ذات صـــبـــاح بـــــدا عــــاديــــا، فــتـــحــت وداد عثمان حقيبتها الصغيرة لتفتش عمّا تبقَّى من بيت خرجت منه هي وأطفالها مذعورين، وتركته خلفها في الخرطوم بحري، فلم تجد سوى مفاتيح ملقاة في قاع الحقيبة، صدئة، خفيفة، كأنها تـخـص مكانا آخــر لا صلة له بالحياة الآن، هـي مفاتيح بـا بـــاب. وحتى لــو عــــادت، فـالـبـيـوت كـمـا قــالــت «صــــارت بلا أبواب». وقبل أن تمسح دمعة فاجأتها، تذكَّرت الهاتف، لم يكن ترفا ولا نافذة للتسلية، بل صار شريان حياة، تستقبل عبرهتحويلات صــغــيــرة مـــن أقــــــارب وأصـــــدقـــــاء، تــســنــد بها يــومــهــا وتـــدفـــع بــهــا ثــمــن خــبــز أو مــــاء، لكن الكهرباء مقطوعة منذ أيام، ولا خيار أمامها ســوى «طبلية» شحن مـدفـوعـة الأجـــر تعمل بالطاقة الشمسية، قد تأكل ما تبقَّى لديها من نقود. ألف يوم ويوم تــــخــــتــــصــــر حـــــكـــــايـــــة وداد مـــــــا عــــاشــــه ســـودانـــيـــون كــثــر خــــال ألــــف يــــوم ويـــــوم من الــــحــــرب، نـــجـــوا بـــأجـــســـادهـــم، لـكـنـهـم تُـــركـــوا معلقين على حافة الخوف، وعلى خيط رفيع مـن المـعـونـة، وعـلـى فـكـرة بيت لـم تعد تعني عنوانا يمكن الرجوع إليه. وهــــي حــكــايــة - رغــــم كـــل شــــيء - أفـضـل حـــالا مــن آخــريــن تقطَّعت بـهـم الـسـبـل فبقوا حيث هم، ينتظرون موتا محدقا لا يعرفون متى يأتي ولا من أين، ولا كيف. تــقــف وراء هــــذه الــحــكــايــة الأرقـــــــام ظــا ثقيلاً، لا تشرح الألــم، لكنها تكشف حجمه. مـــكـــتـــب الأمــــــــم المــــتــــحــــدة لــتــنــســيــق الــــشــــؤون مـلـيـون 33.7 الإنــســانــيــة «أوتــــشــــا»، قـــــدَّر أن شــخــص داخـــــل الــــســــودان بــحــاجــة لمــســاعــدة إنـــســـانـــيـــة، أي أن أكـــثـــر مــــن ثُـــلـــثـــي الــســكــان يـــعـــيـــشـــون الآن عـــلـــى حــــافــــة الــــــجــــــوع، دون مستقبل واضح. وفي آخر تحديثات المفوضية السامية للاجئين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بلغ إجمالي مَن أُجبروا على النزوح داخليا مـلـيـون 11.87 والـــلـــجـــوء إلــــى دول الــــجــــوار شـخـص... وهـم أنــاس لم تعد كلمة «البيت» تشير عندهم إلى مكان يمكن العودة إليه. نمط حياة ولـــم تـعـد المـــأســـاة مـحـصـورة فــي الـذيـن نزحوا بالفعل، فمَن لم ينزحوا قد يُدفَعون لـــلـــنـــزوح، ومَــــــن نــــزحــــوا قــــد يـــجـــرهـــم الــقــتــال والحصار وموجات العوز إلى نـزوح جديد. فقد صار النزوح، مع كل موجة قتال، أو قلة طعام، أو حاجة لدواء، أو فشل في الحصول على مــأوى، أقــرب إلـى «نمط حـيـاة». ويكفي أن تعجز الأسرة عن سداد إيجار باهظ، أو أن تشعر بأن الحركة اليومية أصبحت فخاً، أو تحول «الأكل» إلى أزمة، فتبدأ رحلة أخرى. ثــم يــأتــي الــطــعــام، أو بـــالأحـــرى غـيـابـه، فــ«صـيـنـيـة» الأكــــل الــســودانــيــة المــعــروفــة، لو توفرت لبعض الناس، لم تعد تحمل طعاما نوعيا أو ذا قيمة غذائية، أو مذاقا حتى، فقط ما تيسَّر لإسكات عــواء بطن طفل جف ثدي أمه جوعاً. هؤلاء الذين يجدون «سفرة» أكل وإن كانت فقيرة، هم أحسن حالا ممَّن يقفون مع الجوعى في صف طويل ينتظرون وجبة فقيرة من «تكية» في مكان ما. لــكــن المــخــيــف حــقــا هـــو أنــــه مـــع اقـــتـــراب الحرب من عامها الثالث - تتبقى نحو مائة يـوم فقط - تتعقد معضلة الـغـذاء يوما بعد يـــوم. ويــقــول «بـرنـامـج الــغــذاء الــعــالمــي»، إنـه ابـتـداء مـن الشهر الحالي، سيضطر لتقليل في المائة، في 70 الحصص الغذائية بنسبة في المائة في 50 المناطق المُهدَّدة بالمجاعة، و المـنـاطـق المــعــرَّضــة لـلـمـجـاعـة، مــع احـتـمـالات انقطاعات كاملة في سلسلة الإمدادات إذا لم يحصل على تمويل جديد. أمراض منقرضة تعود تبدو الأيام المقبلة أثقل، إذ يتوقع خبراء أن تضطر أسـر كثيرة للنزوح مـجـدداً، ليس بسبب القتال وحده، بل بسبب انعدام الغذاء المتوقع خلال الأيام المتبقية، أو بسبب القتال الدائر في مدن وبلدات محاصَرة، لا سيما في كردفان. فــــــــإذا كــــــان الـــــجـــــوع يــــدفــــع الـــــنـــــاس إلـــى خـــارج بيوتهم، فــإن انهيار النظام الصحي هـو الآخـــر قـد يدفعهم إلــى ذلــك أيـضـا، حيث لـم يعد الــرصــاص وحـــده الـقـاتـل الأعــظــم، بل أمــراض عادية أهلكت الآلاف... آلاف النساء يمتن فـي الــــولادة، ولا يجد مـرضـى السكري وارتفاع ضغط الدم أدويتهم المعتادة، بينما تفتك الأوبئة الناتجة عن خـراب البيئة مثل حمى الضنك والمـاريـا، بالناس يومياً. كما أن أمـــراضـــا كـــان يُـــظَـــن أنــهــا انــحــســرت، مثل الحصبة والسعال الديكي، عادت من جديد. بل قد تقتلك جراح بسيطة تعفنت لأن مضادا حيويا بسيطا لم يعد متاحاً. 2025 ) فـــــي ديـــســـمـــبـــر (كــــــانــــــون الأول حذَّرت «منظمة الصحة العالمية» من تصاعد الهجمات على مؤسسات الرعاية الصحية، ، تم 2023 ) وقـــالـــت إنــــه مــنــذ أبـــريـــل (نـــيـــســـان هــجـــوم عــلــى المــؤســســات 200 شــــن أكـــثـــر مـــن الـصـحـيـة، مــا خـلّــف خـسـائـر بـشـريـة ومـاديـة كبيرة، وجعل العلاج والــدواء ترفا لا يتوفر للجميع. ومــيــدانــيــا، حــتــى المــنــشــآت الــتــي تعمل «كـــيـــفـــمـــا اتــــــفــــــق»، يــــعــــرقــــل انــــقــــطــــاع الـــتـــيـــار الــكـــهـــربـــائــي، ونـــقـــص مـــيـــاه الـــشـــرب الـنـقـيـة، عملها، ويحوِّلها إلـى مكان انتظار لمـوت قد يأتي في أي لحظة. قلب مفطور وســط هــذا كـلـه، تغير معنى «العيش» نفسه، وتحول إلى مجرد «إدارة حياة تحت الــخــوف»، فقد سكت قلب الصحافية عائدة قسيس فجأة وهــي فـي طريقها إلــى منزلها بــأم درمــــان، وســط دوي الــرصــاص والـقـتـال. ســـقـــطـــت هــــكــــذا ومــــضــــت، ربــــمــــا حــــزنــــا عـلـى مـديـنـتـهـا، وربــمــا فــزعــا مــن أصــــوات الـقـتـال، فاختار قلبها أن يستريح. لـــم تــعــد الــبــنــدقــيــة وحـــدهـــا مـــا يـخـيـف، فهناك نقاط تفتيش وجبايات يحدث فيها «ابــــتــــزاز ونـــهـــب واعـــتـــقـــال وعـــنـــف» لا تنقله الـوسـائـط كـمـا هـــو، يـدفـع الــنــاس للبقاء في مـــنـــازلـــهـــم إلا لــــلــــضــــرورة، وحـــــن يــخــرجــون يـشـتـرون بـسـرعـة، يتجنبون طـرقـا بعينها، وقــد يؤجلون الـعـاج لأن الطريق أخطر من المرض. ومـــــــع طـــــــول الـــــوقـــــت صـــــــار الأطــــــفــــــال لا يرتجفون من الرصاص القريب، لكن كثيرين ماتوا حزنا وفزعا بـ«قلب مفطور». حلول الناس لأنفسهم بــن شــح الـــغـــذاء ونــــدرة الـــــدواء، ظهرت حـــلـــول الـــنـــاس لأنــفــســهــم، فــــوُلــــدت مـــبـــادرات أهلية، تمثلت في «غرف الطوارئ، والتكايا»: غــــرف الــــطــــوارئ تـسـعـف المـــصـــابـــن، وتـجـلـي المـرضـى المحاصَرين، تــوزع الأدويـــة وتنسِّق المـــعـــلـــومـــات والاحــــتــــيــــاجــــات، بــيــنــمــا تــوفــر «الـتـكـايـا» الـطـعـام والمــيــاه للنازحين والأســر المُــــحــــاصَــــرة، عــــن طـــريـــق جـــمـــع تـــبـــرعـــات مـن المجتمع المحلي والمغتربين، فتخفف الجوع والدموع وتدعم التماسك الاجتماعي. تقول معلمة بشرق النيل في الخرطوم، إن «التكية» ساعدت بنات مدرستها اللواتي كــن يغبن عـن الــدراســة؛ بسبب الــجــوع. وفي إفـــــادة لـحـمـلـة «أصـــــوات الــســودانــيــن» الـتـي تــنــظــمــهــا مـــؤســـســـة «طـــيـــبـــة بـــــــــرس»، قـــالـــت المعلمة: «بسبب التكية، استقرت مدرستنا، كـــانـــت الـــبـــنـــات مـــريـــضـــات وجــــائــــعــــات، لـكـن التكية ساعدتنا». لكن المشهد ليس واحـــدا فـي كـل مكان، ففي «معسكر السلام» بمنطقة طويلة بشمال دارفور، نقلت «أصوات السودانيين» شهادة نــازحــة تـقـول فـيـهـا: «هـــذا المعسكر لا يحمل مـــن الـــســـام إلا اســـمـــه، فــهــنــاك فــقــط أجــســاد متهالكة، ونساء وأطفال في أسمال بالية»، وتــضــيــف: «هــنــا أطــفــال أيــتــام قُــتــل آبــاؤهــم، ونساء أرامـل أخذت الحرب أرواح أزواجهن، وكل جريرتهم أنهم كانوا في الفاشر». ووسـط هـذه الشهادة تظهر آلاء بساق أطـفـال تركوا 8 مصابة تحتاج إلــى عــاج، و جثة أبيهم تحت أنقاض الحرب في الفاشر التي سيطرت عليها «قــوات الدعم السريع» وســـط اتــهــامــات لـهـا بــارتــكــاب جـــرائـــم حـرب وإبادة جماعية. ضربة للتعليم تــحـتــاج آلاء إلــــى قــائـمــة طــويــلــة: عــاج لـسـاقـهـا المـــهـــددة بـالـبـتـر، ومــــــأوى، وكــســاء، وغـــــــذاء، ودواء، وتــعــلــيــم لأبـــنـــائـــهـــا، لكنها تختصر كل المطالب في جملة واحـدة: «كنت أريد تحقيق حلم أبيهم في أن يتعلموا، لكن الآن أريد فقط أن يبقوا أحياء». ومــــن هـــنـــا، يــصــبــح الــتــعــلــيــم جـــــزءا من الحكاية وليس هامشا لها، فالحرب لم تكن مـــجـــرد تـــوقـــف مـــؤقـــت لــــلــــدراســــة، بــــل ضــربــة للتعليم كــلــه، مـــن الأســـــاس حـتـى الـجـامـعـة. هـنـاك مـــدارس تــدمــرت، وأخـــرى تحولت إلى مـــاجـــئ ومــــراكــــز إيـــــــواء، وتـــاشـــت المــســاحــة الآمنة للتعلم. نــزح آلاف المعلمين بحثا عـن الأمـــان أو لقمة العيش، وتفرق التلاميذ بين مدن وقرى ومخيمات تفتقر لأبـسـط مقومات المـدرسـة، ومع الفقر والجوع صار الذهاب إلى الفصل تـــرفـــا مـسـتـحـيـا لـكـثـيـر مـــن الأســـــر، فـالـخـبـز يسبق الكتاب، والنجاة تسبق الواجبات. أمــا الـجـامـعـات، فـا تـبـدو أفـضـل حــالاً، تـوقـفـت الـــدراســـة فـيـهـا، وتـــضـــررت الـقـاعـات والمــــعــــامــــل والمــــكــــتــــبــــات، وتـــشـــتـــت الأســــاتــــذة والـــطـــاب بـــن الـــنـــزوح والـــلـــجـــوء. ومَــــن بقي يـــــواجـــــه رســـــومـــــا بــــاهــــظــــة، وغـــــــاء مــعــيــشــة، وصـــــعـــــوبـــــة تــــنــــقــــل، وضـــــعـــــف الاتـــــــصـــــــالات، ســنــوات مــن عـمـر كـثـيـريـن كـانـوا 3 فـضـاعـت على أعتاب التخرج. أبوبكر، طالب في كلية مرموقة، كان في السنة الثالثة والأخيرة من دراسته الجامعية حــن انـدلـعـت الـــحـــرب، فـلـجـأ مــع أســرتــه إلـى أوغـــنـــدا، حـــاول الــتــواصــل مــع جـامـعـتـه، لكن الــرســوم الـبـاهـظـة الـتـي طـالـبـت بـهـا، جعلته يــعــدل عـــن الـــفـــكـــرة. قــــرَّر بــــدء رحــلــة جامعية جــديــدة فــي بـلـد لـجـوئـه لأنـهـا «أكــثــر رحـمـةً» من جامعته في بلاده، لكن ضاعت من عمره سنوات لا تقدر بثمن... يقول بـمـرارة: «أبي كان يمازحني، ستتخرج إلى المعاش». ومـع ذلـك، يظل مَــن هم في حـال أبوبكر أفضل من كثيرين تقطعت بهم السبل، فهم لا أكملوا دراسة، ولا يرون أملا قريبا لذلك. أيام ثقيلة هكذا تعيدنا النهاية إلـى مـا بدأنا به، إلى حقيبة وداد ومفاتيحها الصدئة، وهاتفها الذي صار نافذة صغيرة تفتح احتمال يوم جديد، ليمضي السودانيون وهم مثقلون بهذه الأيام الأليمة، يعانون حربا طالت، حتى صارت حياة كاملة من ألــف يــوم ويـــوم. ويـتـسـاءلـون كـل صباح عـن سبب استمرارها، وعـن كيفية كسر حصار الحاجة إلى لقمة تسكت الجوع، ودواء يرد المـوت خطوة، ومدرسة تعيد مــعــنــى الـــغـــد، أو بــيــت يــلــم شــعــثــهــم، أو مجرد فرصة أن يبقوا أحياء. أمـا الـذيـن مـاتـوا بالحرب، أو قُتلوا بدم بارد فيها، جنودا من الطرفين كانوا، أم مـدنـيـن لا دخـــل لـهـم فـيـهـا، فتحسب أكثر التقديرات تفاؤلا أن أعدادهم تفوق ألفا ً. 150 الـ 8 أخبار NEWS Issue 17209 - العدد Friday - 2026/1/9 الجمعة الأمم المتحدة قدَّرت مليون شخص 33.7 وجود داخل السودان بحاجة لمساعدة إنسانية ASHARQ AL-AWSAT حصادها نزوح وجوع وتلاميذ بلا مدارس وجامعات... وأمراض خطيرة ومستشفيات مدمرة ودواء معدوم وهجرة للكوادر الطبية يوم من الحرب في السودان 1000 (أ.ف.ب) 2025 نوفمبر 19 سودانيون فرّوا من الفاشر يستريحون لدى وصولهم إلى مخيم في بلدة العفاض للنازحين قرب مدينة الدبة شمال السودان في كمبالا: أحمد يونس محادثات في نيقوسيا لتنفيذ مشروع «ربط البنية التحتية» «غاز قبرص» يدعم استراتيجية مصر للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة ركـــــزت زيــــــارة وزيـــــر الـــبـــتـــرول والـــثـــروة المعدنية المـصـري، كريم بــدوي، إلـى قبرص، للمشاركة في مراسم تسلم نيقوسيا رئاسة الاتـحـاد الأوروبــــي، على «ربـــط حـقـول الغاز القبرصي بالبنية التحتية المصرية»، بعدما وقــــع الـــبـــلـــدان، فـــي أكــتــوبــر (تــشــريــن الأول) الماضي، اتفاقيات لنقل غاز حقل «كرونوس» الــقــبــرصــي فـــي الــبــحــر المـــتـــوســـط إلــــى مصر لإسالته وتصديره إلى أوروبا. والتقى وفد مصري ضم مسؤولي وزارة البترول المصرية مع مسؤولي وزارة الطاقة والــــتــــجــــارة والـــصـــنـــاعـــة فــــي قــــبــــرص، أمــــس، حيث «نوقشت أوجه التعاون الاستراتيجي الخاصة بالمشروعات المشتركة ذات الأولوية المـتـمـثـلـة فـــي ربــــط حــقــول الـــغـــاز الـقـبـرصـيـة بالبنية التحتية المصرية، لإعـادة التصدير عـبـر مـصـر إلـــى الأســـــواق الأوروبــــيــــة»، وفقا لبيان صادر عن وزارة البترول المصرية. تسريع ربط الحقول القبرصية بالبنية الـتـحـتـيـة المـــصـــريـــة كــــان أيـــضـــا مـــحـــور لـقـاء الوزير بدوي مع الرئيس القبرصي نيكوس خــــريــــســــتــــودولــــيــــدس، أمــــــــس، وأكــــــــد بـــــدوي «حــرص القيادة السياسية فـي كـا البلدين على تعزيز الروابط المتينة في مجال الطاقة، بما يـدعـم تسريع وتـيـرة مـشـروعـات الربط فـي مجال الـغـاز، ويحقق المنفعة والمصالح المـــشـــتـــركـــة»، حــســب بـــيـــان صـــــادر عـــن وزارة البترول المصرية. وتـــأتـــي الـــلـــقـــاءات الأخــــيــــرة فـــي أعــقــاب توقيع مصر، الاثنين الماضي، مذكرتي تفاهم لتزويد سوريا بالغاز وتلبية احتياجاتها من المنتجات البترولية، كما أنها تأتي بعد أن وقعت مصر نهاية الشهر الماضي مذكرة تفاهم مماثلة لـتـوريـد الـغـاز الطبيعي إلى لبنان. وأكـد خبير أسـواق الطاقة رمضان أبو الـعـا أن تــوريــد الــغــاز الـقـبـرصـي إلـــى مصر يعد خطوة مهمة لدعم استراتيجية مصر نحو التحول إلى مركز إقليمي للطاقة، بما لديها من خطوط أنابيب متعددة تربط بين الـبـحـريـن الأحـــمـــر والمـــتـــوســـط، تــحــديــدا بين ميناء العين السخنة على البحر الأحمر إلى منطقة «سـيـدي كـريـر» على البحر الأبيض المــــتــــوســــط، ومـــثـــلـــمـــا تــتــجــه مـــصـــر لــتــدشــن خـطـوط أنـابـيـب تـربـط بــن حـقـول الــغــاز في منطقة شرق المتوسط لإسالتها وتصديرها إلـى أوروبـــا، فإنه يمكن أيضا نقل الغاز من دول الخليج إلى أوروبا عبر مصر. وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن أفضل وسيلة لاستغلال الغاز المتوفر في الــحــقــول الـقـبـرصـيـة اقــتــصــاديــا يـمـكـن عبر ربــطــه بالبنية التحتية المـصـريـة مــن خـال خط الأنابيب الواصل بين حقلي «كرونوس» و«أفــــروديــــت» فــي قــبــرص إلـــى حـقـل «ظُــهــر» المـــصـــري، ومــنــه إلـــى مـحـطـة الاســتــقــبــال في مــنــطــقــة «جـــمـــيـــلـــة» بــمــحــافــظــة بـــورســـعـــيـــد، وصـــــولا إلــــى مــحــطــات الإســـالـــة فـــي «إدكـــــو» و«دمـــيـــاط»، وهـــي مـحـطـات لا مثيل لـهـا في مــنــطــقــة الــــشــــرق الأوســـــــط لــتــصــريــف الـــغـــاز القبرصي وتصديره عن طريق السفن التي تحمل الغاز المسال إلى أوروبا. وســــبــــق أن وقــــعــــت مـــصـــر وإســــرائــــيــــل والاتــحــاد الأوروبــــي اتفاقية لتصدير الغاز الإسـرائـيـلـي إلــى أوروبــــا عبر مصر فـي عام ، وهــي تمتد لمــدة ثــاث سـنـوات قابلة 2022 للتجديد تلقائيا لمــدة عـامـن، وتـنـص على نقل الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى محطات الإسالة في مصر (إدكو ودمياط في الشمال)، ومن ثم يشحن شمالا إلى السوق الأوروبية، وتوقع أبـو العلا أن تدخل قبرص على خط هذه الاتفاقية لتصدير الغاز القبرصي إلى أوروبا. وأعــــلــــن رئـــيـــس الـــــــــوزراء الإســـرائـــيـــلـــي، بنيامين نتنياهو، المصادقة على صفقة غاز مع مصر، التي وصفها بـ«الأكبر في تاريخ إســرائــيــل»، الـشـهـر المــاضــي، وتــقــدر قيمتها مـلـيـار دولار، كـمـا وقّــعــت مـصـر أيضا 35 بـــــ مـذكـرة تفاهم الأحــد المـاضـي مـع قطر بشأن «تــوفــيــر عـــدد مـــن شـحـنـات الـــغـــاز الطبيعي المـــســـال الـــقـــطـــري، يــتــم تـسـلـيـمـهـا فـــي مـيـنـاء السخنة وميناء دمياط في مصر». وأكـــــد رئـــيـــس وحـــــدة دراســـــــات الــطــاقــة بــــمــــركــــز الأهــــــــــــرام لــــــلــــــدراســــــات الـــســـيـــاســـيـــة والاسـتـراتـيـجـيـة، أحـمـد قـنـديـل، أن الـقـاهـرة تــهــدف لـتـسـريـع ربــــط بـنـيـتـهـا الـتـحـتـيـة مع أنــابــيــب الـــغـــاز الــقــبــرصــي بــعــد أن تـوجـهـت إلـــى عـقـد اتـفـاقـيـات لـتـصـديـر الــغــاز إلـــى كل مـــــن ســـــوريـــــا ولــــبــــنــــان، ويـــــأتـــــي ذلــــــك ضـمـن دبلوماسية نشطة تهدف لأن تكون الطاقة أحــد مـصـادر الاسـتـقـرار لـلـدول الـتـي تعاني أزمــــــات داخـــلـــيـــة، كــمــا أن ذلــــك يـــخـــدم خطط أوروبـا نحو مواجهة موجات «الهجرة غير الشرعية». وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن القاهرة تسعى لأن تصبح مركزا إقليميا لتبادل الطاقة بعيدا عـن مساعي «تسييس قضايا الغاز» بالمنطقة، خصوصا من جانب إســـرائـــيـــل، الــتــي حـــاولـــت اســتــغــال الصفقة مــع مـصـر كــورقــة ضـغـط نـحـو تنفيذ أجـنـدة تــوســعــيــة، وهــــو مـــا يــؤثــر سـلـبـا عــلــى إقــبــال المــســتــثــمــريــن والــــشــــركــــات نـــحـــو مـــشـــروعـــات التنقيب، مشيرا إلى أن حالة عدم الاستقرار في المنطقة أسهمت في إرجــاء وصـول الغاز القبرصي إلى مصر. وتـبـلـغ احـتـيـاطـيـات حـقـل «كـــرونـــوس»، الــــــذي تــــديــــره شـــركـــة «إيـــــنـــــي»، وتـــســـهـــم فـيـه تريليون قــدم مكعبة. 2.5 «تــوتــال»، حـوالـي ومــــن المــخــطــط أن يــتــم نــقــل الـــغـــاز عــبــر خط كـــيـــلـــومـــتـــرا إلـــى 90 أنـــابـــيـــب بــــحــــري بــــطــــول منشآت المعالجة المصرية في بورسعيد، على ، بطاقة أولية 2027 أن يبدأ وصوله في عـام مليون قدم مكعبة يومياً. 500 تبلغ نحو وتتوقع مصر أن تستقبل بنهاية عام مليار قـدم مكعبة يوميا من 1.3 نحو 2028 الغاز القبرصي، عبر ربط حقلي «كرونوس» و«أفروديت» بمرافق حقل «ظهر»، بما يعزز الاســـتـــفـــادة مـــن الــســعــات المــتــاحــة فـــي البنية التحتية المـصـريـة، ويـخـفـض تكلفة خطوط النقل. وفـــسّـــر قــنــديــل اتـــجـــاه قـــبـــرص لـتـوريـد الـغـاز إلــى مصر ومنه إلــى أوروبــــا، بــدلا من تصديره مباشرة لــدول الاتـحـاد الأوروبـــي، بعدم وجــود خطوط أنابيب مباشرة تربط بين قبرص واليونان وإيطاليا ومـن ثم إلى أوروبا، كما أن الأزمات السياسية مع تركيا تعرقل الـربـط بـن البلدين ثـم إلــى الأســـواق الأوروبية. ويبقى وجود محطات إسالة في مصر حافزا نحو إنجاح اتفاقيات التوريد الموقعة بين البلدين، مع رغبة دول الاتحاد الأوروبي في الاستغناء عن الغاز الروسي. يُــــشــــار إلــــــى أن اتـــفـــاقـــيـــة نـــقـــل الـــغـــاز القبرصي إلـى مصر تعد امـتـدادا لمذكرات التفاهم الـتـي وُقـعـت فـي فـبـرايـر (شـبـاط) )، الـــتـــي تـضـمـنـت اتــفــاقــا 2025( المـــاضـــي لاسـتـعـمـال مـحـطـة الإســـالـــة فــي «دمــيــاط» و«إدكو» لتسييل الغاز الخام. القاهرة: أحمد جمال
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky