issue17215

لـم يكن خطف الـرئـيـس الفنزويلي نيكولاس مـــــــــادورو مــــن مــخــبــئــه المـــحـــصَّـــن عـــلـــى يــــد الـــقـــوات الأميركية هو الفعل الأول، ولن يكون الأخير، الذي تقوم به واشنطن تجاه من عدَّتهم رؤسـاء مارقين نالوا لائحة اتهام أميركية طويلة، بدأت في نهايات القرن الماضي مع صدام حسين؛ واتُّهم بأنه يمتلك أســلــحــة كــيــمــاويــة، وانـــتـــهـــت مـــع مــــــــادورو، واتُّـــهـــم بـتـجـارة المـــخـــدرات، وقبلهما كــانــت هــنــاك «أفــعــال أخـــرى» ضـد حكم «طـالـبـان» فـي أفغانستان، ومع ، وغيرهم الكثير. 1989 مانويل نورييغا في بنما لــقــد نــجــحــت الــــولايــــات المـــتـــحـــدة فـــي تحقيق الهدف الأول من غزوها لهذه البلدان؛ وهو إسقاط الـنـظـام المــــارق أو الـقـبـض عـلـى الـرئـيـس المغضوب عــلــيــه، ولــكــنــه لـــم يـــعـــن أنـــهـــا جـلـبـت الاســـتـــقـــرار أو أسَّست لبديل أفضل لحكم هذا البلد أو ذاك. مـــن المـــؤكـــد أن قــيــام إدارة الــرئــيــس الأمـيـركـي دونالد ترمب بإلقاء القبض على رئيس دولة أخرى ارتكب من الأخطاء الكثير، وتحويله إلى المحاكمة فــي نــيــويــورك، يـمـثـان انـتـهـاكـا صــارخــا للقانون الدولي ويكرسان هيمنة فلسفة القوة الأميركية - الإسرائيلية على النظام الدولي على حساب معاني احـتـرام القانون ومؤسسات الشرعية الدولية، إلا إن المشكلة تكمن فيما «بعد الفعل»، وكيف سيدار بلد مثل فنزويلا؟ وهل ستتعلم الولايات المتحدة مــــن الــــــــدروس الـــســـابـــقـــة وتــكــتــفــي بـــبـــريـــق «الــفــعــل الاســتــعــراضــي»، واقـتـيـاد رئـيـس دولـــة مــن مخبئه المحصن إلى أميركا، وتدير البلد من بُعد، وتجذب نائبة الـرئـيـس الفنزويلي لتوجهاتها، وتحصل على النفط، وتقضي على عصابات المخدرات؟ يقينا الأداء الأميركي فيما بعد الفعل في حالة فــنــزويــا يـخـتـلـف عـــن تـــجـــارب ســابــقــة، خصوصا بــلــدان الــشــرق الأوســـــط، ولـكـنـه أيـضـا لا يخلو من استعراض ومن تركيز على «الفعل الأوَّلي» لا على تبعاته ونتائجه. لــقــد اســتــهــدفــت أمـــيـــركـــا نــظــمــا بـعـيـنـهـا وفــق مـعـايـيـرهـا وحـسـابـاتـهـا الــخــاصــة، ولــيــس بسبب انـــتـــهـــاك الـــقـــانـــون أو ارتــــكــــاب هــــذه الــنــظــم جــرائــم تتطلّب محاسبتها أو تدخّلها الخشن، فهناك نظم استبدادية تدعمها أميركا وهناك أخرى ترفضها، ولكن تدخّلها بهذا الشكل الفج عــادة لا ينجح إلا مع النظم الضعيفة والمنقسم شعبها حول شرعية الحكم القائم وليس مجرد خلاف سياسي معه. إن الرئيس مــادورو فاقد لجانب من شرعيته الــداخــلــيــة والـــخـــارجـــيـــة مــنــذ أن أجـــــرى انـتـخـابـات ، ولــم 2024 و 2019 مـشـكـوكـا فـــي نــزاهــتــهــا عــامـــي يــعــتــرف بـنـتـائـجـهـا مـعـظـم دول الــعــالــم بــمــا فيها دول من أميركا الجنوبية ليست معادية للتجربة الفنزويلية ورئيسها، وهذه كلها أسباب سهَّلت من نجاح «الفعل الأميركي»، ولكن لا يمكن القول إنها السبب الأساسي وراءه، فهناك المصالح الأميركية فــي ثـوبـهـا «الـتـرمـبـي» الــجــديــد، وهــنــاك المنظومة الأمـــيـــركـــيـــة بـــمـــعـــنـــاهـــا الـــســـيـــاســـي والاقــــتــــصــــادي وأُضــــيــــفــــت إلـــيـــهـــا مـــــؤخـــــرا مـــقـــولـــة «حــــــب تـــرمـــب» وتبجيله، الـتـي تـرغـب واشـنـطـن فـي فرضها على الجميع، خصوصا الدول الضعيفة أو تلك الواقعة فيما ما زالت تعدها «حديقتها الخلفية» في أميركا الجنوبية. ومع ذلك فإن الفعل الأميركي حتى هذه اللحظة ظل مختلفا عمَّا جرى في بلدان عربية وإسلامية دفعت ثمنا باهظا لهذه «الأفعال التدخلية»، وهو مـا قـالـه وزيـــر الخارجية الأمـيـركـي مـاركـو روبـيـو، بشكل واضـــح مــن أن «فـنـزويـا ليست دولـــة شـرق أوسطية»، وأن التغيير لن يكون كاملاً، وسيكون مـن داخــل النظام حتى ولــو لفترة مــحـدودة. وقـال أيـضـا: «إنـهـا ليست الــعــراق وأفغانستان وليبيا، وإنها في نصف الكرة الغربي، وهي دولة غنية جداً، ومشكلتنا كانت مع رئيسها الذي تقرَّب من إيران و(حـــزب الـلـه) وسمح لعصابات تهريب المـخـدرات بـالـعـمـل بــحــرّيــة، وتــــرك المـــايـــن يــهــاجــرون خـــارج بلده»، ولم يتحدث الوزير عن «فوضى خلّقة» من أجل نشر الديمقراطية، كما قالت كونداليزا رايس، عن مبررات الغزو الأميركي للعراق. إن الفعل الأمـيـركـي فـي فنزويلا على «مقاس كاراكاس»، ولا يمكن القول إنه هو نفسه الذي حدث وإسقاط النظام والدولة 2003 عقب غزو العراق في بالقوة المسلحة، وقبلها غزو أفغانستان وإسقاط عاما فشل في 20 حكم «طالبان» واحتلالها لنحو هندسة الــدولــة والمجتمع على المـقـاس الأمـيـركـي، وعادت حركة «طالبان» مرة أخرى لحكم البلاد. الـفـعـل الأمــيــركــي فـــي فــنــزويــا قــــدَّم حـسـابـات مختلفة عن التجارب السابقة؛ فقد اختطف الرئيس وأبقى نائبته ومنظومته السياسية تحكم البلاد بصورة محسّنة عمَّا سبق، فأفرجت نائبة مادورو عـــن معتقلين سـيـاسـيـن، وأعـــطـــت نـفـطـا لـشـركـات أميركية، ووعــدت بتقليص علاقتها التجارية مع روســـيـــا والـــصـــن وإيـــــــران، وقـــالـــت إنــهــا سـتـحـارب تــــجــــارة المـــــخـــــدرات، ومـــــع ذلـــــك فـــــإن الاحـــتـــجـــاجـــات ضـد خطف الرئيس مستمرة، وفــرص قبول أغلب الـفـنـزويـلـيـن بحكم مَـــن تـدعـمـهـم أمـيـركـا تقلصت بصورة كبيرة، بما يعني أن الفعل الأميركي عرف أن إسـقـاط أي منظومة حكم مـن دون وجــود بديل سـيـاسـي وأمــنــي مــتــوافَــق عـلـيـه مــن أغــلــب الشعب نتائجه في الواقع ستكون كارثية، وبالتالي أصبح في فنزويلا مجرد فعل استعراضي أخاف البعض ولــكــنــه مـــن حــيــث المــضــمــون أبـــقـــى نــفــس مـنـظـومـة الحكم القديمة مع بعض التحسينات. Issue 17215 - العدد Thursday - 2026/1/15 الخميس فـــي الـــقـــرن الـــثـــامـــن عــشــر المــــيــــادي هيمن الـــفـــيـــلـــســـوف هـــيـــغـــل عـــلـــى هـــيـــكـــلـــيّـــة الـــنـــظـــريّـــة الفلسفية في كل أوروبا تقريباً. حاول شبنهاور منافسته وفشل. لقد غيّر هيغل مسار الفلسفة وورّط كل من جاء بعده بمن فيهم نيتشه الذي شـتـمـه بـشـكـل شـخـصـي فـــي كــتــابــه: «مــــا وراء الخير والشر». وما كان هيغل بعيدا عن درْس الآيديولوجيات، بل كانت نظريّته سبب تفجّر متناقض بين مفهوم «القلب الهيغلي» عند كارل ماركس، ومن ثم نشأة تيار «اليسار الهيغلي»، وعلى الضد فجّرت نظريته تلميذه الفيلسوف فيورباخ الذي ما فتئ أن انقلب على أستاذه، وحاول نقض مقولاته، وإنكار صحّة جدليته وإبطال حججه. كان هيغل يرى أن الدين هو أعلى أشكال الوعي البشري، ويُمثل رحلة الروح نحو إدراك الذات المطلقة. الأسـتـاذ حوسي أزارو، في مقالة له بهذه الجريدة بعنوان: «هيغل وإذابة الخصومة بين الدين والفلسفة»، ركّز على نقاط عدة منها: الأولـــــــــى: أن هـــيـــغـــل «يـــنـــطـــلـــق مــــن تـقـلـيـب طـبـيـعـة الـــعـــاقـــة بـــن الـــديـــن والــفــلــســفــة، بغية تجاوز المنظور الأنواري للدين، واللغط الكبير الــــذي حـيـق حـــول جــــدوى حـــضـــوره فـــي تجربة الحياة البشرية، وكذلك سعيه نحو تنبيه كل من استمرأ النظر إليه بـــازدراء، كأدنى أشكال الـتـفـكـيـر الإنــســانــي الــــذي يـنـم عـــن عـجـز طـافـح فـــي إعـــمـــال الــعــقــل، والـــتـــأمـــل المـــجـــرد فـــي الــــذات والحياة والوجود، لا سيما أن معظم الفلاسفة الأنواريين، عدّوه مجرد تفكير جنيني وطفولي، يفتقر إلى النضج العقلاني النظري والمنطق». الـثـانـيـة: أن «المـــوقـــف المـعـهـود فــي الـنـزعـة الإنسية والمادية للحداثة الغربية يشي بنزعة متمركزة حـول الــذات الأوروبـيـة التي ترفع من مقام الحصيلة التاريخية والفكرية للحداثة، مـزيـنـة إيـــاهـــا بـــــرداء الـسـمـو والـــرفـــعـــة... ولـعـل هـذا الأمــر من القضايا التي تنبّه إليها هيغل مـــبـــكـــراً، وجــعــلــه يـــنـــزع نــحــو الــتــأصــيــل لــرؤيــة فلسفية جذرية جديدة، تتجاوز منطق التضاد والصراع والتناقض بغية احتواء الفهم السليم لـلـديـن ضـمـن منطق جـدلـي وشـمـولـي، ونسق فلسفي عام». الــثــالــثــة: قـــولـــه إنــــه «لا مـــجـــال مــتــاحــا في نـــســـق هــيــغــل الــفــلــســفــي لــفــهــم بــســيــط لــلــديــن، ولا لـــصـــراع بـــن الــفــلــســفــة والأديــــــــان أو عـــداء بـيـنـهـمـا: فــالــخــطــاب الـفـلـسـفـي لا يــتــدخــل في المسائل الدينية لإفسادها، أو هدم اعتقاداتها الإطلاقية وتدنيسها. مثلما لا يجوز التوجس المستديم مـن الـخـطـاب الـديـنـي لحظة انكبابه على القضايا الفلسفية بتعطيلها أو تحريم تداولها». تعليقي أنه وفي فضاء كل النقاش المتفجّر عــن الـنـظـريـة الهيغلية لا بــد مــن الـتـأكـيـد على تغيّر المُنْطلق الـذي بدأ منه. على سبيل المثال فـــي نـــــدوة نــقــاشــيّــة بـــن جــــاك دريــــــدا وجـيـانـي فـاتـيـمـو، طـبـعـت بـكـتـاب تـحـت عـــنـــوان «الــديــن فـي عـالمـنـا»، قــام دريـــدا بضربة قـويّــة عنوانها التجاوز الصارم لثنائية الحق والباطل، النور والــــظــــام، المـــركـــز والـــهـــامـــش. يـــقـــول: «لـنـتـذكّــر أيـضـا مـا اعتبره مؤقتا عـن حـق أو بـاطـل أمـرا بـــدهـــيـــا، كـيـفـمـا كـــانـــت الـــعـــاقـــة الـــتـــي تـربـطـنـا بـالـديـن، هــذا الـديـن أو ذاك، فإننا لسنا رجـال ديــن تابعين لمؤسسة كهنوتية، ولا نخبة من الـتـيـولـوجـيـن... كـمـا أنــنــا لـسـنـا أعــــداء للدين بالمعنى الـــذي يمكن أن يكونه بعض فلاسفة الأنوار». الـخـاصـة؛ أن هــذا النمط المـتـجـاوز للفهم التقليدي للآيديولوجيا ضروري. كما أن ادعاء عــداوة الفلاسفة للعقائد غير صائبة، فالدين مـــقـــدّس، وإنـــمـــا المــفــهــومــان الـعـلـمـي والـعـمـلـي لمعالجة الأفــكــار الـتـي يُــصـدرهـا البعض حول هـــــذه المــــوضــــوعــــات يـــجـــب أن يـــحـــاربـــا لأنـهـمـا يـؤسـسـان لأدلـجـة منطلقها عـقـائـدي، ولكنها تُصاغ ضمن إطار سياسي بحت. وما كانت مهمّة الفلاسفة حول تبويب هذا الاتجاه سهلة، بل حُوربت من الآيديولوجيين خـــــصـــــوصـــــا مــــنــــهــــم غـــــيـــــر المــــتــــخــــصــــصــــن ولا المتعلمين، وإنما كانوا عبر التاريخ خليطا من المتحمسين الذين يـرون أن أي كشف لأفكارهم الآيديولوجية يمثّل تحديا لهم، وهذا ما أبدع بــــه هــيــغــل حــــن ضـــــرب ضـــربـــتـــه الـــكـــبـــرى عـلـى الآيديولوجيا بمعول نظري متين. إعـان عـودة الحكومة السودانية إلى مزاولة أعمالها من الخرطوم، إيذان بدخول البلاد مرحلة جديدة من التعافي. فهذه الخطوة لا يمكن التعامل معها بوصفها إجراء رمزياً، بل تمثل نقلة حقيقية في مسار استعادة الحياة إلى قلب السودان. بـعـد انـــــدلاع الـــحـــرب، تـحـولـت الــخــرطــوم إلـى ســاحــة دمــــار مــفــتــوح، انـــهـــارت فـيـهـا المــؤســســات، وتوقفت عجلة الاقـتـصـاد، ونــزح ملايين السكان. لـكـن الـــســـؤال الــــذي يــبــرز الـــيـــوم: إلـــى مـتـى يختار الــنــاس الـبـقـاء فــي مـنـاطـق الــنــزوح والــلــجــوء، بـدل الــعــودة إلــى بيوتهم والمـسـاهـمـة فـي إعـــادة إعمار بلدهم؟ عـــودة الحكومة إلــى الـخـرطـوم تحمل رسالة لا لبس فيها: العاصمة تعود، وتنتظر العائدين. فـالمـدن لا تُعمر مـن دون جهد أهـلـهـا، بـل بوجود الــــســــكــــان، وتـــعـــمـــيـــر الـــبـــيـــوت والأحــــــيــــــاء، وعـــــودة الموظفين والمدارس والجامعات، ودوران الأسواق، واستعادة نبض الحياة اليومية. الخرطوم ليست مدينة لا أمل للحياة فيها، بل في 60 كانت القلب الاقتصادي للسودان. أكثر من المائة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي كان يُنتج فيها، ومنها تُدار البنوك والمصارف، وتوجد الشركات الكبرى، والمصانع، والأنشطة التجارية، والــخــدمــيــة. وهـــي الــبــوابــة الـرئـيـسـيـة لـلـبـاد عبر مطارها وشبكة طرقها وسككها الحديدية. شلل الخرطوم يعني عمليا تعطيل السودان كله. منذ أشهر تنتشر مقاطع فيديو تُظهر عودة الأســــــواق لـلـعـمـل، وحـــركـــة المــــواصــــات، ونــــــداءات التجار للمواطنين بالعودة. هـذه المشاهد ليست دعــــايــــة رســـمـــيـــة، بــــل تــعــبــيــر صــــــادق عــــن حـقـيـقـة بــســيــطــة: الاقـــتـــصـــاد لا يــتــعــافــى بـــالانـــتـــظـــار، بـل بالناس وعودتهم واستئنافهم لـدورة الحياة في عاصمتهم. وهنا يصبح السؤال أكثر مباشرة: ماذا تعني عودة الناس لديارهم؟ تـــعـــنـــي أمــــنــــا أكـــــثـــــر، لأن الأحــــــيــــــاء المـــأهـــولـــة أقــــل عـــرضـــة لــلــجــريــمــة. تــعــنــي اقـــتـــصـــادا يـتـحـرك بــــدل اقـــتـــصـــاد مــشــلــول يـعـتـمـد عــلــى الــتــحــويــات والمــــســــاعــــدات. تـعـنـي أن الأمـــــــوال الـــتـــي تُـــهـــدر في الإيـــجـــارات الـبـاهـظـة فــي المـهـاجـر، وتُــدفــع لمعيشة بـالـعـمـات الـصـعـبـة، يمكن أن تُــنـفـق داخـــل الـبـاد فتنعش الأسواق وتخلق فرص عمل. وتعني أيضا تخفيف الـعـبء الهائل عـن المغتربين السودانيين الذين تحملوا، منذ اندلاع الحرب، مسؤولية إعالة أسر كاملة ممتدة، في معركة بقاء طويلة ومكلفة نفسيا ومادياً. نـــعـــم، يــمــكــن تــفــهــم بـــقـــاء مــــن تـــفـــرض عـلـيـهـم ظــروف العمل أو الـدراسـة أو العلاج ذلــك، لكن من الصعب تبرير بقاء من لا عمل لهم، ولا استقرار، ويعيشون أوضـاعـا معيشية قاسية فـي المنافي، ورغم ذلك يفضلون الانتظار على العودة. انتظار مــــاذا؟ مـعـونـات خــارجــيــة؟ إعــــادة إعــمــار تُــــدار من الـــخـــارج؟ هـــذا وهـــم كـبـيـر. لا تــوجــد جـهـة مانحة ستأتي لتعيد بناء البيوت وتنظيفها وتجهيزها ثم تقول لأصحابها تفضلوا. إعــادة الإعمار تبدأ عندما يعود أصحاب الأرض والديار إليها. كــمــا أن الاســـتـــمـــرار فـــي الاعـــتـــمـــاد عــلــى كــرم الدول المضيفة خيار غير حكيم. هذه الدول فتحت أبوابها بـدافـع إنساني مقدر ومشكور، لكنها لم تفعل ذلك لتتحمل عبئا دائماً، ولا لتكون أوطانا بديلة. الرسالة الأكثر قسوة هي ما نقرأه عن وفيات أعداد متزايدة من السودانيين في مناطق اللجوء، وعن شراء أراض لمقابرهم في الغربة. هذه ليست تفاصيل هامشية، بل جرس إنـذار لضريبة حياة المنافي. الــــخــــرطــــوم تــــعــــود، بــــبــــطء نــــعــــم، وبــصــعــوبــة مــؤكــدة، لكنها تـعـود. والــدولــة تـبـذل جـهـدا كبيرا فــــي اســــتــــعــــادة الأمـــــــن، والــــخــــدمــــات، والـــكـــهـــربـــاء، والمستشفيات، والمـــــدارس. والـــعـــودة، مهما كانت شاقة، تظل أكرم من حياة انتظار بلا أفق. وكــانــت منظمة الـهـجـرة الـدولـيـة قــد أكـــدت، الـــشـــهـــر المــــاضــــي، ارتــــفــــاع أعـــــــداد الـــعـــائـــديـــن مـن مـايـن 3 الـــاجـــئـــن والـــنـــازحـــن إلــــى أكـــثـــر مـــن شـخـص، منهم نحو مليون شخص عـــادوا إلى في المائة من العائدين 68 الخرطوم. وأوردت أن استقروا في مساكنهم الأصلية التي لم تتضرر، فـــي المـــائـــة إلــــى مـــنـــازل تــضــررت 21 بـيـنـمـا عــــاد جزئيا ً. في لحظات كهذه، لا يكفي اختلاق الأعـذار. ومن يملك القدرة على العودة، ثم يختار البقاء فـي العجز والانـتـظـار، يطيل أمـد الأزمـــة، ويثقل كاهل من ضحوا بما يكفي، ويخذل وطنا ينتظر أن يعمره أهله. الــخــرطــوم لا تــعــود بـالـحـنـن وحــــده. تعود بـــالـــفـــعـــل الــــيــــومــــي، وبــــالــــنــــاس الــــذيــــن يــــقــــررون أن يــنــهــوا زمــــن الــــتــــردد. الــــعــــودة لـيـسـت إنـــكـــارا للصعوبات، ولا تقليلا من حجم المعاناة، لكنها اعــتــراف بحقيقة بسيطة: لا أحـــد سيعيد بناء البيوت غير أصحابها، ولا أحـد سيحيي المـدن نيابة عن أهلها. الانتظار في المهاجر، خصوصا لمن لا يملكون عملا أو استقراراً، ليس خيارا أكثر أماناً، بل شكل آخر من أشكال الخسارة المتدرجة، حيث تُستنزف المدخرات، وتتآكل الكرامة. الخرطوم اليوم ليست المدينة التي كانت في ذروة الـحـرب، لكنها أيـضـا ليست مدينة مكتملة التعافي. هـي مدينة فـي منتصف الـطـريـق، وهـذا هو بالضبط الوقت الــذي تحتاج فيه إلـى أهلها. فالتعافي لا يبدأ بعد اكتمال الـخـدمـات، بـل يبدأ ليكتمل بها. الأمــن يتحسن بالناس، والاقتصاد ينتعش بالحركة، والدولة تستعيد هيبتها حين تعود الحياة إلى شوارعها ومؤسساتها. ومــــن يـمـلـك الـــقـــدرة عــلــى الــــعــــودة، ثـــم يـخـتـار البقاء في الانتظار، لا يحقق سوى تأجيل لحظة التعافي للجميع. العاصمة السودانية اليوم ليست المدينة التي كانت في ذروة الحرب لكنها أيضا ليست مدينة مكتملة التعافي في فضاء كل النقاش المتفجّر عن النظرية الهيغلية لا بد من التأكيد على تغيّر المُنْطلق الذي بدأ منه فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني عمرو الشوبكي OPINION الرأي 14 الخرطوم بين العودة والانتظار! مع هيغل حين ضرب الآيديولوجيا الماكرة ما بعد الفعل الأميركي إسقاط أي منظومة حكم من دون وجود بديل سياسي وأمني متوافَق عليه نتائجه في الواقع ستكون كارثية

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky