كان والدي الشخص الوحيد في العائلة الذي يبدو سعيدا بوجودي الثقافة CULTURE 17 Issue 17211 - العدد Sunday - 2026/1/11 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي الإنتاج يتراجع... والحاجة تشتد! حين أنظر لأوضاعنا الثقافية الراهنة لا أستطيع أن أشعر بالرضا أو الراحة أو الاقتناع. ويتضاعف شعوري بالقلق وعدم الفهم حين لا أجد أحدا يتساءل، أو يعترض أو يبدي أي ملحوظة على ما يجده أو يفتقده، فكأن كل شيء على ما يرام، والسلبيات التي أراها ليست سلبيات، وعلي في هـذه الحالة أن ألجأ إلـى الصمت، وأشـك في صحة ما أشعر به نحو هذه الأوضاع التي أراها ولا أستطيع أن أميز فيها بين غث وسمين، فالذي يصل إلي أو الذي أصل إليه من الإنتاج الثقافي غامض وعابر ولا يأتي مـن مـصـدر مـوثـوق فـيـه، ولا يتبع مـسـارا واضــحــا، لا يستجيب لحاجة عاجلة أو آجلة، ولا يثير من ردود الفعل ما يستدعي الحوار أو يساعد في الفهم والتفاهم. وأنـا لا أريـد بالطبع أن أفـرض على الإنتاج الأدبـي والثقافي صورة معينة، فأنا لا أبحث عن صورة؛ بل أبحث عن مستوى. أطالب بالتنوع، وأنتظر التجديد والإضافة والنقد والمراجعة والحوار، لأن الثقافة ليست نــشــاط طـــرف واحــــد ســاكــن، وإنــمــا هــي نــشــاط أطــــراف عــديــدة لـكـل منها دوره في هـذا النشاط الـذي يتحرك بالضرورة، ويتطور ويتغير، يتفق ويختلف، ويتجمع ويتفرق. التراث القومي بمجموعه ومفرداته، والتراث الإنساني، والفرد والجماعة، والواقع والظروف. هذه الأطراف المتعددة ليست ساكنة أو منفصلة بعضها عن بعض، وإنما هي متحركة تؤثر وتتأثر على النحو الـذي تنتقل به كلها ونحن معها من حال لحال، فنشعر بوجودها وبما نتعرض له من تأثيراتها. وهـــذا مــا نـفـتـقـده الآن. نفتقد الـحـركـة الـتـي تحمل لـنـا الإنـــتـــاج الثقافي وتحملنا لهذا الإنتاج الذي لا أقول إنه غير موجود، وإنما أقول إنه غير حاضر، وبالتالي غير مؤثر، أو هو مؤثر بالسلب، لأنه وإن كان موجودا غائب مفتقد. ولأنـنـا نعرف أنفسنا بثقافتنا القومية التي نعيش بها حاضرنا، ونتصل بماضينا، ونرسم مستقبلنا، فنحن نشعر في غيابها بالاغتراب. *** والذي أشعر به نحو الإبداع أشعر به نحو النقد. فالنقد كما تقدمه لـنـا بـعـض الأســـمـــاء، أو كـمـا قـدمـتـه خـــال الـعـقـود الأخـــيـــرة، منفصل عن الإبــداع، ومنفصل حتى عن نفسه. لا يصدر عن فكرة أصيلة، ولا يجيب عن أسئلة مطروحة، ولكنه ينقل ويترجم، ويبحث عن نفسه فيما ينقله ويترجمه فلا يجد شيئا بالطبع؛ لا يجد النظرية، ولا يجد التطبيق الذي تخلى منذ البداية عنه. *** وأنا الآن أعبر عن انطباعات أتعرض لها وأنا واقف على مسافة مما أتحدث عنه. مسافة لست أنـا صانعها، ولست فيها راضيا أو مختاراً، وإنما أجـد نفسي في مفترق هـذه الطرق المتقاطعة، أو هـذه الطرق التي كانت ملتقى وقد صارت مفترقاً. ولست أشك في أن ما أبحث عنه في الإنتاج الأدبي والإنتاج الثقافي عـامـة مــوجــود. وباستطاعتي أن أذكـــر هنا عـــددا مـن الأســمــاء والأعـمـال الـتـي عرفتها عـن قــرب، وشـعـرت نحوها بالتقدير والإعــجــاب. لكن هذه المعرفة الشخصية لا تكفيني ولا تلبي حاجتي لحركة ثقافية تجمعني بغيري، وتشعرني بوجودي وانتمائي، وهذا ما لا يتحقق في الواقع الذي غابت فيه الحركة، وأصبح فيه الإنـتـاج الثقافي نشاطا فرديا ومعزولا ومنفياً، لأن المنابر والوسائل التي تتيح له الظهور والحضور مختفية هـي الأخـــرى. فالنقد كما ذكــرت منفصل عـن الإبـــداع، والجمهور المتلقي بعيد عن المبدعين والنقاد معاً. وفي هذا الغياب، هذا المجهول المترامي، وفي هذه الطرق المتقاطعة؛ كيف تزدهر الثقافة القومية؟ وكيف تحمي نفسها من التراجع؟ وكيف يتاح لنا أن نشعر إزاء ما نراه فيها بالرضا والاطمئنان؟ وأنــا أنظر للمستقبل القريب، لأنـي لا أستطيع أن أنظر للمستقبل البعيد، أنظر لما يمكن أن تتطور إليه أوضاعنا الراهنة فلا أرى مخرجاً. وقـد تتفاقم هـذه الأوضـــاع أكثر مما حـدث حتى الآن، ولا أرى بارقة أمل ولو من بعيد نواجه بها الأزمة ونقول لها: «اشتدي أزمة تنفرجي!»، وإلا فكيف ساد الصمت وتواصل في كل المجالات حتى في التلحين والغناء؟! وأنا لا أتحدث عن ظاهرة مفاجئة أو محصورة في نطاق لا تتعداه فبوسعنا أن نعتبرها عـابـرة؛ وإنـمـا أتـحـدث عـن مرحلة كاملة وشاملة بـدأت منذ سنوات، وتوسعت وتجاوزت الحدود فحيثما ألتفت أجدها، لأن كل الأطـراف الفاعلة تبدو كأنها واقفة سدا مانعا من الخروج، وكأن الثقافة لم تعد تعني لنا شيئاً. والغريب أننا في هذه الأيام التي يتراجع فيها الإنتاج الثقافي تشتد حاجتنا لهذا الإنتاج. نــحــتــاج لــلــثــقــافــة؛ لــيــس فــقــط لـنـنـظـم الــقــصــائــد ونــكــتــب الــــروايــــات والمسرحيات، ولكن أولا وقبل كل شيء لنبني الإنسان؛ لنخلصه من الأمية ونـزوده بالعلم والوعي بذاته والكشف عن قدراته ومواهبه، وهو إنجاز لو تحقق يفوق كل إنجاز. لأن كل ما يتحقق بعده راجـع إليه ومشروط بـــوجـــوده؛ الـثـقـافـة، والـتـنـمـيـة، ومـعـرفـة الـعـالـم، والـتـعـامـل مــع الآخــريــن، والعمل معهم في بناء ثقافة إنسانية رفيعة وقادرة على إنقاذ العالم من الفقر والتخلف والعنف والطغيان والعنصرية. ومـن الطبيعي أن تتعدد حـاجـات الإنـسـان، فيطلب الخبز بالطبع، ويطلب المعرفة، ويطلب الحرية، ويطلب الجمال ويبحث عنه في الشعر والنثر والتصوير والغناء. ونحن قد نختلف في حكمنا على بعض ما يظهر من الإنتاج في هذه الفنون، فالاختلاف فيها طبيعي، لأننا نعبر فيها عن ذواتنا وأفكارنا وأذواقـنـا، فمن الطبيعي أن نختلف. والاخـتـاف في هـذا المجال اجتهاد تتعدد فيه الصور، وتتجدد الأشـكـال، وتجوز المغامرة، فـإن نجحت في الوصول إلى إبـداع حقيقي كان بها، وإلا فالعجز عن الوصول إلى هذه الغاية مفهوم، والاختلاف في الحكم على الأعمال المقدمة جائز، أما الذي لا نستطيع أن نختلف حوله فهو اللغة، لغتنا الفصحى التي تتعرض في هـذه الأيــام لأخطار صـارخـة، ولا من يصحح، ولا من يحتج، ولا من يعترض. وفي هذا المناخ؛ كيف نرضى؟ وكيف نرتاح؟ وكيف نقتنع؟! تقول إن الجانب الذي يجهله كثيرون عنه هو تمتعه بروح الدعابة : إدوارد سعيد ظلم والدي ابنة ألبير كامو لـ بصفتك المسؤولة عن التركة الأدبية لوالدك > ألبير كامو منذ عقود، ما المبادئ التوجيهية التي تعتمدينها عند الترخيص بنشر أي عمل أو فتح أرشيفه للباحثين؟ - لـــقـــد كـــتـــب والـــــــدي الـــــروايـــــة والمـــســـرح والمـقـال، لـذا فـإن تعداد المبادئ التي أطبقها عــنــد اتـــخـــاذ أي قــــرار يـتـطـلـب وقــتــا طــويــاً. وبشكل عــام، فـإنـي أعتمد فـي قــراراتــي على «الحدس» والشعور الداخلي الذي ينتابني في ذلك الوقت. وفي كل الأحـوال، فإنني أعد أن النتاج الأدبي لوالدي ملك لقرائه أكثر مما هو ملك لي، لذا نـادرا ما أجبت بالرفض أو المعارضة. هــــل لا تــــــزال هـــنـــاك فــــي الأرشــــيــــف الــــذي > تحتفظين به، شذرات أو مفكرات أو رسائل تعدينها شديدة الخصوصية بحيث لا يمكن عرضها على الجمهور، أو أنك ترين أن كل ما يخص كامو بات ملكا للتاريخ؟ - لا أرى أن كــل مــا يــخــص ألـبـيـر كامو صـــار مـلـكـا لـلـتـاريـخ بـــالـــضـــرورة. عـلـيـنـا أن نستحضر رؤيــة والــدي للتاريخ، حيث كان يــــرى أن الـــكـــائـــن الـــبـــشـــري أســـمـــى وأهـــــم من التاريخ. وأنا أشاطره هذا الرأي تماماً. بعد عقود من القراءة المتأنية لكل ملاحظات > والدك، هل لديك شعور بأن ما تعرفينه اليوم أكثر مما كنت تعرفين وقـت وفـاتـه، أو أن جانبا منه لا يزال مستعصيا على الإدراك؟ - أعــتــقــد أن المـــــرء لا يـمـكـنـه مــعــرفــة أي شـــخـــص مـــعـــرفـــة كـــامـــلـــة، ولا حـــتـــى مــعــرفــة نفسه... لذا، فإن رؤيتي لوالدي تظل جزئية ونسبية، وهي رؤيـة قابلة للنقاش والجدل بكل تأكيد. كـــيـــف تـــصـــفـــن عـــاقـــتـــك بــــــوالــــــدك؟ ومـــا > الـذكـريـات الشخصية الـتـي تحبين استحضارها عند تقديم أعماله للجمهور؟ - أكتفي بالقول إن والدي كان الشخص الوحيد فـي العائلة الــذي كـان يبدو سعيدا بوجودي. فـي معظم مـداخـاتـك وكـتـابـاتـك غالبا ما > تقدمين ألبير كامو بصفته أبا في المقام الأول. ما السّمة فـي شخصيته الإنسانية التي لا تــزال في نظرك مجهولة لدى الجمهور أو لدى كُتّاب السيرة الذين يحللون حياته باستمرار؟ - أقــول إن الجانب الــذي يجهله الكثير عن والدي هو أنه كان يتمتع بروح الدعابة. هو نفسه صرح ذات مرة بأن عنصر الفكاهة فـــي أعــمــالــه لـــم يــحــظ بـــالـــدراســـة والاهــتــمــام الحقيقيين. سيدة كامو، كثيرا ما تقولين بإن والدك ظّل > طوال حياته ذلك «الطفل الفقير» القادم من الجزائر العاصمة. كيف أثرت هذه الأصول المتواضعة، في تقديرك على علاقته بالآخرين؟ - والـــــــدي كـــــان بــطــبــعــه، إنـــســـانـــا يـهـتـم بالآخرين ويستمع إليهم وأنـا لا أعتقد بأن لأصـولـه المتواضعة صّــلـة بـهـذا الجانب من شخصيته. كـــان لنشر الـرسـائـل الـتـي تـبـادلـهـا والـــدك > مـــع عـشـيـقـتـه مـــاريـــا كـــازاريـــس وقـــع الــصــدمــة في الأوساط الأدبية. كيف تم حسم الصراع بين احترام الخصوصية العائلية والأهمية التاريخية لإظهار كامو بوصفه رجلا تملأه العاطفة؟ - لـــــن أذهـــــــــب لــــلــــقــــول إنـــــنـــــي «حـــســـمـــت صــــراعــــات»، بـــل إنـــنـــي عـمـلـت بـجـهـد دؤوب كــالــثــور فـــي حـــرثـــه؛ وكـلـمـا كـنـت أنـتـهـي من مراجعة جـزء من هـذه النصوص، بــدأت في مراجعة الجزء الآخر. فبعد إصدار «الدفاتر» دار نشر غاليمار) 9 و 8 و 7 أو كارني (الجزء التي جمعنا فيها كل نصوص والــدي التي لـم تكن قـد نـشـرت، أشـرفـت على نشر روايــة . وقد اشتغلت على 1994 «الرجل الأول» عام نـسـخ مــصــورة مــن المـخـطـوطـة، حـيـث كانت الـصـعـوبـة الـكـبـرى تكمن فــي فــك رمـــوز خط يد والدي التي غالبا ما كانت غير مفهومة، وهو ما نجحت فيه في نهاية المطاف، بعدها قامت الزميلة الكاتبة بياتريس فايان بجمع الـــرســـائـــل الـــتـــي تــبــادلــهــا والــــــدي مـــع مــاريــا بـــدأت أشـعـر بأن 2016 كـــازاريـــس، وفــي عــام ذكـــرى مـاريـا قـد طـواهـا النسيان فاقترحت على أنطوان غاليمار نشر تلك المراسلات. يُــقــال إن ألـبـيـر كـامـو عـانـى فــي فـتـرة من > حـيـاتـه مــن عـزلـة شـــديـــدة، فـرضـتـهـا عليه الــدوائــر النخبوية الباريسية، خاصة بعد قطيعته مع المفكر جان بول سارتر. هل شعرت بصفتك ابنته بذلك؟ - نـعـم، لقد استشعرت وحـدتـه. أتذكر حـــن كــنــت فـــي الـثـامـنـة مـــن عـــمـــري، دخـلـت غــــرفــــة الاســــتــــقــــبــــال الـــعـــائـــلـــيـــة، حـــيـــث كـــان والـدي جالسا بمفرده على مقعد منخفض جــــداً، فـكـنـت أبــــدو أطــــول مــنــه. أتـــذكـــر أنـنـي ســـألـــتـــه: «بــــابــــا، هــــل أنـــــت حـــــزيـــــن؟»، فــرفــع رأســـــه وأجـــابـــنـــي: «أنـــــا وحـــيـــد»، وقــــد روت ليي فـلـورانـس مـالـرو (ابـنـة الكاتب أنـدريـه مــالــرو)، الـتـي كـانـت تعمل مـع أبــي فـي تلك الفترة، بأنها التقت مجموعة من الأصدقاء عند خروجهم من دار «غاليمار»، اقترحوا عليها الـــذهـــاب لـتـنـاول مــشــروب فــي مكان ما، فأجابتهم: «لا أستطيع، لدي موعد مع كامو»، فقالوا لها مندهشين: «مـاذا؟ ألبير كامو، هل جننتِ؟». تذكرين دائما أن منزل «لـورمـاران» الواقع > في جنوب فرنسا كان مهما في حياة والدك فكيف ذلك؟ - بــالــفــعــل، لــطــالمــا راودتـــــــه الـــرغـــبـــة في امـــــتـــــاك مـــــنـــــزل فـــــي جـــــنـــــوب فــــرنــــســــا، لــكــن إمكانياته المـاديـة لم تكن تسمح بذلك. وقد من 1957 مكنته جائزة نوبل التي حازها في تـجـسـيـد هـــذا الــحــلــم، فـمـنـطـقـة «لــــورمــــاران» تـــشـــبـــه إلــــــى حــــد كـــبـــيـــر إقـــلـــيـــم «تـــوســـكـــانـــا» الإيــــطــــالــــي (كــــمــــا ورد فـــــي كـــتـــابـــه «الــــوجــــه والقفا»). انتقد بعض المثقفين الـعـرب، مثل إدوارد > سعيد، «غــيــاب» الـعـرب فـي ســرديــات ألبير كامو. كيف تتلقين هذه الانتقادات القائمة على فكر «ما بعد الاستعمار»؟ - بالنسبة لإدوارد سعيد، فقد كتب قبل سنوات في صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» أن والـــــــدي كـــــان «اســـتـــعـــمـــاريـــا»، مـتـنـاسـيـا أنـــــه كـــتـــب «بــــــؤس مــنــطــقــة الـــقـــبـــائـــل»، وهـــي مجموعة تحقيقات كتبها حـن كــان يعمل فـــي صـحـيـفـة «ألـــجـــي روبــلــيــكــان» حـــول فقر الـجـزائـريـن فــي الـفـتـرة الاسـتـعـمـاريـة وهــذا قبل رواية «الغريب» بفترة طويلة. ومع ذلك، لا تزال هذه النظرية تسبب أضراراً، وهو أمر يؤسفني. كيف يتم الاسـتـعـداد لتسليم مشعل هذه > الذاكرة للأجيال القادمة من عائلة كامو؟ كما يقال: «من بعدي الطوفان...» أو إذا شئتم «مكتوب»! (قالتها بالعربية). كاترين كامو باريس: أنيسة مخالدي ألبير كامو ًمي المغربي تتخذه ملاذا في «الخروج من غيط العنب» إعادة تدوير المهمَّش... سرديّا في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلا فائضا في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم، ومركز ثــقــلــه، مــمــتــدا مـــن مـــكـــان الـــســـرد إلــــى زمــنــه، وشخصياته المركزية. فـــفـــي الـــــــروايـــــــة، الــــــصــــــادرة أخـــــيـــــرا عـن دار «ديــــــــــوان» لــلــنــشــر بــــالــــقــــاهــــرة، لا تُــطــل مـــديـــنـــة الإســـكـــنـــدريـــة الـــســـاحـــلـــيـــة بـحـلّــتـهـا الكوزموبوليتية مركزا للسرد، بل تزيحها الــكــاتــبــة إلــــى الـخـلـفـيـة، فـيـمـا تـنـقـل منطقة «غـيـط الـعـنـب» المـهـمـشـة إلـــى مـركـز الحكي، لتخلق بين المدينة وغيط العنب حالة تكشف عن «عملقة» الإسكندرية في مقابل «تقزّم» غيط الـعـنـب؛ تلك المنطقة «الهجينة» التي تصفها الــراوِيــة: «لــم تكن شعبية ككرموز، ولا ريفية كالقرى التي أتينا منها، كانت بين البينين». تــــخــــتــــار الــــكــــاتــــبــــة أن تـــمـــنـــح بــطــلــتــهــا المـركـزيـة «نـــاصـــرة» هـامـشـا مــن التخفي في مستهل السرد، فلا تُفصح مبكرا عن تعقيد عـاقـتـهـا بــذاتــهــا، وبـمـديـنـتـهـا، وبـأسـرتـهـا دفعة واحدة، وبدلا من ذلك، تجعلها تتوارى خلف حكايتها عن جدتها «أسـمـا» وجدها «رجــــب»، الـلـذيـن كـانـا أول مـن أدخــاهــا إلى «غيط العنب»، وفي تتبّعها لحكاية الجدة، يـــبـــدو اســـتـــدعـــاء الـــــذاكـــــرة الــعــائــلــيــة شــرطــا أصيلا لعودة البطلة إلى ذاتها. فصل عائلي خلال تتبّع خُطى الجدة، ينحو السرد اســــتــــرجــــاعــــا عــكـــســـيـــا لا يـــخـــلـــو مـــــن مـنـطـق جمالي، إذ يستعيد الماضي، ويعيد تدويره داخـــل سـيـرة بطلة الـــروايـــة، فـهـي تستدعي ذاتـــهـــا عــلــى خُـــطـــى رحـــلـــة جـــدتـــهـــا، فــتــقــول: «مـــؤكـــد أن شـبـشـبـهـا عــلــق فـــي الــتــربــة عــدة مرات. وأنا أيضا شبشبي علق في البوص»، يـتـمـاهـى صــــوت الـبـطـلـة مـــع ســيــرة جـدتـهـا «أسما» التي رحلت تقتفي أثـر زوجها بعد أن هــجــرهــا خــمــس ســـنـــوات كــامــلــة، ويــبــدو هذا التماهي مشحونا بتعاطف واضـح مع انكسار جدتها وتيهها، وهي تُقدم وحيدة على رحـلـة مجهولة: «كـانـت تـخـاف القطر، تــــراه دودة كـبـيـرة وضــخــمــة، وهـــي لا تـريـد أن تصبح لقمة فـي أحـشـائـه، كيف فعلتها وحدها؟». غـــيـــر أن هــــــذا الـــتـــعـــاطـــف لا يـــبـــلـــغ حـــد الإعـــفـــاء مــن الـــذنـــب، فالبطلة تُــحـمّــل الـجـدة «أسما» الثمن الذي ترتّب على هذا الرحيل: «كرهت أسما لأنها السبب في وجودي داخل غيط العنب». لا يبدو «التمرّد» على المكان «المهمّش» الـــــــذي انـــتـــمـــت إلــــيــــه الـــبـــطـــلـــة مـــبـــكـــرا تــــمــــرّدا اجـتـمـاعـيـا أو طـبـقـيـا فــحــســب، بـــل يــتــبــدّى، فـــــي جــــــوهــــــره، بــــوصــــفــــه انــــعــــكــــاســــا كــثــيــفــا لـعـالمـهـا الـــداخـــلـــي المـــتـــرع بـمـشـاعـر الـنـقـص والاغـتـراب، ذلك العالم الـذي يجعلها تشعر بــأنــهــا «فــائــضــة عـــن الـــحـــاجـــة»، كــمــا تصف نفسها بلغة لا تخلو مـن مواجهات قاسية مــع الــــذات. وهـــو تـوصـيـف لا يـــرد عــابــراً، بل يـــازم اسـتـدعـاءهـا لمــواقــف يـومـيـة متفرقة، ســـواء داخـــل بـيـت الأســـــرة، أو فــي خروجها إلــــى الـــعـــالـــم، كــاشــفــا عـــن إحـــســـاس مــتــراكــم بالهشاشة، وعدم الانتماء. ويــبــدو الــســرد، الـــذي يـــدور عـلـى لسان البطلة، أقـرب إلى متاهة وعي تدخلها بعد أن بـلـغـت الـخـمـسـن مــن عـمـرهـا، فــي لحظة قدرية ارتبطت بقرار «تطوير» غيط العنب، وتسليم شقق جديدة لسكانه، وهـي لحظة لا تُستعاد فيها الــذاكــرة بـدافـع الحنين، بل بدافع السؤال المؤلم عن جـدوى الاسترجاع ذاته، حين تتساءل: «لماذا أدرك كل ذلك الآن، وأنا في الخمسين من عمري وعلى مشارف تــرك بيتي؟ مـا الـــذي سأستفيده مـن إعــادة تذكّر ما حصل لي بعد كل هذا العمر؟». لا يبدو فعل التذكّر هنا مجرد استدعاء متتابع لفصول من حياة متفرقة، إذ تتبدى حياة البطلة كلها كأنها فصل واحد ممتد، يعاد داخـلـه تـدويـر مشاعر قديمة مُختزنة داخــــل ألــــــوان، وروائــــــح، ومـشـحـونـة بحيرة مستمرة إزاء هُوية ظلت مهمَّشة، سواء على مستوى المكان، أو في علاقتها بجسدها، أو في محاولتها تعريف الأنوثة خارج شروط النقص، والوصم. القاهرة: منى أبو النصر النص الكامل على الموقع الإلكتروني بمناسبة الذكرى السادسة والستين على رحيل الكاتب والفيلسوف 80( ألبير كامو، أجرت «الشرق الأوسط» حوارا مع ابنته كاترين كامو عاما ً)، التي تتجاوز علاقتها بوالدها الرابطة العائلية، إذ أصبحت «المؤتمنة الأولى» على واحد من أهم الأرشيفات الأدبية في القرن العشرين. وهي تتولى منذ عقود، إدارة حقوق أعماله والإشراف على نشر المخطوطات التي لم تر النور في حياته. وكانت وراء النشر التاريخي لروايته غير المكتملة «الرجل الأول» في التسعينات، وهو العمل الذي غيّر الكثير من القراءات النقدية حول سيرة والدها. ورغم إطلالتها الصحافية القليلة فإن السيدة كاترين قبلت حصريا الإجابة عن أسئلة «الشرق الأوسط» بمناسبة الذكرى السادسة والستين لوالدها. هنا نص الحوار:
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky