على الرغم من أن ما حدث يوم السبت المنصرم في فنزويلا كان متوقعا بشكل ما، فإن ذلك لا ينفي حـقـيـقـة أنـــه فــاجــأ الــعــالــم بـالـسـرعـة الــتــي تـــم بـهـا، والنتيجة التي آلت إليها الأمور. «ساعتان» غيّرتا الــحــقــائــق عــلــى الأرض فـــي الــعــاصــمــة كـــاراكـــاس، وفــي سـاعـة مبكرة مـن الـيـوم الـتـالـي كــان الرئيس الـــفـــنـــزويـــلـــي نــــيــــكــــولاس مــــــــــادورو قــــد وصــــــل إلـــى نـيـويـورك مكبلا بأصفاد ويقبع سجينا فـي أحد سجونها. ســـيـــنـــاريـــوهـــات عــــديــــدة تـــنـــاولـــهـــا المـــراقـــبـــون والمــحــلــلــون فـــي وســـائـــل الإعـــــام الـغـربـيـة تـوقـعـوا حدوثها في فنزويلا، منذ بدء الحصارين البحري والجوي الأميركيين. لكن خيالهم عجز عن تخيّل ما حدث في أولى ساعات يوم السبت المنصرم. فـــــي نـــفـــس مــــســــاء الــــســــبــــت، وخــــــــال مــؤتــمــر صحافي للرئيس الأمـيـركـي وأعـضـاء مـن إدارتـــه، عرف العالم تفاصيل ما حدث، وكيف حدث، وكذلك ماذا سيحدث في فنزويلا خلال المدة المقبلة، حسب التصميم الأميركي. السؤال الآن هو: كيف ستنفذ الإدارة الأميركية السيناريو الفنزويلي الذي كشف الستار عنه رئيسها خلال المؤتمر الصحافي؟ عـــنـــصـــر المــــفــــاجــــأة فــــي الـــعـــمـــلـــيـــة الــعــســكــريــة الأميركية كان حاسماً، والإعداد المسبق والتدريب عليها، والقوة المستخدمة برا وبحرا وجواً، تكفلت مجتمعة بتحقيق الهدف منها، في ساعتين، وبلا خسائر تذكر. عـــقـــب نـــهـــايـــة الــعــمــلــيــة الـــعـــســـكـــريـــة، وظـــهـــور الـــتـــقـــاريـــر الإعــــامــــيــــة، بــــــدأ ســـريـــعـــا فــــي وســـائـــل التواصل الاجتماعي على الإنترنت نقاش تمحور حول اختلاف بين مصطلحين: اعتقال واختطاف. البعض يتفق مع الإدارة الأميركية في أن الرئيس الفنزويلي اعتُقل تنفيذا لقرار صدر ضده من وزارة . الـبـعـض الآخــر 2020 الــعــدل الأمـيـركـيـة مـنـذ عـــام اعتبر أن الرئيس مادورو اختُطف من مقر إقامته. لــكــن المــحــصّــلــة واحــــــدة؛ وعــلــيــه مــواجــهــة مـصـيـره بالمثول أمام قضاء أميركي. الرئيس مادورو ينفي التهم الموجهة إليه. الـسـيـنـاريـو الأمــيــركــي المـصـمـم لـفـنـزويـا في مرحلة ما بعد سقوط مادورو كما جاء على لسان الرئيس ترمب في المؤتمر الصحافي يبدو جاهزا للتنفيذ. لكن الكيفية لا تبدو واضحة، أو بالأحرى ممكنة عـلـى الأقـــل حـالـيـا؛ لأن الـنـظـام الفنزويلي لــم يـسـقـط، ومـــا زال الــحــزب الـحـاكـم فــي السلطة، والجيش الفنزويلي وأنصار النظام بيدهم مقاليد الأمـــــور. الأمـــر الـــذي جـعـل فـنـزويـا تـبـدو بـلـدا بلا رأس وجسدا ما زال يـقـاوم. هل سنشهد تطورات عسكرية أميركية على نحو أكبر وأوسع؟ الرئيس ترمب لم ينف ذلك في مؤتمره الصحافي. أبــــرز مــا حـــرص الــرئــيــس تــرمــب عـلـى تبيانه يـتـمـثـل فـــي عـــــودة الـــشـــركـــات الـنـفـطـيـة الأمـيـركـيـة الــكــبــرى إلــــى فـــنـــزويـــا. ومــــا أكــــده الــرئــيــس تـرمـب في حديثه هو أن فنزويلا تتموضع جغرافيا في الحديقة الخلفية لأميركا، وقـد عـادت الآن إلـى ما كانت عليه قبل الحقبة الشافوزية. وبذلك أُقفلت الـــطـــرق أمــــام أي وجــــود صـيـنـي مـسـتـقـبـاً. عـــودة فـنـزويـا إلــى «بـيـت الـطـاعـة» الأمـيـركـي - إن أمكن الــوصــف - تـأتـي فــي اتــســاق مــع عـــودة هــنــدوراس وتشيلي والأرجنتين قبلها. الفرق هو أن فنزويلا عــــــادت بـــقـــوة الــــســــاح فــــي حــــن أن الآخــــريــــن عـبـر صــنــاديــق الانــتــخــابــات. لـكـن الـــجـــارة كـولـومـبـيـا - حيث يقيم أكثر من مليوني فنزويلي، من مجموع ملايين يعيشون خـارج فنزويلا - سـارت الأمور 8 فيها على نحو مختلف؛ فرئيسها اعتبر العملية العسكرية انتهاكا لسيادة بلد مستقل، ورفع حالة الطوارئ على الحدود. إلى جانب كولومبيا، أدانت البرازيل والمكسيك العملية الأميركية. الأرجنتين، كما هو متوقع، خرجت عن السرب وأيّدت العملية. «عملية الساعتين» الأميركية تعيد التأكيد على أن الجغرافيا أقـــوى مـن الآيـديـولـوجـيـا، وأن أســـــــوار الـــعـــاصـــمـــة كـــــاراكـــــاس الـــتـــي بـــــدت مـنـيـعـة لـسـنـوات، لـم تكن كـذلـك، هــذا أولاً، وثـانـيـا: بغض النظر عن الجدل القانوني الدائر حول «الاختطاف» أو «الاعـــــتـــــقـــــال»، وانــــتــــهــــاكــــات الــــقــــانــــون الــــدولــــي والسيادة، فإن الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هــي أن فـنـزويـا دخــلــت فعليا مـرحـلـة «الـوصـايـة الاضـــطـــراريـــة». الـــســـؤال الــــذي سـيـبـقـى مـعـلـقـا في ميادين وشوارع وأزقة كاراكاس وغيرها من المدن الفنزويلية: هل ستستعيد فنزويلا حقا عافيتها بسقوط الرئيس مادورو وعودة الشركات الكبرى التي وعــد بها الرئيس تـرمـب، أم أنها ستكتشف أن ثمن العودة إلى «بيت الطاعة الأميركي» يعني أنها دخلت في دوامة أخرى، وأن عليها التكيّف مع الوضعية الجديدة، إن أمِلت في الاستقرار؟ ثالثاً: لم تكن العملية العسكرية مقصودا بها تنفيذ أمر قانوني كما تروّج الإدارة الأميركية، بل، على الأرجح، أنها كانت إعلانا صريحا بأن «عصر الـتـمـرد» فـي الحديقة الخلفية قـد ولّـــى وانقضى، والرئيس ترمب قـال ذلـك فـي مؤتمره الصحافي. الكيفية الـتـي سيتم بها ضـخ الــرفــاه والاسـتـقـرار إلــى الـبـاد ستكون مثيرة للأسئلة فـي فنزويلا؛ إذ إن الرئيسين تشافيز ومــن بـعـده مـــادورو كانا محسوبين على حركة اليسار الـثـوري في أميركا اللاتينية، لكنهما جزء من حركة يسارية تاريخية عـرفـتـهـا بـــلـــدان الـــقـــارة الـاتـيـنـيـة. وغـيـابـهـمـا عن المسرح لا يفضي بالضرورة إلى استنتاج بنهاية حركة اليسار وتلاشي اليساريين. Issue 17208 - العدد Thursday - 2026/1/8 الخميس يُتداول باستمرار موضوع «نهاية الحداثة». وهذا التصعيد في أحاديث النهايات له خطّة صحيحة حين نتعامل مع الحداثة بوصفها جزءا من تاريخ ما وصلت إليه البشرية. ولمقولة «نهاية الحداثة» جانب خاطئ؛ لأن الـحـداثـة، حـن نأخذها بالمعنى البسيط، متجددة وقائمة. لذلك يصر يورغن هابرماس على أن الحداثة مــشــروع لــم يكتمل بــعــد، بــل ويــعــد «مـــا بـعـد الـحـداثـة» مشروعا نقديا داخل الحداثة وليس منفصلا عنها. الحداثة بمفهومها العام تعني التحديث المتواصل، فكل انـتـقـال فـي الـفـنـون والسينما والأدب هـو تحديث بمعنى أو بآخر، وبالتالي؛ فإن الحداثة شريكة في هذا المـنـجَــز، لـكـن حــن نتعامل معها بحقبتها التاريخية المحددة، فإن مقولة نهايتها قابلة للنقاش. الأستاذ محمد سبيلا ترجم بحثا للفيلسوف جان بـودريـار عن «الـحـداثـة»، وهـو من البحوث المهمة، وقد تــطــرّق فـيـه إلـــى أفــكــار كـثـيـرة، منها أن الـحـداثـة ليست مفهوما سوسيولوجيّاً، ولا مفهوما سياسياً، وليست بالتمام مفهوما تاريخياً، بل هي نمط حضاري خاص يــتــعــارض مـــع الــنــمــط الــتــقــلــيــدي، أي مـــع كـــل الـثـقـافـات السابقة عليه أو التقليدية. فمقابل التنوع الجغرافي والرمزي لهذه الأخيرة، تفرض الحداثة نفسها على أنها شـيء واحــد متجانس، يشع عالميا انطلاقا من الغرب، ومــع ذلـــك، فهي تظل مــدلــولا ملتبسا يشير إلــى تطور تاريخي وإلى تغير في الذهنية. غـيـر أن تـشـارلـز تـايـلـر، وهـــو مــن المـنـظّــريـن لتاريخ الــــحــــداثــــة، لــــه رأي آخــــــر، فـــفـــي كـــتـــاب «مـــســـائـــل الــتــعــدد والاختلاف... مدخل إلى أعمال تشارلز تايلر» من تأليف سـايـد مـطـر، أن الــحــداثــة عـنـده ذات طـابـع غـربـي خـاص وفريد. فالحداثة عند تايلر «لا تعدو كونها مرحلة من مراحل التطور الثقافي والسياسي والأخـاقـي الخاص بــالمــجــتــمــعــات الـــغـــربـــيـــة. مــــن الـــــضـــــروري إذن، بـحـسـب تـايـلـر، إذا مــا أردنــــا الــغــوص فــي فـهـم الـهـويـة الأخـاقـيـة والـــســـيـــاســـيـــة الـــغـــربـــيـــة الـــحـــديـــثـــة، أن نــتــتــبــع تــطــورهــا التاريخي حتى وقتنا الراهن. وجـاءت دراسته للحداثة انـطـاقـا مـن التفكيك الـــذي أصـــاب الــروابــط القروسطية لـلـجـمـاعـة الـتـاريـخـيـة الـتـقـلـيـديـة وأصـــــاب أيــضــا الــديــن، مرورا بعالم تحول إلى (عالم عديم السحر)، ووصولا إلى إعــان استقلالية الــذات الإنسانية كمرجع وحيد يحدد اختيارات الفرد والتزاماته الحياتية. وما يميز الحداثة في مراحلها الأولى، بحسب تايلر، نزعتها الصريحة إلى .»)Exclusive Humanism( - (المذهب الإنساني الحصري نـــعـــم إن الـــحـــداثـــة لـــهـــا جـــانـــب مـــعـــقّـــد ذو اشــتــبــاك تـاريـخـي؛ لها بـدايـة ونـهـايـة، ولـهـا جـانـب بسيط؛ مما يعني استمراريتها، بدليل أن كل المشروعات التنموية الـــعـــالمـــيـــة، والأفـــــكـــــار الـــكـــبـــرى عـــلـــى مـــســـتـــويـــات تـطـويـر نـظـريـات الأدب والـسـيـاسـة والـــدولـــة، ذات بـعـد حـداثـي بمعنى أو بآخر. إن الحداثة قد تكون ماتت على مستوى تـاريـخـهـا المـرتـبـط بــأحــداث سياسية وديـنـيـة، ولكنها بالمفهوم الفلسفي فعّالة وتؤتي أكلها إلى اليوم. الخلاصة: الحداثة مثل أي مفهوم آخر؛ تمر بأطوار وتتنقل وتـتـحـوّل مـع محض التجربة. ولـكـن يمكن أن ألــخّــص رأيـــي فــي نقطتين أسـاسـيـتـن: الـحـداثـة ليست محصورة في التجربة الغربية الفريدة، ولـم تكن منذ انعكاسها الأول علينا؛ نحن العرب والمسلمين، خارج الـــهـــواجـــس والـــتـــهـــم الــعــمــيــقــة؛ وذلـــــك بِـــعَـــدّهـــا مــعــاديــة لـــأديـــان بـالـنـسـبـة إلـــى الــبــعــض... هـــذه الــفــكــرة رسمت الموقف البسيط مع المنتج الحداثي؛ الفني، والفلسفي، والمـــعـــرفـــي، والــتــقــنــي. وُضـــعـــت الـــحـــداثـــة بــــــإزاء الـــدِّيـــن، بوصفها ستحل محله، أو ستقوّض بنيانه، أو ستهدم قــيــمــه. انــتــقــل الــــعــــداء لــلــحــداثــة مـــن الـــعـــامـــي الــوعــظــي، ليحولها بعض دارســي الفلسفة إلـى منهاج مفهومي، باسم الدهرانية، أو العلمانية الشاملة، أو الداروينية الاجـتـمـاعـيـة. بينما الـحـداثـة لــم تـبـث يـومـا لظاهرتها تـعـريـفـا يـتـفـق عـلـيـه الـجـمـيـع، فـهـي تـشـمـل كـــل الـرحـلـة الأوروبـــيـــة الـطـويـلـة مـنـذ الــقــرن الــســادس عـشـر، وحتى عصور الأنوار، وزلازل كوبرنيكوس وغاليليو والثورة الفرنسية، وصـــولا إلــى فـتـوحـات الفلاسفة فـي نظرية المـعـرفـة. فـالـحـداثـة بمعناها الــعــام هــي قـصـة تـحـولات الإنسان نحو اكتشاف ذاته وعلاقاته بالعالم. واكتشاف موقعه مـن الأشـيـاء لا يعني الـعـدوان عليها، ومـن ذلك فهم الدين، ولا يمكن عَد تلك الرحلة مقتصرة فقط على جانب محدد يتعلق بالحرية، أو الانشقاق على هيمنة الكنيسة، بل الرحلة أشمل وأعم. النقطة الثانية أن الحداثة بتحولاتها وصَرعاتها المــتــصــلــة بــتــطــور الـــعـــلـــوم الإنـــســـانـــيـــة، ومــــن ثـــم تـوسـع المشروع البعدي منها ضمن انتقالات من الكليات إلى الـجـزئـيـات، ومـــن المـــن إلـــى الـهـامـش، ومـــن الــصــرح إلـى الــــزاويــــة، ومـــن الإنـــســـان إلـــى ظــلّــه، اتُّــهــمــت بـأنـهـا حـالـة مـسـيـحـيـة، وذلــــك مــن قِــبــل مـنـتـقـدي الــحــداثــة فــي الـقـرن العشرين، منذ نيتشه وهيدغر وحتى ليوتار وباديو وفــوكــو وبــــارت ودلـــــوز. وعــــدّت نـظـريـات كـانـط وهيغل مجموعة تنويعات عقلانية على المسيحية كما يكتب نيتشه. بمعنى آخر؛ فإن الحداثة مفهوم هائل ومتطوّر ويـنـسـجـم مـــع تـــجـــارب الـــــدول والأمـــــم والـــشـــعـــوب... إنـه مــفــهــوم ســهــل وبــســيــط وشـــريـــك لــلــنــاس فـــي حيويتهم الـدنـيـويـة، ولـلـنّــظُــم فــي تـشـريـعـات الــقــوانــن الضابطة للمجال العام. غـــــدا يــــصــــادف مــــــرور ألـــــف يـــــوم عـــلـــى انـــــدلاع الحرب. رقـم ثقيل لا يُقاس بالزمن وحـده، بل بما خلّفه مـن دمـــاء وخـــراب وفــقــدان. ألــف يــوم تفرض التوقف، لا لإحصاء الخسائر فحسب، بل لمراجعة المسار، والتأمل في الــدروس القاسية التي كُتبت بآلام البشر، حتى لا تتكرر المأساة. فـي هــذا الـسـيـاق، فــإن الــســؤال الأصـعـب منذ اندلاع الحرب هو كيف يمكن التعامل مع معضلة «الدعم السريع»؟ فهي ليست مجرد طرف عسكري فـي حــرب، بـل بنية مسلحة تشكّلت خــارج منطق الـــدولـــة، وراكــمــت نـفـوذهـا عـبـر الـعـنـف، واقـتـصـاد مــــــوازٍ، وعـــبـــر تــوظــيــف الانـــقـــســـامـــات الاجـتـمـاعـيـة والـسـيـاسـيـة. إن أي مـقـاربـة جـــادة لـهـذه المعضلة تـبـدأ بـالاعـتـراف بــأن تطبيع وجـــود أي ميليشيا أو قوات رديفة، ومساواتها بالمؤسسة العسكرية الرسمية، يمثلان خطأ جسيماً، وخطرا دائما على فــكــرة الـــدولـــة نـفـسـهـا. وفـــي المــقــابــل، فـــإن الاكـتـفـاء بالحل العسكري وحده، من دون أفق مسار واضح للمستقبل، يـهـدد بــإعــادة إنــتــاج الـعـنـف بأشكال جديدة. إن معضلة «الــدعــم الـسـريـع» ليست اختبار قـــوة عـسـكـريـة رديـــفـــة فـحـسـب، بـــل اخــتــبــار لـقـدرة السودان على الخروج من حلقة العنف، وبناء دولة لا تؤجل العدالة إلى ما لا نهاية بحجة الضرورة. فـتـعـقـيـدات هـــذه المـعـضـلـة تــــزداد حــن تــوضــع في سـيـاق أوســـع، وفــي مشهد سـاحـة سـودانـيـة تعج بتشكيلات مسلحة متعددة، لكل منها حساباتها وسلاحها وخطابها. وفي مثل هذا الواقع، تصبح طريقة التعامل مع «الدعم السريع» رسالة تتجاوز هـــذه الــقــوة، وتـنـظـر نـحـو معالجة أشـمـل لقضية حمل السلاح بوصفه طريقا مختصرا إلى النفوذ والمكاسب، أو لمعالجة أي مظالم. لقد جرّب السودان، غير مرة، مقاربة أنصاف الحلول: تسويات هشة لا تعالج جــذور المشاكل، بـــل تـكـتـفـي بــمــكــافــأة حــامــلــي الـــســـاح بـالمـنـاصـب والمكاسب، على حساب الضحايا والدولة. وكانت النتيجة واحــــدة فــي كــل مـــرة: تـأجـيـل الانـفـجـار لا منعه، وتوسيع دائرة العنف بدل تضييقها. مــن هـــذا المـنـطـلـق، فـــإن أي حــل يمنح «الـدعـم الـــســـريـــع» شـــرعـــيـــة أو مـــكـــاســـب مــــن دون تـفـكـيـك بنيتها، ومــن دون محاسبة جـديـة على الجرائم المرتكبة، يعني عمليا إعادة إنتاج الحرب القادمة، لا إنهاء الحرب الحالية. يــرتــبــط بـــهـــذه الــقــضــيــة ســـــؤال آخــــر مــطــروح منذ انـــدلاع الـحـرب: هـل الحياد ممكن فـي ظـل ما يــــحــــدث؟ وهـــــل يــمــكــن تــســويــقــه عـــلـــى أنـــــه المـــوقـــف الأخلاقي الصحيح في ظل الفظائع التي ارتُكبت بحق الأبرياء، والدمار الواسع المتعمد الذي امتد لــكــل المــنــشــآت والــبــنــى الـتـحـتـيـة، ولــــم تـسـلـم منه المستشفيات والمؤسسات التعليمية والمتاحف؟ الــــســــؤال ذاتــــــه يــمــكــن طـــرحـــه مــــن زاويـــــــة هـل الـــوقـــوف إلــــى جـــانـــب الــجــيــش، بــوصــفــه مـؤسـسـة الدولة، يُعد الموقف الصحيح؟ تقديري أنه يصعب الحديث عن حياد أخلاقي حـــن يــكــون هــنــاك طـــرف ارتـــبـــط بــارتــكــاب فظائع واسعة النطاق: من القتل على الهوية، والإبـــادة، والاغتصاب المنهجي، والتهجير القسري، ونهب المـــــدن والــــقــــرى، إلــــى تــدمــيــر الــبــنــيــة الاجــتــمــاعــيــة والاقتصادية. هذه الانتهاكات، الموثقة بشهادات الضحايا وفـيـديـوهـات مقاتلي «الــدعــم السريع» أنــفــســهــم، وتـــقـــاريـــر حــقــوقــيــة مـــتـــعـــددة، لا يمكن وضعها في كفة واحـدة مع أي خطاب عن «صراع متكافئ» بين طرفين. بالنسبة لكثيرين الإجــابــة لا تنبع مـن حب الـــحـــرب، بـــل مـــن الـــخـــوف المـــشـــروع عــلــى مـــا تبقى من فكرة الدولة نفسها عندما تكون في مواجهة مشروع متفلت قائم على العنف والنهب وانتهاك الكرامة الإنسانية. فهزيمة الجيش في هذه المعادلة لا تعني انتصار السلام، بل انتصار منطق القوة المنفلتة، وانـهـيـار مـا تبقى مـن مـؤسـسـات، وفتح الباب أمام فوضى لا سقف لها. ومـع ذلــك، فـإن وضــوح الموقف من انتهاكات «الـــدعـــم الــســريــع» لا يـنـبـغـي أن يـتـحـول إلـــى صك مـــفـــتـــوح، بـــل يــجــب أن يــقــتــرن بــالــتــأكــيــد عــلــى أن إنهاء الخطر الراهن هو خطوة للعودة إلى مسار دولـة مدنية، تحتكر السلاح، وتحمي مواطنيها، وتـعـالـج المــظــالــم، ولا تـعـيـد إنــتــاج المـــأســـاة بوجه جديد. بعد ألف يوم من الحرب، لا يكفي أن نتساءل عـمّــا حـــدث، بـل عـمّــا يجب أن يتغير جـذريـا حتى لا تتكرر المــأســاة. أول هــذه التغييرات هـو القطع مـــع مــنــطــق الـــســـاح كــوســيــلــة لــحــســم الـــخـــافـــات، وبــنــاء دولـــة تحتكر الــقــوة وتـخـضـع فيها جميع المــــؤســــســــات، بـــمـــا فــيــهــا الـــعـــســـكـــريـــة، لــلــمــســاءلــة والقانون. كما أن منع التكرار يقتضي مراجعة شجاعة لــتــجــربــة الانـــتـــقـــال الـــســـيـــاســـي، وأدوار الــنــخــب، وأسباب فشل الحلول السابقة، بدل الاكتفاء بلعن النتائج. فالذكرى، إذا لم تستثمر لنقاش جريء يغوص في الأسباب، ويسعى للحلول مهما كانت صعبة، تصبح طقسا بلا معنى يُستدعى في كل محطة فارقة، ثم يُنسى حتى تقع الكارثة التالية. فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى مسار يعلي دائـــمـــا قـيـمـة الإنــــســــان والــــوطــــن، ويـــرســـخ الــســام والاســـتـــقـــرار، ويـتـعـلـم مــن الأخـــطـــاء بـــدل أن يعيد إنتاجها. فالتاريخ لا يرحم من يكرر مآسيه، ولا يغفر لمن امتلك فرصة التعلم واختار التجاهل. التاريخ لا يرحم من يكرر مآسيه ولا يغفر لمن امتلك فرصة التعلم واختار التجاهل ذو بُعد هائل ومتطوّر وينسجم مع تجارب الدول والأمم والشعوب فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني جمعة بوكليب OPINION الرأي 14 ألف يوم على حرب السودان: كيف نمنع تكرار المأساة؟ ًعن مفهوم الحداثة والتجربة الغربية مادورو في نيويورك... وليس زائرا هل ستستعيد فنزويلا حقا عافيتها بسقوط الرئيس مادورو وعودة الشركات الكبرى التي وعد بها الرئيس ترمب؟
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky