الثقافة CULTURE 18 Issue 17213 - العدد Tuesday - 2026/1/13 الثلاثاء ردّا على مقال «هل مات الناقد الأدبي؟» للطفية الدليمي موت الناقد وأسئلة الاختلاف الثقافي وضْــــع الـنـاقـد الأدبــــي أمــــام المـسـاءلـة خـــيـــار يـــبـــدو لــــي صـــعـــبـــا، والـــتـــبـــشـــيـــر أو الإعـــــان عـــن «مـــوتـــه» الـــرمـــزي هـــو مـوقـف يــحــتــاج إلــــى مـــراجـــعـــة نــقــديــة أيـــضـــا، لأن هـذا الناقد ليس بعيدا عن تشكيل هوية المـشـهـد الـثـقـافـي الــــذي تــقــوض كـثـيـر من أبـنـيـتـه وأطـــروحـــاتـــه ومـرجـعـيـاتـه، حتى يبدو الحديث عن «مـوت الناقد» مسوغا ومقبولا في التداول. ما طرحته القاصّة والروائية لطفية الدليمي في عدد جريدة «الشرق الأوسط»، ،2026 ) يناير (كانون الثاني 8 الصادر في يثير أسئلة مفتوحة عـن توصيف موت الناقد، وعن المجاهرة بهذا المـوت، مقابل الـدعـوة إلــى حضور الـقـارئ الــذي سيملأ فـــراغـــات الـــنـــصّ، بــوصــفــه الــبــديــل الأكــثــر حيوية فـي تمثيل صـانـع الـقـوة المعرفية الــجــديــد، أو بـوصـفـه الـــقـــارئ الــفــائــق، أو القارئ العمدة بتوصيف ريفاتير، وهذه الوظيفة تعني جــر الــقــراءة إلــى رهـانـات صعبة، لا يمكن ربطها إلا بسياق التاريخ الإشكالي للميتات القديمة التي طرحها نـيـتـشـه ورولان بـــــارت وفــــوكــــو، وأخـــيـــرا رونــان ماكدونالد الـذي ربـط مـوت الناقد بصعود القارئ غير المتخصص والقريب من وظيفة «المُشغّل الثقافي». الـــتـــصـــريـــح بـــمـــوت الـــنـــاقـــد لا يـعـنـي الــــحــــديــــث عـــــن غــــيــــابــــه، بــــقــــدر مـــــا يـعـنـي الــــحــــديــــث عـــــن أزمــــــــة مــــســــاءلــــة الـــخـــطـــاب الـــنـــقـــدي، عـــلـــى المـــســـتـــوى الأكــــاديــــمــــي أو المنهجي، حتى المـسـتـوى الآيـديـولـوجـي، لأن الـــنـــاقـــد ســيــظــل شـخـصـيـة مـشـاغـبـة، فـي سـيـاق وظيفته، أو فـي سـيـاق وعيه، وتأهيل دوره في توصيف القراءة يعني توسيع أدواته التي تُعطي لنصّه المجاور حرية فاعلة، وربما طاقة أخـرى لمواجهة مـــا يـخـفـيـه المـــؤلـــف، خـــوفـــا أو تـــوريـــة، أو مـــكـــراً، وهـــــذا مـــا يـــدفـــع الـــنـــاقـــد لأن يـكـون «خـبـيـثـا» أو فـضـائـحـيـا، عـبـر جـــر النص إلـــى الــتــأويــل، وهـــي مـحـاولـة فــي الـذهـاب به إلى «فائض المعنى» بتوصيف ريكور، حيث يؤسس عبر هذا الفائض موقفا قد يـتـقـاطـع مــع المــؤلــف الآيــديــولــوجــي، ومـع تمثلاته ومرجعياته المعرفية والجندرية والتاريخية. الحديث عن «سلطة الناقد» لا يعني الــــحــــديــــث عـــــن شـــبـــح يـــمـــكـــن اســـتـــئـــجـــاره بتوصيف سليم بركات، لكي يدون سيرة مــضــادة، أو يـمـارس نـوعـا مـن الاسـتـبـداد الـــنـــقـــدي، بـــقـــدر مـــا يــحــضــر كــــون الـــقـــارئ الــــفــــاعــــل، الـــــــذي يـــــــدرك أن لـــعـــبـــة الــــقــــراءة مــفــتــوحــة، لـكـنـهـا ســتــكــون أكـــثـــر تـعـقـيـدا عبر صناعة نص مـوازٍ، أو عبر ما تقيمه مـن حــوار مـع المـؤلـف، الـحـوار الــذي يشبه «الــــعــــصــــف الــــذهــــنــــي» المـــهـــيـــج لــــحــــوارات متوالية تتفاعل وتتنامى داخــل مجتمع الــــــقــــــراءة، لـــــذا لا أحـــســـب أن هـــــذا الــنــاقــد ســيــمــارس وظــيــفــة «احـــتـــكـــار المــعــنــى» أو أدلــجــتــه، بــقــدر مـــا سـيـكـون أركـيـولـوجـيّــا يدرك أهمية الحفر في مستويات النص، بعيدا عن أي صلاحية، أو تخويل، وعن أي خرق لخصوصية النص الذي تحرسه الآيـــديـــولـــوجـــيـــا، وأحــــســــب أن كـــثـــيـــرا مـن المؤلفين قد تحولوا إلى نقاد، لأنهم أدركوا أهمية الآخر في القراءة، الآخر الذي يمكن أن ينسلخ عـن ذات المــؤلــف، أو مـن مرآته ليمارس رقابة أو مراجعة مغايرة للنص المكتوب، أو للذات النرجسية. السرد وغواية الناقد الـــقـــاصـــة الـــكـــبـــيـــرة لــطــفــيــة الــدلــيــمــي مـن أكثر الـكـتّــاب الـذيـن انشغل بهم النقد العربي والعراقي، لأهمية وعمق مشغلها الــــســــردي، الـــــذي اســـتـــغـــرق عـــوالـــم غــامــرة بالصراع النفسي والاجتماعي، وبحيوات عاشت أزماتها الوجودية عبر اشتباكها مـــع واقــــع غــرائــبــي، ومـــع تـــحـــولات عميقة في تاريخ العراق السياسي والاجتماعي، فــهــي لـــم تــكــن ســــــاردة جـــنـــدريـــة، بـــقـــدر ما أنـهـا جعلت قصصها وروايــاتــهــا أسئلة فـــــضـــــاءات مـــفـــتـــوحـــة لــــلــــقــــراءة والـــتـــرمـــيـــز الـــنـــفـــســـي والإنــــثــــربــــولــــوجــــي، ولا سـيـمـا مـــا يـتـعـلـق بـشـخـصـيـة الــبــطــل الــثــقــافــي - الرجل والمـــرأة - عبر تمثيل وعيها الحاد إزاء الــحــريــة والـــحـــب والـسـلـطـة والـعـنـف، وهـــنـــاك مـــن جــعــل مـــن ســرديــاتــهــا وثــائــق لمـقـاربـة «صــدمــة الـــعـــراق الـسـيـاسـي» عبر شخصيات جعلت منها الـدلـيـمـي أقنعة اغـتـرابـهـا، وتـعـقـيـدات مـأزقـهـا الــوجــودي، عبر تمثلاتها الرمزية في تاريخ العراق وأزماته الكبرى. هــــذه الـــكـــشـــوفـــات لــيــســت بــعــيــدة عن كشوفات الناقد الذي كان قارئا استثنائياً، الـذي وجـد في سـرديـات الدليمي، مرجعا لتنشيط «التخيل التاريخي» ولتقويض الــتــاريــخ عـبـر الـــســـرد، وربــمــا للكشف عن علاقات تخص النص بالمعرفة والجسد، أو بالاجتماع السياسي، أو بالآيديولوجيا، التي كثيرا ما تتسلل عبر لا وعي المؤلف، ومهمة الناقد تتجلى عبر إثارتها، وليس بـالـتـحـوط والــتــحــول إلـــى كــائــن مـهـووس بــــالأحــــكــــام، أو ربـــمـــا بــــتــــأويــــات يـخـشـى المؤلف الكشف عنها، لأن النص هو مرآته الشخصية، والناقد هو اللص الذي يتنمر بكشوفات خرق نرجسية المرآة. عدم مقبولية وظيفة الناقد في «زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فـيـهـا هــــذه الأشــــكــــال، وتـــراجـــع فــيــه مـركـز النص لصالح محيطه الذي غُيّب طويلاً» كما تقول الدليمي، لا يعني عزلا لمسؤولية الناقد، ولا إحالته لـ«التقاعد الوظيفي»، لأن زمـــــن الـــنـــص أصـــبـــح مــكــتــفــيــا بـــذاتـــه، وسلطة الــقـارئ تعمد إلــى إعـــادة صياغة قــــواعــــد الاشــــتــــبــــاك المــــعــــرفــــي، ومـــمـــارســـة وظيفة سد الفراغات وتقبّل صدمة التلقي والتوقع. أحـــســـب أن هــــذه المـــفـــارقـــة الـوظـيـفـيـة لا تعني تـبـادل أدوار، ولا خرقا لبداهات جــعــلــتــهــا الــــواقــــعــــيــــة الـــنـــقـــديـــة جـــــــزءا مـن مشروعها، ومن سلطتها ومن مناهجها، بقدر ما أنها أعــادت التموضع على وفق تـــحـــول الــــقــــارئ، بــوصــفــه نــــاقــــداً، لأن هــذا الــقــارئ لـيـس هـامـشـيـا، وحـيـازتـه لأدوات الـــقـــارئ المــعــرفــي تـعـنـي أيــضــا تــبــديــا في عنوانه الإجـرائـي، وأنــه سيكون مشاركاً، لــــيــــس فـــــي صــــيــــاغــــة أخـــــــــرى لـــاســـتـــبـــداد النقدي، بل في أن يكون المـشـارك والمــؤوِل الـــــــذي يـــجـــعـــل مــــن الــــنــــص مـــفـــتـــوحـــا عـلـى قـــراءات، وعلى مقاربات متعددة، تتجدد مـــــع تــــجــــدد تـــلـــك الــــــــقــــــــراءات، عـــبـــر تـــعـــدد مرجعياتها ووسائطها، وعبر مفاهيمها التي تغتني حتما بالكشوفات الجديدة، مـا سيعزز مـن فاعلية الــقــراءة، بعيدا عن السلطة والآيديولوجيا و«القول الفصل»، كما تذهب الدليمي. إن تــــــغــــــيّــــــر الـــــــنـــــــصـــــــوص، وتــــــنــــــوع اشـتـغـالاتـهـا، وتــعــدد قــراءاتــهــا، وانـفـتـاح ســرودهــا عـلـى زمـــن مـتـشـظٍ، لا يـبـرر عـزل الــــنــــاقــــد، أو الـــــدعـــــوة إلـــــى إمــــاتــــتــــه، بــقــدر مـــا يـعـنـي دعـــوتـــه لـتـجـديـد أدواتــــــه، وإلـــى التخلّص مـن ذاكـــرة «الـنـاقـد الانطباعي» و«الــــــنــــــاقــــــد الآيــــــديــــــولــــــوجــــــي» و«الــــنــــاقــــد المــســلــكــي» والانـــهـــمـــام بــصــيــاغــة «قـــواعـــد اشــــتــــبــــاك» فــــاعــــلــــة، وحــــيــــويــــة تـــتـــســـق مـع ســرعــة تـشـكـل وتـغـايـر الأفـــكـــار والمـنـاهـج، حـيـث تــكــون «ديــمــقــراطــيــة الـــتـــأويـــل» كما تقول الدليمي سانحة للقبول بالمختلف، ومـنـافـسـة المـــؤلـــف عـلـى حـــيـــازة نصوصه التي يتوهم أنه حارسها الوحيد. مــــا طـــرحـــه رولان بــــــارت عــــن «مــــوت المـــــؤلـــــف» لا يـــعـــنـــي ســــــوى مــــــوت المـــؤلـــف الآيـــــديـــــولـــــوجـــــي الـــــــــذي صـــنـــعـــه الـــيـــســـار الـتـقـلـيـدي الـسـتـالـيـنـي، وأن مــوتــه يعني ولادة «النص» الذي يجد في بناه الداخلية تــــريــــاقــــا لـــلـــخـــصـــب والــــــقــــــوة والاكـــــتـــــفـــــاء، ولأن هـــــذا المــــــوت الـــبـــنـــيـــوي كـــــان خـــدعـــة، فـــإنـــه ســـرعـــان مـــا تـخـلـى عــنــه مــؤسِّــســوه الــــذيــــن جـــعـــلـــوا مــــن «مـــــا بـــعـــد الــبــنــيــوي» مـجـالا لصياغة مفاهيم مـضـادة، تخص الـفـردانـيـة، و«مــا بعد حـداثـيـة»، والـعـودة إلـــى الـكـائـن المـــراقـــب، والــعــيــادي، وصـانـع الأساطير الصغيرة. الــــنــــاقــــد قـــــد يــــكــــون شـــبـــيـــهـــا بــكــائــن ميشيل فوكو، الذي يجد هوسا بالرقابة، وبــــأن الــنــص الــــذي يكتبه مــجــال عـيـادي يحتاج دائـمـا إلــى المشفى، وإلــى الجراح كـــنـــظـــيـــر لاســـــتـــــدعـــــاء الـــــــقـــــــارئ والمـــــــــؤول والـبـاحـث الـحـر الــذي يجعل مـن الـقـراءة، أو من الـقـراءات، ممارسة في الحث على الـتـولـيـد والإغـــــواء والإثـــــارة، وإلـــى إعـــادة النظر بسلطة المؤلف ذاته. علي حسن الفواز كلاهما مر بعلاقة متوترة ما بين شروط المعاش وشروط الحالة المجازية « لكنه ينفجر شعراً»...محمد الثبيتي أو أسامة شحاتة هــــنــــاك تــــمــــاثــــل عـــجـــيـــب بـــــن مــحــمــد الثبيتي وحـمـزة شـحـاتـة، وكـاهـمـا دخل في اشتباك عميق مع القصيدة، فالقصيدة عند شحاتة لم تكن مجرد شعر، ولكنها نــــظــــام ذهـــنـــي وجــــــــودي، تـــتـــجـــاوز حــــدود جماليات النص وتوقع الشاعر في حبائل المـعـنـى الـــوجـــودي، بحيث يصبحان معا نصا يعيش حياة خصوصية. وقــــــد كــــــان شـــحـــاتـــة يــتــمــثــل مــعــانــيــه الـشـعـريـة والــنــثــريــة فـــي ذاتــــه وكـــأنـــه بطل نـصـوصـه، كـحـال ممثل يكتب المسرحية، ثـــم يـمـثـلـهـا (كــمــا كــانــت حــــال شـكـسـبـيـر). ولا يــقــف شــحــاتــة عــنــد ذلـــــك، بـــل يـتـحـول تـــمـــثـــيـــلـــه لـــلـــمـــســـرحـــيـــة إلـــــــى تــــمــــثــــل لـــهـــا، فـيـغـيـر مـــســـار حــيــاتــه وفــــق شـــــروط بطل المـسـرحـيـة. ومـحـاضـرة شـحـاتـة الشهيرة «الـرجـولـة عماد الخلق الـفـاضـل» تحولت لتكتب سيرة شحاتة في سلوكه اليومي والـــحـــيـــاتـــي، لــــدرجــــة أنـــــه عـــــزل نــفــســه عـن الواقع المعيشي، ودخل في واقع افتراضي يتمثل فيه مستدعيات خطابه ومقولاته ويــتــخــلــق بـــهـــا، وعـــــاش غــريــبــا ومـخـتـلـفـا وغير قادر على تقبل شروط الواقع. وكــــذلــــك كـــــان مــحــمــد الــثــبــيــتــي الــــذي عـاش حياة القصيدة وليس حياة الواقع البشري؛ فهو وُلد مسكونا بالشعر، ولو لم يتعلم حسب نظم التعليم الحديثة لصار شـــاعـــرا نــبــطــيــا؛ لأنــــه لــيــس لـــه مـــن طـريـق لـلـحـيـاة إلا أن يــكــون شـــاعـــراً؛ ولــــذا عـاش بوصفه كائنا شعريا مشاغبا للواقع، ولا يقر له قـرار واقعي؛ فقد تـورط بالقصيدة منذ عرفته الثقافة؛ أي حين خرج من رداء المجتمع الواقعي ودخل في خيمة النابغة. ولــم تكن خيمة النابغة بعيدة عـنـه، فهو ابــن مكة المـكـرمـة، وعـلـى مـد البصر هناك «ســــوق عــكــاظ» يستنشق مـحـمـد هــــواءه، وفُــن به وبذاكرة الشعر وخيمة القصيد. وحـن شـب شـرع بكتابة الشعر حيث بدأ مـع صيغة الشعر الحر (شعر التفعيلة)، ولـكـنـه فــي بـــدايـــات الـشـعـر حـيـث حضرت القصيدة الرومانسية عبره، ولم يبلغ بعد شعر القصيدة الحداثية، ثم اقتحم النص الحداثي، وكانت قصيدته «التضاريس» مـــغـــامـــرة شــعــريــة كـــبـــرى أحـــرقـــت تـجـاربـه السابقة في ديوانه «تهجيت حلما تهجيت وهماً»، فقد كره هذا الديوان. بعد 1984 وفي أول لقاء لي معه عام عـــودتـــي مـــن رحـلـتـي الـعـلـمـيـة فـــي أمـيـركـا ومعي «الخطيئة والتكفير» الذي مثل لي تحولا جذريا أوليا تبعه تحولات كثرٌ؛ في ذلـك اللقاء نطقت عنوان ديوانه الأول من بـــاب كـسـر جـهـامـة الـلـقـاء الأول، فـــرد علي وكـــأنـــه يــتــبــرأ مـــن الــــديــــوان ذاك ويـتـعـالـى عليه، مما جعله يقفز قفزة عملاقة خارج ســلــطــة ذاك الـــــديـــــوان. وتـــــم نـــشـــر ديـــوانـــه «التضاريس» في «النادي الأدبـي» حاملا قصيدته تلك، وهي النص الذي ظل يحتل أمـسـيـاتـه الـشـعـريـة رغـــم طـــولـــه؛ لأنـــه كـان يــرى أن القصيدة تلك مطلوبة ومتوقعة مـن أي جمهور يقف أمـامـه. وفـي ليلة من لـيـالـي الـشـعـر الــحــداثــي الـتـدشـيـنـيـة التي في 1985 ضمت أربعة شعراء حداثيين عام «الـنـادي الأدبــي» بجدة، وحضرها معظم أدباء المملكة من كافة مدنهم، خاصة جيل الحداثة حينذاك، وكان محمد الثبيتي في صدارتها، وكنت رئيس تلك الجلسة، وعن يساري الشعراء، وأولهم الثبيتي، حضرت قصيدة «الـتـضـاريـس» وطـوّقـت كـل أركـان الــقــاعــة المـكـتـظـة بــالــحــضــور، مـــن جمهور حـــداثـــي جـــاء مــــــؤازرا لــلــحــداثــة، وجـمـهـور آخر معارض وناقم على الحداثة. وكانت الجلسة في عهدتي ليلتها، وبذلت جهدا استثنائيا لحماية الأمسية مـن الانهيار بما أن الأجــــواء مـتـوتـرة، وهـنـاك مـن جاء بنية إفساد الجلسة، ولكني استخدمت كل ما في خيالي من حيل احتلت بها لتمرير الـجـلـسـة دون مــشــاكــل، وتـــم ذلـــك رغـــم كل التوترات، وأصبحت تلك الليلة ليلة فارقة في مسار الحداثة الشعرية، ولـم يماثلها إلا لـيـلـة أخـــرى بــفــارق خـمـس ســنــوات في النادي نفسه حيث تم إجهاض حفل تكريم محمد الثبيتي وتتويجه بجائزة النادي على ديـوانــه إيـــاه (الـتـضـاريـس)، وقــد فاز بجائزة النادي متغلبا على كل المتسابقين، وهـــذا أول فــوز تـفـوز بـه قـصـيـدة حداثية، ولـــكـــن حـــشـــودا حـــاصـــرت الـــنـــادي ومنعت تــســلــيــم الــــجــــائــــزة، وتــــــم لــيــلــتــهــا تــهــريــب الثبيتي من الباب الخلفي للنادي حفاظا على سلامته التي كانت معرضة لاعتداء مــن جـمـهـور مـتـوتــر ومــتــربــص بـالـنـادي، وبتلك الليلة، وبالثبيتي شخصياً. ومرت تلك الليلة ليس بسلام، وإنما بــجــرح عـمـيـق فــي ذاكــــرة الـثـقـافـة. أمـــا هو فـقـد خـــرج مــن بـــاب الــنــادي الخلفي تحت ستر الظلام ليدخل الزمن من فوق شمس الـــقـــصـــيـــدة، ولـــكـــنـــه عـــــاش جــــو الــقــصــيــدة بـــطـــريـــقـــتـــه المــــبــــتــــكــــرة، وهــــــي حــــــال حـــمـــزة شـحـاتـة. والـشـحـاتـيـة هـنـا ستتجسد في الـــثـــبـــيـــتـــي، الـــــــذي ســـــار دون تـــقـــصّـــد مـنـه مــــســــار حــــمــــزة شــــحــــاتــــة؛ فــــكــــره الــوظــيــفــة كـــمـــا كـــرهـــهـــا حـــمـــزة شـــحـــاتـــة. وفــــــرق بـن الـوظـيـفـة والـقـصـيـدة، وقـــد اعـتـد الثبيتي بهذا الفارق كما فعل شحاتة، فتحول من معلم براتب مجز إلـى موظف براتب أقل؛ لأن عــمــل المـــوظـــف أقــــل شـــروطـــا مـــن عمل المــــــدرس. وتـــرتـــب عـلـى ذلـــك أن يـنـتـقـل من مـكـة إلـــى الـــريـــاض بـعـد أن تــرقــى وظيفيا إلـى مرتبة أعلى في الـريـاض، وهنا دخل في إشكال عملي بأن يترك أهله وبيته في مكة ليعيش في فندق في الـريـاض، وهذا ليس عبئا ماديا فحسب، بل عـبء نفسي كـذلـك بفرقة الأهـــل والــولــد. وفاتحني في هذه الحالة لعل لدي حلا لها، وقد وجدت الــحــل عـنـد الــدكــتــور نــاصــر المــوســى الــذي عـلـم مـنـي بــوجــود الثبيتي تـحـت إدارتــــه، وعـلـم برغبته فـي الـعـودة إلــى مـكـة، ولكن النظام لا يسمح بذلك إلا بعد مـرور سنة فـي عمله الـــذي تـرقـى إلـيـه. وهـنـا تصرف الدكتور الموسى بتصرف كريمٍ، وبتقدير خاص للشاعر؛ فأصدر قرارا بتكليف هذا المـــوظـــف بـالـعـمــل فـــي مـكـتـبـة الـــــــوزارة في مكة. وهنا أحـال الثبيتي للكتب والعيش مـــــع الــــكــــتــــب، ولـــكـــنـــه عــــيــــش مـــقـــيـــد يـقـيـد طـائـر الـقـصـيـدة، كـمـا كـانـت حـــال شحاتة حـــن اســتــقــال مـــن عـمـلـه وتـــفـــرغ لوظيفته الخاصة بالعيش حياة القصيدة، ومثله الــثــبــيــتــي؛ إذ ضـــحّـــى بـنـصـف راتـــبـــه لكي يـتـقـاعـد تــقــاعــدا يـسـمـى بـالـتـقـاعـد المـبـكـر حسب مصطلح النظام الوظيفي، وعاش بـنـصـف الــــراتــــب، ولـــكـــن بـــراتـــب مـضـاعـف حسب شــرط الشعر والـكـلـمـات والمـعـانـي، كـمـا هــو جــو حـمـزة شـحـاتـة. ولـــم يـطـل به العمر ليمضي إلى ربـه، ويترك لنا شعره ونموذجية الغرائبي الذي يستعيد حمزة شحاتة، ومن قبل كان المعري الذي حبس نفسه في محبسين. وهذه قصص الشعراء حــن يـتـحـول الـــواحـــد منهم إلـــى قصيدة، ويعيش حياة القصيدة، ويبقى لنا منهم نصوصهم وقصصهم المختلفة بما أنهم «قصيدة». وفــــــي كــــل مــــــرة قـــابـــلـــت فـــيـــهـــا مـحـمـد الثبيتي كـــان يــبــدو حـيـيـا وهـــادئـــا، لكني كنت أرى في داخله بركانا قابلا للانفجار فـــــي أي لـــحـــظـــة، لـــكـــنـــه يـــنـــفـــجـــر بــالــحــمــم الشعرية، وينفجر شـعـراً، مما يعني أني لـــم أكــــن أراه بــشــخــصــه، وإنـــمـــا كــنــت أرى القصيدة التي تختمر فيه وترعد لتمطر. وهكذا مر الثبيتي على الحياة مرور المـــعـــنـــى الـــشـــعـــري بـــمـــزايـــاه المـــجـــازيـــة فـي التحول والانزياح؛ أي إنه كائن مجازي لا يقر ولا يسكن إلا بإيقاعه المختلف، لكنه كـان راضيا باختلافه وعاشقا لتحولاته. ومــن هنا كــان يبدو الـهـدوء الـظـاهـري في كلماته وسمته، غير أنـه مـا إن يشرع في إلقاء قصيدته حتى يتفجر صوته ويملأ الـــقـــاعـــة، لـــدرجـــة أن مـكـبـر الـــصـــوت تعطل مرة في قاعة النادي، واضطررنا لتوقيف الإلـقـاء مـن أجـل معالجة الخلل الصوتي، لكن محمد طلب الاستمرار في الإلقاء؛ لأنه لم يقبل أن يهين قصيدته بقطعها. وكان حماسه في الإلقاء والتماهي مع القصيدة يغني عن كل وسائط الأجهزة الصناعية؛ فـالـقـصـيـدة أعـلـى صــوتــا، وكــأنــه صنّاجة الــــعــــرب الـــقـــديـــم يــــعــــود، ولــــكــــن فــــي ثــيــاب قصيدة حداثية، وفي سيرة مجاز شعري تتحد فيه صورته بين بشريته وشعريته. وهــــكــــذا كـــــان الــثــبــيــتــي كـــمـــا كـــــان شـحـاتـة بوصفهما كـائـنـن مـجـازيـن ونـمـوذجـن متميزين بسلوكهما كما بمنتجهما. وبقي أن أشير هنا إلى معلومة سبق أن ذكرتها في كتابي «الخطيئة والتكفير» عــــن حــــمــــزة شـــحـــاتـــة، وهـــــي أن فــــي مـلـفـه الـوظـيـفـي نـجـد عـــدد خـطـابـات الاسـتـقـالـة يــــفــــوق عــــــدد خـــطـــابـــات الـــتـــعـــيـــن، ومــثــلــه الثبيتي الـــذي ظــل يتخلص مــن الوظيفة واحدة تلو أخرى. وهـــــــذه صـــيـــغـــة عــاقــتــهــمــا المـــتـــوتـــرة مـــا بـــن شـــــروط المـــعـــاش وشــــــروط الـحـالـة المـــجـــازيـــة. وكــاهــمــا فـــر مـــن الـوظـيـفـة إلـى القصيدة، ومن الواقعي إلى المجازي. عبد الله الغذامي ثلاث كاتبات وكاتبان يتنافسون على الفوز إدارة «جائزة الملتقى» تُعلن قائمتها القصيرة للدورة الثامنة أعـلـنـت إدارة جــائــزة المـلـتـقـى للقصة القصيرة العربية في الكويت عن قائمتها الـــقـــصـــيـــرة الــــتــــي جــــــــاءت وفــــــق الـــتـــرتـــيـــب الألفبائي لأسماء كُتَّابها كما يلي: أمــــانــــي ســـلـــيـــمـــان داوود عــــن «جــبــل الـــجـــلـــيـــد»، الأردن، (المــــؤســــســــة الــعــربــيــة لــــلــــدراســــات والــــنــــشــــر)، وشـــيـــريـــن فـتـحـي، عــن «عــــازف الـتـشـيـلّــو»، مـصـر، (دار العين للنشر)، ومحمود الرحبي عن «لا بـار في شـــيـــكـــاغـــو»، عُــــمــــان، (أوكـــســـجـــن لـلـنـشـر)، ونـــدى الشهراني عـن «قـلـب مُــنـقَّــط»، قطر، (دار جـــامـــعـــة حـــمـــد بــــن خــلــيــفــة لــلــنــشــر)، وهـيـثـم حـسـن عـــن «حـــن يـمـشـي الـجـبـل» سوريا - بريطانيا، (منشورات رامينا). وكان باب الترشّح للدورة الثامنة قد فتح بتاريخ الأول مـن مايو (أيـــار) وحتى . وبــعــد 2025 ) نـــهـــايـــة يـــونـــيـــو (حــــــزيــــــران فـــرز الأعـــمـــال المــتــقــدِّمــة، وتــحــديــد الأعــمــال المستوفاة لشروط الترشّح، تبي أن العدد الإجــمــالــي لـلـمـتـرشِّــحـن لــهــذه الـــــدورة هو ) مترشّحا من جميع الأقطار العربية 231( ) بلداً. 28( والعالم، بعدد وفــــــي تــــعــــاون مـــشـــتـــرك بــــن المــجــلــس الوطني وجائزة الملتقى للقصة القصيرة ،2025/2026 العربية، في دورتها الثامنة ســـــــوف يـــحـــتـــضـــن المــــجــــلــــس الــــوطــــنــــي فــي مكتبة الكويت الوطنية احتفالية الجائزة فبراير/ 5-3( في الكويت خـال الفترة من )، حيث ستجتمع لجنة تحكيم 2026 شباط الـــجـــائـــزة لاخـــتـــيـــار الـــفـــائـــز لـــهـــذه الــــــدورة، والـــلـــجـــنـــة بـــرئـــاســـة د. مــحــمــد الـــشـــحّـــات، وعضوية كل من د. عبد الرحمن التمارة، ود. عـائـشـة الــدرمــكــي، وسميحة خـريـس، وإستبرق أحمد. وتحمل الــدورة الحالية اسـم «الأديـب )؛ كونه أوَّل قاص 2023-1927( » فاضل خلف كويتي قام بإصدار مجموعة قصصية عام ، بعنوان «أحلام الشباب». 1955 وستحتضن المكتبة الوطنية في دولة الكويت كامل فعاليات الـــدورة، باجتماع لجنة التحكيم لإعلان الفائز، وكذلك إقامة الــنــدوة الثقافية المـصـاحـبـة للاحتفالية، ويشارك فيها مجموعة من الكُتّاب العرب والــكــويــتــيــن، وتــمــتــد عـلـى مــــدار يـومـن، كما سـتُــصـدِر الاحتفالية كتابا تـذكـاريّــا بــعــنــوان «مُـــخـــتـــارات مــن الــقــص الـعـربـي» إضـــافـــة إلــــى مـجـمـوعـة «أحـــــام الــشــبــاب» للكاتب المرحوم فاضل خلف وبمقدّمة من الدكتور سليمان الشطي، وكتاب تذكاري عن الأديب فاضل خلف. الكويت: «الشرق الأوسط» محمد الثبيتي حمزة شحاتة هذه قصص الشعراء حين يتحول الواحد منهم إلى قصيدة ويعيش حياة القصيدة... ويبقى لنا منهم نصوصهم وقصصهم المختلفة النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky