يوميات الشرق ASHARQ DAILY 22 Issue 17208 - العدد Thursday - 2026/1/8 الخميس إن فيلمها «المجهولة» يتمرد على الأفكار النمطية المخرجة السعودية قالت لـ هيفاء المنصور : الإخلاص للقضايا المحلية يقود إلى العالمية تـــرى المـخـرجـة الـسـعـوديـة هـيـفـاء المـنـصـور أن تحوّل المشهد السينمائي في المملكة خلال السنوات الأخيرة لم يكن مجرد اتساع في الإنتاج، بل تغير فـي طبيعة الأسئلة المـطـروحـة، موضحة أن وجـود أصــــوات مـتـعـددة الــيــوم مـنـح الـسـيـنـمـا الـسـعـوديـة حـــيـــويـــة حـــقـــيـــقـــيـــة، لـــكـــنـــه فـــــي الـــــوقـــــت نـــفـــســـه نـقـل المسؤولية مـن إثـبـات الـوجـود إلــى تعميق الـرؤيـة، فالحرية الفنية باتت أوسع، بما يفرض على المخرج التفكير بشكل أدق فيما يقدّمه، ولماذا يقدّمه. هـيـفـاء المـنـصـور الــتــي تستقبل دور الـعـرض السعودية أحــدث أفلامها «المجهولة» خــال أيــام، بعد مشاركته فـي مهرجاني «تـورنـتـو» و«البحر الأحـــمـــر»، تـقـول لـــ«الــشــرق الأوســـــط»، إن الـعـمـل لا يقوم على حادثة بعينها، رغم انطلاقه من فرضية دفن امرأة بلا هوية بدافع الشرف. مــوضــحــة أن «الــفــيــلــم نـــتـــاج بــحــث طـــويـــل في قـصـص غـيـر مكتملة، وحــكــايــات لــم تُــــروَ، وخــوف اجتماعي صامت من الفضيحة غالبا ما يتقدّم على الخطيئة نـفـسـهـا»، لافـتـة إلــى أن «الـعـمـل اشتغال رمزي، لكنه رمز نابع من واقع نفسي واجتماعي، حـتـى حــن لا يـجـد طـريـقـه إلـــى الـتـوثـيـق العلني»، على حد تعبيرها. تـــــدور أحــــــداث الــفــيــلــم حــــول «نـــــــوال» الــســيــدة عاما التي تحصل على وظيفة 29 المطلقة صاحبة الـ إداريّــــة روتينيّة فـي مخفر الـشّــرطـة المـحـلّــيّ، تقوم فـيـهـا بـرقـمـنـة المــلــفّــات الـقـديـمـة، وتـتـغـيّــر حياتها عندما يتم العثور على جثّة فتاة مراهقة ترتدي زيّـــا مـدرسـيّــا، دون أيّـــة وثـائـق تـعـرّف بـهـا، وتـقـرّر «نوال» أن تبدأ التحقيق في هذه القضية بنفسها. تـــقـــول المـــخـــرجـــة إن اخـــتـــيـــارهـــا جــعــل الـبـطـلـة «نـــوال» موظفة أرشيف في مخفر الشرطة لم يكن تفصيلا إجرائياً، بل قرارا دراميا ونفسياً، فالموقع الـهـامـشـي، يسمح بــرؤيــة مــا يُــهـمَــل عــــادة، ويضع الــشــخــصــيــة فــــي مـنـطــقـة مـــراقـــبـــة صــامــتــة قــبــل أن تتحول تدريجيا إلى طرف متورط أخلاقياً، لافتة إلـى أن الفيلم لا يسعى إلـى تقديم تحقيق جنائي تقليدي، بقدر ما يتتبّع مسارا داخليا لامرأة تجد نفسها أمام سؤال لا تستطع تجاهله. وفيما يتصل بغياب المؤسسة أو حضورها الخافت داخل الفيلم، تصف هيفاء هذا الأمر بأنه «اختيار واع يهدف إلـى عـزل الفرد داخــل مأزقه»، مـشـيـرة إلـــى أن حــضــور المـؤسـسـة غـالـبـا مــا يكون مـجـرّدا وثقيلاً، بينما ما يهمها هو اللحظة التي يُترك فيها الفرد وحيدا أمام قرار لا يمكن تفويضه، ولا الاحتماء فيه بأي بنية أكبر. وتـوضـح المخرجة أن البناء الـسـردي المـتـدرّج فــــي «المـــجـــهـــولـــة» مـــقـــصـــود، وأن الالــــتــــبــــاس جـــزء أساسي من التجربة، فهي، كما تقول، «لا أميل إلى تقديم إجابات جاهزة، وأثق في قدرة المشاهد على المشاركة في بناء المعنى، خصوصا أن التوتر في الفيلم لا يصنعه تصعيد الأحـداث، بل الإحساس، والتفاصيل الصغيرة، والصمت، والفجوات التي تترك مساحة للتفكير». وفـــــــي حـــديـــثـــهـــا عــــــن كــــســــر صـــــــــورة «الـــبـــطـــلـــة الــتــقــلــيــديــة»، تـلـفـت هــيــفــاء إلــــى أنــهــا لا تـبـحـث عن شخصية مُــرضـيـة أو نـمـوذجـيـة، بــل عــن شخصية صـــادقـــة، «فـالـسـيـنـمـا كـثـيـرا مـــا قـــدّمـــت الــنــســاء إمـا بوصفهن ضحايا مثاليات أو رموزا مبسطة، بينما الــواقــع أكـثـر تـعـقـيـداً، و(نـــــوال) تـتـحـرك فــي مساحة رمادية أخلاقياً، وهو ما يجعلها شخصية مزعجة أحياناً، لكنها أقرب إلى الحقيقة»، وفق قولها. وعـــن مــوقــع «نـــــوال» بـــن الـضـحـيـة والـفـاعـلـة، ترى المخرجة السعودية أن الشخصية تجمع بين الاثنين. فالظروف، كما تقول، تفسّر المسار لكنها لا تلغي المسؤولية، وهذا التوتر بين الفعل والظرف هو ما يمنح الشخصية بعدها التراجيدي، بعيدا عن الأحكام السهلة. وفــــــي تــفــضــيــلــهــا الاشــــتــــغــــال عـــلـــى الــتــحــلــيــل الـنـفـسـي مـقـابـل حــضــور أقـــل لـلـبـنـيـة الاجـتـمـاعـيـة المحلية، توضّح هيفاء أن السينما، بالنسبة لها، تــبــدأ مـــن الـــداخـــل، فـالمـجـتـمـع حـــاضـــر، لـكـنـهـا تـــراه يـنـعـكـس عـبـر الـنـفـس والـــســـلـــوك، لا عـبـر الـخـطـاب المباشر أو الشرح. وتـتـوقـف عـنـد الـــقـــراءات الـتـي رأت فــي الفيلم خطابا موجّها إلى المتلقي الغربي، موضحة أنها «أثـنـاء الكتابة لم أفكّر في جمهور محدد، ولا في المــهــرجــانــات، بــل فــي قـصـة إنـسـانـيـة داخــــل سياق مـجـتـمـعـي مــحــلــي واضـــــــح»، مـــؤكـــدة أن «الأعـــمـــال الــصــادقــة محليا هــي الأكــثــر قـابـلـيـة للفهم خــارج حـدودهـا، لأن العالمية، في نظرها، لا تتحقق عبر تــخــفــيــف الـــخـــصـــوصـــيـــة، بــــل عـــبـــر الالـــتـــصـــاق بـهـا والإخلاص لها». وعن السينما النسوية، تقول هيفاء المنصور إنها لا تؤمن بتقديم نساء مثاليات أو «نبيلات»، بــــل تـــــرى أن تـــقـــديـــم نـــســـاء مــــعــــقّــــدات، غـــاضـــبـــات، ومــــتــــردّدات هـــو الأكـــثـــر صــدقــا واحـــتـــرامـــا لتجربة المرأة. فالتناقض، في نظرها، ليس ضعفا درامياً، بل جوهر التجربة الإنسانية. وفيما يتصل بمفهوم «العالمية»، تعود هيفاء المـنـصـور للتأكيد على أن الانــطــاق مـن المحلي لا يشكّل عائقا أمام الوصول إلى الآخر، بل هو شرطه الأســـاســـي، فكلما ازداد الـعـمـل تـــجـــذّرا فــي سياقه الثقافي والإنساني، ازدادت قدرته على العبور من دون وساطة. لافتة إلى أن «هذا الوعي يتقاطع مع التحولات التي تشهدها السينما السعودية اليوم، حيث يدفع ازدهار الإنتاج وظهور أصوات نسائية متعددة إلـى إعــادة التفكير باستمرار في الأدوات والأسـئـلـة، باعتبار السينما مـسـارا مفتوحا على الــتــحــوّل، لا مـوقـعـا مستقرا عـنـد صيغة واحــــدة»، على حد تعبيرها. وتتوقف هيفاء المنصور عند فترات ابتعادها عن العيش داخـل المجتمع السعودي، موضحة أن «المسافة قد تمنح أحيانا قـدرا أكبر من الوضوح، مـــن دون أن تـعـنـي قـطـيـعـة مـــع المــــكــــان»، فـالـعـاقـة بــالمــكــان، كـمـا تــــرى، لا تُــقــاس بــعــنــوان الــســكــن، بل بالذاكرة والهوية والأسئلة التي تعود وتلح مهما طال الغياب. رغم ردود الفعل النقدية التي حملت ملاحظات على العمل من النقاد، فإن هيفاء المنصور تؤكد أن الفيلم لو أعيد العمل عليه اليوم لن تقوم بتغيير أي شيء فيه، معتبرة أن «كل فيلم مرتبط بصدق لحظته». هيفاء المنصور (إنستغرام) جدة: أحمد عدلي تجمع بين المسح الميداني والدراسات التاريخية والاجتماعية والتحليل المعماري رحلة توثيقية في «ذاكرة الرياض» وثَّق مشروع سعودي رحلة التحولات الحضارية والعمرانية التي شهدتها مدينة 1950 الــــريــــاض خــــال الـــفـــتـــرة المـــمـــتـــدة بـــن م، وتتبع تاريخها الـفـريـد فـي بناء 2000 و هــويــة حـضـريـة مـمـيـزة تـعـكـس روح المـكـان وتطوره. وأبـــرز مـشـروع «ذاكـــرة الـريـاض» الـذي أنــجــزتــه أمـــانـــة مـنـطـقـة الــــريــــاض، لـتـوثـيـق وحـــــفـــــظ الـــــــذاكـــــــرة الــــحــــضــــريــــة لـــلـــعـــاصـــمـــة السعودية، الـــدور المـؤثـر والتنموي لخادم الــحــرمــن الـشـريـفـن المــلــك سـلـمـان بـــن عبد العزيز، إبّــان فترة إمـارتـه لمنطقة الرياض، ومــــا أحـــدثـــه مـــن نـقـلـة نــوعــيــة فـــي تخطيط المــــديــــنــــة وتـــنـــظـــيـــمـــهـــا وتــــطــــويــــر مـــعـــالمـــهـــا العمرانية ذات القيمة التاريخية والمعمارية والاجتماعية. ومـــــن خـــــال مــنــهــجــيــة عــلــمــيــة دقــيــقــة تــجــمــع بــــن المـــســـح المــــيــــدانــــي، والـــــدراســـــات الــــتــــاريــــخــــيــــة والاجــــتــــمــــاعــــيــــة، والـــتـــحـــلـــيـــل المعماري، نفَّذ المشروع حصرا ميدانيا شمل موقعاً، ضمّت أكثر 1155 حيا سكنيا و 112 مبنى متنوع بين مبان حكومية 1000 من وخـــدمـــيـــة وســـكـــنـــيـــة، ومـــــبـــــان ذات أهــمــيــة مـــبـــنـــى 100 اجــتــمــاعــيــة وتـــاريـــخـــيـــة، مــنــهــا 55 مصنّف ضمن مباني ذاكــرة الـريـاض، و 70 مبنى ذا أهمية تاريخية واجتماعية، و 70 مبنى أُزيل لاحقاً، و 35 مبنى مهجوراً، و تصميما لمبان لم تُنفذ. أهم تحولات عمارة الرياض خلال نصف قرن قــــال الـــدكـــتـــور نـــائـــف الـــغـــامـــدي، مـديـر مـــــشـــــروع ذاكــــــــــرة الـــــــريـــــــاض، إن الـــعـــاصـــمـــة م 2000 و 1950 السعودية، شهدت بين عامي تحولات عمرانية جذرية نقلتها من مدينة تقليدية محدودة النطاق إلى عاصمة حديثة ذات ثقل سياسي واقتصادي وعمراني. ويضيف: «فــي الخمسينات الميلادية، بدأت ملامح التحول الأولى مع اعتماد مواد البناء الحديثة ومنها الخرسانة المسلحة، وانتقال العمران من النمط الطيني التقليدي إلـــى المــبــانــي الـخـرسـانـيـة، وذلــــك تــزامــنــا مع اخـتـيـار الـــريـــاض عـاصـمـة إداريـــــة للمملكة، وانــتــقــال الــــــوزارات والمــؤســســات الحكومية إلـــــيـــــهـــــا، مــــمــــا أســـــهـــــم فــــــي تــــــوسّــــــع المـــديـــنـــة خــــارج أســـوارهـــا الــتــاريــخــيــة، بـالـتـالـي عقد الخمسينات الميلادية هو البداية الحقيقية لتحديث الدولة». ويشير الغامدي إلى أن الرياض وخلال الستينات الميلادية، شهدت تطورا ملحوظا في التخطيط العمراني، حيث ظهرت الأحياء السكنية المخططة مثل حي الملز، وتوسعت شبكة الــطــرق، وازدادت المـبـانـي الحكومية والمــــــــدارس، مـــع تـحـسـن مــســتــوى الــخــدمــات والبنية التحتية، وقـد اتسمت هـذه المرحلة بـالاتـزان فـي النمو، مـع تركيز على الجودة وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان. أمــا السبعينات المـيـاديـة، فقد شكّلت نقطة تـحـول كـبـرى بفعل الـطـفـرة النفطية. وأردف الغامدي: «تسارع التوسع العمراني أفـقـيـا ورأســيــا خـــال السبعينات المـيـاديـة، وظـهـرت مـشـاريـع ضخمة للبنية التحتية، والــطــرق الــدائــريــة، والمــرافــق الـعـامـة، إضـافـة إلـــى مـجـمـعـات سكنية مـتـكـامـلـة، كـمـا بــدأت الدولة في استقطاب الخبرات العالمية، مما انعكس على تنوع الطرز المعمارية وتحديث أساليب البناء». وفي الثمانينات الميلادية، تبلور وعي عـمـرانـي يـسـعـى إلـــى الـتـوفـيـق بــن الـحـداثـة والــهــويــة المـحـلـيـة، فـظـهـرت مـشـاريـع رمـزيـة مـمـيـزة مـثـل حـــي الـــســـفـــارات ومـنـطـقـة قصر الـحـكـم، الـتـي أعــــادت قــــراءة الــتــراث النجدي بـأسـلـوب مـعـاصـر، وتــرافــق ذلــك مـع اهتمام أكــبــر بــالــفــراغــات الــعــامــة، والمـــشـــاة، والـبـعـد البيئي. ويضيف الغامدي أن حقبة التسعينات الميلادية، تميزت بمرحلة النضج العمراني، حيث اتجهت الرياض نحو العمارة الرأسية وبرزت الأبراج الحديثة، إلى جانب مشاريع كــــبــــرى فـــــي مـــــجـــــالات الــــصــــحــــة، والـــثـــقـــافـــة، والرياضة. ومــــــع نـــهـــايـــة الــــــقــــــرن، بــــــــدأت الــــريــــاض بالاتجاه الـرأسـي بشكل واضـــح، وأصبحت كذلك مدينة متعددة المـراكـز، تعكس مزيجا من الحداثة والتاريخ، وتمتلك هوية عمرانية واضحة بوصفها عاصمة إقليمية حديثة. كواليس إنجاز ذاكرة الرياض يكشف الدكتور نائف الغامدي مدير مشروع ذاكرة الرياض، عن أن المشروع بدأ بفكرة من أمانة منطقة الرياض بداية عام ، وتبلورت هذه المبادرة حتى أصبحت 2022 مـــشـــروعـــا وطـــنـــيـــا كـــبـــيـــراً، بـــــــادرت الأمـــانـــة بطرحه وترسيته على معهد الملك عبد الله للبحوث والـدراسـات الاستشارية بجامعة الملك سعود. ، بدأ العمل 2022 ) وفي سبتمبر (أيلول على تكوين فريق المشروع الذي اشتمل على شخصا من المتخصصين في الجامعات 45 السعودية، ضمت مـؤرخـن ومتخصصين في العمارة والتراث، وممارسين معماريين، ومختصين بنظام المـعـلـومـات الجغرافية، وبــاحــثــن مــيــدانــيــن، ومـصـمـمـي غــرافــيــك، وفريقا للدعم. ويـــقـــول الـــغـــامـــدي إن المـــشـــروع أُنــجــز مراحل: الأولــى كانت مرحلة حصر 3 عبر المـبـانـي، ثـم مرحلة الــدراســات التحليلية، وأخــــــيــــــرا مــــرحــــلــــة الــــتــــوثــــيــــق، ويـــضـــيـــف: «المــــــشــــــروع إجـــــمـــــالا لـــــم يـــكـــن ســــهــــا عـلـى الإطلاق، بل كان يمر بصعوبات وتحديات كـثـيـرة، ويـعـد هــذا المــشــروع ثـــروة معرفية مفتوحة نشكر أمانة منطقة الرياض على إتـاحـتـه للجميع دون أي اسـتـثـنـاء، حيث تـمـت إتــاحــة جميع الـبـيـانـات والمـعـلـومـات والرسومات ومواقعها الجغرافية للمباني المـــــحـــــصـــــورة عــــلــــى المــــــوقــــــع الإلــــكــــتــــرونــــي للمشروع، بالإضافة إلى الأفلام الوثائقية الخمسة، وكذلك الكتب الخاصة بمشروع ذاكرة الرياض». منهجية علمية للمشروع جمعت بين المسح الميداني والدراسات التاريخية والاجتماعية والتحليل المعماري (واس) الرياض: عمر البدوي عرض الفيلم في مهرجان تورونتو (الشركة المنتجة) انتقال العمران من النمط الطيني التقليدي إلى المباني الخرسانية تزامن مع اختيار الرياض عاصمة إدارية للمملكة (واس)
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky