issue17212

الثقافة CULTURE 19 Issue 17212 - العدد Monday - 2026/1/12 الاثنين سر الأسرار... ومجهول المجاهيل رامبو في مرآة العباقرة «ســـــأغـــــادر أوروبـــــــــا. هــــــواء الـــبـــحـــر ســـوف يحرق رئتي، والمناخات البعيدة الضائعة سوف تسمر بشرتي. السباحة، هرس العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خـاص. سـوف أشرب ســـوائـــل كـــالمـــعـــادن الـــتـــي تـغـلـي كــمــا كــــان يفعل أسلافي الأعزاء حول مواقد النيران». «سأعود بأعضاء من حديد، الوجه أسمر، والعين حانقة. ومن خلال قناعي سوف يقولون إني أنتمي إلى عرق قوي. سوف أمتلك الذهب». «كـــان ذلـــك فــي الـبـدايـة دراســــة. كـنـت أكتب الصمت، الليالي، كنت أعـبّــر عـمّــا لا يُعبَّر عنه، كنت أثبت الدوخان». «لــــم يـــبـــق شــكــل مـــن أشـــكـــال الـــجـــنـــون إلا وعرفته». «الصراع مع الـذات لا يقل خطورة عن معارك الرجال». «لكن لماذا نتحسر على شمس أبدية إذا كنا منخرطين في البحث عن النور الإلهي - بعيدا عن البشر الذين يموتون على الفصول». «آه لــــو الأزمــــنــــة تـــــجـــــيء... حـــيـــث تـشـتـعـل القلوب». (مقاطع متفرقة من فصل في الجحيم) والآن دعـــــــونـــــــا نــــــدخــــــل فـــــــي صـــلـــب المـــوضـــوع. مـــاذا يـقـول المـشـاهـيـر عــن أزعــر فرنسا الأكبر: آرثر رامبو؟ ماذا يقولون عن هذا المتمرد الأفاق الثائر على كل الأعراف والتقاليد؟ ماذا يقولون عن هذا العبقري المتوهج أو المتأجج الـذي فجَّر الشعر في كل الاتجاهات؟ الجميع يستغربون كيف يـمـكـن أن يـنـهـي كــاتــب مـــا حـيـاتـه الأدبــيــة وهــو فـي سـن العشرين فـقـط. كيف يمكن أن يختتمها فـي مثل هــذه الـسـن المبكرة؟ ثـــم يــتــســاءلــون: هـــل يـعـقـل أن يــحــدث هـذا الشخص ثورة شعرية كبرى وهو لا يزال ؟ لا يـوجـد تفسير 16 أو الـــــ 15 طـفـا فــي الـــــ مقنع لهذه الظاهرة التي حيَّرت البشرية. يــمــكــن الــــقــــول إن الــعــبــقــريــة هــــي انــفــجــار جـنـونـي أو إعـــصـــار بــركــانــي يـهـب فـجـأة، ثــم ينطفئ، ولا تفسير لــه غـيـر ذاتــــه. هل هناك من تفسير لهبوب الـريـاح أو تفجر الينابيع أو تدفق الشلالات؟ رجاء تفهموا الوضع: العبقريات استثنائية، وجنونها خــــــارق واســـتـــثـــنـــائـــي أيــــضــــا. لا تـــحـــاولـــوا تـفـسـيـر الـــظـــواهـــر الـــخـــارقـــة. لا تقيسوها بمقاييسكم الضيقة. يعترف لويس أراغون بأن رامبو كان الأب الروحي لقادة «الحركة السريالية»؛ مــن أمــثــال أنــدريــه بـريـتـون وســــواه. يقول مـــا مــعــنــاه: لــقــد كــنــا أول مَــــن رأى الـعـالـم على ضــوء الشمس الساطعة لـرامـبـو. ثم يضيف قائلاً: «في أحد الصباحات فتحت بـــالـــصـــدفـــة ديـــــــوان (الإشـــــــراقـــــــات)، وفـــــورا اخــتــفــت مـــن أمـــامـــي كـــل الـــوجـــوه الـكـالـحـة والـخـائـبـة لـلـحـيـاة. فــجــأة شــعــرت بتدفق الحياة والحيوية فـي شراييني وعروقي بــعــد أن كــنــت يــائــســا شــبــه مـــيـــت... فـجـأة راحـت البحار تزمجر، والأمــواج تتصاعد فوق البيوت. فجأة راح طوفان نوح يغمر البشرية. ما هذا الشعر؟ ما هذا الجنون؟ يــــا إلـــهـــي مــــا أجـــمـــل الــــوجــــود فــــي حــضــرة رامـبـو! فجأة راحـت أزهــار خارقة جديدة، لـم أشهدها قـط مـن قـبـل، تتفتح وتبتسم لـي، وأكــاد أقـول تغازلني. فجأة راح عالم جـديـد بكر ينبثق أمـامـي ويــتــألأ. رامبو يبدد الظلمات». وأمــــا ذلـــك المــجــنــون الآخــــر تـريـسـتـان تـزارا، الـذي أسَّــس الدادائية أم السريالية، فيقول لنا هذه العبارة المدهشة: «بمعنى من المعاني يمكن القول إن شعر رامبو كان يحتوي منذ البداية على جرثومة تدميره أو بــــــذرة تـــدمـــيـــره. ولــــهــــذا الـــســـبـــب سـكـت نهائيا بعد العشرين. والشعر إن لم يكن تدميرا للشعر فما قيمته وما جدواه؟». وأما موريس بلانشو، الذي بلغ بالنقد الأدبـــي الفرنسي ذروة العبقرية الخلاقة، فيقول لنا ما فحواه: لقد اتخذت فضيحة رامــــبــــو أشــــكــــالا وأنـــــواعـــــا عــــــدة. فـــهـــو أولا أتحفنا ببعض الروائع الأدبية والقصائد الــعــبــقــريــة الـــتـــي لا يـــجـــود بــهــا الــــزمــــان إلا قــلــيــاً. وهـــو ثـانـيـا سـكـت نـهـائـيـا وصمت صمت القبور، في حين إنه كان قـادرا على إبداع قصائد أخرى جديدة لا تقل عبقرية عـمّــا سـبـق. وقـــد أحبطنا ودمَّـــرنـــا بفعلته تلك. لقد أوصلنا إلى منتصف البئر وقطع الحبلة فينا. وهذه فضيحة كبرى. هذا ما لـن نغفره لـه أبـــداً. مـا فعله رامـبـو انتحار حـقـيـقـي، بـــل أفـــظـــع مـــن الانـــتـــحـــار وأخــطــر مـــن الـــجـــنـــون. إنــــه انــتــحــار جــمــاعــي ضمن مقياس أنه نحرنا معه أيضاً. يا أخي لماذا تسكت عن الإبداع الشعري الأعظم في مثل هــذه الـسـن المـبـكـرة؟ يـا أخــي لمـــاذا تحرمنا من القصيدة وأنـت قـادر عليها؟ إنه الكفر المحض. لإيضاح كل ذلك اسمحوا لنا نحن الـعـرب أن نـقـول مـا يـلـي: هـل تعتقدون أن المتنبي كان سيحرمنا من أعظم القصائد لو أنه عاش عشر سنوات إضافية فقط: أي حتى الستين؟ كان حتما قد أتحفنا بديوان جديد آخر أهم من السابق. ولكنه قُتل في الخمسين وسقط مضرجا بـدمـائـه. وهـذه أكبر كارثة حلَّت بتراثنا الأدبي والشعري سنة من تاريخه. لقد سقط 2000 على مدار المتنبي شابا في عز العمر وأوج العبقرية: خـمـسـون سـنـة فــقــط. ولا نــــزال نــدفــع ثمن ميلادية وحتى 965 هذه الجريمة منذ عام اللحظة. كنا نتمنى فقط لو أنهم اغتالوه في السبعين أو الثمانين بعد أن يكون قد نضب بركانه الشعري المتأجج وليس في سنة 17 الـخـمـسـن. أمـــا رامــبــو فـقـد عـــاش إضافية دون أن يكتب حرفا واحداً، دون أن ينبس ببنت شفة، دون أن يتحفنا بقطرة واحدة تروي الغليل. عيب عليك يا رامبو. اخجل على حالك. وأمــــــا إيـــــف بــــونــــفــــوا، فـــيـــقـــول لـــنـــا مـا فحواه: إن عظمة رامبو تكمن في أنه رفض هامش الحرية الصغيرة الضيقة التي كان يؤمنها له عصره وبيئته وقريته. معظم الناس كانت تكفيهم تلك الحرية الضيقة الـصـغـيـرة ولــكــن لـيـس هـــو. ولـــذلـــك فـضَّــل أن يــخــوض تـلـك المــعــركــة الـتـراجـيـديـة مع المطلق الأعظم حتى ولو تهشَّم رأسه على صخرته. وقد تهشم في نهاية المطاف في بـاد العرب، في حـرار أو عـدن أو اليمن... بمعنى آخـــر: لنا الـصـدر دون الـعـالمـن أو الـــقـــبـــر. لا يـــوجـــد حـــل وســــط فـــي قــامــوس رامـــبـــو. ولــكــن هـــذا الـــقـــرار الـجـنـونـي الــذي اتـخـذه فـي غفلة مـن الـزمـن هـو الــذي جعل مــن أشـــعـــاره الـقـصـائـد الأكــثــر راديـكـالـيـة، وبالتالي الأكثر تحريرا وحرية في تاريخ الآداب الفرنسية. وأخـــــيـــــراً، لـــقـــد أتــحــفــنــا ريـــنـــيـــه شــــار، رامــــبــــو الــــقــــرن الـــعـــشـــريـــن، بــمــقــالــة رائـــعـــة مـطـلـعـهـا: «حــســنــا فـعـلـت إذ رحـــلـــت آرثـــر رامبو». هاشم صالح كان النحات الراحل واحدا من أكثر تلاميذ جياكومتي العراقيين كفاءة مكي حسين... جماليات الجسد السياسي بعكس ما كانت عليه حال الرسامين فـــي الـــعـــراق مـــن مــيــل لـلـتـجـريـد بـحـثـا عن هوية عالمية تكون بديلا عن هوية محلية عـمـل رســـامـــو الـخـمـسـيـنـات عـلـى خلقها، ظـــهـــر بــــدايــــة ســـبـــعـــيـــنـــات الــــقــــرن المـــاضـــي جـيـل جــديــد مـــن الـنـحـاتـن الـــذيـــن وجـــدوا فـي التشخيص ضالتهم فـي التعبير عن رؤيــتــهــم المـــعـــاصـــرة الـــتـــي كـــانـــت فـــي جــزء مــهــم مــنــهــا تــجــســيــدا لمـــحـــاولـــة تـجـريـبـيـة يـكـمـن أسـاسـهـا فــي الـبـحـث عــن مـقـاربـات انفتحوا من خلالها على إنجازات النحت العالمي من غير أن يتخلوا عن شغفهم في الامتزاج بغموض اللحظة الجمالية التي عاشها النحات العراقي القديم بأساليب ومـــواد مختلفة، بـــدءا مـن سـومـر وانتهاء بآشور مرورا ببابل. كان مكي حسين مكي ) الذي توفي أواخر العام الماضي في 1947( برلين واحدا من أهم أبناء ذلك الجيل. وعـلـى الـرغـم مــن أن الجسد البشري كان ولا يزال محور النحت في كل أزمنته فـــإن نـحـاتـي الــحــداثــة الـفـنـيـة نـجـحـوا في إزاحة أيقونيته بعدّه رمزا مقدسا وصولا إلــــى إلـــحـــاقـــه بـــرمـــزيـــة جـــديـــدة عـــبـــارة عن تصوير لتجليات صلته بالحياة المباشرة بكل ما خالطها من فوضى وعبث وخواء وسواها من معاني الشقاء الوجودي. كــــــان الـــنـــحـــات الـــســـويـــســـري ألـــبـــرتـــو جياكومتي هـو عـنـوان ذلـك التحول. ذلك الـــتـــحـــول الــــــذي وجـــــد صــــــداه فــــي تــجــربــة مكي حسين بطريقة فتحت أمامه الأبواب لـــلـــولـــوج إلــــى مــســألــة الــجــســد الـسـيـاسـي جمالياً. ولأن السياسة لا تحمل إلى الفن صـفـات حـمـيـدة، فقد كــان الـفـنـان العراقي الــــذي عــــاش مـــطـــرودا مـــن وطــنــه مــنــذ عــام حتى وفـاتـه سعى إلــى التعامل مع 1979 الـــجـــســـد بــــعــــدّه خـــاصـــة جــمــالــيــة ولــيــس مجرد وثيقة يمكن ربطها بزمن محدد. صـحـيـح أن الــنــحــات حــســن كــــان قد عـــاش حــيــاة قـلـقـة، بـــالأخـــص فـــي المـرحـلـة الــتــي تـلـت هـــروبـــه مـــن بـــغــداد وانـضـمـامـه إلى المجموعات المقاتلة مع الأكــراد شمال العراق ومن ثم الشتات، غير أن الصحيح أيــضــا أنـــه كـــان يـفـكـر بـطـريـقـة عـمـيـقـة في الــوضــع الـبـشـري بـصـورتـه المـطـلـقـة. وهـو ما حـرره من عبء اللحظة الراهنة ووهب منحوتاته طابعا زمنيا يقع خـــارج زمن إلهامها. إنه زمن الفن. خيال الأسئلة الوجودية «صــرخــة مــن عـمـق الــجــبــال» ذلـــك هو عــــنــــوان المــــعــــرض الــــــذي أقــــامــــه فــــي لاهــــاي الــهــولــنــديــة. كــــان ذلــــك هـــو آخــــر مـعـارضـه ويمكن عدّه تحية وداع وخلاصة حياة. غير أن ذلك ليس كل شيء. فالسنوات الـتـي عـاشـهـا الـنـحـات فــي الـغـربـة نجحت فــي تــرويــض ذاكــرتــه السياسية انـتـصـارا للفن. تلك فكرة استمدها الفنان من خبرة أصابعه الجمالية وخيالها. إلـى جانب الجسد كانت لـدى الفنان مفرداته التي يمكن النظر إليها بطريقتين مـــن جــهــة المــعــنــى. الإطـــــار المـــربـــع والـــكـــرة. وهــــمــــا مـــــفـــــردتـــــان مــــركــــزيــــتــــان فـــــي لــغــتــه التشكيلية. هل كانت الذاكرة السياسية ضرورية بــالــنــســبــة لمـــكـــي حـــســـن الــــــذي عُـــثـــر عـلـيـه ميتا في شقته بعد أربعة أيام من وفاته؟ لـقـد اكـتـشـف الــنــحــات فـــي وقـــت مـبـكـر من حياته أن أزمـة الإنـسـان تكمن في مسعاه الــــوجــــودي مـــن أجــــل الــتــعــرف عــلــى معنى مــصــيــره ومــــا يــنــطــوي عـلـيـه ذلــــك المـصـيـر مــــن اقــــتــــراحــــات خــــاقــــة. مــعـــرضــه الأخـــيـــر كــان شـهـادة، ولكنها شـهـادة لا تقع فيما هو متعارف عليه في عالم السياسة. كان صـــرخـــة احــتــجــاج لـــم تــضــع كـــل شــــيء في سـلـة الـنـهـايـات. لـقـد أراح الـفـنـان ضميره حين قدم جـردة حساب شاملة من غير أن يـسـتـثـنـي المــســكــوت عـنـه لأســـبـــاب حزبية غير مقنعة. ولأن مـــكـــي حـــســـن واحـــــــد مــــن أكــثــر تـــامـــيـــذ جـــيـــاكـــومـــتـــي الـــعـــراقـــيـــن كـــفـــاءة فــي تـجـريـد الـجـسـد مــن مــؤهــات غـوايـتـه الخارجية وتقشيره وصــولا إلـى جوهره فـقـد نـجـح فـــي اســتــخــراج مـفـهـوم الجسد السياسي مـن حـيـزه الضيق لـيـحـرره من الأفكار الجاهزة أو المتاحة. لذلك لم يلجأ إلــــى تـــصـــويـــره، مـــقـــاومـــا لـــظـــرف تـاريـخــي جائر أو ضحية لتبدل فـي مــزاج مقهور. وكان في ذلك ذكيا في التعبير عن انحيازه للفن، بوصفه نـاقـدا لا يخطئ طريقه في مـــحـــاولـــة الــــوصــــول إلـــــى مــــواقــــع الــجــمــال الكامنة في التجربة الإنسانية. كائنات على وشك التحليق كل الكائنات التي نحتها مكي حسين تبدو في وضـع قلق غير مـتـوازن، كما لو أنها مهددة بالسقوط في أي لحظة. وهو ما يعكس شعور الفنان باكتظاظ التجربة الإنسانية التي عاشها بالأسئلة العائمة التي ظلت من غير جواب. يقف أحـد تلك الكائنات بقدم واحـدة على مكعب فيما تُركت القدم الأخــرى في الهواء كما لو أنه مشهد راقص أراد الفنان من خلاله أن يكسر واحـدة من أهم قواعد النحت، وفــي عمل آخــر يـحـاول الكائن أن يـتـسـلـق سـلـمـا تُـــركـــت نـهـايـتـه سـائـبـة في الـــفـــضـــاء. وهــــو مـــا يــهــب الــــفــــراغ قــــوة هي ليست منه. في الحالين تبدو المحاولة كما لو أنها صُممت من غير هدف إلا المجازفة فــي الـقـيـام بفعل بـطـولـي خـــارق ومـدهـش بغض النظر عما ينطوي عليه من عبث. لا يخلو ذلـك العبث من فكرة ثورية، عرف الفنان كيف يجسدها من خلال عمله الــــذي صـــور مـــن خــالــه ذلـــك الــكــائــن الـــذي يحمل صـخـرة على هيئة كــرة ثقيلة كما لــو أنـــه يحتضن مـصـيـره لـيـذهـب بــه إلـى مــكــان آمــــن. وكــمــا أرى فـــإن الــنــحــات الــذي عــــاش حــيــاتــه مُــقــتــلَــعــا كــــان مــضــطــرا إلــى حمل ذاكرته بمحتوياتها التي لا تسرعلى الرغم من شعوره بعبثية ما يفعل. لـيـس مــن الـصـعـب الــقــول إن النحات كان يقاوم غربته بمفردات معجمه الثوري الـذي يهب الإنـسـان قـدرة استثنائية على مـــقـــاومـــة الــــظــــرف الـــتـــاريـــخـــي. تـــلـــك فــكــرة ملهمة تساعد على العيش على الحافات. كما أنها بالنسبة له فنانا تشكل منجما لــتــحــديــات، هـــي فـــي حـقـيـقـتـهـا المــنــقــذ من رتابة العيش الذي يمر من غير معنى. في أكثر حالاته انغماسا في التقاط مسراته الـــســـابـــقـــة لــــم يـــكـــن مـــكـــي حـــســـن إنـــســـانـــا سعيدا ً. النحات السياسي مقاوما وبسبب تربيته اليسارية، كـان مكي حــســن يـفـكـر فـــي المــــآل الـــرمـــزي لـكـائـنـاتـه المشدودة مثل حبل قلق بين آمالها المخيبة وهزيمتها. إنه يدرك أن المحتوى الحكائي سيتم استهلاكه عبر مــرويــات قـد تخون الحقيقة؛ لذلك انتقل بكائناته إلى المجال الرمزي الذي تبدو من خلاله تلك الكائنات كــمــا لـــو أنــهــا قُـــــدّت مـــن مــــادة أثـــيـــريـــة. في منحوتته «عبير في حلم زيارتها لأهلها» اسـتـلـهـم حــســن حـــادثـــة واقـــعـــيـــة، جـريـمـة ارتـكـبـهـا الـجـنـود الأمــيــركــان فــي الفلوجة يــــوم اغــتــصــبــوا الــطــفــلــة عبير 2004 عــــام وقتلوها. وها هي عبير تعود إلى أهلها مـــن خــــال مــنــحــوتــة الـــفـــنـــان بـــعـــدّهـــا رمـــزا للمقاومة. لم تكن الطفلة عبير جسدا سياسيا بــــقــــدر مـــــا كــــانــــت وطــــنــــا لأســـئـــلـــة المــصــيــر الـوجـوديـة الـتـي كــان الـنـحـات مـصـرا على مــواجــهــتــهــا. مـــن خــــال أكـــثـــر مـــن عـشـريـن عملا نحتيا صغيرا لخص فيها موقفه من الاحـتـال الأمـيـركـي، استعاد مكي حسين انــســجــامــه الــــروحــــي مـــع الــجــســد بـوصـفـه مـــوطـــن حـــكـــايـــات ومـــنـــجـــم أســـئـــلـــة. ولــكــن الصعوبة تكمن في أن فنانا بنى تجربته على التفكير فـي الـخـاصـات لا يمكنه أن يكون حكائياً. هنا بالضبط تكمن أهمية فن مكي حسين الذي يمكن عدّه حدثا مهما في تاريخ النحت في العراق. من خلال ذلك الفن لن نعثر على حكايات تم اختزالها في جملة واحدة. هي تلك الجملة يتناغم فيها الـجـسـد مـــع مـصـيـره وهـــو جـسـد لـــم يخن أبجدياته حين ملك القدرة على إخفائها. كان مكي حسين دائما نحاتا سياسيا لكن برؤية جمالية أنقذت الوقائع اليومية مـــن بـنـيـتـهـا الــهــشــة لـتـهـبـهـا قــــوة الإلـــهـــام ورهافته. مكي حسين فاروق يوسف «هل كانت الذاكرة السياسية ضرورية بالنسبة لمكي حسين الذي عُثر عليه ميتا في شقته بعد أربعة أيام من وفاته؟» رامبو سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية في روايته الجديدة «معزوفة اليوم الـسـابـع» الــصــادرة فـي الـقـاهـرة عـن دار «الـــــشـــــروق»، يـكـشـف الــــروائــــي الأردنـــــي جــال بـرجـس أنــه استلهم فـكـرة العمل ؛2012 من لقاء واقعي بشاب غجري عام حيث نشأت بينهما «صـداقـة صامتة» انـــتـــهـــت بـــمـــوقـــف إنـــســـانـــي حــــن دثــــره الـكـاتـب بمعطفه، ليكتشف لاحـقـا نبل أخلاق الشاب رغم الفقر والتشرد. يـــروي بـرجـس، فيما يشبه مقدمة لـلـنـص، كـيـف أنـــه فــي أحـــد الصباحات وبينما ينتظر 2012 الربيعية من عـام حـــافـــلـــة تــقــلــه إلـــــى عــمــلــه شـــاهـــد شــابــا غـــجـــريـــا يـــكـــنـــس الـــــشـــــارع عـــلـــى أنـــغـــام موسيقى تصدر من هاتف نقال معلق في خاصرته، كان يقفز بحركات رشيقة والمكنسة بـن يـديـه طيعة كأنها امــرأة يـراقـصـهـا، وفـــي لـحـظـة تـقـمـص متقنة تتحول إلى بندقية يصوبها نحو أعداء مفترضين. اعـــــتـــــاد رؤيـــــــــة الــــغــــجــــري ونــــشــــأت بـيـنـهـمـا صـــداقـــة صــامــتــة لا يتخللها ســــــــوى تــــحــــيــــات خـــــاطـــــفـــــة، وفــــــــي أحــــد صباحات الشتاء الـبـاردة لـم يجد ذلك الـشـاب، لكنه سمع أنينه وهـو يتوارى وراء جدار. وقبل أن يغادر خلع معطفه ودثــــــره، عــنــد المـــســـاء وجـــــده بـانـتـظـاره يضع معطفه على يده ليعيده له قائلاً: «لــســت مـجـنـونـا ولــيــس بـــالـــضـــرورة أن يكون الغجري لصا كما يُشاع». في تلك اللحظة وهو يتأمل خيام الغجر على طــرف المـديـنـة ولـــدت فكرة هذه الرواية التي تحكي سيرة المصير الإنساني وكيف يمكن للآدمي أن يكون وحــشــا وفــــي الآن نـفـسـه حــمــا وديــعــا فـــي مــديــنــة مــكــونــة مـــن سـبـعـة أحــيــاء: جنوبها مخيم كبير لغجر مطرودين منها وغربها جبل على قمته قبر جده الأول، مـديـنـة يــصــاب سـكـانـهـا بـوبـاء غريب. تــــســــتــــعــــرض الـــــــــروايـــــــــة الــــــصــــــراع بــــن الـــجـــانـــب «الــــوحــــشــــي» والـــجـــانـــب «الــــوديــــع» فـــي الــنــفــس الــبــشــريــة، عبر نـــص يُــعــد اسـتـبـطـانـا لـلـهـم الإنـسـانـي وتناقضات العالم، وكيف نقع جميعا ضحايا للانطباعات المسبقة الخاطئة والتحيزات النمطية، مع سرد يتحرك صعودا وهبوطا بين الماضي والحاضر والمستقبل ليسلط الضوء على تراجع القيم الإنسانية. من أجواء الرواية: «لــــم يـخـبـر الـــرجـــل أحــــدا بـنـيـتـه إلا الــفــتــاة الـيـتـيـمـة الــتــي لا أهـــل لــهــا، قبل طـــلـــوع الـــفـــجـــر كـــــان قــــد تــــجــــاوز حــــدود القرية حين فوجئ بتلك الفتاة تلحق به وتقرن مصيرها بمصيره لما في قلبها من حب عــارم له وســأم من تلك القرية. مضيا في طريقهما وتواريا عن الأنظار وليس في جعبتيهما شيء سوى ناي ورثــــه الـــرجـــل عـــن أبــيــه ولا يــعــرف عنه شيئا غير أنه قُد من شجرة نادرة ونُذر لزمن قادم ليصد البلاء ولا مهمة له إلا الحفاظ عليه. سـارا لأيـام يعبران سهولا وجبالا ووديــــــانــــــا، لا يــــأكــــان غـــيـــر قـــلـــيـــل مـمـا يجدانه في طريقهما من طيور وأرانب وبــــعــــض الــــثــــمــــار، إلــــــى أن وصــــــا ذلـــك الـسـهـل مــع شــــروق الـشـمـس، حـيـث بـدا كل شيء حولهما بكرا كأنه يولد للتو: الأشجار باخضرارها الناصع وحفيف أغـــصـــانـــهـــا يـــتـــهـــادى إلـــــى مـسـمـعـيـهـمـا واضحا ونقياً، خرير المـاء وهو يتدفق مــــن شــــق صــــخــــري ويــــرســــم لــــه مــجــرى يــــــروح إلـــــى الــبــعــيــد بـــاعـــثـــا فــــي الـــهـــواء رائــحــة تـاقـيـه بــالــتــراب. كــل شـــيء كـان على نحو بدائي: نقيق الضفادع، زقزقة العصافير وتغريدها، ضغيب الأرانب، ضــبــاح الــثــعــالــب، عــــواء الــــذئــــاب، ثـغـاء الماعز، سليل الغزلان. كل شيء حولهما بدا لهما على ذلك النحو، حتى الهواء وهـــــو يــلــفــح جــســديــهــمــا بـــخـــفــة، وهــمــا غارقان في الحيرة والخوف والتيه». القاهرة: «الشرق الأوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky