issue17209

الاحـتـجـاجـات الـتـي تشهدها إيـــران منذ الشهر الماضي والشعارات التي رفعها المتظاهرون أكدتا استمرار الانقسام المجتمعي حول النظام القائم وجوهر توجهاته، هذا الانقسام جرى التعبير عنه سابقا في تنافس انتخابي بين الإصلاحيين والمـحـافـظـن، تـحـول فــي الــســنــوات الأخـــيـــرة إلـــى خـــاف حـول التفاصيل وبــرامــج الإدارة والـسـيـاسـات الـعـامـة والـخـدمـات، وليس حول جوهر النظام، وأصبح التباين بين تيار محافظ داعم ومرتبط بمرشد الجمهورية وتيار إصلاحي يرضى عنه المرشد. والحقيقة أن مـظـاهـرات إيـــران أكـــدت ليس فقط حيوية المـجـتـمـع الإيــــرانــــي وقـــدرتـــه عــلــى أن يــكــون «مــصــنــعــا» دائــمــا للاحتجاجات السياسية والمطلبية، إنما أيضا رفعت شعارات أكدت أن الانقسام الموجود في كثير من البلدان الشرق أوسطية حول السياسات التدخلية وخطاب المقاومة ومواجهة القوى الكبرى والاستعمارية ليس محل «إجماع وطني»، كما يصور النظام الحاكم في طهران، وأن الهتاف «لا غزة ولا لبنان روحي فــداء إيـــران» أو حـرق صــورة قائد «الـحـرس الـثـوري» الـراحـل، قاسم سليماني، أو الحنين للنظام السابق، كما يجري في بلدان أخرى، بالقول: «هذه المعركة الأخيرة نجل الشاه سوف يـعـود». كـل ذلـك يقول إن إيـــران التي أسست النموذج الأكثر جـديـة وتـقـدمـا مـقـارنـة بنظم «المـمـانـعـة الـعـربـيـة»، هــي دولــة طبيعية ومجتمعها طبيعي، وإنه لا يجمع على دعم التدخل في شؤون الدول الأخرى ورفع شعارات تحرير القدس ودعم «حزب الله» وفصائل عراقية والحوثيين و«حماس»، لأن هناك قطاعا كبيرا من الشعب يرى أن الإيرانيين أجدر بهذه الأموال التي تنفق على تنظيمات «غير إيرانية»، وأن تعاطف الكثير مـن الإيـرانـيـن مـع الشعب الفلسطيني لا يعني ترجمة هذا التعاطف إلـى حـرب مع إسرائيل، ولا في عتاد وسـاح ومال يرسل إلى «حزب الله» قبل الجيش الإيراني. حان الوقت لكي يعترف النظام الإيراني أن خطاب المقاومة ودعـــم المستضعفين ومـحـاربـة «الاسـتـكـبـار الـعـالمـي» و«المـــوت لأميركا وإسرائيل»، وغيرها من الشعارات، ليست محل اتفاق داخلي، وأن التيار الآخر الذي يؤمن بالدولة الوطنية التي لا تتدخل في شؤون الآخرين، ويدافع عن مشروع مدني يستمد شرعيته من الشعب والدستور والمؤسسات المنتخبة ويقلص سلطة الولي الفقيه داخل الإطار الروحي والديني والأخلاقي ويبعدها عن السياسة موجود بقوة وربما أصبح غالباً. مـظـاهـرات إيـــران وتـيـاراتـهـا الإصـاحـيـة تـقـول إن إيــران مثل كل الدول التي تبنت خيارات تدخلية أو ثورية أو رفعت راية عابرة للحدود سواء كانت أممية إسلامية أو اشتراكية أو قومية عربية تبلور في داخلها تيار يقول: «كفى نريد أن ننظر إلى مشاكلنا أولاً». إن دولة مثل مصر ظلت طوال حكم الرئيس عبد الناصر بداخلها تـيـار يــرى أن مصر يجب أن تـكـون أولا وعليها ألا تدخل حروبا من أجل القضية الفلسطينية، ولا أن ترفع لواء القومية العربية على حساب أولوياتها الوطنية والمصرية، وكانت معاهدة السلام التي وقعها الرئيس السادات تتويج لوجود هذا التيار وحضوره. صحيح أن الانقسام بـن الـتـيـارات الوطنية والخيارات العابرة للحدود ليس الوحيد، فهناك خلاف حول اشتراكية عبد الـنـاصـر، كما أن هناك خلافا حــول رأسمالية الـسـادات، وهـــــنـــــاك جـــــوانـــــب أخـــــــــرى لــــلــــخــــاف الــــســــيــــاســــي والـــثـــقـــافـــي والاجتماعي في إيران التي فرض نظامها قيودا على الحريات العامة والحقوق الشخصية وحقوق المرأة مما جعل المختلفين معه لا يكتفون فقط «بالأولوية الوطنية»، إنما أيضا يرفضون القيود الاجتماعية التي فرضها النظام على قطاعات واسعة من الشعب، خصوصا المرأة. مـيـزة إيـــران مـقـارنـة بنظم ادعـــاء الممانعة العربية أنها لـيـسـت فـقـط نـظـامـا جــــادا يــؤمــن بـالـعـلـم إنــمــا أعــطــى هامشا سياسياً، ولـو مـحـدوداً، للمخالفين في الــرأي والتوجه، على خلاف ما جرى في نظم عربية مثل صـدام حسين، والقذافي، وبشار الأسد الذي فاق بجرائمه أي نظام استبدادي عربي. إن الاحـتـجـاج ضـد النظام مـن سمات المجتمع الإيـرانـي بما يعني أن جانبا مما يجري في بطن 1979 منذ ثورته عام المـجـتـمـع مـــن تــفــاعــات وغــضــب ورفــــض تـظـهـر عـلـى السطح وتجعل هناك فرصة لإصــاح النظام من داخله أو بخيارات وطنية من داخــل المجتمع حتى لو جــاءت من خــارج مشروع النظام. سـتـبـقـى تـركـيـا بـلـد شـــرق أوســطــي كـبـيـر، أقــــرب لخبرة نـجـاح فـي الإدارة السلمية للانقسام الـحـادث حــول مواجهة الـقـوى الـكـبـرى الـداعـمـة لـاحـتـال الإسـرائـيـلـي، وكيفية دعم القضية الفلسطينية، فقد نجحت فـي أن تـديـر بشكل علني وسلمي (رغـم التحديات والمشاكل) هذا الاستقطاب الموجود بين تيار حاكم محافظ دينيا ويدعم بشكل قانوني وسياسي عاقل القضية الفلسطينية وفصائل المقاومة، وتيار معارض يميني يرفض هذا الدعم ويدين بالكامل «حماس»، وكلاهما على خلاف بلدان كثيرة يتنافسان ويتصارعان بشدة ولكن بـآلـيـات سلمية وقـانـونـيـة. فـهـل ستعي طــهــران أن الـحـل هو الاعتراف الكامل بالتيار الآخر وتوقع تداول السلطة معه؟ إن ما حصل للرئيس الفنزويلي نيكولاس مــادورو أمر صــــادم جــــداً، فـــي ظـــل كـــل الــصــدمــات الــتــي تـلـقـاهـا الــعــالــم في السنوات والأشهر الأخيرة بشكل مكثف ومستمر. ولعل أهم معنى في حدث القبض على رئيس دولة ونقله إلى الولايات المتحدة لسجنه هو أن لا مجال للمخالفة والمعارضة الدوليتين حالياً. كما أن تمرير هذه الرسالة بصوت عال وأمام عدسات الكاميرات أيضا إنما يمثل تأسيسا للهيمنة وتأكيدها كواقع عالمي صارخ. إذن تتمثل الرسالة في ضـرورة مراجعة قـادة الـدول من هنا فصاعدا للخطاب الذي يوجهونه لساكن البيت الأبيض، الرئيس دونالد ترمب. وقبل رفع النبرة عاليا وقـول: «لا»، لا بد من دراسة السيناريوهات كافة. يبدو لنا أن الرئيس ترمب يمارس نوعا من سياسة الردع المباشرة كي يعيد قادة الدول المستهدفة التفكير فـي الـرفـض أو الـثـورة فـي وجــه الـولايـات المتحدة، حتى لو كانت هذه الثورة من كلام وخطب رنانة لا أكثر ولا أقل. لنترك حادثة الاختطاف الصادمة جانبا -الصادم فيها ليس التعارض الآيديولوجي بل شكل التعامل الذي جعل من قائد دولــة يُنقل مـن قصره وكــأن الأمــر يتعلق بنقل شخص عـــادي خـــارق لـلـقـانـون وتـــطـــارده الـشـرطـة الــدولــيّــة- ولنطرح سؤالا حول الثائرين والثورات في الزمن الراهن: أولا مــن المــهــم تـبـيـان أن تـوصـيـف الـــثـــورة مــحــاط دائـمـا بـالاخـتـاف والــجــدل، لـذلـك نـاحـظ أن الـتـاريـخ لـم يحتفظ إلا بعدد قليل من الأحداث الكبرى التي نطلق عليها صفة الثورة. وهنا يمكن استحضار الثورة الصناعية والثورة الفرنسية، وهـــمـــا ثــــورتــــان قـلـبـتـا الـــعـــالـــم والمــجــتــمــعــات ونـــمـــط الـعـيـش والـعـاقـات والقيم؛ الأمــر الــذي لـم يخلق حولهما جــدلا حول ماهيتهما الثورية. فالثورة الصناعية حوّلت البشرية من زمن العمل اليدوي إلى المكننة مع اكتشاف الكهرباء والبخار، وهو ما مهَّد بقوة لظهور الاكتشافات العلمية الكبرى التي غيّرت من طريقة الحياة، وظهرت وسائل النقل الحديثة، وتكاثرت المدن والمناطق الحضرية. وباعتبار أن الثورة الصناعية التي هي نتاج حركة علمية حثيثة انطلقت بقوة من القرن السادس عشر إنـمـا تشكل بمنجزاتها البعد المـــادي للحداثة. كما أن الثورة الفرنسية مثلت الشق المعنوي والفكري للحداثة حيث كانت النتاج الطبيعي لتراكم الأفكار التنويرية لفلاسفة عصر الأنوار في القرن الثامن عشر. إذن هـــاتـــان الـــثـــورتـــان مـثـلـتـا بـصـمـة حـقـيـقـيـة وعـمـيـقـة وتجاوزتا الحدود التي انطلقتا منها لتأخذا بعدا عالمياً. وهما فعلا تُعتبران ثورات، لأنهما حوَّلتا الواقع ومفرداته وهندسته بطريقة مغايرة لما سبق. وحتى الأزمــات التي عرفتها أوروبـا بعد الثورة الفرنسية وظهور نخب في دول أوروبية عدّة التي تريد العودة إلى زمن ما قبل الثورة، فإنها لم تفلح ولم تستطع منع عدوى الثورة من الانتقال إلى بلدانها. وأوّل ما يلفت الانتباه هو أن الثورات الكبرى حملت لنا ملامح الثورة الحقيقة، ومن هذه الملامح أن الثورة هي نتاج جهد سابق في التاريخ، أي أنها ثمرة ومحركة تاريخية في الوقت ذاته. كما أن هناك ملمحا آخر مهماً، وهو أنها منتجة. الـثـورة تنتج زمنا مختلفاً، وإذا لـم يحصل ذلـك فنحن ربما أمام انتفاضة عابرة. لنعد إلى حادثة الاختطاف التي بدأنا منها؛ فنحن أمام حرب متقطعة على بقايا الاتحاد السوفياتي سابقاً. فالحرب الباردة حسمها التاريخ بسقوط الاتحاد السوفياتي وانتصار المعسكر الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. لم نكن فـي صـــراع ثـــوري بـل كـانـت هـنـاك حــرب بـــاردة بـن الليبرالية والاشـتـراكـيـة والآيـديـولـوجـيـة الـثـانـيـة تتميز بـطـابـع ثـــوري. لذلك فإن النخب الشيوعية ثائرة على القيم الليبرالية ويتميز خطابها بما اصطلح على توصيفه بالثورية. وإذا مـا أمعنا النظر أكـثـر، فإننا نـاحـظ أن الشعبوية استأنفت الـظـهـور بعد مـا تُــسـمّــى بــثــورات «الـربـيـع العربي» التي هي أيضا محل جدل واسع بين من يعتبرها «ثورة» ومن يعتبرها انتفاضة ضد البطالة وغلاء المعيشة والأفق الوطني المسدود. لنتذكر جـيـدا أن مـفـهـوم الــثــورة لــه مــدلــول إيـجـابـي في تـمـثـات الــشــعــوب؛ لــذلــك نـجـد تـمـيـيـزا بــن الـــثـــورة والـتـمـرد، وعادة ما يُعد الثائر شجاعا وجريئا ومختلفاً. هل فعلا انتهى زمن الثورات؟ نـعـتـقـد أن الــــثــــورات لا زمــــن لــهــا بـــقـــدر مـــا هـــي مـرتـبـطـة بواقع الشعوب وطموحاتهم والنسق الثقافي الـذي يسوس المجتمعات، وما إذا كان هذا النسق قد فقد صلاحيته ولم يعد مناسبا لمجتمعات قطعت أشواطا في مسيرة التحديث. إن الاعـــتـــقـــاد فـــي زوال زمــــن الــــثــــورات مـــــرّده الـــربـــط بين الـثـورات والآيديولوجيات، وبهذا المعنى فقط يكون السؤال مشروعا ً. أما الثورة في معانيها العميقة والحقيقية، فهي دائمة على المستوى الذاتي للبشرية والمجتمعي. فلا تغيير من دون ثـــورة حتى وإن تغيرت أدواتــهــا وآلياتها ومضامينها، لأن البناء والتغيير هما جوهر الثورة ومعناها. تــكــمــل تــــظــــاهــــرات الـــــريـــــال الإيــــرانــــي أسـبـوعـهـا الــثــانــي، والمـــاحـــظ أن الــحــراك يتوسع فـي انـتـشـاره، فـي حـن لـم تتسع أعـــــــداد المــــشــــاركــــن لــتــصــل إلـــــى مــســتــوى الانـتـفـاضـة. والانـتـفـاضـة هـنـا، بمعناها الـشـعـبـي أو الــحــركــي وحــتــى الانــقــابــي، هــي مـوجـة بـشـريـة ضخمة يصعب على السلطات مواجهتها أمنيا أو استيعابها سـيـاسـيـا. ومــــا يــحــدث فـــي إيـــــران الــيــوم، عـلـى الــرغــم مــن أنـــه الأخــطــر عـلـى النظام الإســـامـــي مـنـذ تـأسـيـسـه بـسـبـب ظـــروف الوضع الداخلي، لم يرق بعد إلى مستوى التهديد الفعلي. فــــي إيــــــــران، فــــي كــــل المــــــدن والــــزوايــــا والـــــشـــــوارع، حــيــث يـــوجـــد المـــتـــظـــاهـــرون، الذين يمثلون كتلة كبيرة صامتة، شعبية ونخبوية وسياسية، يسيطر الحذر في الانخراط أو الانعزال أو الحياد. فما تمر بــه إيــــران فـــرض عـلـى الأطــــراف المـعـارضـة كـــافـــة، مـــن داخــــل الــنــظــام أو مـــن خــارجــه، مـــمـــارســـة حــــــذر مـــحـــســـوب، وفــــــي بـعـض جوانبه مستتر. الــــحــــذر المــســتــتــر هــــو جـــــزء أســـاســـي فــي تـكـويـن الــفــرد الإيـــرانـــي، تــحــوّل حـالـة جـمـعـيـة أو مـجـتـمـعـيـة يُــمــارســهــا دائــمــا؛ فــــالــــفــــرد أو الـــجـــمـــاعـــة أو المـــجـــتـــمـــع فـي تـــحـــفّـــظـــه، يــتــجــنــب الإعـــــــان عــــن مــوقــفــه، خصوصا إذا كــان سياسيا أو عقائدياً. وهـذا ما يدفع جـزءا من النخبة الإيرانية إلــــى الإبــــقــــاء عــلــى حـــذرهـــا المــســتــتــر مما يمكن تسميته «انتفاضة الــريــال»، وهو حــــذر نـــابـــع مـــن اهـــــتـــــزازات قـــد تـسـبـق أي انـــتـــقـــال، أو تــأجــيــل لـــعـــدم الانــــخــــراط في المواجهة. وهذا ما يعني النخب الفارسية خــصــوصــا، لا سـيـمـا تـلـك الــتــي تــصــدّرت المـشـهـد فــي انـتـفـاضـة الــحــركــة الـخـضـراء التي تبقى الانتفاضة الوحيدة في تاريخ النظام الإسلامي التي قادتها شخصيات كبيرة وقدّمت خطابا متقدما شكّل بديلا حقيقيا ومتكاملا مع النظام. أمــــا الـــحـــذر المـــحـــســـوب مـــن تـــطـــورات انتفاضة الـريـال، فـنـراه مـن داخــل النظام وخـارجـه، ومـن قِبل المعارضة الحقيقية، وهو قائم على تقدير الأهداف والإمكانات والـتـكـلـفـة والأربــــــاح. وفـــي الأربـــــاح تكمن حـــســـابـــات أغـــلـــب الأطــــــــراف والـــجـــمـــاعـــات الإيرانية السياسية والعرقية؛ وانخراطها فـــــي الانــــتــــفــــاضــــة وتــــحــــويــــل شـــعـــاراتـــهـــا الـسـيـاسـيـة فــعــا سـيـاسـيـا مـرتـبـطـا أولا بــمــوازيــن الـــقـــوى الــداخــلــيــة فـــي المـشـاركـة وردّات فـــعـــل الــــنــــظــــام. كـــمـــا أنـــــه تـكـتـيـك اســتــراتــيــجــي تــمــارســه عــــادة الـجـمـاعـات الإيرانية المؤثرة في الاستقرار الداخلي، وفي مقدمتها الجماعة الأذرية التي تمثل مــنــذ خـمـسـة قـــــرون الـــدولـــة المُـــســـيِّـــرة لأي نظام يحكم سكان الهضبة الإيرانية. مـــا يــمــكــن اعـــتـــبـــاره نــقــلــة نــوعــيــة أو مــؤشــرا خـطـيـرا فــي مستقبل الانـتـفـاضـة هــو انـضـمـام بــــازار تـبـريـز، يـــوم الـثـاثـاء الماضي، إلى الإضرابات؛ وهو ما له تأثير مــبــاشــر عــلــى بـــاقـــي الـــجـــمـــاعـــات المــكــوِّنــة للشعوب الإيرانية، وفي مقدمتهم العرب والـكـرد والـبـلـوش. لكن الانــخــراط الكامل لــــأذريــــن، بـصـفـتـهـم الــجــمــاعــة الـثـانـيـة عـــــدداً، وقـــد يُــعــتــبــرون الأولـــــى فـــي بعض المـــجـــالات تــأثــيــرا نـتـيـجـة عـمـق وجــودهــم فـــي مــؤســســات الـــدولـــة، يُـــعـــد أســـاســـا في مستقبل الانتفاضة، وهم اليوم يمارسون حـــــذرا مــــدروســــا. فــهــم لا يــرغــبــون فـــي أن يكونوا ضحايا صـراع فارسي – فارسي على السلطة، أو أداة تُستخدم في خدمة مشروع أخطر عليهم وعلى وحـدة إيـران من النظام الحالي. وكـــلـــمـــا زادت المـــعـــارضـــة الــفــارســيــة التقليدية، القومية أو البهلوية، من حدّة خطابها، ازداد الحذر الأذري المحسوب، وترسّخت فكرة «التعايش مع من نعرفه أفضل ممن لا نعرفه». وهذا ينطبق أيضا على الكرد الذين دفعوا الثمن الأكبر في انتفاضة الـحـجـاب وأزمـــة مهسا أميني. أما العرب، الذين لُدغوا من الجحر مرات عــــدة، فـلـم يـحـصـلـوا حـتـى عـلـى تضامن إنـــســـانـــي مـــع الـــشـــاب الـــــذي أحـــــرق نفسه منذ أكثر من شهر في الأحواز. والبلوش عالقون بين الحالة الأمنية التي يمارسها الـــنـــظـــام فــــي مــنــاطــقــهــم المــــتــــوتــــرة، وبـــن الأعمال الإرهابية التي تمارسها فصائل متشددة. هـذا الحذر المحسوب موجود أيضا داخـــــــل الـــســـلـــطـــة، مــــن قِــــبــــل قـــــوى الــــدولــــة والــــحــــكــــومــــة، ومـــــــن قِــــبــــل قـــــــوى الـــنـــظـــام والـثـورة. في الحالة الأولـــى، يظهر حجم الضغط الذي يمارسه رئيس الجمهورية مـــــن أجــــــل الاحــــــتــــــواء الإيــــجــــابــــي لمــطــالــب المــتــظــاهــريــن، لـكـنـه يـحـصـرهـا بـالـجـانـب المــطــلــبــي الاقـــتـــصـــادي والمـــعـــيـــشـــي. وهــو حتى الآن في موقع المدافع عنهم، وحذره المـــــدروس أنـــه لا يستطيع أن يــكــون ضد الناس ولا أن يواجه النظام وحده. أمــــــا قــــــوى الــــنــــظــــام الــــثــــوريــــة مـنـهـا والـعـقـائـديـة، فهي لا تــرى فـي الــحــراك إلا بـعـدا تخريبيا وتــآمــريــا، لكنها تـمـارس أيـضـا حـــذرا مــدروســا؛ فهي تـراقـب حجم الانــخــراط وتـحـولاتـه، وإمـكـانـيـة إخـمـاده بتكلفة مــحــدودة، لكنها حـــذرة كـذلـك من عواقب اندفاعها الأمني داخليا وخارجياً. وهي تأخذ تهديدات البيت الأبيض على محمل الجد، كما أن حذرها المـدروس في الداخل مركّب نتيجة عـدم ثقتها ببعض أطـراف الحكومة، وخصوصا بالمعارضة الــداخــلــيــة (مــــن مـعـتـدلـن وإصـــاحـــيـــن). أمــا مـراكـز الـقـوة داخـلـهـا، على الـرغـم من أزمتها الجماعية، فــإن كـل طــرف يخطط مـــنـــفـــردا لمــعــالــجــة الأزمـــــــة؛ فــمــن سيتخذ قـــرار القمع والتضحية بسمعته حماية للنظام سيكون صاحب القرار في المرحلة الانتقالية. وهــذا يفرض حــذرا محسوبا لأن أي خــطـــوة غــيــر مـــدروســـة قـــد تطيح بمن اتخذها أو تتسبب بتداعيات على الجميع. وعـــلـــيـــه، الــــحــــذر ســـيّـــد المــــوقــــف؛ فـا الـداخـل مستعجل، ولا الـخـارج منخرط، فــــــي حــــــن قــــــد يــــتــــاشــــى حــــــــذر الـــجـــمـــيـــع تدريجيا ً. OPINION الرأي 12 Issue 17209 - العدد Friday - 2026/1/9 الجمعة هل فعلا انتهى زمن الثورات؟ التيار الآخر في إيران إيران: الحذر المحسوب وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com آمال موسى عمرو الشوبكي مصطفى فحص

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky