issue17207

كـأنـه 2026 يـــبـــدو الـــشـــرق الأوســــــط فـــي مــطــلــع هــــذا الـــعـــام محاط أو محاصَر في الجغرافيا والسياسة، بمثلث من الأزمات والحروب. بعض هذه الأخيرة، وهي مترابطة بشكل مباشر أو غير مباشر، قد تأخذ طريقها إلى التهدئة وخفض الصراع من دون تسويته كليا بالطبع أو عبر تسويات مؤقتة يمكن أن تسهِّل لتسويات لاحقة، وبعضها الآخر قد يذهب في منحى التصعيد وإذكاء الصراع عسكريا أو سياسيا وذلك حسب كل نزاع. عــلــى ضـــفـــاف الــبــحــر الأبـــيـــض المـــتـــوســـط نــشــهــد تـصـعـيـدا وتخفيضاً، ولـو نسبياً، في الحرب الإسرائيلية التي بــدأت في غزة، وانتقلت إلى لبنان، وبالطبع في الضفة الغربية التي يبقى ضمها (عـبـر استكمال تهويدها) الـهـدف الأســاســي لإسـرائـيـل؛ بُغية إلغاء إمكانية حل الدولتين مستقبلاً، كما يـردد أكثر من مسؤول إسرائيلي. وليس أدل من ازديـاد التعقيدات بشأن غزة ســوى التعثر الحاصل بشأن تطبيق المرحلة الثانية مـن خطة الرئيس ترمب، ولو أن كثيرين لأسباب مختلفة لا يريد الاعتراف بذلك ويحاولون الالتفاف حول الصعوبات المتأتية بشكل خاص من التفسيرات الإسرائيلية لخطة ترمب، وذلك بغية تسويتها. فــيــمــا يــتــعــلــق بـــلـــبـــنـــان، مــــا زالــــــت الـــســـيـــاســـة الإســرائــيــلــيــة عــلــى حــالــهــا مـــن خــــال الاســـتـــمـــرار فـــي عــمــلــيــات «الاســـتـــهـــداف الاستراتيجي» المفتوح فـي الجغرافيا وفـي الـقـوة الـنـاريـة وفي الزمان، كما لو أن الإعلان الذي جرى التوصل إليه لوقف القتال 2024 ) نوفمبر (تشرين الثاني 27 والـذي دخل حيَّز التنفيذ في ينطبق بشكل أحـــادي على لـبـنـان. وتـربـط إسـرائـيـل ذلــك بنزع سلاح «حزب الله» كلياً، وهو أمر أقل ما يقال فيه إنه غير ممكن وغير مقبول أن يتم حسب الـرؤيـة الإسرائيلية، وبالتالي فهو غير واقعي. إن قرار حصرية السلاح في يد السلطات اللبنانية المعنية، بوصفه أمرا أكثر من أساسي للعودة إلى مفهوم الدولة ودورها الطبيعي، يجري فـي إطــار لبناني بحت، وحسب جــدول زمني تعمل عليه السلطات اللبنانية. إنه موقف رسمي يحظى بدعم شعبي واسع، رغم الاعتراف بمصاعب وعراقيل غير قليلة أمام ذلك. ولكن لا يمكن أن يتحقق هذا الهدف عبر استمرار العدوان الإسرائيلي الذي يزيد في تعقيد الأمور على الأرض. إن المـــوقـــف الــرســمــي الـلـبـنـانـي واضــــح وواقـــعـــي: مــوقــف لا بـــد مـــن الـتـذكـيـر بـــه، يــقــوم أولا عـلـى ضـــــرورة احـــتـــرام إسـرائـيـل لـوقـف إطـــاق الـنـار والانـسـحـاب مـن النقاط المحتلة، واستمرار «الــتــفــاوض الـتـقـنـي» فــي إطـــار «لـجـنـة المـيـكـانـيـزم» تـحـت عـنـوان التوصل إلى تنفيذ أو تحديدا إلى إعـادة إحياء اتفاقية الهدنة لتنظم الوضع على الحدود، مع التنفيذ الكامل لقرار 1949 لعام ببنوده كافة. القرار الذي يؤكد أيضا حصرية 1701 مجلس الأمن السلاح في يد السلطة اللبنانية. ومن نافلة القول إن لبنان يلتزم بعملية الــســام الـشـامـل والـــعـــادل والـــدائـــم كـمـا جـــاء فــي مـبـادرة . كما يرفض أي مقاربة انتقائية لذلك 2002 السلام العربية لعام أيـا كانت مسمياتها أو تبريراتها، ومـا زلنا بعيدين كل البعد عن هذا الأمر. عـلـى شــاطــئ المـتـوسـط أيــضــا، يـبـقـى هـنـالـك تــحــد أسـاسـي يتمثل فـي إطــاق وتعزيز ودعــم عملية حــوار وطني شامل في سوريا يعزز الاستقرار المجتمعي، وبالتالي السياسي والأمني. حوار يقوم على مبدأ التشاركية للمكونات السورية كافة، وهو مـــا أســمــيــه بــنــوع مـــن «طـــائـــف ســـــوري» أســـــوة بــاتــفــاق الـطـائـف . ورغـم اختلاف الظروف بين الحالتين لكن 1989 اللبناني لعام يبقى هو الحل الضروري لدعم الاستقرار في سوريا. فــــي مــنــطــقــة بـــــاب المــــنــــدب والـــبـــحـــر الأحــــمــــر، ذات الأهــمــيــة الاستراتيجية المتزايدة في لعبة الأمم، نتفاءل خيرا مع الحوار الشامل الـــذي ستستضيفه وتـرعـاه المملكة العربية السعودية لجميع الأطــــراف فــي الـيـمـن الـجـنـوبـي؛ للتوصل إلـــى تفاهمات واتفاق حول مستقبل المنطقة المعنية. السودان أيضا يعاني من حروبه المستمرة، حيث الاجتماع (البنية المجتمعية المتنوعة) والجغرافيا السياسية تجعله جـذابـا للتدخلات وللصراعات، والمطلوب العمل على دعم السلطة الوطنية وتعزيز التشاركية عبر الحوار؛ تلافيا للانقسامات القاتلة للجميع. نقطة ساخنة أخرى في «المسرح ذاته» تتعلق بـ«جمهورية أرض الــصــومــال»، الإقـلـيـم الـــذي انـشـق عــن الــصــومــال، حـيـث إن الموقع المهم الــذي يحتله في الممر المائي الاستراتيجي يجعله، كما نشهد، جذابا للصراعات ولتعزيز الانقسام والانفصال عن الدولة الصومالية. ونرى أهمية ذلك بشكل خاص بالنسبة إلى إسرائيل التي اعترفت وحدها بين دول العالم بهذه الجمهورية. كــمــا يـحـظـى بــاهــتــمــام إثــيــوبــيــا الــتــي تـبـحـث عـــن واجـــهـــة (بـعـد استقلال إريتريا) على الممر الاستراتيجي ذاته. في الخليج تبقى السخونة القابلة للاشتعال تطبع الوضع الإيـــرانـــي - الأمــيــركــي ومــعــه الــغــربــي، ولـــو بـــدرجـــة أقــــل، وكـذلـك الإيـــرانـــي - الإسـرائـيـلـي بشكل خـــاص بـشـأن «ثـاثـيـة» الــنــووي، والــصــواريــخ الباليستية، ودور حـلـفـاء إيــــران، مــن التنظيمات المختلفة، فـي المنطقة. ويبقى الاحـتـمـال قائما فـي الــعــودة إلى سيناريو هجوم إسرائيلي بمشاركة واشنطن أو من دونها؛ وهو الأمــر الــذي يُطرح بقوة. يشجع على ذلـك التغير في التوازنات الإقليمية، خصوصا بعد خسارة «الحليف الـسـوري» بالنسبة إلى إيران، والتداعيات الكبيرة لذلك على الدور الإيراني. التطبيع العربي - الإيراني الذي حصل لا يعني الاتفاق على مختلف القضايا الأسـاسـيـة فـي المنطقة. التمايز أو الاخـتـاف واضح ولكن يبقى مقيدا ما دام الهدف هو منع الفوضى ومنع الـــذهـــاب نـحـو المــجــهــول. هـــذا الـتـفـاهـم يُــنـتـج تــحــركــا، بتشجيع وطلب كما يـرى البعض من طـرف إيـــران، لتفعيل الدبلوماسية على حساب سيناريوهات المواجهة المختلفة والمفتوحة، من دون أن يعني ذلك الغياب الكلّي لاحتمالات جدية لمواجهة مقيدة في الزمان والمكان، كما أشرنا وكما حصل من قبل. ســنــعــيــش ســنــة فــــي شـــــرق أوســــــط عــلــى مــفــتــرق طـــــرق بـن الصراعات والتسويات المتداخلة والمتأثر بعضها ببعض، رغم غياب الـرابـط العضوي أو المباشر بينها. صـراعـات وتسويات «فـي لعبة الأمـــم» فـي المنطقة تحمل سيناريوهات مختلفة، كل منها له تداعياته المتعددة في المكان والزمان. قد تُبرم واشنطن صفقة. ولكنها ستكون مكلفة دبلوماسياً، وتتطلب من واشنطن انضباطا نادرا لم تعتد عليه! «السياسة فن الممكن». وفي أوكرانيا يتقلَّص الممكن ساعة بساعة: إذ لم يعد «النصر الحاسم» ممكناً، وجُل ما يمكن، وقف نزف يهدد بأن يصير خرابا دائماً. لذلك لـم تُستقبَل محاولة دونـالـد ترمب الأخـيـرة للتسوية بترحاب واسع من المتحاربين. كييف، المدعومة أوروبـيـا، لا تريد شروطا تُقرأ استسلاماً. وموسكو لم تُظهر استعدادا للتراجع عن مطالب قصوى تمس سيادة أوكرانيا. وزاد موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ديسمبر (كانون الأول) الماضي مع مبعوثي ترمب 2 في محادثات هذا الانطباع، حين امتنع عن تقديم تنازلات جوهرية. ومع ذلـك، فإن الحكم بأن «لا أرضية للتفاوض» يخلط بين سنوات من القتال 4 صعوبة الصفقة واستحالتها. بعد ما يقارب بـا اخـتـراق استراتيجي، صــار اسـتـمـرار الـحـرب صفقة خاسرة للطرفين. أشهر. أما 6 ما يمكن انتزاعه اليوم قد لا يكون متاحا بعد انتظار «مـوقـع قــوة» افتراضي فليس استراتيجية بقدر مـا هو مقامرة بالوقت. وقد أقر قادة أوكرانيا بأن استعادة كل الأراضي بــالــقــوة لـيـسـت واقــعــيــة. ومـــا يـتـعـذر عـلـى كـيـيـف فـــي المـــيـــدان لن تُعوِّضه المفاوضات وحدها. الــســاعــة تـضـغـط عــلــى أوكـــرانـــيـــا بــثــاثــة وجـــــوه: اقــتــصــاد، وســكــان، وسـيـاسـة. تـقـديـرات إعـــادة الإعــمــار خــال العقد الـقـادم مليار 200 مرة من ناتجها المحلي قبل الحرب (نحو 2.6 تتجاوز دولار). وعـلـى الـجـبـهـة، ومـــع صـعـوبـة إدارة الـخـطـوط الأمـامـيـة ملايين 7 وتواصل التقدم الروسي، يتواصل نزيف البشر: قرابة -نحو سدس السكان قبل الحرب- غـادروا إلى الخارج، وكثيرون قـد لا يــعــودون. وفــي الــداخــل، جعل منطق «الـــطـــوارئ الوطنية» السلطة أكثر تركُّزاً، والانتخابات أكثر تأجيلاً، بما يضعف قواعد ديمقراطية هشَّة أصـاً. وتأتي فضائح الفساد المتداولة كتذكير مألوف: حين تختلط السياسة بالأمن والمال في وقت واحد، تقل الضوابط وتكثر الأعذار. وتضغط الساعة على روسـيـا بـقـدر قـد يـكـون أكـبـر. ليست الأرض أهـم مـا يلزم روسـيـا، بينما تدفع ثمنا متصاعدا مقابل مكاسب مـحـدودة؛ مـا يـقـارب المليون بـن قتيل وجـريـح. أسفرت في المائة من الأراضي 1 حملة هذا العام عن السيطرة على نحو ألــــف قــتــيــل وجــــريــــح. ومــــع ارتــــفــــاع تكلفة 200 مــقــابــل أكـــثـــر مـــن استقطاب المتطوعين وتـردد الكرملين في الدعوة لتعبئة واسعة بسبب ارتداداتها الاجتماعية، يتباطأ الاقتصاد. فبعد عامين من في 1 فـي المـائـة، تنخفض توقعات إلــى مـا يـقـارب 4 نمو تـجـاوز المائة هذا العام والعام المقبل. وبذلك تُراكم موسكو فاتورة حرب تُضعف قدرتها على منافسة القوى الكبرى. ومع أن منطق الاستنزاف يدفع نحو التسوية، فإن فجواتها لا تـزال واسعة! خصوصا في قضيتَي الإقليم وضمانات الأمـن. ترفض أوكرانيا التنازل عمَّا لم تحتله روسيا في دونباس، ولا تريد التخلي عن طموح الانضمام إلى حلف «الناتو»، ولا خفض قدراتها إلى مستوى لا يردع عدوانا لاحقاً. تـسـعـى روســـيـــا لـتـرتـيـبـات تـمـنـع مـــا تـعـتـبـره تــهــديــدا على حـــدودهـــا. ولـكـن «هـيـئـة» الـتـسـويـة بـاتـت مـعـروفـة رغـــم إنـكـارهـا علناً: وقف إطـاق نار على خط التماس من دون اعتراف رسمي متبادل بالسيادة على الأراضي المتنازع عليها؛ وأوكرانيا بحياد مسلَّح وقدرات دفاعية موثوقة، مع مسار للانضمام إلى الاتحاد الأوروبــي لا إلى «الناتو»؛ وعـدم توسع إضافي لـ«الناتو» شرقا داخـــل فـضـاء مــا بـعـد الاتــحــاد الـسـوفـيـاتـي. هـــذه الصيغة تمنح بـــوتـــن مــســاحــة إعـــــان «الـــنـــصـــر»، وتــتــيــح لــلــرئــيــس الأوكــــرانــــي فـولـوديـمـيـر زيلينسكي الــقــول إنـــه حـفـظ الأثــمــن: أنـقـذ أوكـرانـيـا بأبعادها الأوروبية التاريخية. المشكلة ليست في تصور الصيغة؛ بل في هندسة الطريق إلـيـهـا. هنا تـبـدو الــولايــات المـتـحـدة الـطـرف الـوحـيـد الــقــادر على القيادة، لا بالوعظ؛ بل بالأدوات: ضغط على كييف وأوروبا عبر ملف المـسـاعـدات، بما فيها المعلومات الاستخباراتية الميدانية؛ وضغط على موسكو بالعقوبات وبالدعم العسكري لأوكرانيا؛ لكن أيضا بـإغـراء سياسي يتمثل في وعــود مـدروسـة بـ«تطبيع للعلاقات». غير أن بوتين لا يشتري الـوعـود؛ بل يريد دلائـل ملموسة: مــجــمــوعــات عــمــل لمــلــفــات ثــنــائــيــة، كـــالـــســـاح الــــنــــووي والــقــطــب الشمالي والتجارة، على أن يُربط أي تقدُّم فيها بقرارات صعبة تُنهي الحرب. ولــكــي تـمـضـي الـعـمـلـيـة، تـحـتـاج واشـنـطـن إلـــى مـفـاوضـات «تـقـلـيـديـة» عـبـر مـــســـارات مـــتـــوازيـــة: مـــع الـــــروس مـــن جــهــة، ومـع الأوكــــرانــــيــــن والأوروبـــــيـــــن مـــن جــهــة أخــــــرى، وصــــــولا لـدمـجـهـا تدريجياً، بينما تتراكم الثقة لدى الطرفين. تتولى فرق مختصة قضايا الإقليم والضمانات وآليات وقف النار، لتصبح قناة البيت الأبيض– الكرملين حيوية لتحديد المبادئ وكسر الجمود. الـنـجـاح غير مـضـمـون، ولــن يـأتـي بالسرعة الـتـي يفضِّلها ترمب. ولكن البديل -حرب بلا أفق- أكثر تكلفة على الجميع. ليس الاختبار الحقيقي «هل توجد صفقة؟»؛ بل: هل تملك إدارة ترمب ما يكفي من الانضباط والصبر لإخراج صفقة بطيئة من فم حرب متدحرجة؟ لـئـن كـــان بـديـهـيّــا ارتـــبـــاط الـظـاهـرات السياسيّة بـأسـبـاب داخـلـيّــة، فـي بلدانها وأقاليمها، فالصحيح أيضا أن ثمّة أسبابا خـارجـيّــة، مشتركة ومتبادلة، تساهم في تفسير تلك الظاهرات وطرق اشتغالها. والـحـال أن عمليّة اختطاف الرئيس الــــفــــنــــزويــــلّــــي نــــيــــكــــولاس مــــــــــادورو تـــتـــوّج وجــهــة حــربــيّــة، تــكــاد تــكــون صــفــريّــة، بين الـولايـات المتّحدة في ظـل رئيسها دونالد ترمب، والمعسكر المناهض لها في «العالم الثالث». وهي وجهة لا تنمو وتتطوّر إلا في مناخ الاحتكاك العدائي بين الطرفين، والذي تتعدّد ساحاته وتتمدّد من كراكاس وهافانا إلى طهران وغزّة. لكن ما لا بد من ملاحظته هنا أن الطرفين المذكورين هما، وإلى حد بعيد، نتاج تمرّد على المقدّمات التي حضنت صعودهما في بيئات ذاك الصعود. فالترمبيّة والظاهرات التي تشبهها في أوروبــا الغربيّة تكاد تشكّل ثـورة قوميّة على مبادئ الليبراليّة، وهي استلّت من القاموس، ومن تاريخ ظنّه الكثيرون بائداً، كل ما يفيد في مناهضة العولمة ، إلى السيطرة على المضائق والممرّات والمواد 1823 الليبراليّة: من «مبدأ مونرو» العائد إلى الخامّ، ومن اعتماد الحمائيّة الجمركيّة إلى العداء للهجرة واللجوء... فهي تحمل بالتالي صورة عن العالم متشائمة، لا يغري بالحد من تشاؤمها إلا استخدام القوّة في مواجهة مَن تراهم متسبّبين بهذا التشاؤم. وتنسحب هذه الوجهة إيّاها على بلدان حليفة للولايات المتّحدة كإسرائيل، التي انتقلت، هي الأخـرى، من عهدة اليسار العمّالي والليبرالي إلى عهدة اليمين القومي والديني الذي يطرح على المحك مسألة لا تقل عن «العيش مع العرب». أمّــا أعــداء الترمبيّة فهم أيضا صـــادرون عن تعفّن «حـركـات التحرّر الوطنيّ» الذي فاقمه انهيار الاتّحاد السوفياتي وكتلته، وانتفاخ البُعد الهويّاتي الصرف على حساب الأبعاد التنمويّة للسياسة والآيديولوجيا. وهـؤلاء أيضا أصحاب نظرة لا تقل تشاؤما إلى العالم. فهم يجدون في «التاريخ الاستعماريّ» سببا لتشاؤمهم هذا وحافزا منشّطا على «نزع» ذاك التاريخ. وقد شهدنا محطّات انتقال، بوتائر سرعة مختلفة، إلى المحطّة التي انتهينا إليها. وأزمة الرهائن الأميركيّين 1979 هكذا كانت الثورة الخمينيّة (الإسلاميّة) في إيران في ، بعد 1999 التي أعقبتها مـبـاشـرة، وكــان انتخاب هوغو تشافيز رئيسا لفنزويل فـي في 2001 ) أيلول (سبتمبر 11 محاولة انقلابيّة نفّذها قبل سبع سنوات، كما كانت ضربة الولايات المتّحدة التي ردّت عليها بغزو أفغانستان والعراق، وصولا إلى عمليّة السابع وما أعقبها من حرب إباديّة إسرائيليّة على غزّة... 2023 ) من أكتوبر (تشرين الأول وفــي مـسـار هــذا الـتـحـوّل كــان أسـاسـيّــا انـتـهـاء الـحـرب الــبــاردة الـتـي ضمنت وجـود ضـوابـط للنزاعات الإقليميّة كما الـدولـيّــة، وحمت ثبات الـحـدود الوطنيّة لعدد معتبر حــن أقــــرّوا بـجـواز 1956 مــن دول المــعــمــورة. فـــوق هـــذا، حـــاول الـسـوفـيـات، لا سـيّــمـا مـنـذ الانتقال السلمي والبرلماني إلى الاشتراكيّة، إضفاء صيغة مؤسّسيّة على الصراع «ضد الرأسماليّة». ولـم يكن بلا دلالــة أن يتزامن انهيار الاتّــحـاد السوفياتي مع انـتـداب صــدّام حسين نفسَه وريثا لقيادة الصراع ضد الغرب، وهو ما عبّر عن نفسه بالسطو على إمارة الكويت. فبينما كــان فرنسيس فـوكـويـامـا يكتب مـبـشّــرا بعالم انـتـصـرت فيه الديمقراطيّة الليبراليّة وتوّجت التاريخ، كانت سكاكين طويلة وكثيرة تُسن وتُشحذ في تلك «القرية العالميّة الواحدة». أمّا أوروبا فلا تستطيع أن تلعب، في هذه المعمعة، سوى دور الضحيّة. فهي، وفق نقّادها الأميركيّين، لا تنفق على التسلّح ما يجب أن تنفقه في عالم هوبزي كالح، كما أن مشروعها الاتّــحـادي يستدرج العقاب لمحاولته تعدّي الحدود القوميّة للدول الأمـم. وهـذا فضلا عن «عـيـوب» تساهم في تفكيك الجبهة الداخليّة وإضعافها، منها الإفـراط في ليبراليّة لا تلائم تحدّيات الواقع الشرس، والرخاوة حيال خصوم يمتدّون من الصين إلى المهاجرين واللاجئين. وفي هذا المعنى تغدو معاقبتها أمـرا مطلوباً، كـأن تستدعي «الضرورات الاستراتيجيّة» انتزاع غرينلاند من الدنمارك. هـــكـــذا، وقـــبـــل أكـــثـــر مـــن ثـــاثـــة عـــقـــود عــلــى غــــزو أوكـــرانـــيـــا، شــــرع يـــتـــبـــدّى لـلـطـرفـن الراديكاليّين في خصومتهما أن المطلوب حلول راديكاليّة لمشكلات هي أقرب إلى الماهويّة منها إلى السياسة. فأميركا، «الشيطان الأكبر»، و»جزّار الهنود الحمر»، «لا تفهم إلا لغة القوّة»، وهذا ما يجيز استخدام كافّة الأسلحة في وجهها، بما فيها الميليشيات والإرهاب وتهريب السلاح والمخدّرات...، علما بأن الشعوب المحلّيّة تتكبّد من جرّاء هذه السياسات أكثر ممّا يتكبّده الغرب نفسه. ومن جهة أخرى، فإن تلك القوى المعادية لا يمكن التعايش معها، هـي الـتـي «تــهــدّد الـحـضـارة الـغـربـيّــة»، وتـجـد فـي الـهـجـرة وأعــمــال الـلـجـوء أداتـهـا لـ»استبدال» البيض المسيحيّين بسواهم. والـراهـن أن الطرفين من أنصار العمل المباشر وتغليب التعويل على القوّة بدل التعويل على السياسة والديبلوماسيّة ومؤسّساتهما. أمّا دونالد ترمب تحديدا فخير من يعبّر عن نزعة مفادها أن هذه المؤسّسات الدوليّة لا تعود صالحة للاحتكام حين يكون الصراع وجوديّا مع طرف لا يحترم المؤسّسات، بل لا يحترم الدول التي تتفكّك بين يديه. فترمب يقول عن خصومه ما يقولونه عنه، فيرى أنّهم لا يفهمون سوى لغة القوّة، وأنّه، في آخر المطاف، أقوى منهم. OPINION الرأي 12 Issue 17207 - العدد Wednesday - 2026/1/7 الأربعاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com سمير التقي حازم صاغيّة الشرق الأوسط: عام التساؤلات بين الصراعات والتسويات نافذة ضيقة أمام ترمب لإنهاء حرب أوكرانيا ناصيف حتي على هامش عمليّة كراكاس...

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky