الثقافة CULTURE 18 Issue 17207 - العدد Wednesday - 2026/1/7 الأربعاء أكبر لوحة فسيفسائية في العالم مدخل إلى الفنون الأموية المدنية يعود تأسيس متحف الفن الإسلامي ، وتُــعــتــبــر أهــم 1904 فـــي بـــرلـــن إلــــى عــــام الــتــحــف المــحــفــوظــة فــيــه واجـــهـــة حـجـريـة ضخمة مزينة بالزخارف المنقوشة، تعود إلى قصر أموي يُعرف باسم «قر المشتّى»، شُيّد خلال القرن الثامن في بادية الأردن. يـحـوي هــذا المتحف كـذلـك لـوحـة جـداريـة من قصر أموي يعود 1908 خرجت في عام إلى الحقبة نفسها، ويُعرف باسم «قصير عـمـرة»، وهـو في الـواقـع حمّام ملكي يقع كـــذلـــك فـــي بـــاديـــة الأردن، تـــزيّـــن جـــدرانـــه شبكة ضخمة من الرسوم الجدارية تمتد مترا مربعا تقريباً، وتشكّل 350 على مدى أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. فــــــــي المـــــــقـــــــابـــــــل، أنــــــــشــــــــأت الــــســــلــــطــــة الــبــريــطــانــيــة فـــي الـــقـــدس مـتـحـفـا افـتـتـح تحت اسـم «متحف 1938 رسميا في عـام فلسطين لــآثــار»، وضــم مجموعة كبيرة من التماثيل والنقوش، خرجت من قصر أمــــوي يـقـع فـــي قــريــة خــربــة المــفــجــر، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة في شمال أريـــحـــا. يُـــعـــرف هــــذا الــقــصــر بـــاســـم قصر هـــشـــام، ويــشــكّــل الـــيـــوم جـــــزءا مـــن مـجـمّــع يـــحـــوي مـــســـجـــدا وحـــمّـــامـــا كـــبـــيـــرا تــزيّــنــه أرضية فسيفسائية توصف اليوم بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم». يحضر الفن الأمــــــوي المـــدنـــي بـــقـــوّة كـــذلـــك فـــي متحف ،1919 دمشق الوطني الذي أُسّس في عام ،1936 وتوسّع في مرحلة أولى خلال عام ومرة ثانية في مطلع الخمسينات، وضم حـيـنـهـا قـسـمـا شُـــيّـــد لاحــــتــــواء مـجـمـوعـة ضخمة من اللقى خرجت من قصر أموي كيلومتراً، جنوب غرب 60 يقع على بعد تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. ، ونُقلت 1936 اكتُشف هذا الصرح في عام واجــهــتــه الــخــارجــيــة إلــــى مـتـحـف دمـشـق الــوطــنــي، وأعــيــد إنــشــاؤهــا عـنـد مـدخـلـه، متر، 14.45 فباتت بوابة له يبلغ طولها يحدّها من الطرفين برجان نصف دائريين مزخرفان بنقوش متعدّدة الأشكال. دام عــصــر الـــخـــافـــة الأمــــويــــة تسعة عـــقـــود، عــــرف خــالــهــا الـــعـــالـــم الإســـامـــي حـركـة عــمــران كـبـيـرة تـمـثّــلـت فــي سلسلة من الإنـجـازات الضخمة، أشهرها قاطبة قبة الصخرة في الحرم القدسي، والمسجد الأمــــوي فــي دمــشــق. تــعــدّت هـــذه الـحـركـة المـــيـــدان الــديــنــي، وشـمـلـت المـــيـــدان المـدنـي بشكل واسـع، كما تشهد مجموعة كبيرة مــــن الأبـــنـــيـــة فــــي بـــــــوادي الــــشــــام، ظــهــرت معالمها الأولـى خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، وتواصل استكشافها بشكل مستمر خلال القرن الماضي. تُعرف هــذه الأبنية الـيـوم بــ«الـقـصـور الأمـويـة»، وتـــنـــتـــشـــر بـــحـــســـب الــــتــــوزيــــع الـــجـــغـــرافـــي المعاصر في نواح عدة تقع في دول سوريا والأردن وفلسطين. يبرز قصر الحير الغربي في سوريا، ويـــعـــود إلــــى عــهــد هـــشـــام بـــن عــبــد المــلــك، عـاشـر خـلـفـاء بـنـي أمــيّــة، ويـتـمـيّــز بحلله الزينية التي تجمع بـن النقش والنحت والــتــصــويــر الــلــونــي، وتـشـهـد لـفـن أمـــوي مــدنــي شــكّــل اســتــمــراريــة خــاقــة للفنون الـــتـــي ورثــــهــــا. يــقــابــل هــــذا الـــصـــرح قصر آخـــر يُــعــرف بـاسـم قـصـر الـحـيـر الـشـرقـي، يعود إلـى ذلـك العهد، ويقع شمال شرق تدمر، وكـان بمثابة منتجع على ضفاف نـــهـــر الـــــفـــــرات. تـــضـــم الأراضــــــــي الـــســـوريـــة كــذلــك أطــــال قـصـريـن مـــن هـــذه الـقـصـور، يـــقـــع أحـــدهـــمـــا فــــي جـــبـــل ســـيـــس، جــنــوب شـــرق مـديـنـة دمـــشـــق، ويُــنــســب إلـــى عهد الـخـلـيـفـة الــولــيــد بـــن عــبــد المـــلـــك، ســـادس خـلـفـاء بـنـي أمــيــة. يـقـع الـقـصـر الآخـــر في مدينة الرصافة التي تُعرف كذلك برصافة هـــشـــام، وتــمــتــد جــنــوب نــهــر الــــفــــرات، في شمال الصحراء السورية. فــي فـلـسـطـن، يــبــرز فــي المــقــام الأول قــــصــــر خـــــربـــــة المــــفــــجــــر الــــشــــهــــيــــر بــقــصــر هـــشـــام، نـسـبـة إلـــى هــشــام بـــن عـبـد المـلـك، ويتميّز بحلله الزينية المتنوعة، وأبرزها منحوتاته التي نجا جزء كبير منها من الـــخـــراب. يحضر فــي المــقــام الـثـانـي قصر يقع في خربة المنيا، في الجليل، نواحي الـطـرف الشرقي لبحيرة طبريا، ويشكّل جزءا من مجمع يعود إلى عهد الوليد بن عبد الملك، يحوي مسجدا يُعتبر من أقدم مساجد فلسطين. إلى جانب هذا القصر، قصر ثالث يُعرف باسم قصر السنابرة، يـــقـــع فـــــي خــــربــــة الـــــكـــــرك، عـــلـــى الـــشـــاطـــئ الجنوبي لبحيرة طبريا، ويـحـوي قاعة استقبال تزينها فسيفساء أرضية ضاع القسم الأكبر منها. تحوي صحراء الأردن الجزء الأكبر مــن هـــذه الـقـصـور، وأهـمّــهـا قصير عمرة التي تغطي جدارياته الـجـدران الداخلية ومـــخـــتـــلـــف الـــقـــنـــاطـــر والــــقــــبــــب، وتــشــكــل جدارياته مـادة استثنائية لدراسة فنون الـتـصـويـر فــي الـحـقـبـة الأمـــويـــة. يـقـع هـذا المـتـحـف الــحــي فــي واحــــة الأزرق التابعة لمـحـافـظـة الـــزرقـــاء، ويُــنـسـب بشكل مـؤكّــد إلى الوليد بن يزيد، كما تشهد آخر أعمال المسح الحديثة في هذا الموقع. في محاذاة الطريق الـدولـي المتجه إلـى واحـة الأزرق، يرتفع قصر الحرانة الــذي شُيّد في عهد الــولــيــد بــن عـبـد المــلــك، كـمـا تـشـهـد كتابة كـوفـيـة نُــقـشـت فـــوق بـــاب إحــــدى حـجـرات كلم 20 طـابـقـه الــثــانــي. وعــلــى بـعـد نـحـو شرق عمّان، إلى الشمال من الطريق التي تصل مدينة الزرقاء بواحة الأزرق، يرتفع قصر الحلّبات وسط مجمّع تحدّه أربعة أبـــراج، ويتميز بمجموعة من الأرضيات الـفـسـيـفـسـائـيـة تـــعـــرّض جـــزء كـبـيـر منها لــلــخــراب. نـقـع عـلـى أربــعــة قــصــور ترتفع أطلالها في الجهة المقابلة، أشهرها قصر المشتّى في لواء الجيزة، وهو أول القصور الصحراوية التي كشف عنها المستشرقون الأوروبيون في القرن التاسع عشر، وأكبر هذه الأبنية من حيث المساحة الجغرافية، وأشــهــر مـعـالمـه واجـهـتـه الـجـنـوبـيـة التي نُقلت إلى برلين في مطلع القرن العشرين، مهداة من السلطان العثماني عبد الحميد الـثـانـي إلـــى حليفه مـلـك بـروسـيـا غليوم الثاني. أشــــار الــعــالــم الــبــريــطــانــي والـخـبـيـر بـالـحـضـارة الأشــوريــة أوســـن هـنـري إلى . وقدّم القسيس 1840 هذا القصر في عام الأنغليكاني هـنـري بايكر تـرسـتـرام أول عرض توثيقي له ضمن دراسة نُشرت في . بعدها شــرع المستشرق الأميركي 1872 رودلف برونو في دراسته بشكل أكاديمي ، رأى أنـــه بُــنــي في 1905 ، وفـــي 1897 فــي العهد البيزنطي، وقـد شـيّــده الغساسنة تبعا للنسق الخاص بالمناذرة اللخميين الــذيــن حـكـمـوا الــعــراق قـبـل الإســــام. بعد عــامــن، صـحّــح الـعـالـم التشيكي ألـويـس موسيل هــذه الــقــراءة، وأكّـــد هـويـة الموقع الأمـــويـــة الـخـالـصـة فــي كـتـابـه المـوسـوعـي «البتراء العربية». محمود الزيباوي واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين أفكار تُستحدث بفعل أفكار أخرى عبر الأجيال حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية من النافذة يطل أمامي صف من البيوت على الطرف الآخـر للشارع، ومـن زاويــة نظري أستطيع رؤيـة عمال بناء موزعين أمـام بيتين أو ثلاثة، فلا بد أن تكون هناك ترميمات تجري عـلـى قـــدم وســــاق هـنـا وهـــنـــاك، فـصـفَّــا الـبـيـوت المــتــقــابــلــة المـــمـــتـــدة لــنــصــف كــيــلــومــتــر أُنــشــئــت جـمـيـعـهـا فــــي أوائـــــــل الـــثـــاثـــيـــنـــيـــات، فــــي عـهـد الملك إدوارد، وهــذا مـا وسمها باسمه: النمط الإدواردي. بـــيـــوت غــرفــهــا صــغــيــرة بـسـقـوف واطــئــة نــوعــا مـــا، وديـــكـــور أقـــل زخــرفــة وأنــاقــة من النمط الفيكتوري الذي ساد في زمن الملكة فيكتوريا حيث الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب الشمس عنها. حالما أعيد دورة الزمن إلى الوراء لثمانين سنة سيختفي صـف الـبـيـوت هــذا مـن أمـامـي، وخـلـفـه سـيـمـتـد مــرعــى أخــضــر واســــع تنتشر فـوقـه بقع بيضاء تتحرك قليلا مـن وقــت إلى آخـــــر، وحــــن أمـــعـــن الــنــظــر أكـــثـــر أكــتــشــف أنـهـا ليست ســـوى أغــنــام مــوزعــة مــن دون تنسيق، حيث ثبتت رؤوســهــا على الحشيش الغزير، ولا أسـتـبـعـد أن تــكــون هــنــاك حـــيـــوانـــات بـريـة مـوزعـة هناك وهـنـاك: ثعالب وأرانـــب وقنافذ، وربما سناجب تتنقل ما بين الأشجار المنتشرة دون نظام والأرض المعشوشبة. غير أن هذه الأراضي التي تعود ملكيتها إلـــــى الـــــدولـــــة بــــــدأت تـــدخـــل مـــنـــذ أوائـــــــل الـــقـــرن العشرين في دائرة الملكية الخاصة، فقد بيعت بأسعار بخسة لتشجيع استيطانها. وخــطــوة خــطــوة، راحـــت أجــيــال متعاقبة من مخططي ومعماريي المدن والحدائق العامة ومعماريي البيوت والمهندسين المدنيين وآلاف العمال المهرة وشركات البناء والكهرباء والماء وإزالــــة الأحــــراش يعملون بـــدأب وراء الستارة ليشقوا طـرقـا ويبلطوها بـالأسـفـلـت، وإنـشـاء أرصــــفــــة لــلــمــشــاة ولأعــــمــــدة الـــكـــهـــربـــاء. وكــــان يـجـب تـطـويـر مـــراكـــز إنـــفـــاذ الــنــظــام والــقــانــون وتدريب شرطتها على ضبط العربات المتعددة الأغراض. هـــل هــــذا الــعــمــل الـــبـــطـــيء الـــــــدؤوب الـــذي شاركت فيه أجيال من المخططين والمنفذين له ما يناظره في حقل العلوم الواسع؟ «المـــــــــادة لا تــفــنــى ولا تُـــســـتـــحـــدث»، هـــذا مـــا صـــرح بـــه عــالــم الـكـيـمـيـاء الـفـرنـسـي لـــوران تموز 14 لافـوازيـيـه الــذي قطعت مقصلة ثــوار .1794 ) مايو (أيار 8 رأسه خطأ يوم مع ذلك فإن ما تركه من بصمة على تطور العلوم وتـطـور مـداركـنـا باكتشافه الأكسجين والهيدروجين، وتحديد صفاتهما، ظل قائماً، وبالتالي ظل لافوازييه نفسه حيا دائما عبر إرثــــه الــــذي دخـــل فـــي حـيـاتـنـا وذاكـــرتـــنـــا جـــزءا أساسيا منهما. غير أن مـا حمله الـقـرن التاسع عشر من تـطـور هـائـل فــي حـقـل الـصـنـاعـة واكـتـشـاف أن المادة قابلة لأن تتحول إلى طاقة جعل فرضية لافــــوازيــــه بــحــاجــة إلــــى الـــتـــعـــديـــل، وذلـــــك حين أصـــبـــح مـمـكـنـا تــحــويــل الــفــحــم الـــحـــجـــري إلــى طاقة حرارية، ثم جاء استخدام الكهرباء طاقة لإنارة الشوارع أولا (في أواخر ذلك القرن) قبل تحويلها لاحقا إلـى أشكال أخـرى من الطاقة، سواء حرارية أو ميكانيكية، ثم جاء آينشتاين في أوائـل القرن العشرين ليؤكد تلك الفرضية الــتــي ظـلـت تـــتـــردد لـــدى عـلـمـاء الـــقـــرن الـتـاسـع عــشــر الـتـطـبـيـقـيـن مـــن دون أن يـتـمـكـنـوا من صياغتها: «الـطـاقـة لا تفنى ولا تُــسـتـحـدَث»، لكن بالإمكان تحويلها من شكل إلى آخـر: من طاقة ميكانيكية إلـى حـراريـة أو كهربائية أو بالعكس. وهــذا مـا بقينا نعيش تحت ظله: خلود الـطـاقـة. فـهـي تـتـرك وراءهــــا مـــادة مـــا. القنابل النووية تترك وراءهــا أشعة وذرات قاتلة، أي مادة، ومن المادة يمكن الحصول على طاقة. والـيـوم أصبحت الطاقة الكهربائية هي المــحــرك الـحـقـيـقـي لـحـيـاتـنـا ويـمـكـن تحويلها إلى طاقة حرارية أو ميكانيكية، وهي بالمقابل يمكن توليدها من الطاقة الحرارية القادمة من الشمس أو من الطاقة الميكانيكية التي تولدها طواحين الهواء، أو من الطاقة النووية. وإذا كــان ذلــك صحيحا فـي حقل العلوم الـــدقـــيـــقـــة والـــصـــنـــاعـــة فـــهـــل يـمـكـنـنـا تـوسـيـعـه ليشمل الـوجـود الإنـسـانـي نفسه مثلما جرى فـــي أنــســنــة الـبـيـئـة الــبــريــة الــقــريــبــة مـــن مـوقـع مسكني خلال أكثر من قرن؟ فـــهـــذه الـــخـــبـــرات تـــراكـــمـــت فــــوق بعضها البعض، وهـذا بفضل ما ظل الآبـاء والمعلمون يغذون الصغار بمعارفهم كي يصبحوا قادرين على ملء مئات التخصصات الضرورية لإقامة صـــف الــبــيــوت الأنـــيـــق هــــذا، بــواجــهــات مطلية بالطلاء نفسه، ووراءها يمتد الطريق السريع والجسور والأنفاق العابرة للطرف الآخر منه. استمرارية الشعلة لكأننا نــواجــه بـهـذه الـطـاقـات الصغيرة التي لم تكتف ببناء المساكن فحسب، وتوفير كل الخدمات الضرورية لسكانها، بل تكونت جـــيـــوش مـــن الـــعـــمـــال جـــاهـــزة دائـــمـــا لإدامــتــهــا والـــوقـــوف أمــــام فـعـل الــزمــن المــخــرب لـأشـيـاء، نـاهـيـك عــن منسقي الــحــدائــق الـكـبـيـرة، الـذيـن صمموا بعضها ثم غادروا الحياة قبل أن يروا شكلها النهائي الـــذي احـتـاج إلــى نصف قرن لاكتماله. مــــا جـــــرى أمــــامــــي هــــو نـــفـــســـه وبـــأشـــكـــال مــخــتــلــفــة جـــــرى فــــي شـــتـــى أنــــحــــاء المـــعـــمـــورة، فهناك حـضـارات بنيت قبل خمسة آلاف سنة في مصر والعراق، وفيها شقت الطرق وبنيت الزقورات والأهرام والمدن بمساكنها وأسواقها ومـــعـــابـــدهـــا ومـــســـارحـــهـــا، لــتــجــد طــريــقــهــا في الانتشار بين شعوب العالم القديم. وإذا اعـتـبـرنـا ابـتـكـار الــحــروف والكتابة فـــي هـــاتـــن الـــحـــضـــارتـــن نــقــطــة تـــحـــول هـائـلـة فـي تطور مـــدارك الإنــســان، إذ معها أصبح ما يــبــدعــه الـــفـــرد مـــن مــعــرفــة وأدب وعـــلـــوم قــابــا للانتقال إلى الأجيال اللاحقة من دون ضرورة أن يــكــون مـبـدعـهـا حــيــا، وقـــابـــا لـانـتـقـال من مكان إلى آخـر. وهنا تصبح كل هذه الطاقات الـتـي ينتجها عـقـل جمعي واحـــد يطلق عليه هيغل اســم «الـــروح المطلق» قابلة لأن تتحول إلـــى طــاقــات مختلفة لـــدى الأحـــيـــاء مــن البشر أو لـأجـيـال الــاحــقــة. لـكـأنـنـا فــي هـــذه الحالة نشهد تحول الطاقة إلى مـادة في حالة البناء والإعــمــار وإنــشــاء الـقـرى والـبـلـدات والمــــدن، ثم تحول المـادة التي تتجسد بالأطفال المولودين للتو إلـــى طـاقـة أكـبـر وأكــثــر تـنـوعـا ابــتــداء من بلوغهم سن الشباب. مـــا يـمـيـز شـخـصـيـات الــــروائــــي الـــروســـي دوســتــويــفــســكــي فـــي روايــــاتــــه الـــكـــبـــرى هـــو أن كـا منهم تتحكم فيها فكرة مـا، وهــذه الفكرة تـــنـــتـــمـــي إلـــــــى عــــصــــره وأبـــــدعـــــهـــــا شــــخــــص أو مجموعة أشـخـاص تنتمي إلـى الـقـرن التاسع عشر. وهذه الحال تنطبق على الحياة الواقعية لكن من دون تلك الواقعية الخيالية المبالغ بها في أعماله الأدبية. قد يمكننا القول إن هناك نوعا من الأفكار التي تُستحدث لدى مبدعها بفعل أفكار أخرى مسبقة أصبحت مادة أولية لها أو تحت تأثير إلهام خارجي خارق، وهذه الأفكار تأخذ شكل معتقدات دينية أو مذهبية أو آيديولوجية، وهي تمتلك القدرة على صياغة ثقافة مشتركة للمجتمعات التي وُلـــدت فيها وإلــى أخــرى قد تكون بعيدة عن موطنها الأصلي. وبفضل هذا النوع من الأفكار المختلفة عن بعضها البعض تـشـكـلـت طـــرائـــق وســلــوكــيــات ورؤى وأمـــزجـــة خـاصـة لـهـذا الـشـعـب أو ذاك، وبــهــذه الطريقة أصبح الجنس البشري مختلفا عن الأجناس الحيوانية الأخــرى بفضل تغلغل هـذه الأفكار في روحية المجتمعات لتخلق غنى واسعا في ثقافاتها. وخــال القرنين التاسع عشر والعشرين حدثت تحولات كبيرة في مفاهيم المجتمعات البشرية، حيث استطاعت الأفـكـار المستنبَطة من العلوم التي تطورت على تغيير الكثير من القناعات السابقة في مجالات علم الفلك وعلم الـجـيـولـوجـيـا وعــلــم الـنـفـس وغــيــرهــا، إضـافـة إلــى تصاعد دور الفلسفة لا فـي صياغة رؤى الفرد والجماعة بل في صياغة طرائق الإدارة والــحــوكــمــة، وهــــذا مـــا خـلـق تــقــاربــا عـالمـيـا في الــكــثــيــر مـــن الـــقـــنـــاعـــات والمــــمــــارســــات وأنـــمـــاط العيش والإبداع. كــم تـتـشـابـه الـحـالـة الـبـشـريـة مــع الـحـالـة الــعــلــمــيــة الـــلـــتـــان يــتــحــدد جــوهــرهــمــا أســاســا بالقانون نفسه: الطاقة لا تفنى ولا تستحدث. فـالـفـكـرة قـبـل تحويلها إلـــى واقــــع مــــادي تظل طــــاقــــة قـــائـــمـــة بـــذاتـــهـــا ولــــكــــن عـــنـــدمـــا تـصـبـح واقعا على أيـدي طواقم المهندسين والتقنيين والـــعـــمـــال فــإنــهــا تـنـتـقـل (حـــالـــهـــا حــــال تـحـول الـطـاقـة الـكـهـربـائـيـة إلـــى حــــرارة أو حــركــة) من طاقة إلى مادة. وعـلـى ضــوء مـا نـــراه مـن حـيـاة «الإنـسـان العاقل» على هذه الأرض ونجاحه في تحويل عالمه القائم بذاته إلى عالم قائم لذاته، أي لذات هذا الكائن الأخير، يمكننا القول إنه تمكن من تحقيق خـلـوده عبر تحقيق نقل طاقته (قبل غيابه الجسدي) إلى ذريته وأجيال المستقبل، فــبــذلــك ضــمــن بـــقـــاءه عــبــرهــم. هــنــا يـظـهـر أبــو الـكـيـمـيـاء الــحــديــثــة ثــانــيــة: لافـــوازيـــيـــه. فعند تسخينه أوكسيد الزئبق داخل منظومة مغلقة ظهر غـاز ضــروري تبين أنـه ضــروري للتنفس والاحتراق فأطلق عليه اسم «الأكسجين». لكأن حال لافوازيه كحال مليارات الناس الـــــذي ولــــــدوا عــلــى هــــذه الأرض وغــــــذوا خــال وجودهم المادي القصير نهر الحياة بطاقاتهم، وهـــــــذه ظـــلـــت خـــيـــطـــا رابـــــطـــــا مـــــا بـــــن المـــاضـــي والمستقبل غير المنظور. إنهم هنا معنا أحياء عبر بصماتهم على نهر الحياة المتدفق هــذا، طاقة قابلة للتحول من شكل إلى آخر لكنها لا تُفنى أبداً. لؤي عبد الإله أنطوان لافوازييه فيودور دوستويفسكي مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل صـــدر أخـــيـــرا الـــعـــدد الـــرابـــع عــشــر/ شـتـاء مــن «مـجـلـة الأديــــب الـثـقـافـيـة»، وتضمن 2026 دراســــــات وأبـــحـــاثـــا ومـــقـــالات مـخـتـلـفـة، مـنـهـا: حوار موسع مع المفكر والروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي، الذي حاوره رئيس التحرير في قضايا الفكر العربي الإسلامي، والسلفية، والــــجــــهــــاديــــة، وإعـــــــــادة فـــتـــح بـــــاب الاجـــتـــهـــاد، والـــحـــداثـــة، والـــدولـــة الـديـنـيـة – الـثـيـوقـراطـيـة، والبنية السوسيولوجية الثقافية للمجتمع المغربي، والمنجز الروائي. وفــــــي حـــقـــل «فــــكــــر ونـــــقـــــد»، كـــتـــب الـــنـــاقـــد عباس عبد جاسم عن «بينونة الفكر النقدي، وإشكالية اللا مفكر فيه»، وأسهمت الدكتورة أوراد محمد كاظم في الكتابة عن «نسوية ما بـعـد الإنــســانــيــة والمــــد الــــوجــــودي»، وسـاهـمـت الـــــدكـــــتـــــورة عـــشـــتـــار داود مـــحـــمـــد بــــ«ســـلـــطـــة الـنـقـد فــي مـقـاربـة الــنــص الأدبــــــي»، كـمـا كتبت الدكتور أنصاف سلمان علوان عن «النسوية الفوضوية». وتـــضـــمـــن الــــعــــدد مـــلـــفّـــا مـــوســـعـــا عــــن «مـــا بـــعـــد قـــصـــيـــدة الــــنــــثــــر: الـــــراهـــــن والمـــســـتـــقـــبـــل»، خـصـوصـا عـلـى مـسـتـوى الــعــبــور الإجــنــاســي، وتنافد الأشكال، وتنوّع المضامين، والتجريب والتجديد فـي قصيدة النثر، وقـد تــوزّع الملف على قسمين: الأول – دراســات وبحوث نقدية، منها: سـؤال البعدية للناقدة الدكتورة بشرى موسى صالح، وبيان شعري جديد: القصيدة قـــصـــيـــدة بــــا نـــثـــر لــلــكــاتــبــة والــــشــــاعــــرة دنــيــا مــيــخــائــيــل، وتـــوظـــيـــف الـــغـــمـــوض واســـتـــدعـــاء الـعـنـاصـر الــدرامــيــة – مـقـاربـة جـمـالـيـة لمفهوم الـجـلـيـل فــي قـصـيـدة الـنـثـر لـلـنـاقـدة الــدكــتــورة رشــا الــفــوال، وقـصـيـدة النثر مـن الحقيقة إلى التحقق: تـحـوّلات النص وفـضـاءات التجريب لــلــنــاقــد الـــدكـــتـــور مــحــمــد عـــبـــد الـــلـــه الـــخـــولـــي، وقصيدة النثر... الخروج على شعرية المألوف لـلـنـاقـد عـلـي حـسـن الــــفــــوّار، ومـــا بـعـد قصيدة النثر - قصيدة المعنى للشاعر والباحث حاتم عـبـد الـــهـــادي الــســيــد، والــطــلــوع وســـط انـهـيـار اليقينيات – جـيـل الـثـمـانـيـنـات والتسعينات والألفية الثالثة للناقد عباس عبد جاسم. وتضمن القسم الثاني من الملف شهادات ونــــصــــوصــــا، مـــنـــهـــا: تــــحــــولات الـــقـــصـــيـــدة: مـن العمود والتفعيلة والنثر إلــى الـنـص المفتوح لـــلـــشـــاعـــر عــــدنــــان الــــصــــائــــغ، وقــــصــــيــــدة الــنــثــر والـــتـــحـــوّل الـــرقـــمـــي، ومــقــاطــع شــعــريــة جــديــدة بعنوان: كوكب يــذوب دمعه للشاعر والكاتب شـــريـــف الـــشـــافـــعـــي، وحــــن يــخــفــف الــنــســر من أجــنــحــتــه – قـــصـــيـــدة الـــنـــثـــر أعــــالــــي الـكـيـنـونـة للشاعر والكاتب عبد الوهاب الملوح، وقصيدة الــنــثــر أي الاخـــتـــيـــار الأنــــســــب؟ ونــــص بـيـوتـنـا نحملها دون خجل للشاعر مصطفى المحبوب، وقـــصـــيـــدة الـــنـــثـــر؛ رافــــــد مــــن روافـــــــد الــشــعــريــة العربية للشاعر محمد زينو شومان، ونبيلة الوزاري وصفحة روح. وفـــي حـقـل «قــــــراءات»، أسـهـمـت الـدكـتـورة غنية بو ضياف بقراءة «مكرو شعرية» بعنوان «الــقــلــق وبــــوح الـــــذات فـــي الــكــتــابــة الــنــســويــة – قـــصـــاصـــات قـــلـــق» لــلــطــيــفــة حـــــربـــــاوي، وكــتــب الدكتور عبد المـالـك أشهبون عـن «خصوصية حضور – اليوميات – في رواية – عِقد المانوليا» لنعيمة الـسـي أعــــراب، وتــنــاول الـدكـتـور أحمد زينبر «الـتـاريـخ واسـتـدعـاء الــذاكــرة فـي روايــة – مجهول الحال – لسعيد بنسعيد العلوي»، وقـــــــدّم الـــدكـــتـــور بــــو شــعــيــب الـــــســـــاوري قـــــراءة بـعـنـوان «الـلـعـب فـي الـنـص القصصي ككتابة وفعل تواصلي». وفـــي حـقـل «تـشـكـيـل»، قـــدّم الـكـاتـب هيثم عــبــاس قـــــراءة بــعــنــوان «الــــواضــــح الــغــامــض – المـرأة في أعمالي التشكيلي دلشاد بهاء الدين عبد الله». وفي حقل «نقطة ابتداء»، الصفحة الأخيرة من المجلة، قدّم الكاتب والروائي أمجد توفيق مقالة بعنوان «لماذا نكتب؟». مجلة «الأديب الثقافية» تصدر بطبعتين ورقية وإلكترونية. بغداد: «الشرق الأوسط» الفكرة قبل تحويلها إلى واقع مادي تظل طاقة قائمة بذاتها ولكن عندما تصبح واقعا فإنها تنتقل من طاقة إلى مادة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky