issue17207

دخـلـت الاحـتـجـاجـات فــي إيــــران يومها العاشر على وقع تصعيد ميداني في طهران ومــــدن أخــــرى، وتـــدهـــور اقــتــصــادي مـتـسـارع تــجــسّــد فـــي قـــفـــزة جـــديـــدة بـــأســـعـــار الـــــدولار والــذهــب، فيما تـحـاول السلطة إدارة الأزمــة بــمــزيــج مـــن الإجـــــــــراءات الأمـــنـــيـــة والـــرســـائـــل السياسية. وجــاء ذلـك بالتزامن مع تحذير رسمي غـــيـــر مـــســـبـــوق مـــــن أن طـــــهـــــران لا تـسـتـبـعـد «ردا اسـتـبـاقـيـا» عـلـى أي تـحـرك محتمل من خصومها، في مؤشر إلى تداخل متزايد بين مسار الاحتجاجات الداخلية وسقف التوتر الخارجي المحيط بها. وشـــهـــدت الــعــاصــمــة طـــهـــران، الــثــاثــاء، مؤشرات إضافية على انتقال بؤر الاحتجاج إلى نقاط حساسة في قلب النشاط التجاري، مع تـداول مشاهد تُظهر إطلاق الغاز المسيل لـلـدمـوع فـي تجمع احتجاجي حـاشـد داخـل بازار طهران لتفريق محتجين كانوا يهتفون ضد الحكومة، في وقت استمرت الإضرابات بأنحاء مختلفة من البازار. وأظهرت مقاطع أخرى إغلاق متاجر في بـــازار «يـافـت آبـــاد» جـنـوب غـربـي العاصمة، وتجمع عـدد من أصحاب المحال وترديدهم شعارات احتجاجية، فيما بدت الشرطة في مقاطع متداولة وهـي تتحاور مـع محتجين في المكان. ونُشرت أيضا مقاطع تظهر إطلاق الغاز المسيل للدموع قـرب محيط مستشفى «ســـيـــنـــا» فــــي طــــهــــران، فـــضـــا عــــن مــســيــرات احتجاجية في سـوق مولوي وشــارع حافظ مــــا وســـــع مــــن خـــريـــطـــة نـــقـــاط الـــتـــوتـــر وســـط العاصمة. وجاءت هذه التطورات بعد ليلة الاثنين الـتـي اتـسـمـت بنمط احـتـجـاجـي مـتـحـرك في أكثر من مدينة، وفق ما تداوله ناشطون على شــبــكــات الـــتـــواصـــل، حــيــث نـظـمـت تجمعات ليلية فــي بـيـرجـنـد (شــمــال شــرقــي) وســـاري (شــــمــــال) وزنــــجــــان (شـــمـــال غـــربـــي) وسـنـقـر فـــي كــرمــانــشــاه (غـــــرب) ومــــدن أخـــــرى، وردد المشاركون شـعـارات مناهضة للنظام، فيما شــهــدت إيــــام فـــي الـلـيـلـة الــتــاســعــة حــضــورا لمحتجين في الـشـوارع واحتكاكات مع قوات الأمن. وفـــي ســـاري مـركـز محافظة مـــازنـــدران، تكررت هتافات من قبيل «هذه آخر معركة... سيعود بهلوي»، في حين تحدثت شهادات متداولة عن أجـواء أمنية مشددة في «سبزه مـــــيـــــدان» بــــزنــــجــــان. وفـــــي مـــحـــافـــظـــة فـــــارس، تـــداولـــت حـسـابـات مـقـاطـع لاحـتـجـاجـات في مــديــنــة مــشــكــان مـــســـاء الاثـــنـــن، تـظـهـر قـيـام مــحــتــجــن بـــإيـــقـــاف مـــركـــبـــة صـــغـــيـــرة تـابـعـة لــ«الـبـسـيـج» وإضــــرام الـنـار فيها، مـع ترديد شــــعــــارات مــــن بــيــنــهــا «المـــــــوت لــلــديــكــتــاتــور» و«هذه هي المعركة الأخيرة، بهلوي يعود». بين الاعتراف والردع فـــي الأثــــنــــاء، واصـــــل الــرئــيــس الإيـــرانـــي مسعود بزشكيان محاولاته لاحتواء الغضب عبر الاعتراف بمسؤولية الطبقة السياسية، مـــــن دون تـــقـــديـــم خـــريـــطـــة طــــريــــق واضـــحـــة للمعالجة. وقال بزشكيان، في كلمة متلفزة، إن «المـجـلـس والـحـكـومـة أوصــــا الــبــاد معا إلى هذا الوضع»، مضيفاً: «البنوك هي التي تخلق الـتـضـخـم... أقـــول مـــرة أخــــرى: الخطأ ليس خطأ شخص واحد. كلّنا أوصلنا البلاد معا إلـى هـذا الـوضـع. نحن المخطئون، أنتم مخطئون وأنا مخطئ والمجلس أيضاً». وخلال الخطاب، قاطعه أحد الحاضرين قـائـا إن «الشعب فـي ضـيـق»، فــرد الرئيس: «عندما كنتم تنتقدون استمعت إليكم، والآن عــنــدمــا أنــتــقــد أنـــــا، لــيــس مـــن الــــضــــروري أن تتخذوا موقفا دفـاعـيـا». كما قــال بزشكيان إن «العمل صـعـب»، معتبرا أن جهة «تـدّعـي التعاطف مع الناس» فيما «تغلق العقوبات طــــرق الــتــنــمــيــة». وتـــطـــرق إلــــى ارتـــفـــاع سعر الصرف قائلا إن «فارق ارتفاع العملة سيودَع في حسابات الناس»، من دون شرح الآلية أو مصادر التمويل أو سقف الاستحقاق. أمــنــيــا، قــــال قــائــد الــشــرطــة أحــمــد رضــا رادان إن «أعــــــــــدادا كـــبـــيـــرة» اعـــتُـــقـــلـــت خـــال احـتـجـاجـات الأيــــام المـاضـيـة، وإن السلطات «فــــصــــلــــت صــــفــــوف المـــحـــتـــجـــن عـــــن مــثــيــري الـــشـــغـــب» وتـــعـــامـــلـــت مــــع «المـــشـــاغـــبـــن بــقــوة وحزم»، مع الحديث عن شبكة «معلوماتية - عملياتية» لاحقة للتعرف على آخرين. وفـــــي مـــوقـــف جــــديــــد، قـــــال إمــــــام جـمـعـة أهـــــــل الــــســــنــــة فــــــي زاهــــــــــــــدان، عــــبــــد الـــحـــمـــيـــد زهـــي، إن «أي عـــنـــف مــمــيــت ضـد ‌ إســـمـــاعـــيـــل المحتجين يُعد جريمة وفق القوانين الدولية، وهو أيضا محرم شرعا وغير قابل للتبرير». وتتعامل الحكومة الإيرانية مع تطورات مـــيـــدانـــيـــة بـــالـــغـــة الــحــســاســيــة فــــي مـحـافـظـة إيـــام، بعدما أعلنت الـرئـاسـة تكليف وزارة الـداخـلـيـة بتشكيل فــريــق خـــاص لـ«تحقيق شــامــل» فــي اقــتــحــام قــــوات أمـنـيـة مستشفى «الإمـــام الخميني» عقب احتجاجات عنيفة فــــي مــنــطــقــة مــلــكــشــاهــي أســــفــــرت عــــن قـتـلـى وجرحى. وأثــارت الواقعة ردود فعل دولية، إذ وصـفـتـهـا واشـنـطـن ومـنـظـمـات حقوقية، بينها «العفو الدولية»، بأنها «انتهاك جسيم للقانون الدولي»، فيما قالت وكالة «فارس» إن المحتجين استخدموا المستشفى «ملاذاً». وفــي مـــوازاة ذلــك، أفـــادت وكـالـة نشطاء حـقـوق الإنــســان فــي إيــــران «هـــرانـــا» بـارتـفـاع شـخـصـا واعــتــقــال 35 حـصـيـلـة الـقـتـلـى إلــــى ، مع اتساع الاحتجاجات إلى 1200 أكثر من محافظة، وسـط تفاعل واسـع مع تشييع 27 شقيقين قُتلا في احتجاجات كرمانشاه. تصعيد خارجي متزامن تزامنا مع الاحتجاجات، تصاعدت حدة الرسائل السياسية والأمنية المتبادلة. فقد أصدرت لجنة الدفاع العليا التابعة للمجلس الأعلى للأمن القومي بيانا حذرت فيه من أن إيـــران «لا تُقيد نفسها بـالـرد بعد الـحـدث»، معتبرة أن «المؤشرات العينية للتهديد جزء مــن المــعــادلــة الأمــنــيــة». وحـــذر الـبـيـان مــن أن «تصعيد خطاب التهديد والتدخل» قد يفهم «ســلــوكــا عـــدائـــيـــا» يـسـتـدعـي «ردا متناسبا وحازماً»، مع تحميل «مصممي هذا المسار» مسؤولية العواقب. وتــــتــــداخــــل هــــــذه الــــرســــائــــل مـــــع الــبــعــد الخارجي لـأزمـة، فـي ظـل تحذيرات أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الولايات المـــتـــحـــدة «ســـتـــذهـــب لإنــــقــــاذ» المــحــتــجــن إذا أقــــدمــــت الـــســـلـــطـــات الإيــــرانــــيــــة عـــلـــى قـتـلـهـم «بعنف». مــــن جـــانـــبـــه، قـــــال رئــــيــــس لـــجـــنـــة الأمــــن الـقـومـي والـسـيـاسـة الـخـارجـيـة فــي الـبـرلمـان الإيــــرانــــي، الــنــائــب إبـــراهـــيـــم عـــزيـــزي، إن أي خطوة «غير محسوبة» من الولايات المتحدة أو إسرائيل ستترتب عليها «تكاليف باهظة وغير قابلة للتعويض»، محذرا من المساس بأمن إيران أو استقرارها. وفي نطق برلماني، أقر بـ«مشروعية» احتجاجات البازاريين على تـدهـور الأوضـــاع المعيشية، داعـيـا الحكومة إلـــى الإســـــراع بــإصــاح إدارات «غـيـر كـفـؤة»، ومشددا على أن أولوية البلاد هي «المعيشة والــصــحــة والأمــــــن». واتـــهـــم أطـــرافـــا خـارجـيـة بــمــحــاولــة اســتــغــال الاحــتــجــاجــات لإحــــداث «فــوضــى مـنـظـمـة»، مــحــذّرا فــي الــوقــت نفسه الـــتـــيـــارات الــسـيــاســيــة الــداخــلــيــة مـــن خـطـاب الاستقطاب. وعـــلـــى خـــط مـــــــوازٍ، دعــــا رضــــا بــهــلــوي، ولـــــي الـــعـــهـــد الـــســـابـــق، إلـــــى تــجــنــب تـحـويـل الاحتجاجات إلى ساحة تدخل خارجي، قائلا في مقابلة نشرتها «وول ستريت جورنال» إن «التدخل الخارجي، سواء عسكريا أو عبر عمليات خـاصـة، غير مــطــروح»، وإن تغيير إيـــــران «سـيـتـم فـــي الـنـهـايـة عـلـى يـــد الشعب الإيراني نفسه». انهيار العملة الرسمية متواصل وبينما تتصاعد الضغوط السياسية والأمــنــيــة، يـظـل الـعـامـل الاقــتــصــادي المـحـرك الأكثر مباشرة لغضب الشارع، بعد تسجيل أسعار العملات والـذهـب مستويات مرتفعة جـديـدة فـي الـسـوق الـحـرة. فقد تـجـاوز سعر مليون ريـــال، بعدما 1.47 ، الـــدولار، الـثـاثـاء 1.36 كـان تراجع الأسـبـوع الماضي إلـى نحو مليون ريـــال. وبينما اقـتـرب سعر المسكوك مـلـيـار ريـــال إيــرانــي، 1.69 الـذهـبـي مــن نـحـو مليار 1.7 تحدثت تقارير عن تجاوزه حاجز مــلــيــون ريـــــال عن 90 ريــــــال، بــــزيــــادة تـــقـــارب الـيـوم السابق. وكـانـت الأسـعـار قـد تراجعت مليار ريـال 1.5 الأسـبـوع المـاضـي إلــى قـرابـة قبل أن تعاود الارتفاع. وفـــــــــي ســــــيــــــاق مــــــــــــــــوازٍ، أشــــــــــــار تـــقـــريـــر لـ«أسوشييتد بـرس» إلى أن الريال الإيراني هبط إلى مستوى متدن جديد؛ إذ جرى تداول مليون ريــال، بعد أن 1.46 الــدولار عند نحو مليون ريــال لـلـدولار في ديسمبر 1.4 لامـس (كــانــون الأول)، فـي مشهد يعكس اسـتـمـرار فقدان العملة قيمتها بوتيرة سريعة. وربـــط الـتـقـريـر بــن هـــذا الـتـدهـور وبـن تــقــلــص المــــدخــــرات تــحــت وطـــــأة ســـنـــوات من الـعـقـوبـات الـدولـيـة، مـع تـحـذيـرات مـن أن أي خفض إضافي للدعم أو تغييرات في آليات التسعير قــد يــدفــع مــوجــة غـــاء جــديــدة إلـى رفوف المتاجر. وفـــــــي إشــــــــــارة إلـــــــى حـــســـاســـيـــة المــــســــار الاقـتـصـادي فـي تغذية الاحتجاجات، بـرزت خـــال الأيــــام الأخــيــرة خـطـوة للبنك المـركـزي الإيـرانـي بتقليص أسـعـار الـصـرف المدعومة لــــلــــدولار الـــتـــي كـــانـــت تــمــنــح لــلــمــســتــورديــن والمنتجين. ويــرى مـراقـبـون أن هــذه السياسة، وإن كــانــت تـسـتـهـدف الــحــد مـــن الــفــســاد المـرتـبـط بفارق الأسعار، قد تُترجم عمليا إلى موجة ارتفاعات تُنقل مباشرة إلى المستهلكين عبر التجار. وفــــــــي الـــــســـــيـــــاق نــــفــــســــه، أورد تـــقـــريـــر «أسوشييتد برس» أن متوسط سعر زجاجة زيت الطبخ تضاعف، مع شكاوى من رفوف فــــارغــــة فــــي بـــعـــض المـــتـــاجـــر نــتــيــجــة خـشـيـة المــــورديــــن مـــن الــبــيــع بـــخـــســـارة، إضـــافـــة إلــى ارتفاع أسعار الجبن والدجاج، واختفاء الأرز المستورد من بعض المحلات. 7 إيران NEWS Issue 17207 - العدد Wednesday - 2026/1/7 الأربعاء رئيس لجنة الأمن القومي البرلمانية حذر التيارات السياسية من خطاب الاستقطاب ASHARQ AL-AWSAT مظاهرات حاشدة في بازار طهران... وبزشكيان حمّل الحكومة والبرلمان مسؤولية الأزمة إيران تلوّح برد «استباقي» على التهديدات الخارجية مع تمدد الاحتجاجات صورة من فيديو انتشر على «تلغرام» يعكس جانبا من احتجاجات بازار طهران أمس لندن - طهران: «الشرق الأوسط» عما يميز الحراك الحالي عن سابقيه... ومآلات الضغط الأميركي خبراء تحدثوا لـ طهران عند مفترق طرق مصيري لاختبار بقاء النظام تواجه إيــران واحــدة من أكثر لحظاتها تعقيدا مـنـذ قـيـام «الـجـمـهـوريـة الإسـامـيـة» . فالتحديات التي تحيط بالنظام 1979 عام لم تعد مقتصرة على العقوبات الاقتصادية أو الضغوط الخارجية التقليدية، بل باتت تــمــس جــوهــر مــعــادلــة الـحـكـم نـفـسـهـا: كيف يمكن للنظام الحفاظ على بقائه من دون أن يـسـرّع، فـي الـوقـت ذاتـــه، العوامل التي تهدد هذا البقاء؟ وفــي صلب هــذه اللحظة تـبـرز معضلة وجـــوديـــة واضـــحـــة. فــالــتــراخــي فـــي الـتـعـامـل مع الاحتجاجات الداخلية يفتح الباب أمام اتــســاعــهــا وتــحــولــهــا إلـــــى مـــســـار اســتــنــزاف سياسي طويل الأمد، في حين أن اللجوء إلى قـمـع واســــع الـنـطـاق يــرفــع مـنـسـوب المـخـاطـر الخارجية، في ظل بيئة دولية أكثر عدائية وتهديدات أميركية غير مسبوقة. وبين هذين الــخــيــاريــن، تـتـقـلـص هـــوامـــش المـــنـــاورة أمـــام طهران إلى مستوى غير مألوف. احتجاجات عابرة أم تحوّل بنيوي؟ يـثـيـر تـــطـــور الاحـــتـــجـــاجـــات الـحـالـيـة ســــؤالا مـحـوريـا حـــول طبيعتها: هــل هي مـــوجـــة اجـــتـــمـــاعـــيـــة قـــابـــلـــة لــــاحــــتــــواء، أم تعبير أعمق عن تحوّل في المزاج الشعبي؟ إن امـــتـــداد المـــظـــاهـــرات إلــــى مــــدن صـغـيـرة ومتوسطة، واتساع قاعدتها الاجتماعية، يـعـكـسـان مــســتــوى مـتـقـدمـا مـــن الـسـخـط، حــتــى وإن لـــم يـبـلـغ بــعــد عـتـبـة الانــفــجــار الشامل. في هذا السياق، يرى فرزين نديمي، كـبـيـر الــبــاحــثــن فـــي الـــشـــأن الإيــــرانــــي في معهد واشنطن لـدراسـات الـشـرق الأدنــى، أن هــــذه المـــوجـــة تـخـتـلـف عـــن سـابـقـاتـهـا. ويشير فـي حـديـث إلــى «الـشـرق الأوســـط» إلــــى أن الاحـــتـــجـــاجـــات الأخــــيــــرة، بـخـاف مـــوجـــات قـــادهـــا سـابـقـا طـــاب الـجـامـعـات أو العمال ذوو الدخل المنخفض في المدن الــكــبــرى، تــقــودهــا الــيــوم فـئـة الــشــبــاب في المــــــدن الـــصـــغـــيـــرة، وتـــحـــظـــى بـــدعـــم طـــاب الـــجـــامـــعـــات فــــي مــخــتــلــف أنــــحــــاء الـــبـــاد. ويصفها بأنها «أكثر رسوخا وانتشاراً»، وإن كانت «لم تصل بعد إلى حجم بعض الاحـتـجـاجـات الـسـابـقـة»، لافـتـا إلــى غياب الموظفين الحكوميين وعمال النفط، مقابل «حضور نسائي قوي مجدداً». ويـتـقـاطـع هـــذا الـتـوصـيـف مــع قـــراءة مايكل روبين، الباحث في معهد «أميركان إنتربرايز»، الذي يلفت إلى ثلاثة اختلافات رئيسية تميز هـذه المـوجـة: طبيعة القوى المــــشــــاركــــة، ورمــــزيــــة انـــطــاقـــهـــا مــــن ســـوق طـــــهـــــران، إضــــافــــة إلــــــى تـــأثـــيـــر الـــضـــربـــات الإسرائيلية التي بددت الهالة التي كانت تحيط بـإيـران. وفـي المقابل، يحذر مايكل أوهــــانــــلــــن، كـــبـــيـــر الـــبـــاحـــثـــن فــــي «مــعــهــد بروكينغز»، مـن المبالغة فـي تقدير قـدرة الشارع على إحـداث تغيير سريع، مشيرا إلى أن النظام الإيراني «منظم للغاية ولا يتردد في استخدام العنف للسيطرة على المجتمع». «وقود سياسي» لم تعد الأزمة الاقتصادية في إيران شـأنـا تقنيا يمكن فصله عـن السياسة. فـقـد أدى انـهـيـار الـعـمـلـة، وتــآكــل الـقـدرة الـشـرائـيـة، وتـــراجـــع الـثـقـة بـالمـؤسـسـات، إلى تحويل الاقتصاد إلى محرك مباشر لـاحـتـجـاج. ومـــع كــل جـولـة تضييق أو عـقـوبـات إضـافـيـة، يتعمق الـشـعـور بأن النظام عـاجـز عـن تقديم حـلـول حقيقية من دون تقديم تنازلات سياسية. هنا، يـرى أليكس فاتانكا، الباحث في معهد الشرق الأوســط في واشنطن، أن ما يجري يتجاوز الغضب من الأسعار أو تـــدهـــور المــعــيــشــة. ويـــقـــول لــــ«الـــشـــرق الأوســــــــــــط» إن الاحـــــتـــــجـــــاجـــــات تــعــكــس «تـــحـــولا أعــمــق فـــي الـــــرأي الـــعـــام»، حيث لم يعد الاعتراض موجها إلى سياسات بـعـيـنـهـا، بــل إلـــى نــمــوذج الـحـكـم نفسه. ويضع هـذا التحول، برأيه، النظام أمام سـؤال صعب: هل يمكن إنقاذ الاقتصاد من دون إعادة النظر في بنية السلطة؟ تشكل الأجهزة الأمنية، من «الحرس الـــثـــوري» وذراعــــه الـتـعـبـوي «الـبـاسـيـج» إلـــى الأجـــهـــزة الاســتــخــبــاراتــيــة، الـعـمـود الـــفـــقـــري لـــقـــدرة الـــنـــظـــام عــلــى الــصــمــود. تاريخياً، كانت هذه المؤسسات الضامن الأســاســي لـاسـتـقـرار الــداخــلــي، غـيـر أن الضغوط المتراكمة تطرح اليوم تساؤلات حول مدى تماسكها المعنوي والعقائدي. ويـــذهـــب مــايــكــل روبـــــن إلــــى الــقــول بـوجـود «تـصـدعـات تتسع»، مشيرا إلى شائعات عن لجوء طهران إلى نشر قوات مــن «الـحـشـد الـشـعـبـي» الـعـراقـي و«لـــواء فـــاطـــمـــيـــون» الأفــــغــــانــــي، نــتــيــجــة تـــراجـــع الــثــقــة بـــقـــدرة بــعــض وحــــــدات «الـــحـــرس الــــــثــــــوري» عـــلـــى تـــنـــفـــيـــذ الأوامــــــــــــر. وفـــي المقابل، يقر فاتانكا بأن هذه المؤسسات لا تزال متماسكة في الوقت الراهن، لكنه يـــحـــذر مـــن أن هــــذا الــتــمــاســك «يـتـعـرض لــــضــــغــــوط مــــــتــــــزايــــــدة» بـــفـــعـــل الإرهـــــــــاق الاقـتـصـادي والاجـتـمـاعـي، مـا قـد يـؤدي بمرور الوقت إلى تراجع الروح المعنوية وظهور تصدعات جزئية، حتى وإن ظل الانشقاق العلني غير مرجّح على المدى المنظور. من الردع إلى كسر المحظورات إذا كانت التحديات الداخلية تضغط عـلـى بنية الـحـكـم، فـــإن البيئة الخارجية تــضــاعــف مــســتــوى المـــخـــاطـــر. فالتصعيد الأميركي - الإسرائيلي، إلى جانب تراجع وزن الـــحـــلـــفـــاء الإقـــلـــيـــمـــيـــن، يـــضـــع إيـــــران أمــام مشهد استراتيجي مختلف جذرياً. وتشير تهديدات الرئيس الأميركي دونالد تـــرمـــب بـــدعـــم المــحــتــجــن الإيــــرانــــيــــن إلـــى تحول نوعي في الخطاب الأميركي، حيث لــم يـعـد الـتـركـيـز مـحـصـورا فــي الـبـرنـامـج النووي، بل بات الداخل الإيراني جزءا من معادلة الضغط. فـــي هــــذا الإطــــــار، يــــرى نــديــمــي أن ما جـــــرى فــــي فـــنـــزويـــا واعــــتــــقــــال نــيــكــولاس مـــادورو يحمل دلالات مقلقة لطهران، مع تشديده في الوقت نفسه على الفوارق بين الـحـالـتـن، معتبرا أن إيــــران «أكــبــر وأكـثـر تعقيداً»، وأن واشنطن لا تعتقد بإمكانية إســـقـــاط نـظـامـهـا بـسـهـولـة مـــن دون بـديـل داخلي واضـح. أما فاتانكا فيرى أن الأثر النفسي لتلك السابقة كبير؛ إذ «أضعف الافــــــتــــــراض بــــــأن الـــــقـــــادة مـــحـــصـــنـــون مـن الاستهداف الشخصي». الشبكة الإقليمية: ورقة قوة أم عبء؟ تــــعــــكــــس الــــــضــــــربــــــات الإســــرائــــيــــلــــيــــة الــــتــــي طــــالــــت قـــــيـــــادات عـــســـكـــريـــة ورمـــــــوزا سـيـاديـة داخـــل إيــــران تــحــولا فــي العقيدة الأمــــنــــيــــة الإســـــرائـــــيـــــلـــــيـــــة، مــــــن الاحــــــتــــــواء إلــــى الاســـتـــهـــداف المـــبـــاشـــر. ويـــــرى مـايـكـل أوهانلن أن هـذا النمط، بعد ما جـرى في فنزويلا والهجمات على قيادات البرنامج الــنــووي الإيـــرانـــي، بــات أكـثـر ترجيحا في عـهـد تــرمــب، بـمـا يعكس اســتــعــدادا لكسر محظورات كانت قائمة سابقاً. في المقابل، يعاد طـرح سـؤال فاعلية الـــشـــبـــكـــة الإقـــلـــيـــمـــيـــة الإيـــــرانـــــيـــــة. فـحـسـب فــــاتــــانــــكــــا، لـــــم تـــعـــد هــــــذه الأذرع «رادعـــــــا حقيقياً»، بل تحولت، مع ارتفاع كلفتها، إلــــى عــــبء اســتــراتــيــجــي. ويـــوافـــقـــه روبـــن الــــــــرأي، مــعــتــبــرا أنـــهـــا اســـتـــنـــزفـــت خـزيـنـة الدولة، وإن كان لا يستبعد لجوء النظام إلــى استخدامها فـي مـواجـهـة الــداخــل إذا اشتدت الأزمة. فـــــي ظـــــل هــــــذا الـــتـــشـــابـــك المـــعـــقـــد بـن الداخل والـخـارج، تضيق خيارات النظام الإيراني على نحو غير مسبوق. وبين من يرى في هذا الضعف فرصة لإعادة التوازن الإقليمي، ومن يخشى من فوضى واسعة، يبقى الــســؤال الـجـوهـري: هـل مـا تواجهه طهران أزمة إدارة قابلة للاحتواء، أم أزمة وجــــود قـــد تــرســم مــامــح إيـــــران والمـنـطـقـة لعقود مقبلة؟ واشنطن: إيلي يوسف الشرطة تستخدم خراطيم المياه لتفريق متظاهرين في مدينة شهركرد الغربية (تلغرام)

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky