الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel الكاتب الليبي الكبير الراحل الصادق النيهوم اشتبك مبكرا مع معادلة الثروة والشعوب والعقول. بـلـغـة يــبــث فـيـهـا ذبـــذبـــات ســـاخـــرة، تـــقـــرع نــواقــيــس تـضـيء للتائهين فـــوق كـنـوز المـــال المـتـدفـق مــن تحت نشر الصادق النيهوم مقالا 1968 أقدامهم. في سنة بصحيفة «الحقيقة» ببنغازي، تحت عنوان «شحاذ في سوق بغداد». فـي أواخـــر ستينيات الـقـرن المـاضـي، بـــدأت آثـار النفط المنتج في ليبيا تظهر على ملامح الحياة في الــبــاد. رجـــان تـطـيّــرا، بـل تـشـاءمـا، مـن ذلــك السائل الــثــمــن الـــرهـــيـــب، المــتــدفــق مـــن جــــوف الأرض. الأول كان الملك الراحل محمد إدريـس السنوسي، والثاني الكاتب الليبي المتمرد الذي يعيش في فنلندا الصادق الـنـيـهـوم. عـنـدمـا بُــشــر المــلــك الـــراحـــل إدريــــس مـبـكـراً، بـاكـتـشـاف كـمـيـات كـبـيـرة مـــن الـنـفـط فـــي الـــبـــاد، لم تظهر على وجهه علامات الفرح، بل نظر إلى المكلف بملف النفط، في صمت ثم قال له: ليتكم بشرتموني باكتشاف الماء وليس النفط. اســتــهــل الــنــيــهــوم مـقـالـتـه بــســطــور كــتــب فـيـهـا: «قصة البترول فـي البلدان النامية، مثل قصة علاء الـــديـــن والمـــصـــبـــاح الـــســـحـــري، رمــــز شـــديـــد الـــحـــدة لما يستطيع الـنـهـم الــبــشــري أن يفعله فــي مجتمع من الرجال البسطاء. رمز للبطن المتورم الـذي يستطيع أن يـجـعـل عــالــم الإنـــســـان مـــجـــرد كـيـس جــلــدي معبأ بالأطعمة المعلبة»، ثم انتقل إلـى قصة بلدين تدفق فيهما البترول بكميات هائلة، هما إيران وفنزويلا. لكن بعد سـنـوات طويلة مـن تدفق البترول بكميات كبيرة، لم تنخفض نسبة الأمية، أو يتضاعف الإنتاج الزراعي، كل الذي ارتفع هو صوت الخطب الحماسية الـتـي تبشر بـالـتـقـدم الـعـظـيـم. بـعـد ثـمـانـيـة وثـاثـن عاما من إنتاج النفط، تأتي إيران في الترتيب السابع والثمانين بين دول العالم في ترتيب النمو. ويقفل الصادق ما سبق أن ساقه بكلمات قليلة، أليس ذلك مثيرا للدهشة؟ لا بد أن ينهض السؤال أمام ذلك، وهو ما السبب فيما حدث؟ يجيب النيهوم فيكتب: «الواقع أن أحدا لم يلق نقود إيران من النافذة. أعني أن أحدا لم يسرق تلك النقود ويخبئها في المحيط، كل ما حدث أن دخل البترول ابتلعته المشاريع الميتة، وصار كوما ميتا من الحجر، أمـا الأرض والمصانع والاسـتـثـمـارات الحية فـلـم يـهـتـم بـهـا أحــــد، ســـوى الـفـقـيـه صــاحــب دكـاكـن الــكــتــابــة الــعــمــومــيــة». ويــقــف الــكــاتــب عــنــد الانــهــيــار الاقتصادي الكارثي الذي سيحل بإيران. المقالة كُتبت في عهد الشاه، قبل ثورة الخميني. انـتـقـل الـنـيـهـوم فــي مـقـالـتـه مــبــاشــرة مــن إيـــران البترولية، إلى مثيلتها البترولية فنزويلا في البحر الكاريبي. الصادق النيهوم لا يترك غريمه المرافق له دائماً، وهو الفقيه الذي يكتبه كما ينطقه عامة الليبيين، أي الفقي. في فنزويلا المسيحية الكاثوليكية يفتح الفقي دكانا للكتابة العمومية، فهو الــذي يعرف الحقيقة أكـثـر مــن ســــواه، فـقـد كتبها فــي كــل خطبة إسبانية فصيحة تردد صداها في شرفات كاراكاس العاصمة، وكتبها بلغات المواطنين الحمر أيضا بالفحم على الــــجــــدران. يـــلـــوّح الـنـيـهـوم إلـــى الآيــديــولــوجــيــا الـتـي يـخـتـلـط فــيــهــا الــنــفــس الـــديـــنـــي المــــــــوروث، بـالـهـتـاف اليساري الذي استوطن أميركا اللاتينية، منذ ثورة زعيمها سيمون بوليفار. يندفع كاتبنا في رحلة تفكيك الكيان الفنزويلي البترولي، ويشخص أعراض الوباء الأسود السائل، الـــذي أصــاب تلك الـبـاد. الفقيه والسخرية العابرة لـــلـــمـــكـــان والــــــزمــــــان، لا يـــجـــفـــان عــــن قــــوافــــل ســطــور النيهوم، حتى وهــو يكتب عـن الاقـتـصـاد بـالأرقـام. يــســتــدعــي مـــا كــــان فـــي خـــيـــالات بــــغــــداد. يـــدخـــل إلــى دنــيــا فــنــزويــا مـــن بـــاب المـــفـــارقـــات الــتــي يـعـلـو فيها بخور ألـف ليلة وليلة. طـار مـن إيـــران إلـى فنزويلا، فـــي رحـــلـــة مـــبـــاشـــرة مـــن دون مــحــطــة عـــبـــور فـكـتـب: بهمَّة تدعو 1920 وفنزويلا تنتج البترول منذ عام إلـــى الإعـــجـــاب، فـهـي تـنـتـج الــذهــب والــحــديــد وبقية الأشـــيـــاء الأخـــــرى، الــتــي قــــررت شـــهـــرزاد أن تـدعـوهـا «مصباح عـاء الـديـن» ومـع ذلــك، أعني رغـم ثمانية وأربعين عاما من الإنتاج بهمَّة تدعو إلى الإعجاب، ورغــم كـل النوايا الطيبة وخطب الكاتب العمومي، فإن الإحصاءات تروي قصة أخرى: نسبة الأمية في 1000 فـي المـائـة وثمة طبيب واحــد لكل 49 فنزويلا من السكان، ونسبة الأراضـــي المـزروعـة إلـى مساحة فنزويلا كنسبة واحد إلى تسعين، ولا صناعة على الإطـاق سوى مصنع التبغ المحلي. الماشية نقصت بمقدار النصف، أي من ثمانية ملايين رأس إلى أربعة ملايين فقط، خلال السنوات الخمس الأولى من بدء جنيها في 170 إنتاج البترول، ومتوسط دخل الفرد العام. فنزويلا تأتي من حيث نموها الاقتصادي، في الترتيب الخامس والستين بين دول العالم. ويضيف النيهوم في مقاله عن فنزويلا ويكتب: نسي الخبراء فــــي فـــنـــزويـــا بــقــيــة الأشــــيــــاء الأخــــــــرى، نـــســـوا أنــهــم مـعـرضـون لـلـمـوت جـوعـا فــي شــــوارع كـــاراكـــاس، إذا قـررت الولايات المتحدة الأميركية أن تكف عن شراء ، ولم يتذكر أحد 1950 بترولهم. كما حدث خلال عام تلك الحقيقة القديمة، حتى طلب الرئيس الأميركي ليندون جونسون من وفد فنزويلا في الأمم المتحدة، أن يعطي صـوتـه لصالح إسـرائـيـل، أو يمنع عنهم الخبز. يــخــتــم الــــصــــادق الــنــيــهــوم مــقــالــه فــيــكــتــب: «إن الـبـتـرول ومصباح عــاء الـديـن قصتان مضحكتان، فـــإذا ضــاع المصباح اكتشف عــاء الـديـن أنــه مـا يـزال شحاذا في سوق بغداد». ويكتب في السطر الأخير: «يـا إلهنا، هل ستترك ذلـك يحدث في ليبيا؟». نشر .1968 ذلك المقال عام الصادق النيهوم في فنزويلا وإيران فــــي ثــمــانــيــنــات الــــقــــرن المــــاضــــي، كـــــان يــعــمــل فـي جـريـدة الـحـيـاة اللندنية صحافي مـن إخـوتـنـا الـكـرد، عرفناه مثقفا مهنيا هـادئ الطبع، ومهتما بالشؤون ، أصبح 2003 العراقية. بعد سقوط نظام صدام حسين مستشارا إعلاميا لأحد أوائل رؤساء الجمهورية الكرد في العراق. وفي إحدى الندوات التي كانت تعقد بكثرة آنـــــذاك، احــتــدم الــنــقــاش حـــول مستقبل المـنـطـقـة، فقال الـرجـل جملة أثـــارت انـتـبـاه الـحـاضـريـن: «أنـــا صحيح كـردي، لكن أفكر مثل العرب». أستعيد هذه الواقعة لا بوصفها ذكـرى شخصية، بل لأنها تختصر إشكالية أعمق في فهم السياسة والهوية، فخلف هذه العبارة كـان يختبئ تصور شائع، وخاطئ علميا وسياسياً، بأن الكرد أقل عقلانية سياسية من العرب، وهي فكرة لا تـخـرج عـن كونها عنصرية مبطنة، لا تصمد أمـام التجربة، ولا أمام الوقائع التاريخية، ربما قيلت لنفي انطباع خاطئ أن الأكـراد يفكرون بطريقة مختلفة عن العرب، ما يحدث في سوريا وغيرها أن الكل سواء في تضييع الفرص السياسية! كردا وعرباً! ما تركه النظام السابق ليس أقل من فوضى، تحتاج إلى صبر وحكمة. الــتــجــربــة الـسـيـاسـيـة الــحــديــثــة تـثـبـت أن الـــكـــرد، مثل العرب تماماً، لا يُقاس أداؤهم السياسي بالهوية أو اللغة، بل بقدرتهم على قــراءة اللحظة التاريخية، والتكيف معها، أو بعبارة أوضح اقتناصها. ينجحون حـن يحسنون تقدير مـوازيـن الـقـوى، ويفشلون حين يخلطون بــن الـطـمـوح المـــشـــروع، والـحـلـم غـيـر القابل لــلــتــحــقــق. الـــســـيـــاســـة لــيــســت حـــقـــا لـــأمـــانـــي، بــــل فـن إدارة الممكن، واختيار التوقيت، والـتـدرج في تحقيق الأهداف. تــــجــــربــــة كـــــردســـــتـــــان الــــــعــــــراق تـــــقـــــدم نـــمـــوذجـــن متناقضين في هذا السياق. النموذج الأول كان واقعيا ، اختار الكرد 2003 ، ثم بعد عام 1991 وذكياً. بعد عام الانـخـراط في الـدولـة العراقية الجديدة، بـدل القطيعة معها. حصلوا على حكم ذاتي موسع، ثم على فيدرالية دســـتـــوريـــة، ونـــجـــحـــوا فـــي بـــنـــاء مـــؤســـســـات سـيـاسـيـة واقتصادية وأمنية، وانتزعوا اعترافا إقليميا ودوليا بــدورهــم. كما شــاركــوا فـي مـؤسـسـات الــدولــة، لـم يكن ذلك فشل الحلم القومي، لكنها كانت خطوة محسوبة، ضمن مـسـار، إلا أنـهـا أيـضـا لـم تـخـل مـن صـــراع بيني كردي - كردي! ثم جاء النموذج الثاني، وهو استفتاء الاستقلال ، ليكشف الوجه الآخر لسوء تقدير اللحظة. 2017 عام تــجــاهــلــت الــــقــــيــــادة الــــكــــرديــــة فــــي الــــعــــراق حــيــنــهــا كـل الــتــحــذيــرات، وذهـــبـــت إلـــى اسـتـفـتـاء تـعـلـم مـسـبـقـا أنـه غير قـابـل للتنفيذ. لـم تـوافـق عليه بـغـداد، ولــم يقبله المجتمع الدولي، ولم تدعمه القوى الإقليمية، بما فيها تـلـك الــتــي كــانــت تــوصــف بـأنـهـا حـلـيـفـة. حـتـى الــدولــة الــعــراقــيــة الـــولـــيـــدة، بــكــل هـشـاشـتـهـا، رفــضــت المــســار. وكـانـت النتيجة خـسـارة سياسية واضـحـة، وتراجعا فـي النفوذ، وضياعا لجزء مـن المكاسب التي تحققت عـبـر ســـنـــوات مـــن الـعـمـل الــتــراكــمــي. كــانــت تـلـك لحظة كــاســيــكــيــة لــتــفــويــت الــــفــــرص، حــــن يُـــســـتـــبـــدل الـعـقـل السياسي بالرغبة العاطفية. هذا الدرس القريب يبدو حاضرا اليوم في الحالة الـكـرديـة الــســوريــة. بـعـد سـقـوط نـظـام الـقـمـع الأســـدي، وبــــــدء تــشــكــل واقــــــع ســـيـــاســـي جــــديــــد، تــــوفــــرت فــرصــة نــادرة للكرد السوريين للانخراط في الـدولـة السورية الـــجـــديـــدة، والمـــشـــاركـــة فـــي إعـــــادة بـنـائـهـا عـلـى أســـاس وطني جـامـع. كـان ذلـك المـسـار وحــده الـقـادر على فتح الباب أمام ضمان حقوقهم السياسية والثقافية، وربما الوصول إلـى صيغ متقدمة من اللامركزية، أو الإدارة الذاتية المقبولة إقليميا ودولياً. لـــكـــن مــــا يـــحـــدث عـــلـــى الأرض يــســيــر فــــي اتـــجـــاه معاكس كما تبين في حلب الأسـبـوع المـاضـي. قيادات لم تقرأ تاريخ الصراعات، ولم تستوعب دروس العراق القريب، اختارت طريق الصدام مع الدولة بدل الاندماج فيها. الأخطر من ذلـك أنها سمحت، بشكل مباشر أو غـيـر مـبـاشـر، لـفـلـول الـنـظـام الـــذي حـــرم الــكــرد مــن حق المواطنة، بالتحرك في مناطقهم، تحت شعار مقاومة الـدولـة السورية. هـذه ليست براغماتية سياسية، بل مقامرة يائسة تدفع بالقضية الـكـرديـة، بـل بالقضية الوطنية السورية، نحو طريق مسدود. سوريا ليست مجموعة جزر منفصلة، بل نسيج اجتماعي وسياسي شديد التداخل. تشجيع النزعات الانعزالية، مهما كانت مبرراتها، لا يؤدي إلى حماية الحقوق، بل إلى تعميق الانقسام وإطالة أمد الصراع. مـن يشجع هــذا المـسـار لا يفعل ذلــك دفـاعـا عـن الـكـرد، بل رغبة في إضعاف الـدولـة السورية وتحويلها إلى ساحة مفتوحة، تتدخل فيها القوى الطامحة. وعندما يـنـقـشـع الـــغـــبـــار، يـــكـــون الــثــمــن مـــدفـــوعـــا مـــن مستقبل المكونات نفسها. لا تركيا قابلة، لأسبابها الاستراتيجية المعروفة، بـقـيـام كــيــان كــــردي مـسـتـقـل فـــي ســـوريـــا، ولا المجتمع الـدولـي مستعد للدخول في مغامرة اعـتـراف وحماية لـكـيـان هـــشّ. الـتـجـربـة الـعـراقـيـة نفسها دلـيـل واضـــح، إذا كان استفتاء الاستقلال قد فشل في العراق، فكيف يمكن تخيل نـجـاح مـسـار مشابه وبـقـوة الــســاح، في سوريا الأكثر تعقيدا وتشابكاً؟ مـعـركـة حـلـب الأخـــيـــرة كـانـت مــثــالا إضـافـيـا على معنى تفويت الفرص. لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بـــل اخـــتـــبـــارا لــلــخــيــال الــســيــاســي المُــــعــــوق. كــــان يمكن تحويلها إلـى محطة اندماج وطني، فـإذا بها تتحول إلــى دلـيـل جـديـد على ســوء الـتـقـديـر. السياسة ليست شـجـاعـة فــقــط، بــل حـكـمـة فــي اخـتـيـار المــعــركــة، ووعــي بـــحـــدود الـــقـــوة، وبــصــيــرة قــــــادرة عــلــى قــــــراءة مـــا بعد اللحظة، لا الاكتفاء بانفعالها. الـقـضـيـة الـــكـــرديـــة، فـــي ســـوريـــا كــمــا فـــي غـيـرهـا، لا تُــخـدم بـرفـع سـقـوف غير قابلة للتحقق، بـل تُخدم بـــالانـــخـــراط فـــي الــــدولــــة، وتــثــبــيــت الـــحـــقـــوق داخــلــهــا، وحـمـايـتـهـا مـــن الـتـفـكـك. الــتــاريــخ لا يــرحــم مـــن يـسـيء قـراءة لحظته، والفرص الضائعة لا تعود، بل تتحول إلى دروس قاسية تُكتب بمداد الخسارة. آخـر الـكـام... التاريخ يمنح الـفـرص، والسياسة الحمقاء تهدرها. حين تتقاطع الجغرافيا مع الهُويَّة OPINION الرأي 15 Issue 17217 - العدد Saturday - 2026/1/17 السبت عبد الرحمن شلقم محمد الرميحي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky