تعكس سياسة واشنطن تجاه إيران في المرحلة الراهنة مقاربة تقوم على تعظيم أدوات الضغط، مع الحرص المتعمَّد على تجنُّب الانــــزلاق إلــى مـواجـهـة عسكرية مفتوحة. فبدل السَّعي إلــى حـسـم سـريـع لـلـصـراع، تفضِّل الإدارة الأميركية إدارة الـتـوتـر ضـمـن حـــدود مـحـسـوبـة، تُــبـقـي خـــيـــارات الـــردع قائمة دون تحويلها إلى حرب شاملة. هذه المقاربة لا تنفصل عن تقدير استراتيجي لتكلفة الـصِّــدام، ولا عن قــراءة دقيقة لتوازنات الإقليم؛ حيث بات الحفاظ على الاستقرار النسبي هدفا بحد ذاته، لا مجرد نتيجة جانبية للصراع. ضـمـن هـــذا الإطـــــار، تـعـكـس مــقــاربــة الــرئــيــس الأمـيـركـي دونالد ترمب تجاه إيـران نمطا واضحا في إدارة الصِّراعات الــــــدولــــــيــــــة، يـــــقـــــوم عــــلــــى اســـــتـــــخـــــدام الــــضــــغــــط الاقــــتــــصــــادي والـدبـلـومـاسـي المـــدعـــوم بـالـقـوة الـعـسـكـريـة كـوسـيـلـة لإعـــادة ضبط سلوك الخصم، من دون الذهاب إلى مواجهة عسكرية شاملة. فهذه السياسة لا تنطلق من فرضية الحرب بوصفها خيارا مفضَّلاً، ولا من مسار تفاوضي تقليدي؛ بل من اعتبار التوتر أداة سياسية بحد ذاته. تُــدار العلاقة مع إيـران بوصفها ملفا مفتوحاً، خاضعا للتصعيد أو التهدئة وفق تقدير البيت الأبيض، لا أزمة يُراد حسمُها دفـعـة واحــــدة. ويُــسـتـخـدم الـضـغـط بـوصـفـه وسيلة لإجــبــار طــهــران عـلـى إعــــادة حـسـابـاتـهـا الإقـلـيـمـيـة، عـبـر رفـع تكلفة خـيـاراتـهـا، مــن دون اســتــهــداف مـبـاشـر لبنية النظام السياسي. فالهدف ليس إسقاط النظام؛ بل تقليص هوامش حركتِه الإقليمية وإعادة ضبط توازن الردع. تعتمد هذه السياسة على إبقاء خيار التصعيد حاضرا وموثوقاً، من دون استخدامه فوراً. فالتهديد هنا ليس مجرد خطاب؛ بل هو عنصر فاعل في معادلة الردع. وتكمن الفكرة الأسـاسـيـة فـي أن امـتـاك الـقـدرة على التصعيد، مـع التحكم فـــي تــوقــيــتــه وحـــــــدوده، يـمـنـح واشـــنـــطـــن أفــضــلــيــة سـيـاسـيـة واستراتيجية، من دون تحمُّل تكلفة الحرب المفتوحة. هذا ما يفسِّر الجمع بين خطاب حاد وإجراءات ضغط قاسية، وبين امتناع محسوب عن الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة. وفـي ظـل إدارة هـذا التوتر المتذبذب، لا يمكن استبعاد لـجـوء واشـنـطـن إلــى خــيــارات تصعيد مــحــدودة، تـهـدف إلى إربـــاك الــقــدرات العسكرية الإيـرانـيـة أو تعطيلها مـؤقـتـا، من دون الانـــخـــراط فـــي حـــرب شــامــلــة. وتُـــطـــرح فـــي هـــذا الـسـيـاق سيناريوهات تتراوح بين ضربة عسكرية دقيقة، وعمليات تـكـنـولـوجـيـة وسـيـبـرانـيـة عـالـيـة الــتــأثــيــر، تُــنــفَّــذ فـــي توقيت محسوب وتحت سقف ضبط التصعيد. مثل هذه الخيارات -إن طُبِّقت- يُرجَّح أن تُكمَّل بالاستمرار في الضغط الاقتصادي والـسـيـاسـي، مــع الــرهــان عـلـى الــعــوامــل الـداخـلـيـة، بـمـا فيها الاحتجاجات، كجزء من استراتيجية استنزاف طويلة الأمد، لا كبديل عن القرار العسكري. في المقابل، لا يمكن تجاهل أن إيران تعاملت مع سياسة الـضـغـط بـوصـفـهـا مـعـركـة صـبـر لا مـواجـهـة مــبــاشــرة. فبدل الانـــخـــراط فــي تصعيد مـفـتـوح، اعـتـمـدت طــهــران مـزيـجـا من الـصـمـود الاقــتــصــادي الـنِّــسـبـي، وتـطـويـر قــدراتــهــا الـردعـيـة، وتوسيع هامش المناورة الإقليمية، بما مكَّنها من امتصاص الـضـغـوط دون تقديم تــنــازلات جـوهـريـة. هــذا الـنَّــهـج لـم يلغ تـأثـيـر الـعـقـوبـات، ولـكـنـه حـــد مــن قـدرتـهـا عـلـى فـــرض تغيير استراتيجي في السلوك الإيـرانـي، ورسَّــخ لدى طهران قناعة بأن إدارة التوتر -لا كسره- هي الخيار الأقل تكلفة في مواجهة واشنطن. في المقابل، أظهر الواقع أن إيران تمكَّنت من الحفاظ على تماسك نظامها السياسي، رغـم الضغوط المتراكمة. غير أن هـذا التماسك جـاء على حساب الاقتصاد والــقــدرات التقنية والمـــالـــيـــة الـــتـــي تــعــرَّضــت لاســـتـــنـــزاف واضــــــح. وبـــذلـــك تــحــوَّل الصراع إلى مواجهة طويلة الأمد، تُدار عبر العقوبات والعزلة والضغط غير المباشر، بدل الحسم العسكري السريع. العامل العسكري بقي حاضرا ضمن معادلة ردع متبادل. فالولايات المتحدة تحتفظ بخيار القوة، وتُظهر استعدادَها لاستخدامه عند الضرورة، بينما تحافظ إيران على قدراتها الردعية دون الـذهـاب إلـى مواجهة مباشرة. وبـن الطرفين، تتشكَّل مساحة رمـاديـة، لا حـرب فيها ولا تسوية، تُــدار عبر الرسائل السياسية والأمنية واختبار الخطوط الحمراء. فـي قلب هــذه المـعـادلـة، يـبـرز الــعــراق بوصفه مـن أكثر الساحات حساسية لتداعيات هذا النهج. فبغداد لا تُعامل كطرف محايد بالكامل، ولا كساحة مواجهة مفتوحة؛ بل كمساحة تــــوازن يُــفـتـرض بـهـا امـتـصـاص ارتـــــدادات التوتر الأمـــيـــركـــي– الإيـــــرانـــــي، ومـــنـــع تــحــولــه إلــــى صــــــدام مــبــاشــر. وتتحرَّك القيادة العراقية ضمن هامش ضيق لكنَّه فاعل، يقوم على تجنُّب الاصطفاف العلني، وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الطرفين، وإدارة الملف الأمني بمنطق الاحتواء لا الصدام. هذا النهج يعكس إدراكـا لطبيعة المرحلة؛ حيث يصبح الحفاظ على الاستقرار الداخلي أولوية تتقدم على تسجيل المواقف السياسية. غير أن استمرار سياسة التوتر المسيطر عليه يفرض تحديا دائـمـا على الـعـراق؛ إذ إن أي ارتـفـاع في منسوب الضغط بين واشنطن وطهران ينعكس مباشرة على أمـنـه واقـتـصـاده وقــــراره الـسـيـاسـي، مـا يجعل تبنِّي مقاربة تُقدِّم المصلحة الوطنية العراقية، وتُركِّز على تحصين الداخل خيارا عمليا لتقليص تكلفة هذا الصراع. في المحصلة، تقوم سياسة واشنطن مع إيران على إدارة الــصــراع لا حـسـمـه، وعـلـى اسـتـخـدام أدوات الـضـغـط والـــردع بوصفها خيارات محسوبة تهدف إلـى تجنُّب الحرب لا إلى استدعائها. وبينما قد تحقِّق هذه المقاربة مكاسب تكتيكية، فــإن آثـارهـا الإقليمية تبقى مفتوحة؛ خصوصا على الــدول الواقعة في خطوط التماس، وفي مقدمتها العراق. مـــن عـــامـــات الـــزَّمـــن أن كـلـمـة «ثــــورة» صــــــارت تُـــحـــيـــل إلـــــى غـــيـــر مــــا كـــانـــت تـحـيـل إلــيــه. والـــحـــال أن اســتــخــدام هـــذا التَّعبير، فـــي هــــذه الـــعـــجـــالـــة، لا يــحــمــل بـــالـــضـــرورة حكم قيمة مُسبقاً، سلبيّا كان أم إيجابيّاً، ولا يــــلــــتــــزم بــــــــأي مـــــن المــــعــــانــــي المــخــتــلــفــة الــتــي تمنحها الآيــديــولــوجــيّــات المتباينة للتعبير. فالاستخدام هذا يقتصر معناه، والــحــال هـــذه، على إطـاحـة جـمـاعـة حاكمة أو الـتَّــهـديـد بـإطـاحـتـهـا، أو إطــاحــة وضــع قائم أو التهديد بإطاحته، أو إطاحة شكل ارتسمت عليه الدول وحدودها أو التهديد بإطاحته، وذلك بغض النَّظر عن المدى الذي تبلغه التحوّلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي قد تترتّب على الثورة، وهي قد تكون كبيرة وقد لا تكون. فعربيّا كــان السائد أن «الـثـورة» فعل مناهض لوضع يهيمن فيه الـغـرب. يصح هذا في الثورة الجزائريّة ضد الفرنسيّين، والــــيــــمــــنــــيّــــة الــــجــــنــــوبــــيّــــة ضـــــــد الإنـــكـــلـــيـــز، والفلسطينيّة ضد الإسرائيليّين، كما يصح فـي إيـــران. حتّى 1979 خصوصا فـي ثــورة الانـقـابـات العسكريّة الـتـي سـمَّــت نفسَها ثـورات كانت في محصّلتها تناوئ النفوذ الغربيّ. ولا تغيّر تلك المعادلة استثناءات قــلــيــلــة جــــــدّا وضــعــيــفــة الأهــــمــــيّــــة، كــتــوافــق حسني الـزعـيـم مــع الأمـيـركـيّــن بسبب مـد خطوط النفط، أو التباس السنوات القليلة بعد انقلاب يوليو في مصر. بعد ذاك، وفـي موجة ثــورات «الربيع الــــعــــربــــيّ»، بــتــنــا أمــــــام مـــحـــاولـــة لـتـعـديـل الأولـــــــــويّـــــــــات، فــــتــــراجــــع الـــــهـــــم الــــخــــارجــــي والجيوبوليتيكي لـصـالـح الـتـوكـيـد على الهموم الداخليّة للبلدان المعنيّة، وتقلّص الاهـــتـــمـــام بــقــضــايــا عــــابــــرة لــــلــــدول الأمـــــم، خصوصا القضيّة الفلسطينيّة. كذلك لم يُــشـيْــطَــن الـغـرب هــذه المــــرّة، ولا استُبعدت احتمالات التعويل على مساعدته في وجه طـاغـيـة مــحــلّــيّ، عـلـى مــا حـصـل فــي ليبيا القذّافي. وعـــنـــدمـــا انــقــلــبــت تــلــك الــــثــــورات إلــى حروب أهليّة أو أنظمة سلطويّة، لم يتغيّر هـذا البُعد المستجدّ، وأغـلـب الـظـن أنّــه زاد وتفاقم. بيد أن تطوّرات ثلاثة كبرى مهّدت لهذه السيرورة. فــأوّلاً، دفعت ثـورات أوروبـا الوسطى والــــشــــرقــــيّــــة ضــــــد الأنــــظــــمــــة الـــشـــيـــوعـــيّـــة، ومـــن بـعـدهـا «الـــثـــورات المـــلـــوّنـــة»، بـاتّــجـاه التوكيد على الديمقراطيّة ورفـض النظام الــتــوتــالــيــتــاري الــســوفــيــاتــي و«الــقــضــايــا» التي حُكمت باسمها تلك الشعوب. وهي، فـي هـــذا، كـانـت تجهر بحماستها لتقليد الـــنـــمـــوذج الأوروبـــــــي – الأمـــيـــركـــي ولـطـلـب الــــعــــون مــــن دولــــــه ورغــــبــــة الانـــضـــمـــام إلـــى مؤسّساته الدوليّة. وثـــــانـــــيـــــا، لـــعـــبـــت حـــــــرب الــــــعــــــراق فــي دورا مــؤثّــرا أيــضــا، عـلـى المستويين 2003 العملي والفكريّ. فهي، كمزيج من احتلال وتحرير، بالمعنى الياباني للكلمة، كسرت دوغــــمــــا «يـــــســـــاريّـــــة» و«وطـــــنـــــيّـــــة» ســـائـــدة تضع الــواحــد منهما فـي مـواجـهـة الثاني على نحو مطلق، طــارحــة على «الشعب» مـسـؤولـيّــتـه عــن نـفـسـه بـعـد تخليصه من الحاكم المتجبّر. وأخــيــراً، بلغ الـنـظـام الأمــنــي الـعـربـيّ، فــــــي تــــلــــك الـــــغـــــضـــــون، مـــــــدى مــــــن الـــتـــعـــفّـــن والــتــنــصّــل مـــن الأفـــكـــار الــتــي سـبـق أن بـــرّر بها قيامه. هكذا لم يعد ممكنا لـ«القضيّة القوميّة» أو لأيّــة قضيّة أخــرى سَتر عُريه ورتق صدوعه. فـــــي مـــــــــــوازاة تــــلــــك الـــــســـــيـــــرورة كـــانـــت المــســائــل المــســتــجــدّة لا تــتــرك عـلـى خريطة انقسامها مكانا متماسكا لبعض الـثـوّار الــقــدامــى. هــكــذا ظـهـر مـبـكـرا مــن يــقــول إنّــه «ضــــــدّ» طـــالـــبـــان و«ضـــــــدّ» الأمـــيـــركـــيّـــن في أفغانستان، قبل أن يظهر من يؤيّد ثورات «الربيع» ويعترض على التدخّل الخارجي لــدعــمــهــا، أو يــرفــض الـــحـــرب الإســرائــيــلــيّــة الحاليّة ويرحّب بالكثير من نتائجها. أمّــــا فـــي المــحــطّــة الــراهــنــة فاختلفت «الــــثــــورة» جـــذريّـــا، مـــا يــصــح فـــي جميع الأحـــــــــداث الــــتــــي نــعــيــشــهــا الـــــيـــــوم. فـهـي مـــســـكـــونـــة بـــكـــســـر الـــحـــقـــبـــة الإيـــــرانـــــيّـــــة بمعنى يشابه كسر الـثـورات الأوروبـيّــة و«المـلـوّنـة» الحقبة السوفياتيّة، وليس بــــــأي مــعــنــى يـــشـــابـــه الـــــثـــــورات الــســابــقــة ضـــد الــغــربــيّــن. أمّــــا «المـــعـــتـــدل» مـــن تلك الثورات وقواها فيجد ضالّته في توافق ما مع السياسات والرغبات الأميركيّة، بينما يجدها «المتطرّف» في توافق مع إسرائيل. ذاك أن الولايات المتّحدة، وفق الـشـائـع، تمثّل مـبـدأ الــثــورة المضبوطة، ذات الارتــــــــدادات الــخــارجــيّــة المـــحـــدودة، فيما تمثّل الدولة العبريّة الثورة المطلقة غير العابئة بما قد تثيره من ارتـدادات. وغالبا ما يتناقض طرف ثوري ذو هوى أميركي وآخر ثوري ذو هوى إسرائيلي بأكثر كثيرا ممّا يتناقض الإسرائيليّون والأميركيّون. وعلى العموم غدا المحافظون ثوريّين وغـــــــدا الـــــثـــــوريّـــــون الـــســـابـــقـــون مــحــافــظــن يطالبون بـوقـف العمليّات الـجـاريـة، على اختلاف تأويلها، عند الدرجة التي بلغتها، مـــســـتـــخـــدمـــن الــــضــــغــــط والمـــــنـــــاشـــــدة لمــنــع التغيير الــذي كـانـوا، في المـراحـل السابقة، لا يـحـضّــون إلا عـلـيـه. وفـــي مـقـابـل الـتـأتـأة التي يبديها ثوّار الأمس ومحافظو اليوم، اســـتـــحـــوذ مــحــافــظــو الأمـــــس وثـــــــوّار الــيــوم وحدهم على عـرض البدائل القاطعة كحد السيف. لكن النزعة الخلاصيّة المتطرّفة تبقى مـخـيـفـة، وهـــي مـشـتـركـة بـحـيـث يــصــح في ثـــــورات الـــيـــوم مـــا صـــح فــي ثـــــورات الأمـــس. والتروّي يبقى مطلوبا كما كان مطلوبا في السابق. ذاك أنّه حين يطغى مبدأ الانقلاب الـشـامـل يـتـراجـع مـبـدأ السياسة بوصفها نزاعا غير عنفي يحصل في الوسط وعليه. وهو ما نراه اليوم، لا في منطقتنا فحسب بل في العالم الذي يرتسم على هيئة مريض درجــــة سِــنـتِــغـريـد. 40 تـــجـــاوزت حـــرارتـــه الـــــ فإمّا أن تباشر الحرارة انخفاضها، وهو ما لا يـبـدو فـي أفــق وشـيـك، أو أن تمضي في صـعـودهـا فيكون المـــوت المـحـتّــم على شكل حروب وحرائق في كل مكان. OPINION الرأي 12 Issue 17218 - العدد Sunday - 2026/1/18 الأحد واشنطن مع إيران... ضغط مستدام وتجنب الحرب تحوّلات في مفهوم «الثورة»! وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة فرهاد علاء الدين اعــتــدال المـنـاخ الليبي طـــوال فصول الـعـام يقابله، وجها لوجه، تطرّف السياسة الليبية. صحو سمائها، وفتنة جمال زرقـة مياه بحرها يقابله غموض تفاصيل غموض ما يحدث في عتمة كواليس مسرحِها السياسي. تلك المفارقة الصارخة ليست حـكـرا عـلـى ليبيا؛ بــل تشمل بـلـدانـا أخـــرى عــديــدة في قـــارات العالم الخمس. إلا أنّــهـا فـي ليبيا تبدو للمراقب أكثر وضوحا وتجليا لدى المقارنة. ولا تخص حقبة معينة كذلك، ولذلك السبب كثيرا ما أثارت اهتمام الباحثين والدارسين. فــي آخـــر زيــــارة إلـــى المــديــنــة، شـــاءت لــي الأقـــــدار أن أكــون شاهد عيان على واحدة من أسوأ المصادمات التي شهدتها في ، إذا استثنينا 2011 ) مرحلة ما بعد انتفاضة فبراير (شباط التي شنّها المشير خليفة حفتر. تلك الحرب 2019 حـرب عـام . أذكر أنني أصبت خلالها ب 2025 ) كانت في شهر مايو (أيار حالة رعـب لـم أعهدها طــوال مـا عشت، جعلتني أعـجّــل بحزم أمتعتي في حقيبة سفري والمـغـادرة، عازما على عدم العودة إليها مجدداً. وهــــا أنـــــذا حـــالـــيـــا، بــعــد تــلــك الــتــجــربــة المــــريــــرة والألــيــمــة والمحزنة، أُخلف بوعدي، وأشد الرحال نحوها، وكأن ما حدث ليس سوى كابوس آخر عابر، يضاف إلى سلسلة طويلة من كوابيس الحياة التي تصادفنا. فــي الــيــوم الـتـالـي لـوصـولـي، حــن خـرجـت إلـــى الــشــوارع مـتـجـوّلاً، مستطلعا أخـبـارهـا، ومُعاينا أحـوالـهـا، ومشخصا أوجاعها، بـدت لي طرابلس كأنها مدينة لم تـر حربا مطلقاً، فـــأدركـــت عـنـدهـا أن المــــدن، عـلـى اخـتـافـهـا، وأيـنـمـا كــانــت، قد تــصــاب بـوعـكـات وأزمــــــات، لكنها تتشبث بـالـحـيـاة وتـرفـض الموت، وأنها أيضاً، وهذا المهم، قادرة على التغلب على كل ما يعتريها من أعــراض أمــراض كثيرة. وطرابلس الـغـرب، أو أي مدينة ليبية أخـــرى، لا تخرج عـن ذلـك السياق الحياتي، وأن الندوب التي تخلّفها القذائف وطلقات الرصاص في الحروب، ســواء على الــجــدران أو فـي الــذاكــرة، يتكفل الـزمـن ومتطلبات العيش ليس بمحوها؛ بل بوضعها جانبا ومحاولة تناسيها، ومواصلة السير في دروب الحياة المختلفة. المــدنُ، واقعيا وفعلياً، صممت وشُيدت على مر التاريخ لتكون دروع حماية من سهام الأعداء، وبرغبة العيش بسلام، لذلك، فإنها وإن كانت لا تنسى آلام جراحها، فإنّها قادرة على تــجــاوزهــا، والـتـعـايـش معها لتستمر الـحـيـاة، وذلـــك قـدرهـا. إلا أنها من جهة أخـرى يُستعصى عليها السلام حين تنفجر الصراعات والحروب داخلها. نــــــدوب وجـــــــروح الــــحــــروب تــبــقــى شــــواهــــد لـــــدى الــســكــان بـــذكـــريـــات مــخــتــلــفــة. بــعــضــهــم يـــعـــدّهـــا شــــاهــــدا عـــلـــى صــمــود ومـقـاومـة المـديـنـة وأهـلـهـا وانـتـصـار الـحـيـاة، وبعضهم الآخـر يراها شاهدا على فداحة الحُمق الإنساني. هذه المرّة، وصلت إليها نحو منتصف الليل، وقد تقلص ضـجـيـج ازدحـــــــام حــركــتــهــا المــــروريــــة، وبــــــدأت كــأنــهــا تستعد للخلود إلى النوم. نجوم سمائها اختفت وراء الغيوم، وأضواء شوارعها وطرقاتها كانت تبدد العتمة، وتُــقـرّب الطمأنينة، على جـرعـات صغيرة، إلــى قلب زائــر متوجس، مـا زال صدى القذائف وأزيز رصاص آخر المصادمات يثقلان خلايا ذاكرته. هــذه المــــرّة، كـانـت الــزيــارة لا تختلف عـن غـيـرهـا، بغرض محاولة استيعاب ما طرأ على معادلة الصراع من مستجدات لا تظهر على السطح، مـن خـال الجلوس والاسـتـمـاع إلـى ما يقوله أهل الرأي من أهلها في جلسات خاصة، وما لديهم من أسـرار يحرصون على كتمانها، ولا يفشونها إلا في جلسات ضيقة جداً، ضمانا لسلامتهم، وكذلك آخر ما استجد عندهم من أخبار الفساد، ومـا طـرأ من عمليات نهب وسرقات للمال العام في صفقات سرّية. خـــال الأيــــام الأولــــى مــن الـــزيـــارة، شــعــرت بـــدفء الطقس وطـــراوتـــه، ولــم أشـعـر بـــدفء الاسـتـقـرار وأمــنــه، وتـلـك معضلة كـل الليبيين. كـنـت، أدرك أن مـا يظهر على السطح مـن هـدوء واعتيادية يخفي تحته ما لا نحبه ونخشاه في آن، وأن الحياة في طرابلس بطبقات عديدة، لمن عرف المدينة وخبر أحوالها، قـديـمـا وحــديــثــا، وأن الـطـبـقـة الـرقـيـقـة الــظــاهــرة عـلـى السطح من الهدوء والسلام تخفي تحتها طبقات أكثر عتمة محذّرة ومُنذرة، تشكل عبئا ثقيلا على النفوس، وبمثابة أصفاد غير مرئية، تعيق الحركة إلى الأمام، وتربك إيقاعات نبض القلوب، وتجعل التوجس والـخـوف مما قـد يحمله الغد مـن مفاجآت غير سـارة، عائقين يحولان بين الناس والطمأنينة ومواصلة الحياة باعتيادية. الــســام الــهــش والـسـطـحـي عـــدو الاســتــقــرار، وفـــي الـوقـت ذاته، أفضل بيئة لتوالد الأسئلة غير المُجاب عنها. وحين يحتد الصراع على السلطة في بلد تضعف فيه سلطة الدولة، ويبلغ عـدد قطع الـسـاح أكثر مـن عـدد السكان بأضعاف، يكون من المستحيل على الاستقرار الحصول على موطئ قدم. حين يكون السلاح أضعاف عدد السكان جمعة بوكليب
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky