issue17208

Issue 17208 - العدد Thursday - 2026/1/8 الخميس كتب BOOKS 17 ثلاثة علماء كنديين يكشفون عن أبعادها لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟ خرافة عن التلوث 20« يكشف كتاب الـــبـــيـــئـــي» الــــصــــادر عــــن دار «الـــعـــربـــي» بـالـقـاهـرة لـثـاثـة مــن عـلـمـاء الاجـتـمـاع والــبــاحــثــن الــكــنــديــن، كـيـف أن قضية الــــتــــلــــوث الـــبـــيـــئـــي هـــــي فـــــي جـــوهـــرهـــا مـعـركـة ثقافية تتعلق بتزييف الـوعـي العام وخــداع الجماهير العريضة عبر «شعارات زائفة وأفكار مغلوطة» تبثها دوائــــــــر رأســـمـــالـــيـــة تـــســـتـــهـــدف تـحـقـيـق أرباح خرافية على حساب سلامة كوكب الأرض ومـــوارده، دون أن تبدو هى في الصورة نهائياً. ويــــــقــــــول أرنـــــــــو تــــــوريــــــا كـــلـــوتـــيـــيـــه وفردريك لوغو وآلان سافار في الكتاب، الـــــــذي تـــرجـــمـــتـــه أمــــانــــي مـــصـــطـــفـــى، إن جـــمـــيـــع مـــــن فـــــي الــــعــــالــــم أصــــبــــحــــوا مـن أصحاب «التوجه الأخضر» بما في ذلك شركتا «كوكاكولا» و«توتال» على نحو يوحي أن البيئة هي «الفطرة السليمة الـجـديـدة» وأنـنـا يجب أن نسعد بهذا، لكن الحقيقة على عكس ذلك. إن لـديـهـم أسـبـابـا وجـيـهـة للقلق؛ فــــإذا كـــان الـجـمـيـع ذوي تــوجــه أخـضـر، فكيف نبرر الـكـارثـة البيئية وتوابعها حيث تعاني الإنسانية بالفعل من عنف الاضـــطـــرابـــات المــنــاخــيــة، مــثــل مــوجــات الـحـر والـجـفـاف والـفـيـضـانـات وحـرائـق الغابات والأعاصير المدمرة؟ البيئة هي ساحة معركة ثقافية بـالأسـاس، ففيها نجد حلفاء حقيقيين ولكننا نجد أيضا أعــــــــداء شــــرســــن، والمـــــدهـــــش أنــــــه حـتـى المــــــرتــــــزقــــــة، عـــديـــمـــو الــــرحــــمــــة، يــتــخــفــون وراء شعارات نبيلة يـــأتـــي فـــي مـقـدمـتـهـا اللون الأخضر. ويـــــــــــــــــــوضـــــــــــــــــــح الــعــلــمــاء الــثــاثــة أن البيئة ليست مسألة بـــــســـــيـــــطـــــة تــــتــــعــــلــــق بقناعات أخلاقية أو سـيـاسـيـة، كـمـا أنها وقبل كل شيء نتاج القيود الاقتصادية تـلـك المـفـروضـة على مــــعــــظــــمــــنــــا لـــلـــعـــمـــل لمــــــصــــــلــــــحــــــة شــــــركــــــة كـــبـــيـــرة مـــلـــوثـــة لــلــبــيــئــة، أو اســـتـــخـــدام ســـيـــارة لـــلـــذهـــاب إلــــى الــعــمــل أو شـــراء أغــذيــة غـيـر عـضـويـة لأنـهـا أرخـــص، أو المـعـانـاة مـن الـتـلـوث الـنـاتـج عـن منجم أو ازدحـــــام الــســيــارات أو الإســـــراف في اســــتــــخــــدام الــــطــــاقــــة لـــتـــدفـــئـــة المـــســـاكـــن الــــســــيــــئــــة الــــــعــــــزل، بــــــل أيـــــضـــــا الـــقـــيـــود المفروضة على معظم الشركات لخفض الــتــكــالــيــف عــــن طـــريـــق زيـــــــادة الــتــلــوث وتحقيق الأرباح، والتميز في المنافسة مـــن خـــال إغـــفـــال هـــذه الــقــيــود وكيفية تــطــبــيــقــهــا بــــا مـــــســـــاواة، ومـــــن ثــــم قـد يـنـتـهـي بـنـا الأمــــر إلـــى الاعــتــقــاد بأننا جميعا فــي الـــقـــارب نـفـسـه. هـــذا الـوهـم جميل بقدر ما هو خطير. إن المـصـدر الرئيس لـأزمـة البيئية هـو أننا نستهلك كثيراً، فـــإذا تمكنا من اســتــهــاك مـــا هـــو ضـــــروري فـقـط لتلبية احـتـيـاجـاتـنـا واستهلكنا بطريقة أكثر ذكاء فسوف نتمكن من حل الأزمة البيئية. يجري هذا الكلام على لسان الجميع إلى درجة أنه يصعب علينا أحيانا التخلص مـــن الــشــعــور بــالــذنــب إزاء إقــدامــنــا على شـــــراء مـــابـــس جــــديــــدة، فــهــم يــــــودون أن يـــضـــعـــوا كــــل ثـــقـــل خـــــيـــــارات الاســـتـــهـــاك عـلـى عـاتـق المستهلكين وحــدهــم كـأفـراد يتمتعون بسلطة شرائية معينة وليس لكونهم مـواطـنـات ومـواطـنـن يتمتعون أيضا بسلطة اجتماعية. ويلفت العلماء إلـى أنـه في جوهر هــــــــذه الــــحــــجــــة تـــكـــمـــن فـــــكـــــرة تـــفـــتـــرض أن المــســتــهــلــك ســـتـــكـــون لـــديـــه الـسـلـطـة والـــســـيـــادة أو حـتــى الــسـيــطــرة الـكـامـلـة على الاقتصاد، حيث يقال لنا إن الشراء اختيار، فالشركات بعد كل شيء تخدم فـــقـــط احـــتـــيـــاجـــات المــســتــهــلــكــن، ألــيــس كذلك؟ مــن وجـهـة نـظـر أخـاقـيـة يمكن أن تمتد مسؤولية المستهلك قــدر الإمكان إلى المعلومات والسلطة الشرائية التي يمتلكها، لكن مـن المغالطة والتضليل تـحـمـيـلـنـا نــحــن المـسـتـهـلـكـن الــعــاديــن مـسـؤولـيـة انـبـعـاثـات الـــغـــازات الدفيئة المــرتــبــطــة بــإنــتــاج الــقــلــم الــــذي نشتريه لأمر مضلل لأنه من المستحيل في أغلب الأحيان معرفة الانبعاثات الناتجة عن إنـــتـــاجـــه، فـــضـــا عـــن الــــظــــروف الـبـيـئـيـة والاجتماعية التي أنتج فيها. وقبل كل شيء فإنه من المستحيل أيضا ممارسة ســـيـــطـــرة حــقــيــقــيــة عـــلـــى هــــــذا الإنــــتــــاج فتظل هذه المعلومات وهذه السلطة في الأسـاس ملكا للشركة، إذ يكون الزبون بعيدا جدا عن أن يكون المالك. والمــــــــؤكــــــــد أن الاســــــتــــــهــــــاك لـــيـــس بالضرورة عملا من أعمال الحرية، ففي أمـيـركـا الـشـمـالـيـة أصـبـح شـــراء سـيـارة ضـــرورة فـي بيئة تهيمن عليها الطرق السريعة والضواحي دون وجود شبكة نـقـل عـــام كـبـيـرة، فـفـي ثـاثـيـنـات الـقـرن الــعــشــريــن قـلـصـت شـــركـــات «ســتــانــدرد أويل» و«جنرال موتورز» و«فايرستون» للإطارات خيارات النقل بشدة بعد شراء شـبـكـة الـنـقـل الـــعـــام لــلــتــرام الـكـهـربـائـي مـــديـــنـــة بـــالـــولايـــات 45 وتــفــكــيــكــهــا فــــي المـــتـــحـــدة. وهــــو مـــا يـثـبـت أن الـخـضـوع لقرارات عدد قليل من الشركات الكبرى ليس بـالأمـر الــنــادر بـل إنــه اتـجـاه قوي فــــي الــــســــوق يـفـضـل تـــــــــركـــــــــيـــــــــز رؤوس الأمــــوال ومركزيتها مـــــن خـــــــال الـــســـبـــاق المـــســـتـــمـــر لــتــحــقــيــق الأرباح. كــــمــــا أن جــــــزءا لا بـــــــــــــــأس بــــــــــــه مــــن انـــبـــعـــاثـــات الــــغــــازات الــــدفــــيــــئــــة المـــرتـــبـــطـــة بـــاســـتـــهـــاكـــنـــا غــيــر مـــرغـــوب فـيـهـا بـقـدر مــــــــــا هــــــــــي مــــــقــــــيــــــدة، خــــــاصــــــة بـــالـــنـــســـبـــة لـلـفـئـات الأشــــد فـقـراً، حيث يفرض تنظيم الساحات والنقل على أعضائه استخدام السيارة للوصول إلى أعمالهم خاصة إذا كـانـوا يعيشون خـــارج المـراكـز الرئيسة، كما أن الدخل المحدود يجبر هذه الأسرة الفقيرة أو تلك على اختيار طراز سيارة اقتصادي وهي ليست بالضرورة الأكثر صداقة للبيئة. وخلافا للفرد الثري الـذي يسافر عـــدة مــــرات فــي الـسـنـة بــالــطــائــرة، فـإن الانـبـعـاثـات الـــصـــادرة عــن الأشـخـاص الأقـــل حـظـا ليست مــن بـــاب الـرفـاهـيـة، لكنها فــي كـثـيـر مــن الأحــيــان ضـــرورة في الواقع، فمن يستطيع شراء سيارة كهربائية الـيـوم حيث تتطلب نفقات مرتفعة للغاية؟ لا يمكننا أيضا إلقاء الـــلـــوم عــلــى أفــــــراد هــــذه الأســــــرة لـعـدم شراء المنتجات العضوية عندما تكون خــــــارج مـــيـــزانـــيـــتـــهـــم فــــي ظــــل خــضــوع المـــواد الـغـذائـيـة لديناميكيات السوق التي تهيمن عليها الشركات الكبرى. ويـــخـــلـــص الـــعـــلـــمـــاء الــــثــــاثــــة إلـــى أنــــه بـالـطـريـقـة نـفـسـهـا فــــإن الأســــر ذات الـــدخـــل المـنـخـفـض الــتــي تــكــون مـــن فئة المــســتــأجــريــن عــمــومــا نـــــادرا مـــا تتحكم في تدفئة منازلها وتضطر أحيانا إلى التعاون مع أنظمة التدفئة الملوثة التي تعمل بالمازوت أو الغاز. وفـــــــي كـــثـــيـــر مـــــن الأحــــــيــــــان تـــكـــون مبانيها معزولة عـزلا سيئاً، فضلا عن أنه نادرا ما يكون من الممكن لها اختيار شركة الكهرباء التي قـد تعمل بالفحم أو الــغــاز، كـمـا يمكن أن تـــؤدي معايير البناء المطبقة حاليا أيضا إلـى ارتفاع استهلاك الطاقة. القاهرة: رشا أحمد شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى نــــصــــا مـــشـــحـــونـــا بـــالمـــشـــاعـــر 21 عــــبــــر والمـــــفـــــارقـــــات الإنــــســــانــــيــــة، تــــرســــم الـــكـــاتـــبـــة المـــصـــريـــة نـــرمـــن دمـــيـــس عـــالمـــا مــــن الأســــى أبطاله أبطال مهزومون، ومصائر عنوانها العريض العزلة والــدمــوع الصامتة، وذلـك فـــــي مـــجـــمـــوعـــتـــهـــا الـــقـــصـــصـــيـــة «صــــنــــدوق أرابـيـسـك» الــصــادرة أخـيـرا فـي الـقـاهـرة عن دار «الأدهم». فـــضـــا عــــن أن الـــنـــصـــوص تــطــمــح فـي مجملها لأن تكون لسان حـال الشخصيات الـصـامـتـة، مـعـبـرة عـن أحـامـهـا وصدماتها الـــدفـــيـــنـــة الــــتــــي يــــبــــدو أنــــهــــا اســــتــــقــــرت فـي «صــــنــــدوق» مـغـلـق لـــم يــعــد بــإمــكــان أحــــد أن يطلع عليه، وما يزيد الأمر صعوبة وتعقيدا هـــو أن تــلــك الــشــخــصــيــات أدمـــنـــت الـسـكـوت واعــــــتــــــادت الـــتـــجـــاهـــل مــــن الآخــــــريــــــن، حـتـى أصبحت العزلة خيارها المفضل على طريقة «مجبر أخاك لا بطل». عــلــى هــــذه الــخــلــفــيــة، تــتــعــدد الــنــمــاذج المــثــيــرة لـلـتـأمـل بـــن دفـــتـــي المــجــمــوعــة مثل الــعــجــوز الـبـسـيـطـة ذات المـــابـــس المـهـتـرئـة الـتـي تـريـد أن تصبح واحـــدة مـن «حفيدات الـــســـنـــدريـــا»، والأب الـــــذي يـشـعـر بـالـعـجـز وهــــو يــطــالــع عــبــر واجـــهـــات المـــحـــال أســعــار الملابس الضرورية لابنته، فضلا عن البيت الذي يتحول إلى سجن، والمطر الذي يطلق طـاقـة تـحـرر داخلية والـخـوف الــذي يصبح إدمـــانـــا والـــدمـــوع الــتــي تــصــدر عـــن شخص يحترف مهنة إسعاد الآخرين. تتعدد التقنيات السردية في المجموعة ومنها «الأنسنة»، أي خلع صفات إنسانية على الأشياء والجمادات، واعتماد المراسلات كـأداة لعرض الحدث، فضلا عن اللجوء إلى الـتـصـويـر الــفــانــتــازي الــــذي يـتـجـاوز حــدود العقل والمنطق ليسبح في حالة شعورية من الانطلاق. ويـــبـــدو أن اســــم المــجــمــوعــة «صـــنـــدوق أرابــــيــــســــك» يــكــتــســب دلالــــتــــه ورمــــزيــــتــــه مـن حــــالــــة الـــتـــعـــقـــيـــد والــــتــــشــــابــــك، كـــمـــا فـــــي فـن الأرابيسك، التي تعكس واحـدة من تجليات النفس البشرية والقصص المتداخلة داخـل المــجــمــوعــة، وكـــذلـــك حـــالـــة الـتـكـتـم والــســريــة لهواجس الإنـسـان المـؤلمـة الـتـي لا تظهر لنا لأنها استقرت داخل صناديق مزخرفة. ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ: «وســط ظـام ليلة عاصفة تـنـازل فيها القمر عــن عـــرش الــســمــاء، وقـفـت وحــيــدة مـــذعـــورة يلفها الــصــقــيــع ويــتــســلــل إلـــــى داخـــلـــهـــا، يـــزلـــزلـــهـــا، يـكـاد يقتلعها مـن مكانها، تـحـاول التشبث بـالـفـراغ من حولها فلا يغيثها، تخور قواها وتخمد مقاومتها وتـتـسـاءل... كيف تبدل حالها هكذا مـا بـن عشية وضـحـاهـا؟ بـالأمـس الـقـريـب، كـانـت تستيقظ على زقزقة العصافير وعبير الأزهار، تؤنسها ضحكات الأطـــفـــال، تـــتـــردد أصـــداؤهـــا فـــي الــفــضــاء الفسيح، يعانقونها ويختبئون خلف جسدها فتبادلهم العناق كأم حنون. كم من أســرار حفظتها وأطبقت عليها بـن الضلوع، لطالما لاذ بها المتعب حتى يستريح، الجائع حتى يشبع، والظمآن حتى يرتوي، شاركت الأحباب أوج الغرام ودمعت معهم لحظة الفراق. كانت جميلة فتية، لا تكسرها ريح ولا يسكن قلبها برد، تتدثر بردائها الأخضر النضر وأنفاس ساكنيه الـدافـئـة فـي أعـشـاشـهـا، تستمتع بزخات السماء، تمنحها سر الحياة. أما اليوم فـزال عنها الـــــرداء، وهـجـرهـا الأحـــبـــاب، صـــارت قـاحـلـة المحيا بــذراعــن مصلوبتين تستميتان مــن أجـــل الـبـقـاء، يـــمـــزق نـــيـــاط قـلـبـهـا إعــــــراض الـــنـــاس عــنــهــا حتى أصبحت كيتيمة تفتقد السكن والــونــس، تقتلها نظرات التجاهل تلك، يكاد صراخها المكتوم يشق عنان السماء هاتفاً: - ما زلت على قيد الحياة، لم أمت بعد!». القاهرة: «الشرق الأوسط» المنصّات الرقمية منحت الجميع حق التعبير عن رأيهم هل مات الناقد الأدبي؟ قـــرأنـــا كــثــيــرا عـــن مــيــتــات مـــتـــعـــدّدة في تــــاريــــخ الـــفـــكـــر، وبــالــتــخــصــيــص فــــي تـــاريـــخ المـــمـــارســـة الأدبــــيّــــة؛ لــكــنّــي أحـــســـب أن مــوت الـنـاقـد الأدبــــي هــي المـيـتـة الأكــثــر تـحـقّــقـا في عصرنا. هذه الميتة الناجزة تملك مسوّغاتها الكاملة، وليست محض تمنّيات منشودة أو رغـبـات متفلّتة. ربّــمـا الكياسة وحـدهـا هي الــتــي دفـعـتـنـي لأن أجــعــل الــعــنــوان بصيغة تـــســـاؤل يـحـتـمـل الـتـشـكـيـك. أنـــا مـــن جانبي لا أمــيــل للتشكيك، بــل لتعضيد فـكـرة مـوت الناقد الأدبي. ربّما في دوائـر صناعة الأدب الغربية بــات واضـحـا أن الناقد الأدبـــي مــات، وإن لم يُصرّح بهذه الحقيقة، مثلما جرى التصريح بموت المـؤلّــف. المعضلة تكمن فينا؛ فالنقد الأدبـــــي، كـمـا يُـــمـــارَس فــي شـكـلـه الـتـقـلـيـدي، مـــا زال يـــقـــاتِـــل مـــن أجــــل الاحـــتـــفـــاظ بـهـالـتـه الــســلــطــويــة، كــأنّــمــا الـــزمـــن لـــم يـــتـــزحـــزح عن ستينات وسبعينات القرن الماضي، وكأنّما القرّاء لم يصبحوا شركاء كاملين في إنتاج المعنى، وكأنّما النصوص لم تتفلّت منذ زمن بعيد مــن يــد الـكـاهـن الـــذي يحتكر قـراءتـهـا وتفسيرها. تقوم فكرة مداخلتي هذه على دحض القناعة الـراسـخـة بــأن الناقد الأدبـــي يمتلك سلطة مرجعية تُخوّلُه تحديد ما يُعد أدبا جيدا وما ليس كذلك. تلقّى القارئ العربيُّ، لعقود طويلة، خطابا نقديا يجعل من الناقد الأدبـــــي حـــارســـا لـلـهـيـبـة الأدبــــيــــة، يستدعي معايير قديمة، ويُصدِر الأحكام، ويتصرّف كما لو أن ذائقته محمولة على يقين معرفي لا يــتــزعــزع. هـــذا الــخــطــاب، إذا مــا تـعـهّــدنـاه بما يكفي مـن المُــدارســة والتنقيب المعرفي، سـنـنـتـهـي إلـــــى وضـــــع الـــيـــد عــلــى هـشـاشـتـه المـــؤكّـــدة؛ إذ يـقـوم عـلـى افـــتـــراض غـيـر معلن جوهرُه أن الناقد يمتلك موقعا معرفيا أرفع من موقع القارئ العادي. هذا الافتراض ربما كان له شـيء من مقبولية في أزمـان سابقة؛ لكنّه لم يَعُد اليوم مقبولا في زمـن انفجرت فــيــه ســلــطــة المـــعـــنـــى، وتـــنـــوعّـــت فــيــه أشــكــال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشــكــال، وتـراجـع فيه مـركـز الـنـص لصالح محيطه الذي غُيّب طويلاً. يمكن عــد الناقد الأدبـــي قـارئـا بصوت أعـــلـــى مــــن الــــقــــارئ الـــــعـــــادي، وهــــــذا الـــصـــوت العالي جاء من تمكين وسائل النشر وسلطة الـــذيـــوع الأكـــاديـــمـــي أو الــصــحــافــي. سيكون أمـــــرا مـــشـــروعـــا أن نـــتـــســـاءل: مـــا الـــــذي يـمـيّــز الـنـاقـد الأدبــــي ويـمـنـحُــه عُــلْــويـة ثقافية فوق الــقــارئ؟ هـل يمتلك أدوات قـــراءة تتمنّع عن أي قارئ شغوف لا يحيد عن موارد الرصانة الفكرية؟ هل يحتكر الناقد الأدبي مسافة من الفهم لا تُــنـال إل عبر طقس ســـري؟ الجواب ببساطة: لا. الناقد الأدبــــيّ، مهما امتلك من مـعـرفـة، لـيـس ســـوى قـــارئ يـشـكّــل رأيـــه تبعا لمـرجـعـيـاتـه الــثــقــافــيــة، وتــربــيــتــه الـجـمـالـيـة، وميوله الشخصية، ومواقفه الآيديولوجية. رأي الناقد الأدبي ليس «حقيقة مكتشفة» بل «مـوقـف مُنتَج أو مـصـنـوع»، وإذا كــان كذلك فــلــمــاذا نمنحه سـلـطـة غـيـر مــســوّغــة ليكون رقيبا ومبشّرا ونذيراً؟ الــــقــــراءة لـيـسـت حــقــا يـمـكـن لأحــــد أن يحتكر فيه «الصواب»، وكل محاولة لإضفاء صـفـة المـرجـعـيـة المطلقة عـلـى الـنـاقـد الأدبـــي ليست ســـوى مـحـاولـة لإعــــادة إنــتــاج سلطة المثقف التقليدي، ذلك الذي كان يتكلّم باسم الآخرين، ويُفكّر نيابة عنهم، ويصادر الحق الطبيعي لــلــقُــرّاء فــي أن يفهموا النصوص برُؤاهم الخاصة. ***** يموت الناقد الأدبـي اليوم لأن شروط وجوده القديمة تفسّخت: تغيّرت الوسائط، وتغيّرت طرق تلقّي الأدب، وتحوّلت القراءة من نشاط نخبوي ضيّق إلى ممارسة يومية واســـــعـــــة. مـــنـــصّـــات الــــتــــواصــــل الاجـــتـــمـــاعـــي وحدها كفيلة بخلخلة سلطة ناقد أدبي كان يُحسَب كلامُه كأنّه «القول الفصل». اليوم، مـنـشـور عـلـى مـنـصّــة تــواصــل اجـتـمـاعـي قد يـوجّــه دفّــة الاهتمام الأدبــي أكثر مما يفعله مــقــال نــقــدي مــطــوّل فــي مـجـلـة ثـقـافـيـة. هـذه حقيقة لا يصحّ، ولن نستطيع، أن نتغافلها. يـــــمـــــوت الـــــنـــــاقـــــد الأدبـــــــــــي أيـــــضـــــا لأن النصوص ذاتها تغيّرت: لم تعُد تُنتَج لتُقرأ بـــعـــن واحــــــدة بـــل بــعــيــون كــــل قــــــارئ. الأدب المعاصر -وبخاصّة في عصر السرد المتشظّي إلــــى ألــــــوان أدائــــيــــة عـصـيـة عــلــى الـتـوصـيـف الـدقـيـق- لـم يَــعُــد يحتمل قـارئـا واحـــدا يقرّر معناه تحت سلطة النقد الأدبـي؛ بل يفرض تــــعــــدّد الــــــقــــــراءات، وتـــفـــكّـــك ســلــطــة المــــؤلّــــف، و«ديـمـقـراطـيـة الـــتـــأويـــل». لــك -إن شــئــت- أن تنفر من هـذا الوضع وأن لا تطيقه؛ لكن لن يفيدك نفورُك في تغيير مسار العجلة. من المثير تاريخيا أن نشير إلى حقيقة مغيّبة: حين أعلن رولان بــارت مـوت المؤلف، كــان يُشير إلــى تفكّك سلطة المـؤلّــف المركزية داخـــل الـنـص: سلطة المـعـنـى. الجيل النقدي القديم قاوم هذه الفكرة بشراسة، لا لأنّه كان متيّما بعشق المـؤلّــف؛ بل لأنّــه أدرك -وإن من غـيـر تـصـريـح- أن مـــوت المــؤلــف يعني أيضا تخلخل أساس سلطته؛ فالناقد الأدبي الذي كــــان يـسـتـنـد فـــي قـــراءتـــه إلــــى سـلـطـة المــؤلــف واعـتـبـاره خالقا مركزيا للنص، وجــد نفسه (أعني الناقد الأدبي) ليس أكثر من قارئ آخر، لا يحق له ادعـــاء امتلاك الحقيقة، بل تقديم قراءة من بين أعداد هائلة من القراءات الممكنة. هنا صار الناقد الأدبي أسير مساءلة مُرْهِقَة: كيف يمكن للناقد الأدبي أن يمضي في تعزيز سلطته وهـــو يـفـقـد المـــوقـــع الاعـــتـــبـــاري الـــذي يُــشـرعـن وجـــــودَهُ؟ وإذا كــان المـؤلـف -بهيبته ورمـزيـتـه- قـد مــات؛ فكيف يظل حيّا مَــن كان يتحدّث باسمه أو يتربّع على عرش تأويله أو يدور في مدارات صنائعه الإبداعيّة؟ مـــــــوت الــــنــــاقــــد الأدبــــــــــي لـــيـــس ظـــاهـــرة مــــنــــفــــردة مـــســـتـــقـــلّـــة؛ بـــــل هـــــو الـــــوجـــــه الآخـــــر المتعشّق عضويا مع موت المؤلّف، وكلاهما جزء من حركة ثقافية واسعة تُعيد تعريف السلطة داخـل النص الأدبـــي. النص لم يَعُد «موقعا يُدار من الأعلى»، بل «فضاء مفتوح يشارك في تشكيله القرّاء». هل يعني موت الناقد الأدبـي انتصار الــــرثــــاثــــة؟ ســـيـــدافـــع كـــثـــيـــر مــــن الــــنُــــقّــــاد عـن حـصـونـهـم، وهــــذا أمـــر مــتــوقّــع. سـيـدبّــجـون المــــقــــالات، ويُــــحــــاضــــرون، ويُـــســـفّـــهـــون فـكـرة موتهم، وسيعتبرونها جــزءا من «انحطاط الـــــذائـــــقـــــة الـــــــعـــــــامّـــــــة». أعــــــــــرف هــــــــذا تــــمــــامــــا. ســـيـــتـــحـــدّثـــون عـــــن الــــفــــوضــــى، والانــــهــــيــــار، وسقوط المعايير؛ لكنّما العجلة دارت، وما مِــــن سـبـيـل لإيـقـافـهـا. يــبــدو أمــــرا مـحـتّــمـا أن الناقد الأدبـــي التقليدي يشرع فـي مقاربته الـــدفـــاعـــيـــة مــــن مــــواضــــعــــة، يــــراهــــا راســـخـــة، مــفــادُهــا أنّــــه كـــان دومــــا المـــدافـــع الـــشـــرس عن الـــــجـــــودة الأدبـــــيـــــة. الــــتــــاريــــخ الأدبـــــــــي مــلــيء بــالــنــقّــاد الـــذيـــن احــتــفــوا بــأعــمــال مـتـواضـعـة وحاربوا نصوصا عظيمة. هل آتي بأمثلة: الـرفـض النقدي الطويل لكافكا، واستقبال بـودلـيـر الــعــاصــف، والــهــجــوم الـعـنـيـف على نيتشه، والسخرية من شعراء الحداثة العرب في بداياتهم. ثم دارت الأيـام دورتها وأعيد تقييم كل شيء. لم يكن الناقد حارسا للجودة الأدبيّة، بقدر ما كان حارسا لذائقته الخاصة ولذيوع سطوته في الحلقات الثقافية. مـوت الناقد الأدبي لا يعني موت الذائقة، بل تحريرها. لا يعني سقوط معايير الجودة، بل تعدّدها. لا يعني شيوع الرثاثة، بل إزاحة الحاجز الذي كان يشكّل حائط صد أمام القرّاء يردعهم عن إثبات جدارتهم. فـــي هـــذا الــســيــاق، يـمـكـن الإشـــــارة إلـى » للكاتب The Death of the Critic« كــتــاب Ronan( الـــبـــريـــطـــانـــي رونــــــــان مــــاكــــدونــــالــــد )، وهو عمل حديث نسبيّاً، نُشِر McDonald .2014 ، وتُــرجِــم إلــى العربية عــام 2007 عــام هـــذا الـكـتـاب أعــــاد بــقــوة طـــرح الـــســـؤال حـول جدوى النقد الأدبي التقليدي. يرى ماكدونالد أن سلطة الناقد تتآكل فـــي ظــــل تـــعـــدّد الأصــــــوات الـثـقـافـيـة وتــحــوّل الـــقـــرّاء إلـــى مستهلكين/ منتجين للمعنى، وهـــو مــا ينسجم تـمـامـا مــع واقـعـنـا العربي والعالمي اليوم. فـــضـــا عـــن ذلــــك يــــقــــدّم مـــاكـــدونـــالـــد في كتابه هـذا قــراءة عميقة لتحوّلات المؤسسة النقدية الأدبية في العصر الحديث، موضحا كيف تراجعت سلطة الناقد التقليدي لصالح أصـــوات الــقــرّاء، ووسـائـط الإعـــام الجديدة، والمنصّات الرقمية التي منحت الجميع حق التعبير عن رأيهم في النصوص الأدبية. يرى ماكدونالد أن النقد لم يَمُت بوصفه ممارسة فكرية؛ بل ماتت سلطته القديمة التي كانت تجعل منه مرجعية أولى للحُكْم على القيمة الأدبـيـة. الكتاب يكشف تعاظم «ديمقراطية القراءة»، ويرصد صعود أشكال جديدة من التلقّي تُقصي الناقد الأدبي الكلاسيكي من موقعه الكهنوتي. ***** )Cultural Worker( المُــشْــتَــغِــل الثقافي هـــــو الــــعــــنــــوان الأكـــــثـــــر مـــقـــبـــولـــيـــة ومــــاءمــــة لعصرنا مــن عــنــوان الـنـاقـد الأدبــــي، ويـبـدو أكــثــر تـــاؤمـــا مـــع تـــاريـــخ الـــتـــطـــوّر الطبيعي والـــثـــقـــافـــي. المــشــتــغــل الــثــقــافــي يـــتـــحـــرّك في فضاء أوســع مـن حــدود النص ومرجعياته الجمالية الكلاسيكية، ويـمـتـد فـي وسائله التشريحية إلــى قـــراءة سـيـاق إنـتـاج العمل الثقافي، لا الأدبـــي فحسب، وأنـمـاط تلقّيه، وصِـــاتِـــه بـالـبـنـى الاجـتـمـاعـيـة والسياسية والمـــعـــرفـــيـــة. فـــضـــا عــــن ذلـــــك فــــي اســتــطــاعــة «المــشــتــغــل الــثــقــافــي» تــقــديــم قـــــراءة مــركّــبــة، بعيدا عـن مرجعيات سلطوية مفترضة أو متوقّعة، تعيد إطلاق حيوية الأدب كتيّار في الثقافة البشرية هو أبعد ما يمكن عن نمط الـتـمـاريـن الأكــاديــمــيــة المــعــزولــة عــن الــحــراك العالمي في كل ألوانه. ما الذي يبقى بعد موت الناقد الأدبي؟ يـــبـــقـــى الـــــقـــــارئ الــــشــــغــــوف، ويـــبـــقـــى الـــنـــص الخلّق، ويبقى الاشتغال الثقافي الحيوي، ويبقى الحوار المفتوح الذي لا يحتاج رمزيّة كهنوتية سلطوية مغلقة كي تُشَرْعِنَهُ. لطفيّة الدليمي «المُشْتَغِل الثقافي» هو العنوان الأكثر مقبولية وملاءمة لعصرنا من عنوان الناقد الأدبي، ويبدو أكثر تلاؤما مع تاريخ التطوّر الطبيعي والثقافي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky