بخطى متسارعة، تتحرك إيران، منذ أواخر ديسمبر ، نحو اتجاه خطير، لا يكفي لوصفه 2025 ) (كانون الأول بالحديث عن «احتجاجات معيشية». تبدو موجة الاحتجاجات الراهنة أقـرب إلى اختبار جدي لمستقبل النظام السياسي؛ لا لأن الشوارع امتلأت فقط، بل كذلك لأن قواعد اللعبة نفسها قد تبدَّلت بعمق. فحين تتغيَّر العوائد المتوقعة لدى اللاعبين في الساحة الـــداخـــلـــيـــة (الـــســـلـــطـــة، والمـــحـــتـــجـــون، والـــنـــخـــب المــــتــــرددة، وأجــهــزة الـقـمـع، والـفـسـاد) يـتـحـوّل الــنــزاع مـن جـــدل على الأسعار إلى رهانات نموذج الدولة بكُلّيته. دلالة المكان هنا أهم من دلالة الشعارات. فلقد انطلقت الشرارة هذه المرة من بازار طهران الكبير؛ وهو ليس مجرد سـوق، بل عقدة تاريخية في العقد الاجتماعي المؤسِّس للنظام؛ إذ تَبدَّل دور البازار من أن يكون «صمام توازنٍ» اجتماعي، إلى أن أصبح هو «مسرح الاحتجاجات»؛ مما يشي بأن الاقتصاد لم يعد ساحة محايدة، وبأن هيمنة «الحرس الثوري» على مفاصل التجارة والتمويل أزاحت طبقات تجارية صغيرة ومتوسطة إلى هامش لا يطيق التضخم والعقوبات. هـنـا يــتــقــدّم الـــصـــراع مـــن الأطــــــراف إلـــى الــقــلــب: قلب الإيرادات، وشبكات المصالح، وشرعية إدارة الرزق. تتضاعف الهشاشة بفعل ذاكرة قريبة. أحدثت حرب ، ومـا تلاها من ضربات أميركية 2025 ) يونيو (حـزيـران اسـتـهـدفـت مـنـشـآت نــوويــة إيــرانــيــة، شـرخـا هــائــاً، ليس في بنية الــردع القومي فقط؛ بل وفـي السردية الشرعية الوطنية «الظافرية» للنظام. داخلياً؛ يصعب تسويق «التكلفة الإقليمية» لأذرع إيران، بوصفها استثمارا ناجحاً، عندما يرى المواطن أن الدولة لم تحم البلاد وأن الأذرع في حكم المنتهين. فــي منطق نـظـريـة الألـــعـــاب، لا يكفي امــتــاك أدوات الردع؛ بل يجب أن تكون ذات مصداقية عند الآخرين، في الداخل والخارج. والحرب، مهما كانت تفاصيلها، أدخلت الشك في «المصداقية والالتزام» أكثر مما أدخلت الخوف. ثم جـاء التعتيم على الـ«ميديا» ليُربك الحسابات. وإذ يتيح الإغلاق شبه الكامل للإنترنت تفكيك التنسيق الأفــقــي للجماهير سـريـعـا، فــإنَّــه يـرفـع فــي الــوقــت نفسه ضجيج الإشاعات ويمنع تشكّل «معرفة عامة مشتركة» تسمح بالخروج من الأزمـة سلمياً. وفي الأزمــات، لا يقل نقص المعلومات خطرا عن وفرتها؛ إذ يكفي خرق واسع، أو صورة واحدة، ليَقلِبا توقعات البقاء، فتتحول الطاعة تردداً، والتردد عدوى. ورغـــم ذلـــك، فـــإن الـنـظـام لا يـــزال يمتلك كتلة صلبة مـن عناصر الصمود فـي مثلث: الـريـع، والآيديولوجيا، وتماسك النخبة. الريع قائم مع النفط الـذي يصب في جيوب النظام و«الــحــرس الـــثـــوري»، لكنَّه ريـــع مُــعـاقَــب؛ تقلَّصت قدرته على شراء الولاء، تحت وطأة العقوبات، وأضرار الحرب، وانهيار العملة. ورغــــم اســتــمــرار الآيــديــولــوجــيــا فـــي تـعـبـئـة الـقـاعـدة الـصـلـبـة وتــبــريــر الــقــمــع، فــإنَّــهــا تــتــآكــل كـلـمـا انـخـفـضـت شـرعـيـة الأداء الاقــتــصــادي والـخـدمـاتـي وشـرعـيـة الـــردع الوطني. يـــبـــدو تــمــاســك الــنــخــبــة (عـــلـــى اخـــتـــاف أجـنـحـتـهـا) مرجَّحا حتى الآن؛ إذ تفضّل النخبة «قمعا منظماً» على انهيار فوضوي للنظام. وتنكشف هنا مفارقة السلطة: يضمن القمع السيطرة مؤقتاً، لكنَّه يراكم شـروط الانفجار لاحقاً. وفيما يمتلك المحتجون قوة كامنة عبر الإضرابات وتعطيل العائدات وإنهاك «رصيد الولاء»، فإنَّهم يعانون من ضعف التنظيم والالــتــزام فـي غياب قـيـادة مـوحـدة ورؤيـــة موثوقة لليوم التالي. وهي مشكلة تمنع المترددين من القفز إلى الشارع. يبقى الـعـامـل الـحـاسـم عند «الــوكــاء» على الأرض: الأجهزة الأمنية. العلاقة بين القيادة والعناصر الميدانية علاقة «أصيل - وكيل»؛ كلما ارتفعت التكلفة الشخصية (اقـــتـــصـــاديـــا ومـسـتـقـبـلـيـا وســـمـــعـــةً) ازدادت احــتــمــالات الــتــمــلــمــل. لــــذلــــك؛ لا يـــنـــهـــار الـــــتـــــوازن عـــــــادة بــفــعــل كــثــرة المحتجين وحـدهـا، بـل كذلك بفعل تـبـدّل توقعات البقاء داخل النظام ذاته. خـــارجـــيـــا، تُـــظـــهـــر الـــتـــجـــربـــة أن الـــتـــدخـــل الــعــســكــري المـــبـــاشـــر خـــــال ذروة الاحـــتـــجـــاجـــات يـــخـــدم الـــســـرديـــات الوطنية للنظام، بينما تسمح أدوات التدخل الناعمة، أي دعـم الاتـصـالات، والعقوبات الموجهة، والضغط المتعدد الأطـــــراف، بتطوير الاحـتـجـاجـات مــن دون مـنـح السلطة حجة «الـعـدو». وفـي الخلفية، تلعب روسيا دور «مُثبّت النظام» دبلوماسيا وأمنياً، مع إبقاء خياراتها مفتوحة على أي انعطاف مفاجئ. مسارات بتقديرات 4 شهراً، تبرز 18 أشهر و 6 ما بين ترجيحية تقريبية: احـتـواء آنــي مع عـدم استقرار مزمن في المـائـة)؛ وانتقال مُـــدار عبر انقسام نخبوي 55 (نحو في المـائـة)؛ وانهيار 25 محدود وضمانات صعبة (نحو متسارع يكون عالي الأثر ويرتبط بانشقاق أمني واسع في المـائـة)؛ وتـدويـل متصاعد لـأزمـة، بوصفه 10 (نحو خطرا دائـمـا... قد يتحوَّل إلى مسارات مجهولة فيما لو في المائة). 10 تورطت الأطراف الخارجية (نحو نـسـتـطـيـع أن نـــقـــول، بــالــتــالــي، إن الــحــالــة الإيــرانــيــة اليوم، هي مرحلة ينفتح فيها، بشكل شبه محتوم، مسار الـتـحـوَّل، حيث سيكون الـزمـن؛ لا الـشـعـارات، هـو اللاعب الأشد قسوة وحسماً. حــن فـتـحـت صـبـاحـا الــنــافــذة الـشـرقـيـة، طالعتني حــديــقــة الـــبـــرتـــقـــال المــتــألــئــة الـــثـــمـــار، ووراءهــــــــا حـقـول الـزيـتـون الشاسعة المـــدى، وفـوقـهـا جبل لبنان المغطّى بثلوجه الكثيفة الناصعة البياض، تحت سماء زرقـاء بالغة الصفاء... قلت في نفسي: «هذا المشهد البديع هو الوحيد الـواضـح، الثابت، الباقي، في مهب الاهـتـزازات والاحتمالات العاصفة بزمننا من كل صوب». فـي العالم البعيد، لا تــزال تتوالى تـــردّدات اعتقال الــرئــيــس الــفــنــزويــلــي مــــــادورو وزوجـــتـــه وجـلـبـهـمـا من الـقـصـر الـرئـاسـي فــي كـــاراكـــاس إلـــى محكمة نـيـويـورك. مسمار شبه أخـيـر فـي نعش الـنـظـام الــدولــي المتهاوي شيئا فشيئا مـنـذ قـيـام «الـعـالـم الـجـديـد» عـلـى أنـقـاض أوروبـا واليابان مع انتهاء الحرب العالمية الثانية قبل ثـمـانـن عــامــا. مـنـذ الــبــدايــات كـــان الاخــتــال بــن سطوة الـــقـــوة فـــي «مــجــلــس الأمـــــن» حــيــث الـــقـــرار الـحـقـيـقـي في يـد الـــدول الخمس الـنـوويـة الكبرى مـن جـهـة، والمـبـادئ والشعارات الرفيعة غير القابلة للتنفيذ من جهة أخرى، في رحاب «الجمعية العامة للأمم المتحدة» والمؤسسات التابعة لها. وما شجّع القوة على التمادي أكثر فأكثر في وجه المبدأ، أن حركة التحرّر من الاستعمار لم تعط ثمارها الموعودة في الكثير من المجتمعات والدول، التي تـراكـمـت فيها المـشـكـات المستعصية والمـظـالـم والقمع والـبـؤس، بلا أمـل ولا رجــاء. وقـد احتمت أنظمة عديدة بالقانون الدولي لتقيم في أوطانها ديكتاتوريات بالغة التخلف والـقـسـوة، أغلقت الأفـــق تماما أمـــام شعوبها. وها قد جاء العبث الأخير بهذا القانون ليشرّع الأبواب أمـام مفاجآت مماثلة يخشى أن يحملها العام الجديد في أنحاء عدة من شرق العالم وغربه... وســـط هـــذا «الاهـــتـــزاز الـكـونـي» تستمر وتتصاعد في عالمنا القريب الاحتجاجات الشعبية في إيران، على وقع أزمة اقتصادية خانقة وتهديدات متبادلة بين إيران وإسرائيل والـولايـات المتحدة. إلى أيـن؟ ثمة رهـان على استمرار غليان الشارع الإيراني أكثر فأكثر، ليشكّل هذه المرّة تهديدا لا سابق له لمستقبل النظام. هل يصح ذلك؟ وفي المدى اللبناني والمحيطين السوري والعراقي، تـشـهـد الــجــمــاعــات يـقـظـة مــثــيــرة لـلـقـلـق. يــبــدو مـفـهـوم «الشعب الواحد» في هذه العاصفة كأنه غطاء إعلامي تخطّاه الواقع، لكن من دون أن يتكوّن بديل حقيقي له. ويقظة الجماعات تتجاوز المشرق لتمتد، وبحدة أكبر، إلـــى الـــســـودان ولـيـبـيـا وأنـــحـــاء أخــــرى. لا شـــك فــي أنها الأزمــة المصيرية الأخطر التي تشهدها الــدول الوطنية منذ أن حلّت محل السلطنة العثمانية المنهارة قبل قرن من الزمن. فلأسباب كثيرة لا يتّسع المكان لعرضها، لم تستطع الــــدول الـوطـنـيـة، عـلـى اخــتــاف أنظمتها، نقل بلدانها مـن حــال مجتمع الجماعات إلــى حــال مجتمع الأفراد - المواطنين. أكثر من ذلك، يشهد ختام هذه المرحلة التاريخية الطويلة بـــروزا متزايدا لمجتمع الجماعات. وقــــد أتـــــاح مـجـتـمـع الــجــمــاعــات لاســتــراتــيــجــيــة المــحــور الإسـامـي الإيــرانــي اخـتـراقـه، عبر تحالفها وتنظيمها وتسليحها الجماعة المتعاطفة معها، مـن خــارج إطـار الـدولـة الوطنية وبالسعي إلـى السيطرة عليها. هكذا، أسهم هذا الاختراق المستمر منذ أكثر من أربعين عاماً، بـإذكـاء التناقضات والمـخـاوف بـن الجماعات المسلحة وتـلـك غير المسلحة أو التائقة إلــى التسلّح، وبتأجيج يقظتها وصـولا إلى خطر التفكك المجتمعي الـذي يبرز الآن أمامها. يجد مجتمع الجماعات في المشرق اليوم نفسه في حمأة صراع خطير بين التحالف الإسرائيلي - الأميركي مـن جهة، والمـحـور الإيــرانــي ومختلف أذرعـتـه مـن جهة أخــــرى. وعـلـى الــرغــم مــن الـحـق الـتـاريـخـي الكبير الــذي تمثله قضية فلسطين بأبعادها الوطنية والأخلاقية، وتـغـلـغـلـهـا الـعـمـيـق فـــي الـــوجـــدان الــعــربــي، فـالـتـحـالـف الإســـرائـــيـــلـــي - الأمـــيـــركـــي يـسـتـفـيـد فـــي هــــذه المــواجــهــة مـــن ثـــاث نــقــاط مـهـمـة: الأولــــــى، الــتــفــوق الـتـكـنـولـوجـي الـعـسـكـري فــي مختلف المـــجـــالات. الـثـانـيـة، ضـعـف دعـم الحليف الشرقي، الروسي أو الصيني، للمحور الإيراني وأذرعــــتــــه. أمـــا الـثـالـثـة، فـهـي أن الـتـحـالـف الإسـرائـيـلـي - الأمــيــركــي يـــواجـــه مـجـتـمـعـات غـيـر مـــوحّـــدة، فـيـهـا ما فـيـهـا مـــن الانــقــســام والــتــنــاقــض. فـالـجـمـاعـات المـنـاوئـة للمحور الإيراني وامتداداته تشعر بأن الهدف النهائي للاستراتيجية الإيرانية ليس القضاء على الدولة العبرية بـــل الـهـيـمـنـة عـلـى المـجـتـمـعـات المـشـرقـيـة الــتــي تـسـرّبـت إليها، برفعها الجماعات المسلحة المتحالفة معها إلى مرتبة «المواطنة من الدرجة الأولى»، مع ما ينتج عن ذلك من امتيازات مادية ومعنوية، ودفعها الجماعات غير المسلحة والمناوئة لها إلى مرتبة «المواطنة من الدرجة الثانية». وهذا التمييز في تراتبية الناس، وفي كونهم غير متساوين في الحقوق والـواجـبـات، يضرب مناعة المجتمع ويضعف إلى حد بالغ قدرته على المواجهة. باحتمال خطأ ضئيل جدّا يمكن القول إن حقبة الممانعة تنطوي، في المشرق العربي ومـعـه إيـــران. ففضلا عـن «حـمـاس» و«حــزب الله» ونظام الأسد، يلامس النظام في طهران مـرحـلـة مـصـيـريـة تــهــدد اسـتـمـراريـتـه، فيما يجد الــعــراق نفسه مـضـطـرّا إلــى إعـــادة نظر في توجّهاته وتحالفاته. هكذا لا يبقى في المـيـدان، ومـن خــارج تلك الرقعة الجغرافيّة، ســـوى حـوثـيّــي الـيـمـن يـخـوضـون معاركهم بــــــــــأدوات فـــقـــيـــرة ومـــتـــنـــاقـــصـــة فــــي عــــدادهــــا الخناجر. وهـي حقبة تنضم إلـى حقبة الانقلاب العسكري وأنظمته التي ســادت بـن أواخـر الــخــمــســيــنــات وأوائــــــــل الــســبــعــيــنــات لــيــبــدأ ، قبل أن تتفرّع إلى 1967 تساقطُها مع هزيمة تـجـارب يتآكلها العفن، تـتـوزّع على معظم البلدان العربيّة التي حكمها الأمن والعسكر. لـــكـــن الـــواضـــح أيـــضـــا أن مــــآل الانــتــقــال مـــن نـــظـــام المــمــانــعــة يــشــوبــه غـــمـــوض يـفـوق الــغــمــوض الــــذي شـــاب الانــتــقــال مـــن الـنـظـام العسكريّ. وفي حالات كثيرة يبدو أن الزمن الذي نهجره يشمل النظامين المتعاقبين معاً، أو أن هذا الزمن إنّما كان تركيبا منهما. والـــغـــامـــض هــــو المــــكــــان الــــــذي ســيُــنــتَــقَــل إليه، أي الأنظمة والعلاقات والأفـكـار البديلة التي ستحل في البلدان المنتقِلة. وهي مسألة تستحق أن تثير أوســع القلق لأسباب مَرئيّة جدّا لا تُحوج إلى تعداد البراهين، بدل الشعور الغامر بسعادة لا يُحسد أصحابها عليها. ذاك أن طـــــــوري الانـــــقـــــاب الـــعـــســـكـــري والمــــمــــانــــعــــة تـــعـــاقـــبـــا عـــلـــى تـــدمـــيـــر الـــحـــيـــاة السياسيّة في البلدان التي حـا فيها، وفي البلدان التي تأثّرت بمفاعيلهما ونفوذهما. وبــــهــــذا الـــتـــدمـــيـــر تــضــاعــفــت قــــــوّة الـــــــولاءات والهويّات الأهليّة (أديــان، طوائف، إثنيّات، مــنــاطــق) وتــضــاعــفــت عــدوانــيّــتــهــا وبَــرَمــهــا بما ومَن هم خارجها. واليوم يمنع التفتّت الداخلي المتمادي، في البلدان المعنيّة، قيام معارضات موحّدة ومتجانسة تتلاقى على بـــرامـــج مـــوحّـــدة ومـتـجـانـسـة تـعـبـر بـهـا إلـى ضفّة أخرى. يفاقم الإعاقة هذه أن الانتقال المطروح مــصــحــوب بـسـيـولـة مــدهــشــة فـــي الــتــغــيّــرات الــســكّــانــيّــة الـــتـــي تُــحــدثــهــا أعـــمـــال التهجير أو الـــــخـــــوف مــــنــــه، ومــــــا تــــرتّــــبــــه مـــــن وقـــائـــع ديموغرافيّة. ونعلم جـيّــدا أن عنصر العدد من أشد الأسلحة فتكا في نزاعات الهويّة. يـؤجّــج تلك المــخــاوف وضـــع اقـتـصـادي بــــالــــغ الــــســــوء يــــزيــــد الـــــصـــــراع عـــلـــى المـــــــوارد المـــتـــضـــائـــلـــة احــــتــــدامــــا. وإذ تــــغــــدو «إعـــــــادة تـعـمـيـر» الــبــلــدان والمــنــاطــق المـنـكـوبـة (غــــزّة، سوريّة، لبنان...) شرطا شارطا لاستئناف أيّـــة حـيـاة عــامّــة مـعـقـولـة، تـصـطـدم الحاجة هــــذه بــالاســتــنــكــاف الأمـــيـــركـــي عـــن الـتـمـويـل وبالافتقار الأوروبـــي إليه، ليحتل الصدارة كلام بهلواني وعُظامي عن مشاريع عقاريّة وسـيـاحـيّــة واســتــثــمــاريّــة. وعـــن هـــذا تــتــأدّى نـــتـــيـــجـــتـــان تــــغــــذّيــــان تــــشــــاؤم المـــتـــشـــائـــمـــن: عـيـش كُــتَــل سـكّــانـيّــة عـريـضـة عـيـشـا طـويـا فـــي صـحـبـة الأنـــقـــاض، فــضــا عـــن الـبـطـالـة، وتنافس المحتاجين إلى العون على معونات بالغة الشحّ، ما قد يضيف جرعة ما، صغيرة أو كــبــيــرة، إلــــى خـــرائـــط المـــنـــازعـــات الأهــلــيّــة ضمن الحدود الوطنيّة وخارجها. ولسوف يكون صعباً، في ظل الضمور الذي تعانيه دواخـل تلك البلدان، خصوصا المتورّطة منها في الصراع بين مُكوّناتها، أن لا يتعاظم الـــدور الـخـارجـي لـــدول ولأحــاف تــــوسّــــع نـــفـــوذهـــا. وتـــــطـــــوّر كـــهـــذا يــتــعــارض بــالــتــعــريــف مــــع مـــصـــالـــح الـــبـــلـــدان المــعــنــيّــة، خـصـوصـا مصلحتها فـــي الاســـتـــقـــرار. ولـن يكون من الحكمة هنا تجاهل الاستراتيجيّة الإســـرائـــيـــلـــيّـــة الـــتـــي تـجـتـمـع فــيــهــا عـنـاصـر تـــفـــجـــيـــر ثـــــاثـــــة هــــــي رفـــــــض مـــــبـــــدأ الـــــدولـــــة الفلسطينيّة، أو حتّى المسار إليه، والإمعان فـي إذلال الـبـلـدان المـــجـــاورة، وربّــمــا اقتطاع أراض منها «نـظـيـفـة» مــن الــســكّــان، ووضــع الـــيـــد عــلــى مـسـائـلـنـا المـــتـــأزّمـــة ومُــشـكـاتـنـا الكثيرة التي لـم تُــحَــلّ، وهـي خصبة وغنيّة بفعل تـمـزّق النسائج الاجـتـمـاعـيّــة، والظلم الواقع على جماعات إثنيّة ودينيّة وطائفيّة، ومـــن ثـــم تـحـويـل تـلـك الـتـنـاقـضـات مـنـصّــات لنفوذ إسرائيلي يملي إرادتـــه على شعوب المنطقة وجماعاتها عبر توسّله قضاياها. أمّـــــــا فــلــســفــة الـــــقـــــوّة الــــتــــي تــــعــــم الـــيـــوم عـلـى نـطـاق كــونــي فـــواضـــح أنّــهــا ليست في مصلحة بلدان كبلداننا تفتقر إلى كل قوّة، بــل هــي ضـحـيّــة الـــقـــوّة، إلا إذا افـتـرضـنـا في الأقـــويـــاء نـزعـة إنـسـانـيّــة وغـيـريّــة لا تتكاثر الـدلائـل إلا على عكسها. صحيح أن تمسّك الميليشيات المهزومة بسلاحها يقدّم ذريعة إضافيّة لاستعراض الأقوياء قوّتهم علينا، وهو ما يضيف سببا إلى الأسباب الكثيرة الــدافــعــة إلـــى نـــزع الـــســـاح الـــيـــوم قـبـل الـغـد. لـكـن شـجـرة الميليشيات وراعـيـهـا الإقليمي يـنـبـغـي، فـيـمـا هــي تــــذوي، ألا تـحـجـب غابة الـعـالـم الـــذي تـتـحـكّــم بــه فلسفة الـــقـــوّة. فــإذا كـانـت الــدنــمــارك، ومـــن ورائــهــا أوروبـــــا، غير مطمئنة إلى الفلسفة المذكورة ونتائج العمل بــمــوجــبــهــا، فـكـيـف تــطــمــئــن بـــلـــدان ضعيفة كلبنان وسوريّة والأردن؟ وطـــريـــقـــة تــــأويــــل الــــحــــدث مـــهـــمّـــة هــنــا: فــــالــــتــــحــــرّر مـــــن المـــيـــلـــيـــشـــيـــات ومــــــن الـــنـــفـــوذ الإيـــرانـــي تــحــرّر ضـعـفـاء عــانــوا وطـــأة الـقـوّة الميليشيويّة والإيــرانــيّــة. وهــذا مـا يـدفـع، أو ينبغي أن يدفع، إلى التفكّر ومساءلة النفس الجماعيّة عمّا أوصلنا إلى هذه الحال، بدلا مـن سطوع مشاعر الحبور وتهنئة النفس وإعلان النهايات الظافرة للتاريخ. وبدل لغة الـتـهـديـد والــوعــيــد، يـكـون الأجــــدى تعزيزنا الأفكار السلميّة المناهضة للتجبّر والعنف اللذين عانيناهما طـويـاً. أمّــا المشارَكة في محفل القوّة فمضحك ومُبك معاً، إذ هو أقرب إلى تباهي الأصلع بشعر جاره، والسير على غـيـر هــــدى، وبــصــدر مـنـتـفـخ، نـحـو الـهـاويـة العميقة الأقرب. OPINION الرأي 12 Issue 17214 - العدد Wednesday - 2026/1/14 الأربعاء قراءة في الزمن المضطرب إيران... مرحلة الانفتاح نحو مسار التحوّل ًمرحلة انتقاليّة... لا نزيدها إلا غموضا وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة أنطوان الدّويهي سمير التقي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky