issue17211

بوصف «القضية اليمنية الجنوبية» قضية عادلة يظلمها بـعـض حامليها، استجابت المملكة العربية الــســعــوديــة لـطـلـب رئـــيـــس مـجـلـس الـــقـــيـــادة الــرئــاســي للجمهورية اليمنية رشاد العليمي بشأن عقد مؤتمر شامل يجمع المـكـونـات الجنوبية والشرقية اليمنية كافة على طاولة الحوار. باعتبار الحوار فضيلة يقوى عليها أولو العزم، وثقافة يهضمها الطامحون إلى النجاح، وفنا يتقنه المؤمنون بالتناغم في تبني القضايا الوطنية... من يرفض فكرة الـحـوار أصـــاً؟ قطعاً، لا يجرؤ أحـد على رفض الجلوس إلى طاولة الحوار. جــمــيــع الـــعـــقـــاء ومــــن يـــحـــاول مــقــاربــتــهــم، يقبل ويـــــوافـــــق. ومـــــن يــغــلــف امـــتـــنـــاعـــه بــــاشــــتــــراط مــــن هـنـا وافـتـراض مـن هـنـاك، يرضخ متجنبا الإكـــراه والعزلة! ناهيك عن أن استجابة الرياض لطلب الرئاسة اليمنية أحدثت دويـا واسعا يملأ الأرجــاء، بنفس المقدار الذي دوَّت فيه مسارعتها إلى احتواء الموقف المتفجر وسط المحافظات الشرقية اليمنية: حضرموت والمهرة؛ مـع تـرقـب كـل خطر مـتـوقـع، تسلمت قـــوات «درع الـوطـن» المعسكرات بقيادة محافظ حضرموت سالم الـخـنـبـشـي الــــذي عـــاد يُــطــبِّــع الأوضـــــاع فـــي المـحـافـظـة؛ مـا أسهم فـي تهدئة وخفض التصعيد ببقية المحيط .2026 ) يناير (كانون الثاني 3 الشرقي منذ ديسمبر 3 تــســارع أحــــداث شـــرق الـيـمـن بـــدءا مــن ، استوجب صـدور مواقف حازمة 2025 ) (كانون الأول لـلـرئـيـس رشـــــاد الـعـلـيـمـي، مـــعـــززا بــرســائــل وبــيــانــات سعودية تدعم مقام الرئاسة اليمنية باعتبارها رمز الشرعية الـتـي تـوهـم بعض «المـتـمـاديـن» مـن الأطـــراف السياسية «ضعف الرئاسة وترددها» نتيجة «الحرص على الشراكة في القرار» حسب بيان الرئيس العليمي ديسمبر) قبل ختم العام بحزم، وبدء العام الجديد 30( بعزم لا يلين... كما يأمل اليمنيون وغيرهم. هذا علاوة على ما يشكل الجار اليمني من اهتمام رئيسي للسعودية المعروفة بثبات تعاملها بحلم كبير وصــبــر وتــقــديــر لـكـل الأطـــــراف الـيـمـنـيـة، انـعـكـس على تعاط متأن مع ملفات يمنية مختلفة، صوّر فراغا ظن بعض إمكانية ملئه. الـــتـــأنـــي أو الــتــمــهــل لا يـــحـــد قــــــدرة الإســــــــراع إلـــى تـصـحـيـح تـــصـــور الــــفــــراغ خــصــوصــا عــنــد مـــس الأمـــن الـــقـــومـــي الـــســـعـــودي الـــــذي تــخــتــزن ذاكــــرتــــه مـــحـــاولات تطويق مذهبية وسياسية، سقطت جميعها - وستظل تتساقط - أمام قوة المناعة السعودية ضد «التطويق» و«التكميش». سـتـبـقـى عـــن الـــريـــاض مـسـتـيـقـظـة للمتربصين، ومستعدة لمساعدة اليمن في كل اتجاه وحين. الـــتـــطـــورات الأخــــيــــرة شــــرق الــيــمــن خــلــقــت زخـمـا كبيرا يستوجب استثماره واستمرار رعايته وترتيب أولــويــاتــه والاســـتـــعـــداد لــطــوارئــه بتنسيق مـحـكـم بين الــشــركــاء الـيـمـنـيـن والإقـلـيـمـيـن والـــدولـــيـــن، خـاصـة بـعـد نـجـاح رئـيـس مجلس الـقـيـادة الـرئـاسـي فــي تـرك الانفعالات ترتد على منفعلين شيعوا أوهامهم مؤخراً. ولأنها: «مهمة عظُمت أن يقوم بها... فرد أو يتحدى أمرها نفرُ» ينتظر الفلاح بإمساك الـزمـام وتـوزيـع المهام وإحـــيـــاء «شـــراكـــة مـؤسـسـيـة» بـــن الــقــيــادة وبقية المـــؤســـســـات الــدســتــوريــة والــــفِــــرَق المـــســـانِـــدة، وفــق لـــوائـــح الــعــمــل الــقــانــونــيــة والـــدســـتـــوريـــة، لإعــــادة توجيه البوصلة إلى مسارها الصحيح ومتطلبات #الـــســـام_لـــلـــيـــمـــن، وإبــــطــــال مـــفـــعـــول «فـــــن تـفـويـت الفرص» نتيجة حالات «دلال سياسي» شائعة منذ وما قبل، تولدت عنها «اليمننة: الأزمة 2012 عام ُاليمنية»: وكم ذنب مولده دلالٌ... وكم بُعد مولده اقتراب مع اقتراب انعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي اليمني فـــي الــــريــــاض، يــجــدر الـتـنـبـه إلــــى أهــمــيــة عــــدم تـجـديـد المباعدة «بـن أسـفـارنـا»؛ وسيتحقق التقارب اليمني الــجــنــوبــي بـتـحـضـيـر جــيــد يـضـمـن صــــدور مـخـرجـات أجـود تتسق مع مضامين كل مرجعيات المرحلة التي لا يتجاوزها الواقع، والمتمثلة في: المبادرة الخليجية، ومـخـرجـات الــحــوار الـوطـنـي، وقــــرارات مجلس الأمــن، ومــؤتــمــر واتـــفـــاق ومــــشــــاورات الــــريــــاض، وإعـــــان نقل السلطة. الـحـوار اليمني الجنوبي فرصة جـديـدة ترعاها السعودية، ويشجعها العالم كله، تمهيدا لحل سياسي شـامـل، حـق على اليمنيين ألا يـفـوتـوهـا، وأن تتغذى أصـــداء الفعالية بمضمون قـابـل للتنفيذ والـنـجـاح... لئلا تذهب كل الجهود المخلصة أدراج الرياح. Issue 17211 - العدد Sunday - 2026/1/11 الأحد فـــي الـــعـــلـــوم الــســيــاســيــة، يُــسـتـخـدم نموذج الأصيل-الوكيل، ومـا يشار إليه ) لفهم Principal–Agent( بـالإنـجـلـيـزيـة الـعـاقـة بــن طـــرف يملك الــدعــم والمــــوارد (الأصيل)، وطرف يعتمد على هذا الدعم لتنفيذ مشروع سياسي (الوكيل). ويقوم هـــذا الـــنـــمـــوذج، فـــي أبــســط صـــــوره، على افـتـراض أن الأصيل يسعى للتأثير، في حين يُقيّم الوكيل خياراته وفـق ما يراه أقـــل تكلفة وأكــثــر فــائــدة لـــه. غـيـر أن هـذا المنطق لا يعمل دائما بالطريقة نفسها، خصوصا عندما لا يكون الوكيل مجرد مـــنـــفّـــذ إداري، بــــل فـــاعـــل ســـيـــاســـي يـــرى نفسه ممثلا لقضية جماهيرية ومشروع هــــويّــــاتــــي، تـــرتـــبـــط قـــــراراتـــــه بــالــشــرعــيــة والــرمــزيــة بــقــدر ارتـبـاطـهـا بـالـحـسـابـات المادية. هــــنــــا يـــمـــكـــن فــــهــــم قــــــــرار عــــيــــدروس الــزبــيــدي بـعـدم الـحـضـور إلـــى الــريــاض، فـمـن زاويــــة الــنــمــوذج يُــعــد الــزبــيــدي هو الــوكــيــل، فــي حــن تُــمـثـل الــقــوى الـداعـمـة الإقـــلـــيـــمـــيـــة مــــوقــــع الأصــــــيــــــل. الــتــفــســيــر المتسرع قـد يقول إن الأصـيـل ضغط، أو إن الـوكـيـل امـتـثـل. ومــن خــال متابعتي مسارات الحركات الهوياتية في المنطقة، أرى أن هـــذا الـتـفـسـيـر يـبـقـى قـــاصـــرا عن فهم طبيعة العلاقة الفعلية بين الطرفين. فالعلاقة بين الأصيل والوكيل، في مثل هـــذه الـــحـــالات، أكــثــر تـعـقـيـدا مـــن منطق الأمــــر والــتــنــفــيــذ. فــالــزبــيــدي يـعـتـقـد أنــه لا يــســتــمــد ثــقــلــه الـــســـيـــاســـي مــــن الـــدعـــم الخارجي فحسب، بل من شرعيته أمام جمهور جنوبي يؤمن بمشروع انفصال الجنوب. ومن هذا المنظور الخاطئ، كان يرى الزبيدي أن حضوره إلى الرياض - رغم فوائده السياسية المحتملة - ينطوي عــلــى مــخــاطــرة رمـــزيـــة حـقـيـقـيـة، تتمثل فـــي إمــكــانــيــة تــفــســيــره شـعـبـيـا بـوصـفـه تنازلا أو خضوعا أو تراجعا عن خطاب «الــقــرار الجنوبي المستقل». ووفـــق هذه الحسابات الخاطئة، اعتقد الزبيدي أن تكلفة الحضور الرمزية أعلى من تكلفة تــفــويــت بــعــض الاســـتـــحـــقـــاقـــات المـــاديـــة، أي أن الوكيل اختار ما يـراه أقل خسارة في ميزان الشرعية، لا في ميزان المال أو المناصب. وهنا يتضح دور الحكومة الداعمة ضمن هـذا النموذج، لا بوصفها أصيلا يفرض قـــراره بـصـورة مباشرة وحسب، بـــل فــاعــل واع بـــحـــدود الــضــغــط المـمـكـن. فحتى بافتراض وجود نصح أو توجيه، لـــم يـكـن ذلـــك فـــي صـيـغـة أوامـــــر صريحة من قبيل «اذهـــب» أو «لا تـذهـب»، بل في إطار أوسع يضبط السياق العام، ويتيح لـلـوكـيـل اتـــخـــاذ قــــرار يــــراه مـنـسـجـمـا مع صـــورتـــه أمــــام جــمــهــوره. وبــعــبــارة أدق، لــــم تـــســـع حـــكـــومـــة الأصــــيــــل إلـــــى تـغـيـيـر الــقــرار بـالـقـوة، بـل حـرصـت على الإبـقـاء على الـسـرديـة التي تُــعـزّز قناعة الوكيل بــأنــه يُــمــثّــل الـشـرعـيـة الــرمــزيــة للقضية الـــجـــنـــوبـــيـــة بـــوصـــفـــهـــا قـــضـــيـــة مـسـتـقـلـة عـــن المــجــلــس الـــرئـــاســـي. وبـــهـــذا المـعـنـى، كـــان نجاحها نـابـعـا مــن احـتـرامـهـا هـذه الشرعية، وعـدم المساس بالأساس الذي يستند إليه موقع الوكيل. وهــــذا الـفـهـم لـيـس خــاصــا بـالـحـالـة الجنوبية فـقـط، بــل يمكن رؤيـــة المنطق نـفـسـه فـــي عـــاقـــة إيـــــران بــــ«حـــزب الـــلـــه». فـــــإيـــــران تـــمـــثـــل أصــــيــــا قــــويــــا مــــن حـيـث الــدعــمــن الــعــســكــري والمــــالــــي. ومــــع ذلــك يستمد الحزب -بوصفه وكيلاً- شرعيته من سردية «المقاومة اللبنانية». ومن ثَمّ، فإن أي ضغط علني يُفهم بوصفه إملاء إيـرانـيـا يـضـر بـهـذه الـسـرديـة سيضعف الــحــزب بــــدلا مــن أن يـقـويـه. لــذلــك تعمل إيـــــران غـالـبـا عـلـى تـــرك مـسـاحـة للحزب ليبرر قراراته لجمهوره بلغته الخاصة، حــــتــــى لــــــو كـــــانـــــت هـــــــذه الــــــــقــــــــرارات غــيــر منسجمة مع مصالحها. وبالعودة إلى اليمن، يواجه المجلس الرئاسي اليمني تحديا مختلفا متمثلا فـي بـنـاء سـرديـة وطنية جنوبية بديلة تحمل المضمون نفسه -التمثيل والدفاع عـــن مـصـالـح الــجــنــوب- لـكـن داخــــل إطـــار أوســــع وأكـــثـــر قـــبـــولاً. أي أن المـنـافـسـة لا تـكـون على الـشـخـص، بـل على السردية الناجحة. وعندما تنجح هـذه السردية فـي كسب ثقة الـجـمـهـور، فإنها تُضعف الـــشـــرعـــيـــة الـــرمـــزيـــة لـــلـــزبـــيـــدي تـلـقـائـيـا، مـن دون صـــدام أو ضغط فــج. والضغط المباشر على فاعل يمتلك شرعية مستقلة قد يُحقق استجابة قصيرة المــدى، لكنه يراكم خسائر طويلة الأمـد. أمَّــا الضغط الذكي فهو الذي يحترم السردية المحلية الــجــمــاهــيــريــة، ويـــتـــرك لـلـوكـيـل مـسـاحـة لـيـقـول لــجــمــهــوره: «هــــذا قـــــراري، ولـيـس قرار غيري». الـــــخـــــاصـــــة أن نــــــمــــــوذج الأصـــــيـــــلالوكيل، حين يُقرأ في العلوم السياسية لا يشرح فقط مَن يضغط ومَن يمتثل، بل يشرح أيضا متى ينجح ويفشل الضغط، ويُـــبـــن الـــنـــمـــوذج بــــأن الــســيــاســة ليست دائما صراع قرارات، بل صراع سرديات. وفي قضايا الانفصال والوحدة تحديداً، من ينجح في تقديم القصة الأكثر إقناعا والأوســع قبولاً، هو مَــن يربح الشرعية، والشرعية هنا أهم بكثير من أي مكسب سياسي سريع. وفي حالة الزبيدي، كان ضــغــط الأصـــيـــل عـلـيـه مـرتـبـطـا بـتـجـنّــب خسارة الشرعية التي يعد فيها مشروعه السياسي للانفصال رأس ماله الحقيقي. فــالمــكــاســب الــســيــاســيــة يــمــكــن تـأجـيـلـهـا والـــــتـــــفـــــاوض بـــشـــأنـــهـــا، لـــكـــن الـــشـــرعـــيـــة ودلالاتـــهـــا الـرمـزيـة إذا ضــاعــت، يصعب تعويضها. كنت قـد ذكـــرت أن سيد قطب فـي آخــر سطر مـن كتابه «الـعـدالـة الاجتماعية فـي الإســـام»، كان لديه نتفة بسيطة عن مفهوم الكتلة الإسلامية الـذي دعا إليه سياسيو دولـة باكستان منذ ،1950 ) أغسطس (آب 23 . وبعد عودته من بعثته التدريبية في أميركا في 1947 استقلالها عام عرف عنه أكثر من خلال شرح وزراء باكستانيين له، فطفق يدعو له مرة أخرى بحماسة سياسية ، ونشر بعضها فـي كتابه «السلام 1952 و 1951 وآيديولوجية فـي مـقـالات كتبها مـا بـن عـامَــي . الدعوة إلى كتلة إسلامية هي دعـوة متجددة لدعوة أقدم 1951 العالمي والإســام» الصادر عام منها، وهي الدعوة إلى الجامعة الإسلامية إبَّان انحلال الإمبراطورية العثمانية وتفككها، لكنها نشأت لسبب مختلف، وهو رغبة باكستان في حشد العالم الإسلامي معها في مواجهة الهند. وكانت من الشبهات التي تثار حولها أنَّها تحظى بمباركة بريطانية. وقد رد سيد قطب في أحد مقالاته – مقالات الكتلة الإسلامية – على هذه الشبهة، فقال: «إن الجامعة العربية حركة قومية عنصرية بعيدة عن الروح والضمير، وحركة الجامعة الإسلامية حركة عقيدة وبعث روحـي شامل. فـإذا جاز لعملاء الاستعمار أن يوجهوا الجامعة العربية أو يعرقلوها، فإن الجامعة الإسلامية تستعصي على التوجيه»! وكان شودري خليق الزمان رئيس الرابطة الإسلامية في باكستان في محفل بالقاهرة ضم باكستانيين ومصريين، قبله بعامين ونصف العام، ضمن كلمة ألقاها، طالب بإلغاء الجامعة العربية! تدقيقي في قول أنيس فريحة: «وسيد قطب يقول للعالم العربي»، يفضي بي إلى تدقيق ثالث، وهو اعتباره كتاب «العدالة الاجتماعية في الإسـام» لسيد قطب ممثلا للفكر العربي في تخبطه. وكان يعني بالفكر العربي، الفكر العربي المعاصر وليس الفكر العربي من سالف أزمانه، بدليل أنه قبل المقتبس الذي أوردته في المقال السابق قد قال: «ولكن يهمني أن أشير إلى قضية الفكر العربي وتخبطه وسط هذه التيارات الحديثة الجارفة». إن هذا الكتاب يصلح أن يكون مثالا للفكر الإسلامي المعاصر، وليس للفكر العربي المعاصر. إن الفكر العربي المعاصر يصح تسمية أن يطلق على الاتجاهات في العالم العربي التي يغلب عليها الميسم الناسوتي، والفكر الإسلامي المعاصر يصح تسمية أن يطلق على الاتجاهات في العالم العربي أو في العالم الإسلامي التي يغلب عليها الميسم اللّهوتي. وأما كتاب «من هنا نبدأ» فيصلح أن يدرج في هاتين التسميتين: الفكر الإسلامي المعاصر، والفكر العربي المعاصر؛ لأنه اجتمع فيه الميسم اللّهوتي والميسم الناسوتي. أمــران حيّراني في نقد أنيس فريحة الإجمالي لكتاب «مـن هنا نبدأ» لخالد محمد خالد، ولكتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» لسيد قطب: أولهما، حين رأى أن هذين الكتابين هما أفضل تمثيل على تخبط الفكر العربي، وصف رأيه بـ «الوضيع»! إن فـي هــذا الـوصـف إسـرافـا عاما بالتواضع إلــى حـد الضعة والــهــوان. وهــذا تـواضـع نافر ومستهجن. وكأني به في هذا المقام يستعير عبارات التواضع الديني التي يستعملها مؤلفون قدامى، ومؤلفون على الطراز القديم، كـ«الحقير» و«الفقير» وما شابههما، لكنهم كانوا حقراء وفقراء إلى عفو ربهم. وأنيس فريحة بمناسبة نقده للفكر العربي المعاصر أو للفكر الإسلامي المعاصر لم يكن بحاجة إلى عفوهما، وإلى التهوين من شأن رأيه فيهما. ثانيهما، أنه حين وصف الفكر العربي المعاصر بالتخبط، كتب هامشا استدراكياً، قال فيه: «قد يكون في هذا التخبط دلائل حيوية ونشاط، وهذا أمر لا ننكره»! إنه بصيغة أخرى هوّن بهذا الهامش الاستدراكي مرة ثانية من شأن رأيه في الفكر العربي المعاصر، بما لا يتناسب مع نقده الإجمالي ذي الطابع الوثوقي للكتابين. إن نقده الإجمالي للكتابين يتأرجح بين منطق قطعي وثبوتي، ومنطق ظني واحتمالي. وهذا التأرجح بين هذين المنطقين يعبر عن تردد وارتباك. والـــتـــردد والارتـــبـــاك تـجـلّــى فــي خـاتـمـة نـقـده الإجـمـالـي للكتابين، الـتـي قـــال فـيـهـا: «وغــــدا – ومستعد أن أراهــن – إذا تُرجم الكتابان، أو روجعا، بشكل يضعهما أمـام أعـن الغرب، سيشير الغرب إلى كتاب سيد قطب ويقول: هؤلاء هم العرب يسيرون إلى الوراء!». وقد أغفل بماذا سيشير الغرب إلى كتاب خالد محمد خالد. لا نعرف مـاذا سيقول الغرب عنه؛ وذلك لأنه ضرب عن ذكره صفحاً، وطوى عنه كشحاً! في التقديم الإجمالي لنقده للكتابين، كان أنيس فريحة قد قال عن الغرب: «والظاهر أنهم لا يحفلون كثيرا بما ندعيه من (إحياء) و(إشعاع) و(تقدم)، وغير ذلك من الألفاظ التي لا تخدعهم، فهم – وهذا مما يؤسف له – يرون مظاهر التأخر، ويغضون البصر عن مظاهر التجدد. فالرجعية والأمية، وباقي الأوضاع الشاذة في حقول الاقتصاد والسياسة، ماثلة للعيان، ويعرفون دخيلة العرب أحسن مما نعرفها نحن. ويزعم كثيرون منا أن هذه الأوضاع قائمة بفضل اتحاد المصالح الأجنبية مع الرجعية الوطنية». لا جرم أن كتاب «من هنا نبدأ» لخالد محمد خالد يحفل بما يدعيه الفكر العربي المعاصر لنفسه من صفات «الإشـعـاع» و«التقدمية» و«الـتـجـدد»، فلماذا افترض أن الغرب سيترجم هذا الكتاب أو سيراجعه، مع أن الغرب – كما قال – يغض البصر عن مظاهر التجدد في واقع العالم العربي، وينظر بمجامع عينه إلى مظاهر الرجعية فيه؟! فالكتاب لا يدعو المصريين إلى الرجعية أو السير إلى الوراء. الكتاب لا يدعوهم هذه الدعوة بشهادة أنيس فريحة نفسه الذي قدّم الكتاب في نقده الإجمالي بأنه «يطلب قلب الأوضاع رأسا على عقب، والبدء من جديد. والجديد عنده اشتراكية خيّرة نيّرة تكفل الخير والعدل، وتأخذ بأي نظام من شأنه رفع الإنسان خلقا ودينا ومادة». الكتاب لقي احتفاء وحفاوة من قبل العلمانيين – بمختلف تياراتهم، وعلى رأسهم التيار المـاركـسـي– فـي الـعـالـم الـعـربـي. وأنـيـس فريحة علماني لـيـبـرالـي، فـلـمـاذا حـشـره – وهــو الكتاب «التقدمي» – مع كتاب «رجعي» في مساق واحد، وهو مرذول من الناحية المنهجية ومن الناحية الآيديولوجية، وهذا هو «التخبط» في المنهج وفي الآيديولوجيا؟ لقد حشره مع كتاب سيد قطب الرجعي «العدالة الاجتماعية في الإسلام»؛ لأن «من هنا نبدأ» کتاب ثــوري، وثــوري ثورية اشتراكية. وهـذا يفصح عن أنـه كـان من متشددي اليمين السياسي والفكري في لبنان. فتشدده اليميني هو الذي أوقعه في هذا «التخبط» اللَّإرادي. أومأ أنيس فريحة إلى الماركسيين في لبنان وفي العالم العربي إيماءة غير مباشرة، وذلك من دون أن يذكرهم بالاسم، مبديا تحفظه على تحليل شائع عندهم للتخلف في العالم العربي، حـن قــال: «ويـزعـم كثيرون منا أن هــذه الأوضـــاع بفضل اتـحـاد المصالح الأجنبية مـع الرجعية الوطنية». لا يوجد في قاموس التحليل الماركسي «العالمثالثي» طبقة تحمل اسم «الرجعية الوطنية»، وكـأنـي بأنيس فريحة كــان يعني بها «الطبقة الـبـرجـوازيـة الـوطـنـيـة»، لكنه أخـطـأ فـي الإتـيـان باسمها الصحيح. الخطأ الثاني أن هذه الطبقة عند أصحاب هذا التحليل – على شدة نقدهم لها وحديثهم المكرر عن إخفاقها وفشلها – لا توصم بـ«الرجعية»؛ لأنها – كما يرون – كان لها دور في التحرر الوطني على صعيد السياسة والاقتصاد والفكر. هناك اختلاف داخلي عند هؤلاء حول وجودها؛ فالذي يذكر منهم وجودها يرى أنها ما هي إلا «برجوازية محلية»، وذلك بحسب اسمها القديم في التصنيف الماركسي الأصلي، فيجردها من وصفها بالوطنية. وهناك من يقر بوجودها، لكنه لا يثمّن دورهـا، بل لا يراها «برجوازية» بالمعنى الحقيقي لهذا التصنيف الطبقي، كما في أوروبا، التي أنجزت فيها هذه الطبقة هناك أكثر من ثورة بورجوازية، يقف على رأسها الثورة البرجوازية الفرنسية. وينظر إليها بوصفها خلفا لسلف، وهي «البرجوازية الكولونيالية»؛ أبقت على علاقات الإنتاج كما كانت عند «البرجوازية الكولونيالية»، ولم تشأ أن تنفك عن تبعيتها للإمبريالية. هذا بعض من الجدل الماركسي الداخلي حول اسم «البورجوازية الوطنية». إن التي توصم بـ«الرجعية» عند ماركسيي العالم الثالث، القائلين بوجود «البرجوازية الوطنية»، هي «الطبقة الكومبرادورية». فهذه الطبقة هي الطبقة القائم عملها التجاري على اتحاد مصالحها بالمصالح الاستعمارية والمصالح الأجنبية، فبحكم تحليلهم هي وكيل الرأسمال الأجنبي في السوق المحلية. وهذه الطبقة هي نقيض «الطبقة البرجوازية الوطنية»؛ فهي عندهم خائنة للوطن وعميلة للرأسمالية. حددت هذا التحليل الماركسي بأنه «عالمثالثي»؛ ذلك لأن التنظير لهذين الاسمين: «البرجوازية الوطنية» و«البرجوازية الكومبرادورية» كان صاحبه ومن نظَّر فيه وله ماوتسي تونغ. وقد كان إطـاق هذين الاسمين من إضافاته النظرية في نظرية الطبقات الاجتماعية في الآيديولوجيا الماركسية. ومن الصين انطلقت وشاعت هذه الإضافة النظرية في بقية العالم الثالث. مـا افترضه أنيس فريحة تحققت منه الحالة الأولـــى، وهـي أن الكتابين تُرجما إلـى اللغة .1953 الإنجليزية، وصدرت ترجمتهما بهذه اللغة في كتابين عام وما لم يكن يعلمه أنيس فريحة أنه حين نشر دراسته في مجلة «الأبحاث» في شهر ديسمبر ، كـان يجري العمل على ترجمة كتاب سيد قطب «الـعـدالـة الاجتماعية في 1950 ) (كـانـون الأول الإسلام» إلى الإنجليزية. في حاشية من كتابه «الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي» الصادر عام نصح أحد كبار موظفي وزارة التربية والتعليم لممثل 1952 ، قال محمد البهي: «في سنة 1957 (مجلس الثقافة الأمـيـركـي) بواشنطن، أثـنـاء إقـامـة هـذا الممثل بالقاهرة، فـي زيـــارة لـه لاختيار بعض الكتب العربية لنقلها إلــى اللغة الإنـجـلـيـزيـة، ترجمة (مــن هنا نــبــدأ)، وكـتـاب (الإســـام وأصول الحكم). والمشير المصري راعى في مشورته ما يحس به من رغبة لدى ضيفه، وميله إلى الكتب الإسلامية التي تعرض الإسلام في صورة المسيحية. فكتاب (الإسلام وأصول الحكم) أنكر صلة الإســام بالحكم والحكومة، و(مـن هنا نبدأ) ردد هـذه الأفـكـار في فصل منه تحت عنوان: (الحكومة القومية). فلما نُقل هذا الكتاب إلى الإنجليزية، تبين لـ(مجلس الثقافة الأميركي) ولقراء الإنجليزية أنه صورة من الدعاية الشيوعية!». لعلم محمد البهي أن «المجلس الأميركي للجمعيات الثقافية» معني بمكافحة الشيوعية في العالم الثالث، ومن العالم الثالث مصر. هو يسخر من المجلس بأنه ترجم كتابا يساريا لخالد محمد خالد من دون أن يدري! محمد البهي لا يجهل أن كتاب «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق، نال بترجمته إلى الإنجليزية، مع دراسة تمهيدية كان عنوانها «الإسلام والتجديد في مصر»، تشارلز آدامز درجة . وهـذا وجـه من 1933 ، وطُبعت الرسالة في كتاب عـام 1928 الدكتوراه من جامعة شيكاغو عـام تدليس المثقف المطلع في المعلومات على المثقف والقارئ غير المطلع اطلاعا تفصيلياً. وهو يعلم أن رقم واحـد في سلسلة تراجم المجلس، كان كتاب سيد قطب، وأن كتاب خالد محمد خالد اليساري شفع لترجمته ترجمة رد إسلامي إخواني عليه، قام به محمد الغزالي في كتابه «من هنا نعلم»، وصـدر بالإنجليزية في نفس العام الـذي صـدرت فيه ترجمة كتاب سيد .1953 قطب وكتاب خالد محمد خالد إلى الإنجليزية، وهو عام کتاب سيد قطب ترجمه جون ب. هـاردي. وكتاب خالد محمد خالد، ورد الغزالي على هذا الكتاب، ترجمهما إسماعيل الفاروقي قبل سنوات عديدة من تحوله إلى الاتجاه الإسلامي أولاً، ثم استغراقه في لغو وهذر إنشائي اسمه «أسلمة العلوم». إلى حادثة الحادي 1953 أعود إلى أنيس فريحة، فأقول: إنه منذ ترجمة كتاب سيد قطب عام عشر من سبتمبر (أيـلـول)، لم يشر الـدارسـون الغربيون إلـى أن أفكار سيد قطب أفكار رجعية، خطيرة ومدمرة. وللحديث بقية. عبد الغني الكندي علي العميم لطفي فؤاد نعمان OPINION الرأي 14 تخبُّطات أنيس فريحة اليمن... نموذج الأصيل ــ الوكيل فرصة يمنية جديدة

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky