاق جــــدة الـــــذي رعـــتـــه بــالــشــراكــة مـــع الـــولايـــات المتحدة بوصفه الإطار الأكثر جدية لتنظيم وقف النار وحـمـايـة المـدنـيـن وفــتــح المـــســـارات الإنــســانــيــة. وخــال زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن ، دفعت السعودية باتجاه تنسيق دبلوماسي 2025 عام مكثف لإعــــادة إحــيــاء مـسـار جـــدة، بـمـا يمهد لتسوية سياسية تحفظ وحـدة السودان وتمنع انزلاقه مجددا إلى فوضى إقليمية ممتدة. وفـــي المـلـف الـيـمـنـي، ركـــزت الـسـعـوديـة خـــال عـام على تثبيت مسار التهدئة ودعم الجهود الأممية 2025 والإقليمية؛ للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة، مع الاســـتـــمـــرار فـــي لـعـب دور الــضــامــن لـخـفـض التصعيد وحــمــايــة المـــاحـــة وأمــــن المــنــطــقــة. وفــــي ظـــل الــتــطــورات الأخـيـرة، تعاملت الـريـاض مع المشهد اليمني بمنطق احتواء الأزمة ومنع توسعها، عبر الجمع بين الضغط الدبلوماسي، والدعم الإنساني، والتنمية. وأخــــيــــراً، أعــتــقــد جـــازمـــا أنــــه مـــع تـــراكـــم الــجــهــود السعودية في دعم الاستقرار والسلام، وإطلاق المبادرات الـتـنـمـويـة، وإعـــــادة بــنــاء الـثـقـة بــن الــــدول والــشــعــوب، يــتــشــكــل ويـــتـــبـــلـــور مـــســـار إقــلــيــمــي جـــديـــد أكـــثـــر وعــيــا بمصالحه وحـدوده، وأقل اندفاعا نحو المغامرات غير المحسوبة، بما يجعل الاعتدال الـذي تقوده السعودية لـيـس مـجـرد خـيـار سـيـاسـي، بــل يصبح إطــــارا واقعيا وعــقــانــيــا وعـمـلـيـا لــلــخــروج مـــن إرث ســـنـــوات عـجـاف مــن الــحــرب والـــدمـــار، ومــشــروعــا مـسـتـدامـا لـاسـتـقـرار والتنمية في المنطقة، ويمهد لتحول المنطقة إلى أوروبا الجديدة، كما تنبأ الأمير محمد بن سلمان. Issue 17218 - العدد Sunday - 2026/1/18 الأحد الملحوظة النَّقدية الأخيرة على نقد أنيس فريحة الإجمالي لِكِتَابَي «من هنا نبدأ» لخالد محمد خالد، و«الـعـدالـة الاجتماعية فـي الإســــام» لسيد قـطـب، في خاتمة دراستٍه «الحركة اللّسامية في التاريخ» هي: أن لا علاقة لموضوعي هذين الكتابين بموضوع دراسته ألبتّة. فنقده الإجمالي لهذين الكتابين كان مقحما على مـوضـوع دراسـتِــه وكـــان نـشـازا فيها. فالكتابان ليس موضوعُهمَا اليهود وتاريخُهم الشرير - كما تَزعم - أدبیات معاداة اليهود «اللّسامية أو ضد السامية» في تاريخ الفكر الغربي بشقِّها الديني وشقِّها العلماني. لقد سوَّغ أنيس فريحة هذا الإقحام تحت عنوان «واقـــع العالم العربي فـي نظر عامة الغربيين». فهذا الـواقـع عـنـدَه كــان عـامـا مهماً، وكـــان لـه أثــر فـي نشأة الصهيونية! هـــذا الأثــــر حــــدَّده - حـسـب مــا ذهـــب - إلـــى تـركـيـز النظرة الغربية على مظاهر التأخر في الواقع العربي، وإهمالها لمظاهر التجدّد فيه، وبتخبّط الفكر العربي وسـط التيارات الحديثة الجارفة. وكـان شاهداه على هـــذا الـتَّــخـبـط كــتــاب خـالـد محمد خـالـد وكـــتـــاب سيد قطب. وفـي نقدي لنقده الإجمالي للكتابين أظـهـرت أن نقده لهما كان نقدا متهافتا وصارخا في تناقضاته. إن فحوى نقدِه للكتابين لا يليق بقامتِه العلمية الــبــاذخــة، ولا يـتـنـاسـب مــع مـسـتـوى دراســـتـــه المـمـتـاز لـتـاريـخ الـاّسـامـيـة فــي الــغــرب وأسـبـابـهـا. ولا يمكن الاعــــتــــذار لمـسـتـوى نـــقـــدِه الــهــش والمـــتـــضـــارب لـهـمـا إلا بــالــقــول إنَّــــه كــــان «فـــشّـــة خــلــق» لـبـنـانـيـة فـــي الـكـتـابـن اللذين لم يروقَا له! قـــال أنـيـس فـريـحـة فــي مـقـدّمـة دراســتــه «الـحـركـة الـاّسـامـيـة فـي الـتـاريـخ»: «وقـصـة الـاّسـامـيـة صفحة مـن التاريخ لـم يُــعـرْهَــا العربي اهتمامَه، أو بالأحرى لــم يـشـعـر بـــوجـــودهـــا». وهـــو مــحــق فــي قــولِــه هـــذا كـل الحَق. ولنا أن نعد دراستَه هذه أوَّل صفحة علمية في التَّعريف بالمعضلة اليهودية وتاريخِها في الغرب في الثقافة العربية الحديثة. من تجربتِي في القراءةِ، وفي حدود اطّلاعي، لم أقرأ في الثقافة العربية الحديثة صفحات علمية تلت تلك الصفحة التي كتبهَا أنيس فريحة في منتصف الـــقـــرن المـــاضـــي ســــوى مـــحـــاضـــرة ألــقــيــت فـــي الــقــاهــرة ومنشورة بمجلة مصرية، لكن صاحب المحاضرة غير عربي. بــــدعــــوة مــــن مــجــلــة «الـــطـــلـــيـــعـــة» الـــيـــســـاريـــة، زار المــســتــشــرق الــفــرنــســي المـــاركـــســـي مـكـسـيـم رودنـــســـون ديـسـمـبـر (كــانــون 22 الــقــاهــرة فـــي الأيـــــام المــمــتــدة مـــن لإلقاء 1970 ) يناير (كانون الثاني 8 إلى 1969 ) الأول محاضرات. وقد ألقاهَا في قاعة المحاضرات بجريدة «الأهـــــــــــرام»، ونــــشــــرت نــصــوصــهــا الـــكـــامـــلـــة فــــي مـجـلـة «الطليعة». المحاضرة المقصودة هي «المشكلة اليهودية في 1970 ) عبر التاريخ»، المنشورة في عدد مايو (أيار هذه المجلة. ونشرت المناقشات التي أعقبت إلقاء هذه ،1970 ) المحاضرة في عددِها في شهر يونيو (حزيران تحت عنوان «الصهيونية بين التبعية والاستقلال!». تختلف محاضرة رودنسون «المشكلة اليهودية عبر التاريخ» عن دراسة فريحة «الحركة اللّسامية في الـتـاريـخ» بأنها عــرض تاريخي كلي شامل للمشكلة اليهودية في تاريخ الشرق الأدنى وفي تاريخ الغرب. بطبيعة الــحــال إن كــنــت عـلـى شـــيء مــن الثقافة الماركسية ستعرف أن التيارات الشيوعية والتيارات الـــقـــومـــيـــة المـــتـــيـــاســـرة فــــي الـــعـــالـــم الـــعـــربـــي فــــي كـتـبـهـا ودراساتها ومقالاتها حين تتعرض للمسألة اليهودية ولـلـفـكـر الـصـهـيـونـي تـخـلـو هــــذه الــكــتــب والــــدراســــات والمقالات من الأبلسة الدينية والأبلسة العرقية لليهود ومــــن أي تـــرهـــات حـــولـــهـــم، وهــــي تـــديـــن هــــذا المــنــظــور وتناهضه، ذلك لأن الماركسية، أولاً، لا تقول بخاصيات جــوهــرانــيــة لــلــشــعــوب، وثـــانـــيـــا، لأنـــهـــا تـفـسـر مـــعـــاداة اليهود وكراهيتهم تفسيرا طبقياً، وهو أن البرجوازية الـــكـــبـــيـــرة بـــثـــت هـــــذه المـــــعـــــاداة وهــــــذه الـــكـــراهـــيـــة لـــدى البرجوازية الصغيرة لحرفها عن النضال الطبقي. إن القارئ لدراسة أنيس فريحة القيمة، سيرى أن خاتمتها كانت بلا مدلول. فأي علاقة تربط موضوع دراسته بكتابي خالد محمد خالد وسيد قطب؟! إن كان ولا بد لدراسته من كتابة خاتمة لها، كما رأى أنيس فريحة، كــان يجب أن تكون الخاتمة قـولا إجماليا حول كتب لاسامية غربية ترجمت إلى اللغة العربية ابـتـداء من آخـر القرن التاسع عشر. وفـي عام ، وهـــو الــعــام الـــذي كـتـب فـيـه دراســـتـــه ونـشـرهـا، 1950 كان عددها قليلاً، وكانت خرافة بروتوكولات حكماء صهيون قد ترجم جزء يسير منها في مجلة «الرسالة» ، ولم تصدر الترجمة الكامل بعد في كتاب. 1949 عام أمَّــــــا نـــقـــده الإجـــمـــالـــي لــكــتــابــي «مـــــن هـــنـــا نـــبـــدأ» و«العدالة الاجتماعية في الإســام»، الـذي رأى فيه أن هذين الكتابين هما شاهدان على تخبط الفكر العربي المعاصر، فيصلح أن يكون خاتمة لدراسة أخرى له كان قـد نشرها فـي مجلة «الأبـــحـــاث» قبل نـشـره لدراسته «الحركة اللاسامية في التاريخ» في هذه المجلة بثلاثة أشهر. هــــذه الــــدراســــة هــــي: «الـــفـــكـــر الـــعـــربـــي: مـشـكـلـتـه» المـــنـــشـــورة فـــي مـجـلـة «الأبـــــحـــــاث» فـــي شــهــر سبتمبر .1950 ) (أيلول فشاهداه على تخبط الفكر العربي يتلاءمان مع عنوان الدراسة ومضمونها. ويمكن أن يضيفهما إلى الكتاب الـذي ضـرب فيه مثلا في خاتمة دراسته على مشكلة الفكر المعاصر. هــذا الكتاب هـو كـتـاب «أســـس النهوض القومي العربي» لأحمد كمال. قال عن هذا الكتاب وعن مؤلفه: «أمــامــي كتيب صغير ألّــفــه طـالـب جـامـعـي يـدعـو فيه أبناء قومِه إلى التجديد ومسايرة الحياة». صحيح أن الكتاب كتيب، فصفحاته لا تتعدى صفحة، وصحيح أن الذي ألّفه ألّفه حين كان طالبا 34 جامعيا لكن في التاريخ الذي نشرت فيه دراسة فريحة لـم يعد طالباً، فقد كــان طبيبا جـرّاحـا فـي المستشفى الــحــكــومــي بـحـيـفـا. وكـــــان إضـــافـــة إلــــى عـمـلـه فـــي هــذا المستشفى لديه عيادة خاصة في شارع ستانتون رقم . وكـــان قبلها فـي أواخـــر عام 1940 بحيفا مـن عــام 63 عـــمـــل طبيبا لمـــدة وجــيــزة فــي عــيــادة خـاصـة كـان 1939 يملكها فـي طولكرم. وذلــك بعد تخرّجه فـي الجامعة . أمــــا رسـالـتـه 1939 الأمــريــكــيــة بــبــيــروت طـبـيـبـا عــــام الــقــصــيــرة «أســـــس الــنــهــوض الــقــومــي الـــعـــربـــي» فلقد ، وكان لا يزال 1938 نشرتها «دار الأحـد» ببيروت عام طالبا في الجامعة الأمريكية. أحمد كمال اسمه الكامل أحمد كمال إسماعيل فـي قرية عنبتا فـي قضاء طولكرم، 1914 مـن مواليد له كتاب غير كتاب «أسـس النهوض القومي العربي» اسمه «الماضي الحاضر». وهو ذو توجّه قومي عربيٍّ. وللحديث بقية. علي العميم إبراهيم العثيمين OPINION الرأي 14 اللّسامية من فريحة إلى رودنسون ... الاعتدال بصيغة جديدة 2025 السعودية ما إن تُصدّق نتائج الانتخابات حتى يبدأ سباق لا يقل ضجيجا عن الحملات نفسها: سباق «الرئاسات الـــثـــاث» فـــي الـــعـــراق، حـيـث الــنــظــام بــرلمــانــي وتتشكل الحكومات عبر تحالفات متحركة، لا تتحوَّل صناديق الاقتراع تلقائيا إلى سلطة مستقرة، بل إلى مفاوضات طويلة: من يملك الأكثرية؟ من يملك حق التعطيل؟ وما ثمن المرور من مرحلة إلى أخرى؟ لذلك تبدو الدولة، في كل دورة، كأنها تعيد اختبار قدرتها على تحويل الأرقام إلى مؤسسات تعمل لا إلى منابر تتصارع، علما بأن الدستور يرسم تسلسلا واضحاً: جلسة أولى لانتخاب رئاسة البرلمان ونائبيه، ثم انتخاب رئيس الجمهورية، ثــم تكليف مـرشـح «الـكـتـلـة الـنـيـابـيـة الأكـــبـــر» بتشكيل الحكومة، غير أن التجربة السياسية العراقية اعتادت أن تجعل من النصوص واجهة، ومن العُرف السياسي غـرفـة التحكم، فـالمـواعـيـد الـدسـتـوريـة تُستَحضر عند الـحـاجـة، لكن تطبيقها يبقى رهينا بـمـعـادلات القوة داخل البرلمان وخارجه، وبقدرة الأطراف على استخدام التعطيل كورقة تفاوض لا كاستثناء اضطراري، وهنا تتسع المسافة بين الدولة بوصفها نظاماً، والسياسة بوصفها صراعا على النفوذ. فـي هــذا الـسـيـاق، لا يـعـود عـنـوان الــســؤال مجرد بـــاغـــة: تــراجــيــديــا أم كــومــيــديــا؟ هـــي تــراجــيــديــا حين يتحول التأخير إلـى كلفة مباشرة على حياة الناس؛ لأن حـــكـــومـــة تـــصـــريـــف الأعـــــمـــــال لا تــســتــطــيــع إطــــاق إصلاحات كبرى ولا اتخاذ قـرارات استراتيجية، فيما تتراكم مشكلات الخدمات والبطالة وإدارة الموارد، وهي كوميديا حين تُقدَّم المساومات على أنها توافق وطني، بينما تُـــدار أحـيـانـا بمنطق المـقـايـضـة: منصب مقابل وزارة، دعم مقابل امتياز، أو تعطيل مقابل ضمانات، وبين التراجيديا والكوميديا يضيع جوهر السياسة: إنتاج حكومة ببرنامج واضح تُحاسَب عليه. المفارقة أن الدستور لا يفرض تقاسما هوياتيا صنع 2003 للرئاسات، لكن العرف الــذي ترسّخ منذ معادلة شبه ثابتة: رئاسة الـــوزراء للشيعة، ورئاسة البرلمان للسنة، ورئاسة الجمهورية للكُرد، وقد قُدِّمت هــذه المـعـادلـة يـومـا كآلية تطمين بعد انـهـيـار الـدولـة الــقــديــمــة، لـكـنـهـا تــحــولــت تــدريــجــيــا إلــــى قــيــد عـنـدمـا غابت معايير الحكم الرشيد، فبدل أن تكون الرئاسات وظائف دولـة تُــدار بمعايير الكفاءة والـرؤيـة، صارت فــــي كــثــيــر مــــن الأحـــــيـــــان عــــامــــات مُـــلـــكـــيـــة ســيــاســيــة، تُــسـتـخـدم لتثبيت الـنـفـوذ داخـــل المـنـظـومـة أكـثـر مما تُستخدم لإدارة الدولة، والمشكلة الأعمق أن كل مكوّن لـيـس كـتـلـة واحـــــدة، فـــداخـــل الـبـيـت الـشـيـعـي تتقاطع حسابات الكتلة الكبرى مع طبيعة التحالفات العابرة للقوائم، ومعادلة النفوذ بين من يريد استمرار حكومة قائمة ومن يسعى إلى بديل يضمن له مساحة أوسع داخل الدولة، كما لا يمكن فصل هذا التنافس عن ظل الــســاح خـــارج المـؤسـسـة، ومـــا يخلقه مــن تـأثـيـر غير معلن على سقف القرار السياسي، وفي البيت السني تتجسد الانـقـسـامـات حــول رئـاسـة الـبـرلمـان تحديداً؛ إذ تتحول الرئاسة إلى بوابة تفاوض على الحكومة والحقائب والقرار، فتغدو المعركة على المنصب معركة على موقع داخل المنظومة أكثر من كونها معركة على وظيفة تشريعية ورقابية. أما في البيت الكُردي، فالحساسية مضاعفة، لأن رئاسة الجمهورية ليست مجرد عنوان رمزي، بل حلقة مفصلية في انتقال العملية إلى مرحلة تكليف رئيس الوزراء، وعندما ينقسم الموقف الكُردي على مرشح، أو تتداخل الشروط الاتحادية مع شروط الإقليم، يصبح المنصب عنق زجاجة قادرا على تجميد السلسلة كلها، هـــذا الـخـلـل الـبـنـيـوي لا يـأتـي مــن صـاحـيـات الرئيس بقدر ما يأتي من آلية انتخابه واستثماره السياسي، إذ تُــسـتـخـدم الاسـتـحـقـاقـات الــكــبــرى أحــيــانــا لتصفية صراعات داخلية أو لإعادة ترتيب تفاهمات أوسع مع بغداد. فــي الـديـمـقـراطـيـات الـبـرلمـانـيـة، الــتــفــاوض ليس عيباً، لكنه يصبح أزمــة عندما لا يكون على برنامج، وفـــــي الـــتـــجـــربـــة الـــعـــراقـــيـــة الـــحـــديـــثـــة، كـــثـــيـــرا مــــا يــــدور التفاوض على توزيع السلطة لا على مضمونها: ماذا ستفعل الحكومة في الطاقة والمياه والتعليم والصحة؟ كيف ستعالج خلل الاقتصاد الريعي والبطالة؟ كيف سـتـضـبـط الـــســـاح وتـــفـــرض الـــقـــانـــون؟ وكــيــف ستعيد تعريف العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم على أســـــاس الـــدســـتـــور والـــشـــراكـــة الــفــعــلــيــة؟ عــنــدمــا تغيب هذه الأسئلة عن طاولة التفاهمات، تصبح الرئاسات عناوين لحماية المصالح، لا أدوات لإدارة الدولة. كـسـر الـحـلـقـة لا يـحـتـاج خـطـبـا أعــلــى صـــوتـــا، بل قواعد أعلى إلزاماً: أولاً: إعلان تحالف حاكم ببرنامج مكتوب وعلني يتضمن أولويات قابلة للقياس وجداول زمـنـيـة، وربـــط تـوزيـع المـنـاصـب والـحـقـائـب بالتزامات محددة لا بوعود عامة. ثانياً: احترام المدد الدستورية بوصفها ضمانة استقرار لا ورقــة ضغط؛ لأن ترحيل الاســتــحــقــاقــات يـخـلـق فـــراغـــا يـفـتـح أبـــــواب الــتــدخــات، ويضاعف تكلفة الـقـرار على الاقتصاد والأمـــن. ثالثاً: إعـــــادة تــعــريــف مـعـنـى الـــشـــراكـــة؛ فــالــشــراكــة لـيـسـت أن يــحــصــل كــــل طـــــرف عـــلـــى «حــــصــــة» تـــرضـــي جـــمـــهـــوره، بـل أن يشعر الجميع بــأن الــدولــة تعمل للجميع، وأن الــرئــاســات الــثــاث تتكامل مـؤسـسـاتـيـا: بــرلمــان يـشـرّع ويــراقــب، ورئـاسـة جمهورية تحمي الـدسـتـور، وتدفع نحو الاستقرار، ورئاسة وزراء تمارس التنفيذ، وتقبل المحاسبة. عندها فقط يتحول اختيار الرئاسات من موسم للجدل، إلى خطوة أولى لبناء حكومة تُحاسَب بدل أن تُساوَم، فالديمقراطية ليست احتفالا بالانتخابات، بل اختبار لقدرة النظام على إنتاج حكومة في موعدها وبــــأقــــل تــكــلــفــة عـــلـــى الــــنــــاس وبـــأكـــبـــر قـــــدر مــــن المـعـنـى الــوطــنــي، ومـــا لــم تـتـحـول الــرئــاســات مــن حـصـص إلـى مؤسسات، ستبقى كل دورة انتخابية افتتاحا لموسم جديد من المسرح نفسه. معضلة اختيار الرئاسات في العراق كفاح محمود
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky