issue17214

الثقافة CULTURE 18 Issue 17214 - العدد Wednesday - 2026/1/14 الأربعاء تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين يُعتبر أكبر قصور بني أميّة في أرض مؤاب حللزخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بـاد الـشـام قـصـورا هُــجـرت بعد أفــول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هـذه الأبنية فـي أغلب الأحـــيـــان، وبــقــي مـنـهـا أســســهــا، وشــكّــلــت هـذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتـــبـــن أنـــهـــا تـتـبـع طــــــرازا خـــاصـــا جـــامـــعـــا. في المـــقـــابـــل، حـــافـــظ بــعــض مـــن هــــذه الأطـــــال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى. يــقــع هــــذا الــقــصــر فـــي لــــواء الـــجـــيـــزة، على كيلومترا جنوب شرقي مدينة عمّان، 32 بعد ويـجـاوره موقعان أمـويّــان نُسبا إلـى الخليفة الـولـيـد بــن يــزيــد، أوّلــهــمــا قـصـر يُــعــرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهـــي عـلـى الأرجـــــح مــنــزل «زيــــــزاء» الــــذي ذكـــره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيـام، ويعلف دوابّــهـم». لم يـكـن قـصـر المَــشـتـى مـطـمـورا تـحـت الــرمــال عند الـكـشـف عــنــه، بـــل كـــان بـــنـــاء ضـخـمـا مـهـجـوراً، يُعرف محليا بهذا الاسـم الـذي لا نجد له ذكرا فــي كـتـب الـــتـــراث. رأى الـعـلـمـاء أن هـــذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خـال فصل الشتاء. وهـو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاء معروفٌ، والموضع المشتى، بفتح الميمِ، مقصورٌ». كـــان قـصـر المـشـتـى أول الــقــصــور الأمــويــة التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من الـــقـــرن الــتــاســع عــشــر، فـــي زمــــن شــهــد فــيــه علم الآثـــار فـي أوروبـــا اهتماما متصاعدا بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور فـــي تـلـك الـحـقـبـة، وأنـــجـــز عــالــم الآثـــــار الألمــانــي برونو شولتس رسما تخطيطيـا متقنا له نُشر ، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته 1903 في عام إلــى بـرلـن. لـم يتم هــذا النقل بشكل ســـرّي، بل جـــاء هـديـة مــن الـسـلـطـان عـبـد الـحـمـيـد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألمـــانـــي، ومــلــك بــروســيــا، إثـــر رحــلــة جـــرت في ، قـصـد خـالـهـا «الأراضـــــي المــقــدســة» في 1898 فلسطين، ومحيطها. في مطلع ذلك العام، تم إنشاء «المؤسسة الألمــانــيــة الـشـرقـيـة»، فـعـمـدت إلـــى إتــمــام اتـفـاق يــقــضــي بـــــأن تــحــصــل ألمـــانـــيـــا عـــلـــى نـــصـــف مـا تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية فـي العالم الــعــثــمــانــي. أُقــــــر هــــذا الاتــــفــــاق بــشــكــل ضمني بـــن الـقـيـصـر والــســلــطــان، ومـــهّـــد لـنـقـل واجـهـة قصر المشتى هدية من السلطان إلـى القيصر، والـــافـــت أن المـــوقـــع كـــان يـومـهـا بـالـنـسـبـة إلـى العثمانيين قـصـرا بيزنطيا شــرع الإمـبـراطـور يـــوســـتـــيـــنـــيـــانـــوس فــــي تـــشـــيـــيـــده خــــــال الـــقـــرن السادس، ولم يكمل بناءه. حــصــل الألمــــــان عــلــى إذن بــمــعــايــنــة قصر ، وسارعوا إلى إرسال 1902 المشتى في عام في بــعــثــة لــــدراســــة عــمــلــيــة نـــقـــل واجـــهـــتـــه. تـــــم فـــك حـجـارة هــذه الـواجـهـة، وجُــمـعـت فـي صناديق نُــقـلـت بـــرا عــن طـريـق سـكـة حـديـد الـحـجـاز إلـى ميناء بــيــروت، ثــم بـحـرا إلــى ألمـانـيـا، ووصلت إلــــى «مـتـحـف الـقـيـصـر فــريــديــريــك» فـــي نـهـايـة ، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة 1903 جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة أمتار. تم نقل هذه 5 مترا وعرضها 33 طولها ،1932 الـتـحـفـة إلــــى «مــتــحــف بــيــرغــامــون» فـــي ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح. توالت الـدراسـات الخاصة بقصر المَشتى بـــعـــد دخـــــــول واجــــهــــتــــه إلــــــى مـــتـــحـــف الــقــيــصــر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس مقالة نسبه فيها إلـى الخليفة وليد 1910 في الــثــانــي، مـسـتـنـدا إلـــى روايـــــة نـقـلـهـا فـــي الـقـرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة ، «فبدأ يبني 743 عمه هشام بن عبد الملك في مدينة على اسمه فـي الـبـريـة». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلا قصر المَشتى، وأن الوليد الـثـانـي لــم يكمل بـنـاءهـا بسبب رحـيـلـه المبكر . ويجمع العلماء اليوم على القول بأن 744 في المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجا مبكرا للقصور الملكية الأموية. شُـــيّـــد هـــذا المـجـمـع عـلـى شـكـل مـــربّـــع يقع مـــدخـــلـــه فــــي وســـــط واجـــهـــتـــه الــجــنــوبــيــة الــتــي تتميّز بشبكة من الـزخـارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والـغـائـر. تحل فـي وسـط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هـذه المثلثات حلقة دائـريـة تأخذ شــكــل وردة ذات بــتــات مــفــتــوحــة. ومــــن حــول هـــذه الأقـــــراص الـــورديـــة تـمـتـد شـبـكـات واسـعـة مــن الـــزخـــارف، تـجـمـع بــن عـنـاصـر تصويرية مـتـعـدّدة. تعتمد هـذه الزخرفة فـي المـقـام الأوّل عـلـى زيـنـة نـبـاتـيـة، قـوامـهـا الـكـرمـة الـتـي تمتد بـأغـصـانـهـا فــي كــل اتــجــاه. وبـــن أغــصــان هـذه الـــكـــرمـــة تــظــهــر مــجــمــوعــة مـــن الـــطـــيـــور تـقـتـات بمناقيرها من حبات العنب. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في الـقـسـم الأســفــل يـظـهـر زوجــــان مــن الـحـيـوانـات حـول آنية تحتل وسـط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها الـعـنـقـاء، ومنها الـحـيـوانـات الأســطــوريــة. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلا يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني. تـتـكـرّر صــور هــذه الأزواج وتتشابه دون أن تـتـمـاثـل، ويــشــكّــل هـــذا الــتــنــوع خصوصية أشــــار إلـيـهـا الـعـلـمـاء بـــاكـــراً، وأوّلـــهـــم القسيس الأنغليكاني هـنـري بايكر تـرسـتـرام الـــذي قـدّم ،1872 أول عــــرض تــوثــيــقــي لـــهـــذا الــقــصــر فـــي ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات فـي الجانب الشرقي مـن البحر الميت والأردن»، وفيه تـوقّــف أمــام هـذه الصور الـتـي «تـجـسّــد الـحـيـوانـات، والـفـواكـه بتنوع لا مــتــنــاهٍ»، وأحــصــى «نـحـو خمسين حـيـوانـا من جـمـيـع الأنـــــــواع، وهــــي تـــشـــرب مــعــا مـــن جـهـات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشــكــالا كـثـيـرة «مـــع وجـــود مـزهـريـات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعا بنقوش لـــنـــمـــاذج تــقــلــيــديــة، وصـــــــدوع مـلـيـئـة بــأشــكــال جميلة للأوراق». يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الـــفـــارســـي، غــيــر أنــــه يـعـيـد صــوغــهــا فـــي قـالـب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأمـوي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. مـن هنا تبدو واجـهـة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي ســادت فـي البقاع التي فتحها الأمـــويـــون. يتميّز هــذا المـعـرض بـأسـلـوب فني خـــاص يــبــرز فــي هـــذه الــحــلــل، كـمـا فــي الـعـديـد مـــن حـلـل خــرجــت مـــن قــصــور أمـــويـــة أخــــرى تـم اكتشافها في العقود التالية. محمود الزيباوي دراسة عن قصائد جيكور للسياب صدر حديثا عن دار «متون المثقف لــلــنــشــر والــــتــــوزيــــع» كـــتـــاب «الاتــــســــاق الـنـصـي فــي الـبـنـيـة الـشـعـريـة: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، 250 للباحث مصطفى عطية جمعة، في صفحة، مقدما قـراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، مـــيـــدانـــا لاخـــتـــبـــار مــنــهــجــيــة الاتــــســــاق النصي في تحليل الشعر. يــقــول الـــنـــاشـــر: «يـــعـــرض الـكـتـاب منهجية الاتــســاق الـنـصـي، بوصفها مــــــدخــــــا يــــــراهــــــن عــــلــــى المــــوضــــوعــــيــــة والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انـــطـــاقـــا مــــن بـــنـــيـــة الـــنـــص ونــســيــجــه اللغوي، بعيدا عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل الـــنـــص مـــا لا يــحــتــمــل، أو تـبـتـعـد فـي تحليله عـمَّــا تقوله الكلمات، وتومئ بــــه الـــتـــعـــبـــيـــرات. وفـــــي هـــــذا الـــســـيـــاق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات الـــنـــص، والـــبـــحـــث عـــن أســـبـــاب تــرابــط بـــنـــيـــتـــه وفــــــق آلـــــيـــــات واضـــــحـــــة يـمـكـن تــطــبــيــقــهــا والـــــخـــــروج بـــنـــتـــائـــج تــدعــم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي». ويـــــقـــــدم الـــــكـــــتـــــاب، كــــمــــا يـــضـــيـــف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لــــدراســــة الــبــنــيــة الـــشـــعـــريـــة تـسـتـوعـب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الـــرأســـيـــة والأفـــقـــيـــة، ومــــا تــضــمّــانــه من ســرديــات وأسـاطـيـر ورمــــوز، بـالـتـوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعرا حداثيا في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابــــــط مــضــمــونــي يــتــمــثــل فــــي حــضــور «جــيــكــور» فـــي عـنـاويـنـهـا، وتوظيفها داخــــــل الـــعـــالـــم الـــــرؤيـــــوي لـــلـــنـــص، بـمـا يتيح تتبع تـحـول «جـيـكـور» مـن قرية فـــي الــــذاكــــرة إلــــى عـــامـــة دلالـــيـــة تتسع لتحولات الذات والعالم. تـــتـــوزع مـــــواد الـــكـــتـــاب عــلــى ثـاثـة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم الــنــص وصـلـتـه بـالـخـطـاب والاتـــســـاق، وصــولا إلـى البنية الشعرية، مع شرح لـلـمـنـهـجـيـة المـــعـــتـــمـــدة، فــيــمــا يــتــنــاول الـــفـــصـــل الـــثـــانـــي «جـــيـــكـــور» بـوصـفـهـا موطن تكوين الـــذات الـشـاعـرة، مسلطا الـضـوء على سـنـوات الـبـراءة فـي حياة الــــســــيــــاب، وعـــاقـــتـــه بـــقـــضـــايـــا الـــوطـــن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعـــنـــاويـــنـــهـــا بــوصــفــهــا عـــتـــبـــات دالـــــة. ويـــخـــصـــص الـــفـــصـــل الـــثـــالـــث لــــدراســــة الـقـصـائـد نـفـسـهـا دراســـــة رأســـيـــة وفـق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري. القاهرة: «الشرق الأوسط» العلاقات «الصلبة» تخلي مكانها للحب «السائل» زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي لـم تكف الـحـداثـة الـتـي انطلقت قبل قـــرنـــن مـــن الـــزمـــن عـــن نــقــل الـــحـــيـــاة على الأرض من طـور إلـى طـور، ورفـد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المـــــاديـــــة والــــتــــطــــور الـــتـــقـــنـــي والمــــعــــرفــــي، وصــــولا إلـــى الـعـولمـة والـــوصـــل المـتـسـارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعــــراض المصاحبة لـلـحـداثـة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضـــئـــيـــلـــة بـــمـــا يـــســـهّـــل ابـــتـــاعـــهـــا عـلـى المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عـددا غير قليل من هــؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلـى الحداثة الغربية التي حـــوّلـــهـــا الـــنـــظـــام الـــرأســـمـــالـــي إلــــى ديــانــة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة. والـــافـــت فــي هـــذا الــســيــاق أن النقد الأشــــــد قـــســـوة الــــــذي وُجّـــــــه إلـــــى حــضــارة الـــغـــرب قـــد جــــاء مـــن جــهــة الـــغـــرب نـفـسـه، ابتداء من عمل غوته الشهير «فاوست»، الـــذي يبيع فـيـه الأخــيــر نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مـــرورا بكتاب شبنغلر «تـــدهـــور الــحــضــارة الـغـربـيـة»، وروايـــــة «المـــســـخ» لـكـافـكـا، الـتـي استيقظ بطلها «سـامـسـا» عـلـى حــن غـــرة، ليجد نـفـسـه وقــــد تـــحـــول إلــــى حـــشـــرة ضـخـمـة، بـمـا بـــدا تـعـبـيـرا بــالــغ الـــدلالـــة عــن سحق الإنـسـان تحت السنابك الصماء للنظام الـرأسـمـالـي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الـــكـــنـــدي ألان دونــــــو «نــــظــــام الـــتـــفـــاهـــة»، الـــذي بـــدا أشـبـه بمضبطة اتــهــام قاسية ضـد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها. أمــا كـتـاب الـبـاحـث وعـالـم الاجتماع الـــبـــولـــونـــي زيـــغـــمـــونـــت بــــاومــــان «الـــحـــب السائل»، ترجمة حجاج أبـو جبر، فيقع مــن جـهـتـه فــي الـخـانـة نفسها الــتــي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه عــلــى دور الـــحـــداثـــة الــغــربــيــة فـــي تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة الــلــثــام عـــن تـهـالـك الـبـشـر المــتــمــادي على الاســـتـــهـــاك، ســــواء تـعـلـق الأمــــر بالسلع والمــنــتــجــات وأدوات الــتــرفــيــه، أو بالمتع الجسدية العابرة. وحـــيـــث إن الالـــــتـــــزام بـــكـــل أشـــكـــالـــه، ســـــواء اتـــخـــذ شــكــل الـــحـــب أو الـــــــزواج أو الـــديـــن والــيــوتــوبــيــا والآيــديــولــوجــيــا، لم يعد واحدا من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المــــــدن الـــخـــفـــيـــة»، الــــصــــورة الـنـمـوذجـيـة لـإنـسـان الـحـديـث؛ حـيـث لا يــعــادل تلذذ الـبـشـر بـاقـتـنـاء الأشــيــاء الـجــديــدة سـوى «تـلـذذهـم بـطـرح الأشــيــاء والـتـخـلـص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها». لـــقـــد ولّـــــــى فــــي نـــظـــر المــــؤلــــف الـــزمـــن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فـيـه خــارجــة مــن أعــمــاق الــــروح ومــنــذورة لـشـخـص بـعـيـنـه، أو مـرتـبـطـة بـمـواثـيـق الـــــــــزواج الـــديـــنـــي الـــتـــي تـــتـــوجـــهـــا عـــبـــارة «لا يـفـرقـكـمـا أحــــد حــتــى المـــــــوت»، ليحل محله زمـــن الـحـداثـة «الـسـائـلـة» والمنبتة عـــن أي ســيــاق زمـــنـــي. وإذا كـــان بـودلـيـر قــد شـكّــل فــي أعـمـالـه الـشـعـريـة والـنـثـريـة المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو فـــي الـــشـــذرات الــتــي ضـمـهـا كـتـابـه «ســـأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الـحـديـث. وفــي الرسالة الـــتـــي بــعــث بــهــا الــشــاعــر إلــــى نـــاشـــره، لا يـتـوانـى عــن وصـــف كـتـابـه بـأنـه عـمـل بلا بـــدايـــة ولا نــهــايــة، لـيـضـيـف مـــا حرفيته «أنـــا لا أمـسـك بـــــالإرادة الـعـنـيـدة لـأجـزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها». ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بــأن الـعـاقـات القصيرة والمـتـعـددة التي يعيشها أهـــلـــوه تــبــدو شـبـيـهـة بــشــذرات بـــودلـــيـــر، المـــوجـــزة والــســريــعــة مـــن جـهـة، والـقـابـلـة لـاتـصـال والانـفـصـال مـن جهة أخـرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الــحــتــمــيــة لـــتـــراجـــع الــيــوتــوبــيــا وتـفـكـيـك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واســتــبــعــاد الـــســـرديـــات الــكــبــرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المـعـولمـة الـتـي وسـعـت مساحة «الـشـكـل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» ومـــــــوارده الـــروحـــيـــة، وهــــي نـفـسـهـا الـتـي رفـــعـــت ســقــف المــتــعــة الـــعـــابـــرة، وقـلـصـت سقف السعادة والاغتباط بالوجود. ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخال من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلـى تملك الآخـر المعشوق وإخضاعه، أو إدمــاجــه الـكـامـل فـي الأنـــا الـعـاشـقـة، وفق مــــا يـــــرى إريــــــك فـــــــروم. ولأن الــــخــــوف مـن الانــفــصــال عـــن الـحـبـيـب هـــو أفــظــع ألـــوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يـعـمـد، بـذريـعـة درء مــخــاوفــه، إلـــى جعل الأول صورة عنه أو تابعا له، وصولا إلى خنقه ومصادرة هويته. لـكـن الــعــاشــق فـــي الـــوجـــه الآخــــر من الــــصــــورة، لا يــكــف عـــن تـعـظـيـم المـعـشـوق كـجـزء مــن تعظيمه لنفسه، وصــــولا إلـى تـــأبـــيـــد صـــــورتـــــه وإعــــائــــهــــا عـــــن طـــريـــق الــقــصــيــدة والـــلـــوحـــة والأغـــنـــيـــة، وســائــر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنـــه يـنـتـزع لـهـم حــيــاة أخــــرى مــن بــن كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شـــخـــص مــــحــــدد تـــمـــامـــا، شـــخـــص لــــه فـم ننصت إلـيـه ونـحـادثـه، لعل أمـــرا يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم. إلا أن الـــفـــرص غــيــر المــســبــوقــة الـتـي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قـــد سـهّــلـت الـــدخـــول فـيـه والــــخــــروج مـنـه، بـمـا أحــــال الــعــاقــات الـرومـنـطـيـقـيـة على التقاعد، وجعلها عـدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقــــصــــائــــد الـــــشـــــعـــــراء. كــــمــــا تـــــم تــســهــيــل الاخـــتـــبـــارات المــســمــاة «حـــبّـــا» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر. ومــــع أن الـــرغـــبـــة والـــحـــب شـقـيـقـان، وفــــق بــــاومــــان، فــــإن الأولـــــى هـــي اشـتـهـاء للاستهلاك والإشباع، وصولا إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المــهــمــة، فـــي حـــن أن الــثــانــي يـتـطـلـب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حــــتــــى لــــــو كــــــــان الــــــهــــــدف مــــنــــهــــا ســجــنــه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة لــلــهــروب مـــن أعـــبـــاء نـسـج الــشــبــاك. وفـي حــن يـسـعـى الــحــب بطبيعته إلـــى إدامـــة الــرغــبــة، تـسـعـى الــرغــبــة بطبيعتها إلـى الافلات من قيود الحب». إن جــــزءا غـيـر قـلـيـل مـــن الـثـقـافـة قد ولــــد فـــي ظـــل لـــقـــاء الـــرجـــل والمـــــــرأة؛ حيث بـــــدأ مــنــذ ذلـــــك الـــلـــقـــاء الـــتـــعـــاون الـحـمـيـم بـــن الـطـبـيـعـة والـــثـــقـــافـــة، فـــي كـــل مـــا هو جــنــســي. وإذا كــــان فـــرويـــد قـــد اعــتــبــر أن التهذيب والتحكم بـالـشـهـوات والـغـرائـز أســاس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنـــا الأعلى إلــى أعـمـال إبـداعـيـة عظيمة، فــإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلـى المتعة يتحول إلـى نـوع من الـعـبـادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المــــاديــــة الأخـــــــرى كـــالـــطـــعـــام والـــســـيـــارات وأدوات التجميل والمــنــازل، فتصبح من جهتها موضوعا للشبق، وتـعِــد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه. وإذ تـــــتـــــحـــــول المـــــتـــــعـــــة إلـــــــــى حـــــدث فــيــزيــولــوجــي داخـــــل الـــجـــســـد، وتــتــحــول الشبكة العنكبوتية ووســائــل التواصل إلـى أدوات شبه وحـيـدة لإدارة العلاقات بــن الـبـشـر، فـــإن الإنـــســـان المـعـاصـر يجد نـفـسـه مــحــاصــرا بــعــاقــات واقـــعـــة خـــارج الـــــــدائـــــــرة الإنــــســــانــــيــــة، بـــحـــيـــث إن الآلـــــة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شـؤونـه الحياتية والمـالـيـة، وتـدخـل معه إلـــى فـــراشـــه فـــي نـهـايـة الأمـــــر. وفـــي المـــدن الحديثة التي تـزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجـتـيـاز الأرخـبـيـل الإنـسـانـي المفضي إلـى علاقة عميقة بـالآخـر، ما دمـت قـادرا على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال. يـــتـــضـــح بــــهــــذا المـــعـــنـــى أن المــــبــــادئ والــــنــــمــــاذج الإنـــســـانـــيـــة الـــتـــي اعـتـنـقـتـهـا الأجـــــيـــــال الـــســـابـــقـــة لـــــم يـــعـــد لـــهـــا مـــكـــان يُــذكـر فـي هــذا الــزمــن. ذلــك لأن مـا صــدّره الـــــغـــــرب، ومــــــا انــــفــــك يـــــصـــــدّره إلــــــى بـقـيـة العالم، لا يقتصر على منتجات التطور الـــتـــكـــنـــولـــوجـــي فـــحـــســـب، بــــل هــــو يـتـسـع لـــيـــشـــمـــل ســـــــيـــــــرورات الـــتـــفـــكـــك وانــــهــــيــــار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظـل هــذه الـتـغـيـرات الـدرامـاتـيـكـيـة، فقدت المجتمعات الـبـشـريـة لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفــرادهــا كالشرنقة على نفسه. وفــي ظل التفاقم المـرضـي لمـلـذات الـجـسـد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلــــى واجـــهـــة المـــشـــهـــد، لــتــقــوم بـوظـائـفـهـا نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم. شوقي بزيع باومان فرويد المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky