issue17211

إذا كانت الأعمال بخواتيمها، كما يقال، فإن الخاتمة في فنزويلا للعملية العسكرية الأميركية ومــا تلاها لـم تتضح بـعـد، لـكـن الـتـوقـعـات تشير إلـــى أنـهـا ليست بـعـيـدة. المسافة بــن مـطـالـب الــرئــيــس تــرمــب ومـــا يــريــده قــــادة فــنــزويــا قــد لا يمكن تجسيرها بين يوم وليلة، إلا أنها، في ضوء المعطيات الحالية، ليست مستحيلة؛ لذلك لا غرابة أن يتصدر الغموض المشهد الفنزويلي حتى وقـت لاحــق، حيث ستتضح الطرق. وكلها، في رأيي، تقود نظام الحكم الفنزويلي إلى واشنطن، مهما كانت الوسيلة أو الوسائل. نحن الآن شهود عيان على مشهد تاريخي غير مسبوق في صراع غير متكافئ يجري بين بلدين: أحدهما بلد يمتلك أكبر قوة اقتصادية وأعتى قوة عسكرية في العالم، والثاني بلد يمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، والجغرافيا نقطة ضـعـفـه. الــطــرق الـتـي قــد تـقـود إلـــى تـسـويـة سـلـمـيـة، وتجنّب فــنــزويــا شــــرور حــصــار بــحــري أمــيــركــي عـلـى شـحـنـاتـهـا من النفط الخام، ولا تحرمها من مصدر دخلها الوحيد، لا يزال البحث عنها جــاريــا. الـحـلـول الأمـيـركـيـة المـطـروحـة الآن على الطاولة مجحفة، وأسوأ من «شرط النسيب الكاره». خطفت أمـيـركـا «الــــرأس» وأبـقـت على كـامـل الـنـظـام كما كان، في سابقة غير معهودة. وخلال المؤتمر الصحافي الذي عـقـده الرئيس تـرمـب، بعد الـغـارة فـي كــاراكــاس، لـم يتعرض ولــو تلميحا لأي دور للمعارضة الديمقراطية فـي فنزويلا فـي المرحلة المقبلة. وكـــان متوقعا أن يطالب بتقليد المرشح الرئاسي المـعـارض، إدمـونـدو غونزاليس، الـرئـاسـة، بوصفه المــرشــح الـفـائـز فــي الانـتـخـابـات الـرئـاسـيـة المـاضـيـة بـاعـتـراف أميركا والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، أو على الأقل بمشاركة المعارضة في الحكم. عــــد الـــرئـــيـــس تـــرمـــب الـعـمـلـيـة الــعــســكــريــة مـــجـــرد إنــفــاذ للقانون الأميركي ضد رئيس دولة يتهمه مكتب الادعاء العام الأميركي بارتكاب جرائم تتعلق بتهريب المـخـدرات. بعدها، انــصــب تـركـيـزه عـلـى تـعـويـض الـشـركـات النفطية الأميركية المطرودة من فنزويلا من قِبل الرئيس السابق هوغو تشافيز ،، وفـتـح الطريق أمامها للعودة للعمل هناك. 2007 فـي عــام التقارير الإعلامية الغربية الصادرة في اليوم التالي ذكرت أن أسهم الشركات النفطية الأميركية الكبرى ارتفعت في الأسواق المالية. عــلــى الـــجـــانـــب الآخـــــر مـــن المـــشـــهـــد، يـــبـــدو وضــــع دلـسـي رودريغز في منصب الرئيسة المكلفة صعباً، فهي فعليا بين فـكـي كـمـاشـة. فـمـن جـهـة، هـنـاك الـضـغـط الأمـيـركـي للامتثال والــتــعــاون وتـنـفـيـذ المــطــالــب، حـيـث هـــدد الـرئـيـس تــرمــب بـأن مـــصـــيـــرا أســـــــوأ مــــن مـــصـــيـــر الـــرئـــيـــس مـــــــــادورو ســـيـــكـــون فـي انــتــظــارهــا فـــي حــالــة رفــــض الـــتـــعـــاون. ويــقــابــل ذلــــك الـضـغـط الفنزويلي الداخلي مـن قـيـادات النظام التي تمسك بمقاليد الأمور سياسيا وعسكريا وأمنياً، واحتمال رفضهم للمطالب الأمــيــركــيــة، خـصـوصـا إذا أحـــسّـــوا أنــهــا تـــعـــرِّض مصالحهم ونفوذهم للخطر. الميل إلـى إحــدى الكفتين على حساب الأخـــرى سيفضي بها إلـى هـاويـة سحيقة. وعلى الأرجـــح فـإن حـرص واشنطن عــلــى عــــدم الاعــــتــــراض عــلــى تـعـيـيـنـهـا رئــيــســا مــكــلــفــا، حسب تصريح تـرمـب، يـعـود إلــى أنـهـا أبـــدت رغـبـة فـي الـتـعـاون مع الإدارة الأمـــيـــركـــيـــة. والــــــرأي الــســائــد بـــن أغـــلـــب المــعــلــقــن، أن واشنطن ارتأت التعامل مع مسؤول من داخل النظام مستعد للتفاوض، بــدلا من العمل على تسليم السلطة لمعارضة بلا مخالب ولا أنياب. أمــا المـظـاهـرات الشعبية الـتـي خـرجـت إلــى الــشــوارع في كــاراكــاس وغـيـرهـا تـنـدد بـالـغـارة الأمـيـركـيـة وتـطـالـب بعودة الرئيس المخطوف، فلا تشكل - في رأيـي - وزنـا ذا قيمة فيما يجري؛ كونها على الأغلب احتجاجات أُعـدت خلف كواليس مـن قبل أجـهـزة الـحـزب الـحـاكـم. فنحن نـعـرف أن للمعارضة أنــــصــــارهــــا، لـــكـــن خـــروجـــهـــم إلـــــى الـــــشـــــوارع تـــأيـــيـــدا لمــــا فـعـلـه الأميركيون سيُقابل بالرصاص. الأمـــور فـي كــاراكــاس قـد لا تـعـرف اسـتـقـرارا قريباً، ومن المتوقع أن تتحول العاصمة إلى ساحة لمفاوضات سرّية تجري تحت تهديد فـوهـات الـبـنـادق الأمـيـركـيـة. الـشـد والــجــذب بين الطرفين سيبدو أكثر وضوحا خلال المدة القريبة المقبلة، من خلال الخطوات التي قد تقرر الرئيسة المكلفة اتخاذها مع بقية القيادات. وهي خطوات يُتوقَّع لها أن تكون محسوبة بدقة، وليس مستغربا أن يتم التنسيق بشأنها سرّيا مع الجانب الأمــيــركــي قـبـل الإعـــــان عـنـهـا. وعــلــى الأرجـــــح فـــإن الــقــيــادات الفنزويلية ستحاول تفادي التصعيد قدر الإمكان، وقد تقبل بالمطالب الأميركية لكن بصياغة مخففة تحفظ مـاء الوجه، أي مثلا بإحداث تغييرات شكلية تشبه عملية «إعادة تغليف محلية» للمطالب الأميركية، كي يسهل بيعها لأنصارهم. فـــي عـــالـــم تـــســـودُه الــفــوضــى وأنـــصـــاف الــحــلــول، بـــرزت المملكة العربية السعودية قوة رائدة واجهت الإرهاب والفكر المتطرف بوصفه خطرا وجودياً، وليس ظاهرة عابرة يمكن إدارتـــهـــا أو احـــتـــواؤهـــا. وقـــد كـــان الأمــيــر مـحـمـد بــن سلمان تحديدا القائد الذي حسم هذا التعاطي منذ اللحظة الأولى، مـسـتـخـدمـا لــغــة غــيــر مـسـبـوقـة قـبـلـه فـــي الــعــالــم الإســـامـــي: «قطيعة كاملة مع التطرف، وتدمير فــوري للفكر المتطرف، ولا عودة إلى الوراء». لم تكن هذه الكلمات خطابا سياسياً، بل كانت إعلانا لقرار سيادي تأسيسي أعاد تعريف طبيعة المعركة وحـدودهـا؛ إذ قـال ولـي العهد بـوضـوح: «لـن نضيع سنة من حياتنا في التعامل مع أي أفكار متطرفة، سوف 30 ندمّرهم الـيـوم وفـــوراً». ومـن يتخذ هـذا المـوقـف الـجـذري في لـحـظـة الــصــعــود الأولـــــى، لا يـمـكـن إلا أن يـمـضـي فـيـه حتما وهـو في أوج مجده، لأن المسار لم يكن مـنـاورة مرحلية ولا استجابة ظرفية لضغط خارجي، بل كان خيارا استثنائيا يعكس فهما عميقا لطبيعة الـــدولـــة الـسـعـوديـة ومكانتها الدينية والسياسية وأيضا معركتها المبكرة مع التطرف. منذ التأسيس واجهت السعودية انشقاق «إخــوان من طاع الله» الذين تمرّدوا على الملك المؤسس عبد العزيز باسم تأويل متشدد للدين ورفضوا مفهوم الدولة الحديثة، فكان تأكيدا مبكرا أن الشرعية 1929 الحسم في معركة السبلة عام لا تُبنى على العقيدة المنفلتة بـل على النظام والاسـتـقـرار. حـن اسـتـهـدف أقـدس 1979 ثـم جـــاءت صـدمـة جهيمان عــام بــقــاع الأرض، فــي لـحـظـة كـشـفـت عــن أن الــتــطــرف والــغــلــو لا يحترمان حتى المقدسات، وأن المملكة قِبلة الإســام وأرض الـحـرمـن ومهبط الـوحـي بكل هــذه الـرمـزيـة ظلت هـدفـا لكل الآيديولوجيات المتطرفة، لأنَّها كانت تستهدف قلب الشرعية الدينية الممثلة للإسلام المعتدل أو المجسّد في دولة دستورها الأساسي الكتاب والسنة. بعد ذلك فجّرت حرب الخليج موجة جديدة من التشدد خـــرجـــت مـنـهـا ســــرديــــات «الـــصـــحـــوة» وتــنــظــيــم «الـــقـــاعـــدة»، الـذي شن حربا إرهابية مباشرة على المملكة منذ منتصف . الـــرد السعودي 2005 و 2003 التسعينات وبـلـغ ذروتـــه بـن مخططا إرهابيا 160 كــان شـامـا وحـاسـمـا؛ إذ أُحـبـط نحو خلال سنوات قليلة، وتراجعت العمليات الكبرى من عشرات الـهـجـمـات إلـــى حـــالات نــــادرة، فــي واحــــدة مــن أنـجـح حملات مكافحة الإرهــاب عالمياً. ثم واجهت المملكة تهديد «داعـش» ، وأحبطت خلاياه داخليا ومنعت عمليات نوعية 2014 بعد ، فـي وقت 2017 بينها مخطط لاسـتـهـداف الـحـرم المـكـي عــام كانت فيه دول عديدة تعاني من انهيارات أمنية حادة. وفي ذروة الربيع العربي، اتخذت السعودية قـرارا استباقيا غير مـسـبـوق بـتـجـريـم تـنـظـيـمـات الإســــام الـسـيـاسـي وتصنيف ، في وقت 2014 جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية عام كانت فيه قوى كبرى لا تزال مترددة أو متساهلة في التعامل مع هـذه التنظيمات، وبعد مــرور أكثر من عقد، لا تــزال تلك القوى عاجزة عن اتخاذ موقف يقترب من مستوى الحسم الــســعــودي. هـــذا الــقــرار المـبـكـر لــم يـكـن أمـنـيـا فـقـط، بــل قـــراءة سياسية عميقة ترى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في السلاح وحـــده، بـل فـي الآيديولوجيا التي تُــفـرغ الـدولـة مـن معناها وتُعيد إنتاج الفوضى باسم الشرعية والدين. عند هـذه النقطة، ومـع تولي الأمـيـر محمد بـن سلمان ، انتقلت المواجهة من إدارة الخطر إلى 2017 ولاية العهد عام اجـتـثـاثـه، ومــن ردّة الفعل إلــى الفعل المــبــادر، ومــن الاكتفاء بــــإدارة المـؤسـسـات إلــى إعـــادة تشكيلها وضــخ دمـــاء جديدة فـيـهـا، خـصـوصـا فـــي الــقــطــاعــات الأمــنــيــة والــثــقــافــيــة، ورفـــع الــجــهــد الأمـــنـــي إلــــى مــســتــوى مـخـتـلـف لا يـكـتـفـي بـالـعـقـاب بعد وقــوع الجريمة، بل يعمل على الفهم المبكر، والتحليل العميق للظاهرة، وربطها بسياقاتها الاجتماعية والفكرية والاقــتــصــاديــة، والـتـعـامـل معها قـبـل أن تـتـحـول إلـــى تهديد فـعـلـي. هـنـا يـمـكـن فـهـم شـخـصـيـة ولـــي الـعـهـد فـــي ضـــوء ما وصفه ماكس فيبر بالقائد الاستثنائي الذي يظهر في لحظة استثنائية، لا ليكسر الواقع القائم فحسب، بل ليعيد بناءه على أســس جــديــدة. فالمسألة لـم تكن مـجـرد تحسين أدوات الـــدولـــة، بــل إعــــادة تـعـريـف لوظيفتها ودورهـــــا، واعـتـبـار أن أخطر ما فعله الإرهاب ليس القتل وحده، بل تشويه الإسلام ذاتـــه، وهــو مـا عـبّــر عنه ولــي العهد بـقـولـه: «لــن نسمح بما قاموا به من تشويه لعقيدتنا السمحة... سنلاحق الإرهاب حتى يختفي تماما من وجه الأرض». وترافقت هذه الرؤية مــع إصـــاحـــات اجـتـمـاعـيـة وثـقـافـيـة عميقة أعــــادت الــتــوازن والوسطية وجففت البيئة الحاضنة للتطرف، ومـع تعزيز واسع للتعاون الدولي في تبادل المعلومات وتتبع التمويل، وقيادة تحالفات إسلامية ودولية لمحاربة الإرهاب، لتتحول الــســعــوديــة مـــن دولــــة مـسـتـهـدفـة إلـــى فــاعــل مـــركـــزي فـــي أمـن المـنـطـقـة والــعــالــم. الـــيـــوم، وبــشــهــادة تـقـاريـر أمـنـيـة وأبــحــاث أكاديمية غربية، تُعد التجربة السعودية من أنجح التجارب فــي تقليص الـتـهـديـد الإرهـــابـــي داخـلـيـا، لا بـالـقـوة وحـدهـا، بــل بـــإعـــادة بــنــاء المــجــال الـديـنـي والاجــتــمــاعــي والـسـيـاسـي. ومع تراكم هذه الإنجازات، تقترب المملكة فعليا من تحقيق معادلة الصفر مع الإرهــاب داخـل أراضيها، بعد أن حسمت خـيـارهـا الــوجــودي بــوضــوح: لا تـطـرف، ولا مـسـاومـة. إنها ليست سياسة قابلة للمراجعة، بـل مسار تأسيسي تقوده قــيــادة حـاسـمـة، وتـمـضـي فـيـه الـسـعـوديـة حتما بــا رجـعـة، بوصفه أحـد أعمدة بقائها واستقرارها ودورهــا في العالم الإسلامي والعالم. خلاصة الـقـول أن السعودية اخـتـارت فـي كـل مراحلها التاريخية الوضوح والمواجهة، لكن برؤية محمد بن سلمان ارتقت للحسم، وحوّلت المعركة ضد الفكر المتطرف والإرهاب إلى قرار وجودي: نكون... أو لا نكون. هـنـاك صـوتـان يلعلعان فـي العالم منذ الحدث الفنزويلّيّ: واحد يتساءل عن الحاجة إلـــى الــقــانــون الـــدولـــيّ، وجـــوابُـــه الـنـافـي يقيم فــي ســـؤالـــه، وآخــــر يـحـتـجّ، بضجيج وبــــراءة مفتعلة، على غيابه. وأمــــر الــقــانــون عـمـلـيّــة صــراعــيّــة تُــقـاس كـوجـهـة وســـيـــاق، لا كــحــدث عـــابـــر، ولـــو كـان الحدث مهمّاً. وهي حال تدوم ما دامت هناك دول، وهـــي طبعا ســـتـــدوم. لـكـن عـــدم البحث عـــن مـــثـــالات وقـــيـــم تـــحـــاول تـحـسـن اشـتـغـال الـــدول والـحـد مـن حروبها صنف وضيع من الواقعيّة، اصطدم بكل فكرة نبيلة في التاريخ متذرّعا بعدم واقعيّتها. هكذا كانت الحال مع مبدأ الإله الواحد، ثم مع مبادىء المساواة بين الجنسين أو تحرير العبيد... وهــــــذا الــــتــــوق الإنــــســــانــــي إلـــــى الأحـــســـن دولا وعــــاقــــات دولــــيّــــة عـــبّـــر عـــن نـفـسـه منذ الذي افتتح عصرا 1648 صلح وستفاليا في يــــدعــــو، فــــي مــــا يــــدعــــو، إلـــــى تـــســـامـــح ديـــنـــي يـــتـــداخـــل مــــع الــــــــدول بـــحـــروبـــهـــا وســـامـــهـــا. ولاحـقـا عُـــد عمانوئيل كـانـط مـؤسّــسـا مبكرا للنزعة القانونيّة ومعارضة الـحـروب. فمنذ ، كُتبت مقالته الشهيرة «ســام دائــم»، 1795 فراهن على معاهدات بين دول سيّدة، وخرج بتوصيات رأى أن على الـــدول المـسـارَعـة إلى اعتمادها لمغادرة «حالة الطبيعة الكونيّة». هــكــذا صــــاغ لــلــقــانــون الــــدولــــي مــعــيــارا تُــتــاح بـــمـــوجـــبـــه لـــكـــل دولــــــة حـــرّيّـــتـــهـــا، بـــمـــا يــمــكّــن سكّانها من أن يعيشوا حيوات حــرّةً، وبهذا تـغـدو الــدولــة الـتـي تـتـجـرّأ على تلك المعادلة دولة منتهِكة لوجودها كدولة. وأكّـــد كـانـط على حتميّة الـسـام الـدائـم لـــكـــنّـــهـــا، كـــكـــل حـــتـــمـــيّـــة، مــصــيــرهــا الإخــــفــــاق. فـــالـــقـــانـــون الـــــدولـــــي ومـــؤسّـــســـاتـــه تــصــدّعــهــا الــــتــــحــــوّلات الـــكـــبـــرى وتـــســـابـــق الــــــــدول عـلـى الأراضـــــــــي والمــــــــــوارد واســـتـــعـــراضـــهـــا قــوّتــهــا طرأ 1920 المحض. لكن مع «عصبة الأمم» في تحوّل آخر في التفكير القانوني مفاده قابليّة الـنـزاعـات للحل بالتفاوض، لا بـالـقـوّة. على أن اخـتـتـام الـحـرب الـعـالمـيّــة الأولـــى بـ»عصبة الأمــــم»، احـتـوى أيـضـا على اتّــفـاقـيّــة فـرسـاي، المُــــذلّــــة والمُـــفـــقـــرة لألمـــانـــيـــا، فـحـمـلـت الـخـاتـمـة نفسُها بذور الحرب العالميّة الثانية. لــكــن فــي حــركــة المــــد والـــجـــزر المـتـواصـلـة هـــذه، لا بـــد مــن تثمين المـسـاعـي الـتـي أثـمـرت «عـصـبـة الأمـــــم» و»الأمــــــم المـــتّـــحـــدة»، أو الـتـي طـــالـــبـــت بـــاســـتـــكـــمـــال الــــعــــولمــــة الاقـــتـــصـــاديّـــة بــعــولمــة ســيــاســيّــة وقـــانـــونـــيّـــة، أو لـحـظـت أن مــعــظــم مــشــكــات عــالمــنــا لا تُـــحـــل ضــمــن أفــق قوميّ، يصح ذلك في الإرهاب والبيئة والأمن السيبرانيّ... وحين يقال «قانون دوليّ»، يُقصد أيضا مـــعـــاهـــدات ومـــؤسّـــســـات مـــتـــعـــدّدة الـجـنـسـيّــة ومنظّمات دوليّة وتحالفات سياسيّة وتجارة حرّة، وكذلك رفض لتحكيم المزاج في القرارات الكبرى، وهذا من ألفباء الحداثة والتقدّم. عــــلــــى أن كـــثـــيـــريـــن مـــــن المـــــدافـــــعـــــن عــن القانون لا يدافعون إلا في مواجهة الولايات المـــتّـــحـــدة. هــكــذا يــشــهــرونــه، ومــعــه «الــســيــادة الــوطــنــيّــة»، تـمـسّــكـا بـأنـظـمـة وقــــوى لا تفعل غــيــر انــتــهــاكــهــمــا. فـــا تُـــحـــمَـــل بــالــتــالــي على محمل الـجـد المطالبة بـاحـتـرام الـقـانـون حين تصدر عن نظام أسّسه الاستيلاء على سفارة وُصـفـت بــ»وكـر الـجـواسـيـس»، وتــرافــق نموّه مع تفجير سـفـارات، على ما شهدت بيروت، أو عــــن أنـــظـــمـــة أمـــنـــيّـــة ومـــنـــظّـــمـــات مـسـلّــحـة غـــيـــر دولــــتــــيّــــة لــــم تـــكـــف عــــن اعـــتـــبـــار الـــســـام «استسلاماً»، مُجيزة لنفسها القتل وتهريب الـــســـاح وإنــــتــــاج المـــــخـــــدّرات والـــــعـــــدوان على سيادات الدول الأضعف... وعــــــن الـــــصـــــراع حــــــول الــــقــــانــــون يـــتـــفـــرّع مـوضـوع الـنـمـوذج. فـالـيـوم ثـمّــة طــرف يعلن بصراحة أنّه لا يريد أن يكون نموذجا لأحد، وأن ما يحكمه هو الأمن القومي المطلق، الذي يــأتــي «أوّلاً». ونــعــرف أن أمـيـركـا تـتـفـرّد في منح الأولـويّــة للقانون الوطني على القانون الدوليّ. وكــــان الـتـقـلـيـد الـــقـــومـــيّ، حــيــث تجتمع الأنانيّة وانتفاء التعاطف الإنساني وتلبية المصالح الذاتيّة على نحو عــارٍ، قد وجـد في الـسـنـاتـور الــجــمــهــوري هــنــري كــابــوت لــودج أحــد مؤسّسيه «الـواقـعـيّــن». والأخـيـر تمكّن مـــن إحــــــداث مـــفـــارقـــة مــــدوّيــــة إذ مــنــع بــــاده، بــشــعــارات قـومـيّــة وانــعــزالــيّــة، مــن الانـضـمـام إلى «عصبة الأمم»، رغم أن الرئيس الأميركي ودرو ويلسون (الـذي سبق له أن درّس كانط في برينستون) كان عرّاب «العصبة». عـلـى أن الـنـمـوذج يـلـزمـه اثــنــان، واحــد يــقــدّمــه وآخـــــر يــتــلــقّــاه. وهـــنـــا أيـــضـــا يُــسـمـع صوت اللطم من أن أميركا لا تقدّم نموذجا للعالم، فيما اللطّامون هم الذين لخّصوا، لعقود مديدة، أميركا والغرب بالاستعمار والنهب. فعندما كان جون كينيدي يضغط على شـاه إيـــران لإنـجـاز إصـاحـات زراعـيّــة، كـــان أســـاف الـلـطّــامـن يـبـايـعـون رجـــل ديـن فـــي قــــم يـــرفـــض الإصــــــاح الـــــزراعـــــيّ. ويــريــد اليوم مثقّفونا المسكونون بروح عسكريّة أن يؤكّدوا على لاقانونيّة الأفعال الإسرائيليّة، وهــــي كـــذلـــك، فـيـمـا يــمــضــون فـــي احـتـفـالـهـم أكتوبر «المـجـيـد». وإذ يُــقـدّم سلوك 7 بـيـوم الغرب الاستعماري تبريرا لصد نموذجه، يُــــاحَــــظ أن الـــحـــجّـــة لــــم تــتــغــيّــر حــــن نــــاوأ أيزنهاور الاستعمار، مـــؤازرا عبد الناصر، فـــاخـــتـــار الأخـــيـــر ومُــــريــــدوه تـطـعـيـم الـــعـــداء لبريطانيا بعداء لأميركا. وهــــــذه وســــواهــــا مــــن الأمـــثـــلـــة تـــقـــول إن عمقنا الـثـقـافـي يــأبــى الــنــمــوذج الــغــربــي من حيث المبدأ لأن لديه نموذجه الكامل والمكتفي، والذي لم ينشأ إلا لمناهضة النموذج الغربيّ. وحتّى في بيئات أقل راديكاليّة، لا يزال يتردّد بـــقـــوّة ذاك الـفـصـل الـــحـــاد بـــن «مـــا يـائـمـنـا» فـــي الـــغـــرب، وهــــو المــــــادي والــتــقــنــيّ، و»مــــا لا يلائمنا»، أي الثقافي والاجتماعيّ. وما بين طرف لا يعطي نموذجاً، وآخر لا يأخذ نموذجاً، يمضي العالم في إشهار عنفه على نفسه. OPINION الرأي 12 Issue 17211 - العدد Sunday - 2026/1/11 الأحد السعودية... الوضوح والمواجهة ضد التطرف فنزويلا... كل الطرق تُؤدي إلى واشنطن ... عن القانون الدولي والنموذج وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة يوسف الديني جمعة بوكليب

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky