issue17213

أظــــهــــرت الأحـــــــــداث الأخـــــيـــــرة فــــي الـــيـــمـــن وســــوريــــا والــســودان والـصـومـال مـا يشكلّه تفكيك الـــدول العربية من خطر على الأمن القومي العربي وعلى السلم العالمي، لأن مـحـصـلـة الـــصـــراعـــات فـــي هـــذه الـــــدول هـــي إضـعـاف مـؤسـسـات الـدولـة وحـكـم الـقـانـون، وتمكين الميليشيات المسلحة للعمل خارج إطار الدولة، وشحذ شهية القوى الـــخـــارجـــيـــة لــلــتــدخــل عـــن طـــريـــق دعــــم تــلــك الـتـنـظـيـمـات وطموح قادتها للسلطة. اســتــولَــى الـحـوثـيـون -بــدعــم إيــــران- 2014 فــي عـــام على صنعاء وأجزاء كبيرة من اليمن، في حين احتفظت الحكومة الشرعية بما تبقَّى، إلـى أن نازعَها «المجلس الانتقالي» هذه السلطة. وعلى الرَّغم من الاتفاقات التي أبـرمـتـهـا مــع «المـجـلـس» لـتـوزيـع الأدوار والـتـركـيـز على القضية الأســاس، وهي تعزيز سلطة الدولة واستعادة صـنـعـاء، فـــإن قــيــادة «المـجـلـس» -المـــكـــوّن مــن ميليشيات مسلحة عـــدة- نقضت تلك المـواثـيـق فـي الشهر المـاضـي، وحاولت تقويض سلطة الدولة. ومع أن المحاولة فشلت فإن القضية الجنوبية ما زالت تحتاج إلى مقاربة تمنع تكرر النزاع. وفي سوريا خلال الأيام الماضية، ازدادت محاولات تفكيك الــدولــة؛ إذ شـهـدت حلب أســـوأ جـولـة مـن العنف منذ سقوط نظام الأســد، حين هاجمتها «قــوات سوريا الـــديـــمـــقـــراطـــيـــة»، فــــي تــصــعــيــد مـــخـــالـــف لاتــــفــــاق مــــارس (آذار) مع الحكومة السورية. «قسد» هي أيضا تحالف لتنظيمات مسلحة تـعـد نفسَها الـجـنـاح الـعـسـكـري لما يُسمونه «إدارة الحكم الـذاتـي لشمال وشـــرق سـوريـا». وتـــتَّـــهـــم تـــركـــيـــا «قــــســــد» بـــالـــتـــحـــالـــف مــــع حـــــزب الــعــمــال الـكـردسـتـانـي، وهـــو تـحـالـف تـعـمَّــق بـعـد قــــرار عـبـد الله أوجلان التَّخلي عن الكفاح المسلح، دافعا بعض مقاتليه للهرب إلى سوريا والعراق، ورفع سقف مطالب «قسد». وتسعى إسرائيل إلـى تفكيك سـوريـا مـن الجنوب من خلال دعم تنظيمات مسلحة انفصالية الهوى، وشن المــئــات مــن الـهـجـمـات الـجـويـة ضــد ســوريــا. كـمـا تسعى فــلــول الـنـظـام الـسـابـق إلـــى تفكيك الـــدولـــة الــســوريــة من الغرب. وفـي فلسطين، تعمل إسرائيل على تفكيك البقية الباقية من نفوذ السلطة الفلسطينية، من خـال نقض «اتــفــاقــيــات أوســـلـــو»، وتـشـجـيـع تـنـظـيـمـات فلسطينية بـديـلـة، وتـشـكـيـل ميليشيات مسلحة مــن المستوطنين لتقويض السلطة الفلسطينية. الــســودان يـواجـه مـحـاولات «قـــوات الـدعـم السريع» لـتـأسـيـس حـكـومـة مـــوازيـــة، أمَّــــا الــصــومــال فـــإنَّـــه يـقـاوم محاولات «أرض الصومال» الانفصال، بدعم إسرائيلي. أمَّـــا ليبيا فـقـد تـشـظَّــت إلـــى إقـطـاعـيَّــات مـتـصـارعـة. كما يـواجـه الــعــراق ولـبـنـان تـحـديـات مـعـروفـة لبسط سلطة الدولة على كامل التراب الوطني. ، جـاءت هذه 2024 في «مؤشر الــدول الهشة» لعام الدول العربية ضمن أشد الدول ضعفا في العالم، أمنيا وسياسيا واقـتـصـاديـا، وكـانـت أربـــع منها (الـصـومـال، والسودان، وسوريا، واليمن) على رأس القائمة، ولم تكن أربع أخرى (فلسطين، ولبنان، وليبيا، والعراق) بعيدة كثيرا ً. وهـــــذه الـــــدول نـفـسُــهـا ظـــهـــرت فـــي «مـــؤشـــر الــســام ، الذي قال إن منطقة الشرق الأوسط 2025 العالمي» لعام وشمال أفريقيا «تظل أقل مناطق العالم سلاماً». في بعض هـذه الـنـزاعـات، هناك مطالب مشروعة، لكنَّها تُجيّر لمصالح ذاتية لقادة طموحين، وتقوم أطراف خـارجـيـة بتوظيفها لمصلحتها عــن طـريـق إشــبــاع تلك الطموحات. ولا يقتصر ضرر تمزيق أوصـال الدولة وإضعاف مؤسساتها على الأمــن الوطني، بل يتعدَّاه إلـى تهديد الأمن الإقليمي والسلم العالمي، بسبب الفراغ السياسي والأمني الذي ينشأ عن هذا التفكك. وهذا ما نراه بالفعل في الـدول الهشَّة في المنطقة، فمع ضعف الحكومة المـركـزيـة وتــراجــع سلطة القانون تــنــشــط الـــجـــمـــاعـــات المــســلــحــة والــتــنــظــيــمــات الإرهـــابـــيـــة والــجــريــمــة المــنــظــمــة. وتــصــبــح المـــنـــاطـــق الـــواقـــعـــة تحت سيطرة هـذه الجماعات حاضنات لـإرهـاب والقرصنة وســـائـــر الـــجـــرائـــم الــتــي تـــهـــدّد الأمــــن وســـاســـل الإمـــــداد. ونتيجة لانفلات الأمن والتدهور الاقتصادي يبدأ سيل اللاجئين والمهاجرين. ومـع هـذا الـتَّــمـزق، تصبح الـدول الــهــشــة غــيــر قــــــادرة عــلــى الـــتـــعـــاون مـــع جــيــرانــهــا أو مع المنظمات الدولية لمكافحة الجريمة أو الإرهاب أو الهجرة غير الشرعية. وكـــــمَـــــا رأيـــــنـــــا فـــــي الـــيـــمـــن وفـــلـــســـطـــن والـــــســـــودان والصومال وسوريا، فـإن ضعف الدولة قد سهّل تدخل الأطراف الخارجية في تنافس محموم لا يعمّق الخلافات الداخلية فحسب، بل يحوّلها إلى نزاعات جيوسياسية تُضعف الأمن والسلم الدوليين، وتقوّض سلطة القانون الوطني والدولي. العمل العربي والعمل الـدولـي ضـروريـان لمواجهة هذه القوى الداخلية والخارجية التي تعمل على تفكيك الـدول العربية، واستعادة الوحدة الوطنية وقـدرة هذه الدول على الحفاظ على الأمن وخدمة مواطنيها. هـنـاك أربـــع أولـــويـــات لتحقيق هـــذا الــهــدف. الأول: تقديم الـوسـاطـة لتسوية الـخـافـات ومنع تحوّلها إلى نــزاعــات مسلحة تـجـتـذب الــقــوى المستفيدة مــن تمزيق الدول العربية. الـــثـــانـــيـــة: تـــقـــديـــم الــــدَّعــــم الاقــــتــــصــــادي المـــقـــرون بـــأجـــنـــدة واضـــحـــة لـــإصـــاحـــات والــــحــــوار الـوطـنـي والمصالحة السياسية. الـــثـــالـــثـــة: الـــــدَّعـــــم الأمـــــنـــــي، وتـــــدريـــــب قـــــــوات الأمــــن للتعامل مع الاحتجاجات لاحتوائها ومنع تحولها إلى مواجهات مسلحة. الرابعة: العمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين والمنظمات الدولية والإقليمية، إذ نادرا ما تستطيع دولة واحـــدة معالجة هـذه الاخـتـالات المزمنة، أو تخصيص الموارد البشرية والمالية التي تتطلّبها هذه المعالجة. في تطور لافت -ومثير للإعجاب حقيقة- ضاعفت المـمـلـكـة الـعـربـيـة الـسـعـوديـة جـهـودهـا مــؤخــرا لمـسـاعـدة الـدول العربية على مواجهة هذه التحديات، وكثيرا ما أخــذت زمــام القيادة فـي العمل المشترك، عربيا ودولـيـا. ومـــن أهـــم تـلـك الـجـهـود الـتـي حـقَّــقـت كـثـيـرا مــن الـنـجـاح، تـــأســـيـــس «الـــتـــحـــالـــف الــــدولــــي لــتــنــفــيــذ حــــل الـــدولـــتـــن» بـــالـــتـــعـــاون مــــع فـــرنـــســـا والـــــنـــــرويـــــج، ودعـــــــم الــحــكــومــة السورية لاستعادة الأمــن والاسـتـقـرار وتحفيز النشاط الاقتصادي، وإقناع الولايات المتحدة برفع العقوبات عن سـوريـا، والعمل معها مـن خـال منصة جـدة للوساطة فــــي الأزمـــــــة الـــســـودانـــيـــة، ثــــم تــحــركــهــا خـــــال الأســـابـــيـــع الماضية لدعم الحكومة اليمنية لمواجهة تهديد المجلس الانتقالي، ومقترح الحكومة عقد مؤتمر لمناقشة قضية الجنوب اليمني. ولكن منظمات مهمة مثل الاتحاد الأوروبي والبنك الــدولــي وغـيـرهـمـا، فـضـا عــن الــــدول الـفـاعـلـة والـــقـــادرة، تستطيع عمل المزيد للحاق بجهود المملكة بالقوة التي تتطلبها هـــذه المــرحــلــة الـخـطـيـرة الــتــي يــمــر بـهـا الأمـــن العربي. تـــخـــالـــج الإنــــســــان الـــعـــربـــي الــخــشــيــة - فــــي ضـــوء المـبـاغـتـة الـحـضـرمـيـة والـصـومـالـيـة - فـضـا عــن واقــع الـحـال الـسـودانـي صنو الـحـال الــغــزَّاوي وســـوء الحال السياسية والحزبية اللبنانية، مِــن مـوجـة كابوسية أشـــد وطـــأة مـمـا هــو حــاصــل. مـوجـة قــد تجعل جنوب لبنان مـشـروع دويــلــة. وفــي حـن لا تـــزال غــزة المنسية تكابد ويـــات الـنـزوح والتهجير، تئن ديـــار سودانية مثقلة بالخزي الناشئ عن حـالات اغتصاب، وبأنواع من غير المأمول علاجها نتيجة أن الذي أصاب المشافي والمراكز الإغاثية وفقدان الدم والأمصال هو مثيل الذي أصاب الغزَّاويين الموعودين بحلول مصرّح عن اتخاذ قـــرارات في شأنها، لكن التنفيذ مغيَّب ربما إلـى حين استحداث «أرض فلسطين» في غـزة بديلا عن الدولة الموعودة. الخشية أن يصحو اللبنانيون على ما آلـت إليه حــال «دولـــة جنوب لبنان» التي باتت تقرر مصيرها الهجمة الإسـرائـيـلـيـة المستقوية بـالـرئـيـس الأمـيـركـي دونــــالــــد تـــرمـــب الـــــذي يــتــنــاســى مـــا وعــــد بــــه. فـــي هــذا الـــجـــنـــوب لا يـتـطـلـع الـــعـــدو الإســـرائـــيـــلـــي إلــــى الــســاح فحسب، وإنما العيون جاحظة على الأرض بما عليها مــن مـيـاه ويـنـابـيـع وشــــالات وبـسـاتـن وخـــيـــرات. كما أنــهــا جـاحـظـة عـلـى أنـــهـــار الــجــنــوب تـسـتـكـمـل بـوضـع الـيـد عليها، ومـــا زالـــت القبضة الإسـرائـيـلـيـة ممسكة بــالــجــولان الـــذي ثـبَّــت حليفها الأمــيــركــي بــزيـــارة هـذه المرتفعات السورية قبْل أشهر «أحقية» إسرائيل بها. باتت العيون الإسرائيلية جاحظة على الجنوب اللبناني بعد الـــذي حـــدَث لرئيس فـنـزويـا نيكولاس مـــــــــادورو، الــــــذي جـــــيء بــــه مـــخـــفـــورا إلـــــى المــحــكــمــة فـي نـيـويـورك بفعل غـــزوة عالية الاقــتــدار عسكريا ورافــق الإحضار صمت تفرضه الضرورات من جهة، والخشية من أن يعلو صوت الاحتجاج بحيث يمهد أمام حالات مسكوت عليها. وفي أمثولة التعاطي المباغت مع أرض الـصـومـال وابـتـهـاج رئيسها بــزيــارة وزيـــر الخارجية الإسـرائـيـلـي لــه لـشـد الأزر بـعـد التطبيع الـــذي حــدث، مـــا مـــن شـــأن الـخـشـيـة مـــن فِـــعْـــل مـقـتـبَــس مِـــن الالـتـهـام البنياميني لأرض عربية كـانـت حالها طـي النسيان أو فــي آخـــر اهـتـمـامـات الأمــتــن عـــاج انـفـصـال جزئية مــن الأرض عــن الــوطــن الـعـضـو فــي «مـنـظـمـة الـتـعـاون الإســــامــــي»، بــمــا يـعـنـي أن الأمـــــة خــيــر نـصـيـر لـــه في حال اتخذت من الخطوات ما يحسم الحالة التي كان يعيشها جنوبيو السودان إلى أن حصلوا على دولة، وكان يعيشها أكراد العراق فارتأى نظام الرئيس صدَّام حسين منحْهم الحُكم الذاتي. وفــــــــي الـــــحـــــالـــــتـــــن الــــســــابــــقــــتــــن لــــحــــالــــة «أرض الــصــومــال»، نجد الإسـرائـيـلـي لاعـبـا ومــؤثِّــرا ومثابرا إلى حين الحصول على مبتغاه. وعندما يقول الرئيس تــرمــب: «لـــولا نتنياهو لمــا بقيت إســرائــيــل»، ويطالب القضاء الإسرائيلي بالعفو عن صديقه رئيس الوزراء (المـدان بتهم توجب إقالته) بدل احتجازه في فلوريدا كما احتجاز مادورو في نيويورك، فهذا نوع من الرضا عما فعله في «أرض الصومال» وما سبق أن فعله في الـسـودان بترغيب حاكمه بتطبيع أعــاد الـسـودان إلى زمن الاحتراب والانقسام. هذا المضي في رفْع شأن نتنياهو مدعاة للخشية مِــن أن يفاجأ اللبنانيون، بــأن إسـرائـيـل اعـتـمـدت في جنوب لبنان ما سبق وفعلتْه في «أرض الصومال» وما لا تزال تفعله في دولة جنوب السودان والحُكم الحالي في شمال العراق. تجزئة تتبع تجزئة. وليس أمرا على درجة من الصعوبة استحداث مجتمع جنوبي يتعاون مع إسرائيل الملتهمة أجزاء من أوطان عربية، في ضوء الـــــذي يـــحـــدُث فـــي إيـــــران ويــبــعــث الـخـشـيـة فـــي نـفـوس الجنوبيين الذين ما زالوا تحت الوعد بتعمير ما يتم تـدمـيـره، والـوعـيـد المــتــدرج مـن جـانـب إسـرائـيـل بــأن لا تعمير إلى أن يبدِّل الجنوبيون زيهم الإيراني ويلقون الـسـاح. وفـي ضـوء الفِعل الــذي اقترفتْه إسرائيل في «أرض الــصــومــال» يصبح المستبعَد وارد التفكير... فالتنفيذ، ويصبح المستحيل حـدوثـه ممكن التنفيذ أيضا ً. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17213 - العدد Tuesday - 2026/1/13 الثلاثاء ضعف الدول يسهّل تدخل الأطراف الخارجية ويعمّق الخلافات الداخلية ويحوّلها إلى نزاعات جيوسياسية لا يتطلع الإسرائيليون إلى السلاح فحسب وإنَّما عيونهم جاحظة على الأرض بما عليها عبد العزيز حمد العويشق فؤاد مطر تفكيك الدول العربية تقويض للأمن العربي وتهديد للسلم العالمي كي لا يفقد لبنان جنوبه

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky