issue17214

كـل شـيء صــار ماضياً، والمـاضـي لا يستعاد، فــــكــــأن الـــشـــهـــر الأخــــيــــر مــــن الــــعــــام المـــنـــصـــرم صـــاغ مستقبلا قـبـل أن يــقــع، وبــعــد بـضـعـة أسـابـيـع من ظـــهـــور مـلـحـق الـــرئـــيـــس الأمـــيـــركـــي دونــــالــــد تـرمـب للنَّص الأصلي من وثيقة الرئيس الخامس جيمس مــــونــــرو، حــتــى تـــم تـنـفـيـذ مـــا جــــاء صـــوتـــا لـصـدى الوثيقة الاستراتيجية الأميركية. فـــقـــد هـــبـــط مـــــن الــــســــمــــاء عـــلـــى نـــصـــف الـــكـــرة الأرضــيــة، ونفذ عمليا مـا قــال بـه فـي وثيقته، فقد وجـــــدت الــعــاصــمــة الــفــنــزويــلــيــة كــــاراكــــاس نفسها في الخلاء، كـان حظها أن وجـدت نفسها ملاصقة للجغرافيا، فصارت الخطوة الأولى لتأمين النصف الغربي من الكرة الأرضية. اللحظة تصعد من التكتيك إلى الاستراتيجية فــوراً، دون المــرور على معمل الزمن الـذي يتناسب مــع فـكـرة الاسـتـراتـيـجـيـة، وكـأنـنـا نـقـول إنـنـا أمــام لحظة «الخريف الاستراتيجي»، فلا وقـت للأفكار الــتــي تـنـفـذ عـلـى مـهـل وبـــبـــطء وبـعـمـق وتـــــدور مع الــزمــن، فكل شــيء بــات ابــن اللحظة: إعـطـاء الأمــر، التنفيذ، الـعـودة، هـل جـرى ذلـك فـي قصف أميركا لنيجيريا في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي؟ وهـل لذلك علاقة بقصف التنظيمات والجماعات الإرهابية في سوريا أيضاً؟ وهـل لذلك علاقة بما كـتـبـه الـرئـيـس دونـــالـــد تــرمــب، عـلـى مــوقــع «تـــروث سوشيال»، بأنه سيتدخل لحماية المتظاهرين في إيران إذا ما تعرضوا للاغتيالات؟ وهل يكتم العالم أنفاسه تحسبا لمغامرة جديدة؟ وهــل هـنـاك معنى أو مـغـزى وراء ظـهـور وزيـر الـخـارجـيـة الأمـيـركـي الأســبــق مـايـك بـومـبـيـو، الــذي كتب على موقع «إكــس»، مخاطبا الشعب الإيراني، بأن يواصلوا وأنه معهم، مؤكدا أنه قريب منهم؟ تلك الأسئلة لا تبتعد كثيرا عن أن خطوة التنفيذ تتماهى مع التصريحات، ويبدو العالم من غرب أفريقيا إلى شــمــال أمـيـركـا الـاتـيـنـيـة إلـــى مـضـيـق تـــايـــوان، إلـى حـــدود الـقـرن الأفـريـقـي، ينتفض فـي مشهد جديد، كمن يرمي ملابسه القديمة، ويبدأ صفحة بيضاء قائمة على مفهوم «ســـام الــقــوة»، فـا مـفـاوضـات، ولا تمهيد ولا غرف اجتماعات، بل هي الصواريخ فـرط صوتية، والمـسـيـرات، والـطـائـرات فائقة الذكاء الاصــطــنــاعــي، تـقـريـبـا ينتهي عــالــم الــقــواعــد، عالم المـنـظـمـات الــدولــيــة، عـالـم الأقـــطـــاب، عـالـم القطبية، عالم القطب الواحد إلى عالم الدولة القومية العظمى في وثيقة ترمب، تلك القلعة الحصينة، التي تريد أن تكون بقية العالم مجرد ســور هـش لا يهددها، ولا يستغلها، ولا هي تدافع عن أحـد أو تموله، أو تحميه حـتـى مــن نـفـسـه، فـالـحـلـفـاء هــكــذا يـكـونـون إذا مـا دفـعـوا حصة عـادلـة فـي الـدفـاع عـن أنفسهم، وإذا ما كانوا حكماء، وعاقلين في التجارة والسلع. وفـــي كــل الأحـــــوال، عـلـى الـجـمـيـع أن يجعل المـمـرات البحرية سلسلة مفتوحة لا يعكر صفوها قرصان أو قراصنة، أو تنظيم، أو حتى دولة شاء حظها أن يمر بها هذا البحر، أو ذاك المضيق. لا شك أن العالم يعيش بقوة مرحلة «الخريف الاستراتيجي»، وكل واحد يتحسس رأسه، يندهش من اندفاع الخريف، إلى مستوى خيالي لا تحكمه قواعد أو قوانين، بل هي بداية للعبة عالمية جديدة، تتشكل في دهاليز الإدارة الأميركية، التي شطبت ثمانين عاما من عالم المنظمات والقوانين الدولية، لتكتب نظاما عالميا بمواصفات خاصة تقوم على تـحـصـن المــصــالــح الأمـيـركـيـة أولاً، فــي ظــل صــراع نــــفــــوذ يـــتـــمـــدد بــــن قــــــوى تــســتــشــعــر الـــخـــطـــر عـلـى خـرائـطـهـا، وعـلـى نـفـوذهـا الـعـالمـي، وعـلـى خطوط اقتصاداتها، وكـــأن رقـعـة الشطرنج تتزاحم حول مفهوم الامتلاك الطاغي للقوة الرقمية، والمعرفة، والمـــعـــادن الــــنــــادرة، نـاهـيـك عـــن الــطــاقــة التقليدية البترول والـغـاز، وذلـك يتزامن مع تراجع الروابط الـدبـلـومـاسـيـة الــتــي ســــادت بــن الــــدول مـنـذ عصر ، والــــذي تـطـور بعده 1648 اتــفــاق ويستفاليا عـــام مفهوم الدبلوماسية الشاملة بين الدول، وشكّل هذا التطور حصانة للمجتمع الــدولــي، لكنه يتصدع الآن بفعل المغامرات. لم تكن المناورة الصينية في بحارها، وبالقرب من تايوان، سوى رسالة عكسية لتلك الاستراتيجية المباغتة، ولم تكن التصريحات الأوروبية عما جرى فـــي كـــاراكـــاس ســـوى إتـــقـــان دبــلــومــاســي، لا يغني ولا يـسـمـن مــن جــــوع، فـــأوروبـــا قــالــت عــن ضـــرورة احـــتـــرام الـديـمـقـراطـيـة، فبمعنى مــن المــعــانــي أنها أمسكت العصا من المنتصف، فهي تريد أن تكون وفـيـة لتقاليدها الـديـمـقـراطـيـة بشكل عـــام، لكنها تحاذي صدى الصوت للعبة الأميركية الكبرى في النصف الغربي من العالم، لم تبتعد التصريحات الــدبــلــومــاســيــة الـــروســـيـــة عـــن الـــســـيـــاق الـــــذي تـــراه مـوسـكـو، لكنها تـقـع فــي حــيــرة، فـهـي تشتبك مع أوكرانيا بنفس الأدوات السياسية والعسكرية، لذا جاءت «لحظة كاراكاس» مباغتة للجميع، الموافق قـبـل الـــرافـــض، وبـالـتـالـي ثـمـة متغير فــي الفصول العالمية الأربعة، نستطيع أن نسميه متغير «سلام الــــقــــوة»، ذلــــك الـــــذي يـضـعـنـا أمـــــام ســيــنــاريــوهــات مفتوحة أخطرها أن ينزلق العالم إلى استلهام هذه الفلسفة، فيندفع فــي حـــروب قـاسـيـة وسـريـعـة، لا تحكمها أسس أو استراتيجيات أو تكتيكات، وقد تقترب من مفهوم خطير هو الحرب للحرب، فكل من يمتلك قوة يستطيع حينها أن يستخدمها ضد من يراه عدواً، فلا مراجعة، ولا مفاوضة، ولا رادع يحمي الخرائط والشعوب من جحيم هذا الخريف الاستراتيجي. Issue 17214 - العدد Wednesday - 2026/1/14 الأربعاء تنطلق الأدبـيـات المقارنة في علم السياسة مـــــن فــــرضــــيــــة أســــاســــيــــة مــــفــــادهــــا أن الــتــغــيــيــر الــســيــاســي لا يُــحــســم بـــالاحـــتـــجـــاج الــشــعــبــي أو الضغط الخارجي منفردين، بـل يتطلب انتقال هـــذا الـضـغـط إلـــى داخـــل بنية السلطة عـبـر أحـد مسارين أو كليهما: انقسام النخبة الحاكمة، أو توحد الجماعات المتضررة وتحولها إلـى فاعل منظم قادر على فرض كلفة مؤسسية مستدامة. فالمؤسسات، وفق المقاربات المؤسسية التاريخية والاجتماعية والعقلانية، ليست كيانات محايدة أو ذاتية الاستدامة، بل ترتيبات توزيعية تقوم عـــلـــى تـــحـــالـــفـــات تـــحـــتـــاج إلـــــى تــعــبــئــة مـسـتـمـرة للموارد والدعم. وبالتالي، فـإن الاستقرار ليس حالة جامدة، بل نتيجة إدارة دائمة للتحالفات ومـوازيـن القوى، ويحدث التغيير عندما تختل هذه الإدارة من الأعلى أو من الأسفل. وفــي هــذا الـسـيـاق، تُظهر أدبــيــات الاختيار الـعـقـانـي المـؤسـسـيـة أن الانــتــقــال الـسـيـاسـي لا يــحــدث لأن الـجـمـيـع «يـــريـــد الــديــمــقــراطــيــة»، بل لأن الفاعلين الرئيسيين يعيدون حساب تكلفة الاستمرار مقابل تكلفة التغيير؛ إذ تُقيّم النخب الــحــاكــمــة مــخــاطــر الانـــقـــســـام أو الـــقـــمـــع، بينما تحسب قــوى المـعـارضـة فــرص الـربـح وإمـكـانـات الـنـجـاح، ويـخـتـار كــل طـــرف فــي الـنـهـايـة الخيار الـــذي يـبـدو أقـــل تكلفة داخـــل الـقـيـود المؤسسية القائمة. في هذا الإطار، تُفهم الاحتجاجات الحالية في إيران بوصفها تعبيرا عن تآكل عميق في الشرعية الاجـــتـــمـــاعـــيـــة، خـــصـــوصـــا بــــن الأجـــــيـــــال الـــشـــابـــة والـــنـــســـاء، وقــــد نـجـحـت فـــي كــســر حـــاجـــز الــخــوف وإعادة تعريف ما هو مقبول في المجال العام. غير أن هذا الزخم، على أهميته، يظل غير حاسم ما لم يتحوَّل إلى أزمة قرار داخلية أو إلى قوة اجتماعية مـوحّــدة قـــادرة على اخـتـراق الترتيبات المؤسسية الـقـائـمـة. فـالـتـاريـخ المــقــارن لعلم الـسـيـاسـة يُظهر أن الأنظمة السلطوية تسقط عــادة عندما تنقسم النخب حول تكلفة الاستمرار مقابل تكلفة التغيير، أو عندما تواجه جماعات متضررة موحدة تفرض واقعا مؤسسيا جديداً، لا عندما يحتج أو ينتفض الشارع فقط. ويعزز هذا الاستنتاج أن احتجاجات ،2009 إيرانية سابقة، مثل الحركة الخضراء عـام ورغم اتساعها الرمزي والاجتماعي، لم تُفض إلى تغيير حـاسـم لغياب الانـقـسـام النخبوي وتـوحّــد الفاعلين المعارضين. وتــتــفــاقــم هــــذه المـــحـــدوديـــة بــســبــب طبيعة الجماعات المتضررة في الحالة الإيرانية. فهذه الجماعات ليست كتلة واحـدة بمطالب موحدة. بـــل تـــتـــوزع بـــن مــطــالــب اقــتــصــاديــة (الـتـضـخـم، البطالة، تـدهـور المعيشة)، ومـطـالـب اجتماعية - ثـــقـــافـــيـــة (الـــــحـــــريـــــات الـــشـــخـــصـــيـــة، وحــــقــــوق النساء)، ومطالب سياسية (المساءلة والإصلاح المــــؤســــســــي). هـــــذا الـــتـــنـــوع يــعــكــس عـــمـــق الأزمـــــة واتساعها، ويُضعف فـرص التوحد التنظيمي، وصـــيـــاغـــة بـــرنـــامـــج ســـيـــاســـي جـــامـــع قــــــادر عـلـى تحويل السخط إلـى ضغط مؤسسي متماسك. ودون هــذا الـتـوحـد، تبقى الـطـاقـة الاحتجاجية عالية التأثير اجتماعياً، لكنها محدودة الحسم سياسيا ً. أما الـدور الأميركي، فينبغي فهمه بوصفه عاملا مُسرِعا لا حاسماً. فالضغط الأميركي -عبر العقوبات والعزلة السياسية والتهديدات- يرفع تكلفة الاستمرار على النظام، لكنه يعمل بشكل غير مباشر عبر إعادة توزيع الكلفة الاجتماعية. فــــإذا مــا تــركــزت تكلفة الـعـقـوبـات عـلـى المجتمع أكثر مـن النخب المحمية، فــإن النظام قـد ينجح فـــي إعـــــادة تــوظــيــف خــطــاب «الـــتـــآمـــر والــحــصــار الخارجي» لتعزيز التماسك الداخلي بدل تفكيكه، خصوصا عندما تُربط ببقاء الدولة والفوضى المحتملة والمتوقعة من انهيارها. وبالمقابل قد يدفع التهديد العسكري الأميركي إلى اصطفاف دفاعي داخل النخبة الحاكمة. ويضاف إلى ذلك أن سيناريو الانهيار المفاجئ للنظام يُنظر إليه إقليميا بوصفه عالي التكلفة أمنياً، لما قد يخلفه مــن فــــراغ اسـتـراتـيـجـي واضـــطـــراب فــي تــوازنــات الردع والاستقرار الإقليمي، وتشكل أطول شريط جيوسياسي في العالم يتَّسم بالفوضى وغياب الاستقرار، وهو السيناريو الذي يحد من قابلية الحسم الأميركي. كما يـتـعـزَّز هــذا التماسك النسبي للنخبة بطبيعة الـنـظـام الإيـــرانـــي ذاتــــه، بـوصـفـه نظاما عـــقـــائـــديـــا شــمــولــيــا لا يــكــتــفــي بــالــســيــطــرة عـلـى المـجـال الـسـيـاسـي، بـل يعمل أيـضـا على توحيد الـنـخـبـة آيـديـولـوجـيـا وتـنـظـيـمـيـا. فـفـي الأنـظـمـة الشمولية، لا تقوم النخبة على تحالف مصالح مـرن فحسب، بل على انـدمـاج وجــودي بين بقاء الــنــظــام وبـــقـــاء الــفــاعــلــن داخـــلـــه. هــــذا الانـــدمـــاج يقلّص فرص الانقسام؛ لأن الخروج من التحالف الحاكم لا يعني خسارة الامتيازات فقط، بل قد يعني تهديدا مباشرا للأمن والمكانة والوجود. لذلك، يصبح انهيار هذا النوع من الأنظمة أكثر صعوبة، ولا يحدث عـادة إلا عند تفكك متزامن في أدوات الضبط الآيديولوجي والقسري معاً، وهو ما لم يتبلور بعد في الحالة الإيرانية. ولـــــيـــــس المــــــســــــار الإيــــــــرانــــــــي اســــتــــثــــنــــاء فــي هــــذا الـــســـيـــاق المــــقــــارن؛ فــقــد شـــهـــدت دول أخـــرى احتجاجات واسعة وضغوطا خارجية قوية مع بـقـاء الـنـظـام بسبب تماسك النخبة، مـن بينها كــوبــا، والـــصـــن، وكـــوريـــا الـشـمـالـيـة، وفـنـزويـا، وروســـيـــا. وحـتـى الآن، لا تـــزال النخبة المـركـزيـة فـي إيـــران -المـرشـد، والـحـرس الـثـوري، والأجـهـزة الأمـــنـــيـــة، والــقــضــائــيــة- مـتـمـاسـكـة نــســبــيــا، ولــم تتحوَّل الضغوط المتراكمة إلى انشقاق مؤسسي علني يغير حسابات البقاء. ختاماً، قـد تُضعف الاحتجاجات الإيرانية شــــرعــــيــــة الـــــنـــــظـــــام وتــــعــــيــــد تـــشـــكـــيـــل المـــعـــايـــيـــر الاجتماعية، وقد يرفع الضغط الأميركي تكلفة الاستمرار، غير أن الحسم يظل مرهونا بتحوّل هذا الضغط إلى إعادة حساب داخل بنية السلطة نفسها، عبر نقطة التقاء ثلاثة مسارات: انقسام نخبوي فعلي، أو توحّد الجماعات المتضررة في فاعل منظّم قادر على فرض تكلفة مؤسسية، أو تزامنهما معاً. ومــا لـم يتحقق ذلــك، ومــع إدراك الـكـلـفـة الإقـلـيـمـيـة الـعـالـيـة لأي انــهــيــار مـفـاجـئ، سيبقى المسار مفتوحا على استمرار متأزم أكثر منه انتقالا حاسماً. هل يمر العالم بلحظات مثيرة وخطيرة، يتم فيها تفكيك النظام العالمي الــذي قامت الـولايـات المتحدة ببنائه، بعد الحرب العالمية الثانية؟ يبدو العالم وكأنه ناقص واحد، لا سيما في ظل نظرة واشنطن لجيرانها بـادئ ذي بـدء، ولما وراء الـبـحـار تـالـيـا، وعـلـى غـيـر المــصــدق أن يرفع نظره ناحية الدنمارك. عشية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مــــادورو، صــرح الـرئـيـس الأمـيـركـي دونــالــد ترمب بـــــــأن الــعــمــلــيــة تــبــشــر بـــــ«مــــبــــدأ مـــــونـــــرو» جـــديـــد، مــهــددا بمهاجمة أو غـــزو، وربــمــا اسـتـعـمـار أربــع دول بــالــكــامــل... كـــوبـــا، وكــولــومــبــيــا، والمـكـسـيـك، وغرينلاند. يـبـدو جليا أن أمـيـركـا على مـوعـد مــع «نهج دونـــــــرو»، لا تـــكـــرار «مـــبـــدأ مــــونــــرو»، لا سـيـمـا أن الرئيس جيمس مونرو كان قد أخطر الكونغرس فــــي الــــثــــانــــي مــــن ديـــســـمـــبـــر (كـــــانـــــون الأول) عـــام بــمــا ســيــقــدم عــلــيــه، بـيـنـمـا تـــرمـــب تــجــاوز 1823 السلطة التشريعية لـلـبـاد، معتبرا أن محدداته وموجهاته، أخلاقه وقناعاته، على حد تصريحه، مــن غـيـر أدنـــى انـتـبـاه لـدسـتـور أو الـتـفـات لـنـواب الشعب الأميركي وشيوخه. انطلق مونرو من ثلاث ركائز: - عدم الاستعمار: معتبرا أن القارة الأميركية 1 شمالا وجنوبا لم تعد مجالا للاستعمار الأوروبي المستقبلي. - عـــدم الـتـدخـل: بمعنى أن أي مـحـاولـة من 2 الـقـوى الأوروبــيــة للتدخل فـي شـــؤون دول الـقـارة الأميركية ستعتبر تهديدا لسلمها وأمنها. - الابـتـعـاد عــن أوروبـــــا: فــي المـقـابـل تعهدت 3 الـــــولايـــــات المـــتـــحـــدة بـــعـــدم الـــتـــدخـــل فــــي الـــشـــؤون الـداخـلـيـة لــلــدول الأوروبـــيـــة أو فــي مستعمراتها القائمة بالفعل. الـفـارق شـاسـع وواســـع بـن مـونـرو ودونـــرو، لا سيما أن سيد البيت الأبـيـض الـــذي وصــل إلى السلطة بإدانة حروب تغيير الأنظمة التي أعقبت ،2001 ) أحــداث الـحـادي عشر من سبتمبر (أيـلـول وأمضى معظم العام الماضي في حملة لنيل جائزة نوبل للسلام، يعتقد هـو وإدارتــــه، أنـه ليس فقط بإمكانهم تحقيق أهدافهم عبر حكم نصف الكرة الأرضــيــة الـغـربـي الـــذي يسيطرون عليه بالفعل، عبر «مبدأ مـونـرو»، ولكن التمدد لأي منطقة في الـعـالـم يـرغـبـون فـي السيطرة عليها، عبر أعمال عنف مــروعــة، لكن لا تصل إلــى الـحـرب الشاملة، وبــمــا يـعـطـي مــجــالا لـلـتـدخـل الأمــيــركــي الـسـريـع، وهذا هو جوهر «نهج دونرو». يـسـيـطـر عــلــى ذهــــن الــرئــيــس تــرمــب مُــركــب خــشــن مـــن الـــقـــوة الــعــنــيــفــة، ويـــؤمـــن بـــــأن عصا ثيودور روزفلت الغليظة هي الحل الدائم، الأنفع والأرفـــــع، ولـيـس أدل عـلـى ذلـــك مــن تصريحاته بعد يـوم واحــد من غــارة فنزويلا، لمايكل شيرر مــحــرر مـجـلـة «أتــانــتــيــك» بــأنــه مستعد لـتـكـرار الأمــر برمته فـي فنزويلا تحديداً، قـاصـدا بذلك الرئيسة الحالية ديلسي رودريغيز، إذا لم تفعل الصواب. لكن السؤال من يحدد أبجديات الصواب؟ غــــالــــب الــــظــــن رجــــــــالات الــــرئــــيــــس، وبـــخــاصـــة ستيفن ميلر الـقـوة الـضـاربـة المـتـواريـة فـي البيت الأبيض، خلف مقعد نائب رئيس موظفي البيت الأبـــيـــض، الـــرجـــل الــــذي يــحــول غــضــب تــرمــب إلــى قـــــرارات، غـالـب الـظـن ستستيقظ أمـيـركـا يـومـا ما على كارثيتها. فـــــي قـــــــــراءة مـــعـــمـــقـــة خــــــال الأيـــــــــام المـــاضـــيـــة للبروفسور كلاوس شواب مؤسس منتدى دافوس، يـبـدو الـرجـل حزينا على مـــآلات الـعـالـم المعاصر، حيث تغيب الحقيقة، وتفتقد الثقة، وعنده أن عالما مفتقدا لهاتين القيمتين الأخلاقيتين، يمضي نحو الفوضى غير المقدرة. يـــمـــثـــل «نــــهــــج دونـــــــــــرو» نـــصـــيـــبـــا بـــالـــغـــا مـن الــفــوضــى الــعــالمــيــة، لا سـيـمـا أنــــه لا يـسـعـى وراء مصالح الولايات المتحدة، بل تسخير قواها، وفي مقدمها القوات المسلحة، من أجل صالح ومصالح طبقة أوليغارشية ثانية بخلاف تلك التي أشـار إليها الرئيس السابق جو بايدن. بـــــايـــــدن فـــــي خــــطــــاب الـــــــــــوداع تـــــنـــــاول شــــأن الأوليغارشية التقنية، ورجالات مثل إيلون ماسك، ومارك زوكربيرغ، وستيف وزنياك، وغيرهم، ولم يتوقف عند أوليغارشية كبريات شركات النفط. يجادل الأميركيون اليوم بأن «نهج دونرو» يفتقر حتى إلى غطاء زائف يدعي القيام بكل هذا من أجل الأمن القومي الأميركي والثروات المشتركة للأمة الأميركية، غير أنه في حقيقة المشهد، تبدو الثروات النفطية ماضية إلى جيوب أثـرى أثرياء أميركا، بينما تتواصل أسعار التأمين الصحي في الارتفاع، فيما تتقلص البرامج التي تدعم الطبقة العاملة الأميركية. «نهج دونرو» لا يقوم على المحاور التقليدية، بـمـعـنـى حـلـفـاء ضـــد خـــصـــوم، ديــمــقــراطــيــات ضد أنظمة تسلطية، تنافس استراتيجي ضد تعاون، بــل يستند إلـــى مــعــادلات أبـسـط بكثير جوهرها تساؤل واحد: هل يمكن للطرف المناوئ لواشنطن أن يرد بقوة كافية لإحداث ضرر في جسد أميركا وروحها؟ إذا كــان الــجــواب لا، ولـــدى تـرمـب مـا يـريـده، فسيمضي في منهجه، فيما لو كـان نعم، فغالب الــظــن سـيـعـقـد مـعـه صـفـقـة. اسـتـراتـيـجـيـة دونـــرو مـفـادهـا أن الــقــوة الأمـيـركـيـة تعمل خـــارج الـزمـن، وأنــه بإمكان أميركا إعــادة تشكيل العالم بالقوة من دون عواقب دائمة. نجح مونرو في تثبيت مبدئه لمائتي عـام... ماذا عن حظوظ دونرو؟ نجح مونرو في تثبيت مبدئه لمائتي عام فماذا عن حظوظ دونرو؟ عبد الغني الكندي إميل أمين جمال الكشكي OPINION الرأي 14 العالم من «مبدأ مونرو» إلى «نهج دونرو» إيران بين مسارات ثلاثة الخريف الاستراتيجي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky