issue17206

الثقافة CULTURE 18 Issue 17206 - العدد Tuesday - 2026/1/6 الثلاثاء إمكانية مفتوحة في متناول الجميع الثقافة والفنون في زمن التحولات الرقمية لم يعد من الممكن اليوم الحديث عـــــن الـــثـــقـــافـــة مـــــن دون الــــحــــديــــث عـن الـشـاشـة، ولا عـن الـفـن مـن دون المــرور بـــالـــخـــوارزمـــيـــة. نـــحـــن نــعــيــش لـحـظـة تاريخية لا يتغير فيها شكل التعبير فـقـط، بــل يتغير فـيـهـا مـوقــع الإنـسـان نفسه داخل التجربة الثقافية. ما كان يُـــقـــرأ فـــي عـــزلـــة، ويُــشــاهــد فـــي صـمـت، ويُــــنــــاقــــش عـــلـــى مــــهــــل، صــــــار يــتــدفــق بـــا تـــوقـــف، مــحــاطــا بــإيــقــاع الــســرعــة، ومــطــالــبــا بــالاســتــجــابــة الـــفـــوريـــة. في هـذا التحول، لا تخسر الثقافة بعض طـقـوسـهـا فــحــســب، بـــل تُـــعـــاد صـيـاغـة علاقتها بالزمان وبالانتباه، وبالمعنى ذاتـــه. والــســؤال هنا لـم يعد تقنياً، بل أصبح فلسفيا بامتياز. بــــــدت الــــتــــحــــولات الــــرقــــمــــيــــة، فـي لحظتها الأولــــى، كـأنـهـا لحظة تـحـرُّر كبرى في تاريخ الثقافة. وعد بانكسار الأســـوار القديمة، وتحرير المعرفة من قبضة المؤسسات، وإتاحة الفن لكل من كان يقف طويلا خارج الأبـواب. للمرة الأولــــــى، لـــم يــعــد الـــكـــتـــاب، ولا الـفـيـلـم، ولا المـــوســـيـــقـــى، ولا الـــفـــكـــرة، امــتــيــازا نـــخـــبـــويـــا، بــــل إمـــكـــانـــيـــة مــفــتــوحــة فـي متناول الجميع. هـذا الاتـسـاع الهائل منح الثقافة نفسا ديمقراطيا جديداً، وخلق انطباعا بأن الإبداع أخيرا وجد فضاءه الطبيعي. في هذا الفضاء، ازدهرت أصوات كـــانـــت مــهــمــشــة، وظــــهــــرت تــــجــــارب لـم تكن لتجد اعترافا في النظام الثقافي الـتـقـلـيـدي. لــم تـعـد الــعــواصــم وحـدهـا مــراكــز للمعنى، ولا الـــصـــالات المغلقة شرطا للاعتراف الفني. صار بالإمكان أن يولد عمل فني في الهامش، ثم يشق طريقه إلى جمهور واسع، وأن تتجاور أشــكــال تعبير مـتـبـايـنـة، وأن تتلاقى ثـــقـــافـــات لـــم يــكــن بـيـنـهـا صــلــة سـابـقـا سـوى المسافة. بـدت الرقمنة، في هذه المــرحــلــة، كـأنـهـا أعـــــادت الـحـيـويـة إلـى الـثـقـافـة، وحــررتــهــا مــن ثـقـل الـحـراسـة والوساطة. لكن هـذا الوعد نفسه كـان يخفي تــــحــــوّلا أعــــمــــق. فـــمـــع الــــزمــــن، لــــم تـعـد الرقمنة مـجـرد أداة لنقل الـثـقـافـة، بل تحولت إلـى بيئة كاملة يُعاد داخلها تشكيل الوعي والذائقة. هنا لم يتغير شكل الثقافة فقط، بـل تغيّر معناها. العمل الفني، الــذي كـان يُنتَج ليُتأمل ويُناقش ويُــعـاش فـي زمـن طـويـل، بدأ يـتـحـول إلـــى مـحـتـوى يُــقــدَّم ليُستهلك بـــــســـــرعـــــة، ويُــــــــقــــــــاس نـــــجـــــاحـــــه بــــعــــدد المـشـاهـدات وسـرعـة الــتــداول، لا بعمق الأثر. هــــذا الــتــحــول لـــم يــكــن لــغــويــا، بل أصـــبـــح وجــــوديــــا. فــحــن يـصـبـح الـفـن مــــحــــتــــوى، يـــفـــقـــد شـــيـــئـــا مـــــن صــمــتــه، ومـن مقاومته للزمان. لم يعد يطالب المـتـلـقـي بــالــتــوقــف، بـــل صــــار يـــطـــارده بتدفق لا ينتهي. القيمة الجمالية لم تختفِ، لكنها لم تعد المعيار الحاسم. ما يفرض نفسه هو الــرواج لا المعنى، والحضور لا البقاء. فـــــــــي هـــــــــــذا الــــــــســــــــيــــــــاق، صـــــعـــــدت الخوارزميات بوصفها فاعلا مركزيا في تشكيل الذوق العام. لم تعد الذائقة تُصاغ عبر التربية والنقاش والتراكم البطيء، بل عبر أنظمة ترشيح خفية ترفع ما يشبهنا، وتُقصي ما يُربكنا. لم يعد الـسـؤال: ما العمل الجيد؟ بل: مـــا الــعــمــل الـــقـــابـــل لــانــتــشــار؟ وهــكــذا انقلبت العلاقة بين القيمة والاعتراف، فلم تعد القيمة تُنتج الـرواج، بل صار الرواج هو الذي يمنح القيمة. غـيـر أن الـتـحـول الأعــمــق لا يمس الـــذائـــقـــة وحــــدهــــا، بـــل يـــمـــس الإنـــســـان نـــفـــســـه بـــوصـــفـــه كـــائـــنـــا ثـــقـــافـــيـــا. فـفـي الــفــضــاء الــرقــمــي، لا يُــنـظـر إلـــى الـفـرد بوصفه ذاتـا متأملة، بل بوصفه ملفا ســـلـــوكـــيـــا، ســلــســلــة مــــن الــتــفــضــيــات وأنـــمـــاط الاســتــجــابــة. الإنـــســـان هـنـا لا يــواجــه الـعـمـل الـفـنـي مــن الـــخـــارج، بل يُدرَج داخله بوصفه جزءا من آليته. ما يشاهده، وما يُقترح عليه، وما يتكرر أمامه، لا ينبع من اختيار حر بالكامل، بـــل مـــن قـــــراءة مـسـبـقـة لــســلــوكــه. ومــع هــذا الإدراج الـصـامـت، تتآكل المسافة الــضــروريــة بــن المـتـلـقـي والــعــمــل، تلك المــســافــة الــتــي كـــان الـفـكـر يـــولَـــد فيها. حين تُلغى المسافة، لا يعود هناك وقت للتساؤل، ولا للدهشة، ولا للمقاومة. الـثـقـافـة، فــي هـــذا الـسـيـاق، لا تخاطب الإنـــــســـــان بـــوصـــفـــه كـــائـــنـــا يــــســــأل عـن المعنى، بل بوصفه كائنا يستجيب. الأخــطــر أن المــنــصــات الـرقـمـيـة لم تبق وسيطا محايداً، بـل تحولت إلى قـــوة ثـقـافـيـة فــاعــلــة، تـحـمـل تــصــورات محددة عن العالم والهوية والأخـاق. فهي لا ترتّب المحتوى فقط، بل توجهه، وتــدعــم أنـمـاطـا بعينها مــن الـخـطـاب، وتـحـد مـن حـضـور أنـمـاط أخـــرى، عبر ســـيـــاســـات تـــبـــدو تـقـنـيـة أو قــانــونــيــة، لـكـنـهـا مـحـمـولـة عـلـى خـــيـــارات فكرية واضحة. الرقابة هنا لا تعمل بالقمع المباشر، بل بالتوجيه الناعم، بتحديد ما يُرى وما يُهمل، وما يُحتفى به وما يُترك في الظل. ضمن هذا التحول، تغيّرت علاقة الفنان بجمهوره. لم يعد الإبداع وحده كافياً، بـل صـار مطلوبا مـن الفنان أن يكون حاضرا دائماً، ومنتجا لصورته، ومتفاعلا مع إيقاع المنصات. كثيرون وجدوا أنفسهم أمام معادلة مرهقة؛ إما الانخراط في منطق الاستهلاك السريع بما يحمله من تسليع وتسطيح، وإما الانـسـحـاب إلــى هـامـش قـد يـكـون أكثر نقاءً، لكنه ضعيف التأثير. كــــمــــا أعـــــــــــادت الــــرقــــمــــنــــة تــشــكــيــل علاقتنا بالزمان الثقافي. فكرة العمل الــخــالــد تــآكــلــت، وحــــل مـحـلـهـا منطق الـــــــتـــــــداول الـــــســـــريـــــع. الأعــــــمــــــال تــظــهــر وتـخـتـفـي، والـــذاكـــرة الجمعية صــارت قـصـيـرة الـنـفـس. لا وقـــت لـلـتـراكـم، ولا لإعـــــــادة الــــــقــــــراءة، ولا لاخـــتـــبـــار الأثــــر البعيد. الـثـقـافـة، الـتـي كـانـت تاريخاً، تـــحـــولـــت إلــــــى لـــحـــظـــة. بــــهــــذا المـــعـــنـــى، ليست المشكلة فـي الرقمنة ذاتـهـا، بل في غياب الوعي النقدي الذي يرافقها. فحين تُترك التكنولوجيا بلا مساءلة، تــتــحــول مـــن أداة إلــــى ســلــطــة، وتـعـيـد تشكيل الــذائــقــة والمــعــنــى وفـــق منطق الـــســـوق والـــســـرعـــة. الـثـقـافـة لا تـمـوت، لـكـنـهـا قـــد تُــــفــــرَّغ مـــن عــمــقــهــا، وتـفـقـد قــــدرتــــهــــا عـــلـــى مـــنـــح الإنـــــســـــان مـعـنـى ومسافة للتأمل. الــــســــؤال، فـــي الــنــهــايــة، لـــيـــس: ما الــذي فعلته الرقمنة بالثقافة؟ بـل: ما الذي نريد نحن أن نفعله بالثقافة في زمـــن أصـبـحـت فـيـه الـسـرعـة بــديــا عن الـعـمـق، والانـتـشـار بـديـا عـن القيمة؟ هــنــا يـــبـــدأ الــــرهــــان الــحــقــيــقــي، لا على التقنية، بل على الإنسان نفسه. * كاتب سعودي *خالد الغنامي جاسترو يكشف عن أسرار البيت الذي شيّده فرويد وُلــــــد جــــوزيــــف جـــاســـتـــرو فــــي مـديـنـة ثم أتم تعليمه في 1863 وارسو البولندية الــولايــات المـتـحـدة ليصبح واحـــدا مـن أهم الأكـاديـمـيـن الأمـيـركـيـن، ويشغل منصب أسـتـاذ علم النفس فـي جامعة «هوبكنز» عــــامــــا، وقـــــد صــــدرت 40 المــــرمــــوقــــة لــنــحــو الطبعة الأولى من كتابه «الأحلام والجنس وكان عنوانه 1932 » - نظرياتها عند فرويد الأصلي «البيت الذي شيده فرويد». ويـــشـــيـــر جـــاســـتـــرو فــــي كـــتـــابـــه الــــذي أصدرت دار «أقلام عربية» بالقاهرة طبعة جـديـدة منه إلــى أن التحليل النفسي وُلـد بمدينة فيينا فـي الـقـرن التاسع عشر من وحــــي حـــالـــة هـسـتـيـريـا عـالـجـهـا الــدكــتــور جــــوزيــــف بــــرويــــر الــــــذي كـــــان يــكــبــر زمـيـلـه سنة 14 الدكتور سيغموند فرويد بنحو وإليه أسند فرويد الفضل فيما وصل إليه لاحقاً، إذ قال في لباقة إن «أميركا لم يطلَق عليها اســـم كـولـومـبـس»، وهـــو تـقـديـر في موضعه. ســــتــــظــــل أُســــــــــس مــــــدرســــــة الـــتـــحـــلـــيـــل الـنـفـسـي مـعـروفـة بـأنـهـا اكـتـشـاف فـرويـد، وهــي تنبع مـن أن «ظــاهــرة جسمانية في مـريـض بـالأعـصـاب يُحتمل أن تـكـون ذات أصل نفسي من نوع خـاص». كانت عبارة بريئة في مظهرها ولكنها صارت صرخة مدوية تردَّد صداها في العالم أجمع، وهى الفكرة ذاتـهـا الـتـي ارسـلـت فـرويـد فـي عام في بعثة طبية ليدرس تجربة جان 1885 مــاري شــاركــوه، أكبر علماء الأعـصـاب في أوروبـــا، وقـد ترجم بعدئذ بعض كتاباته إلى الألمانية. وفــــي عــيــادتــه شـــاهـــد فـــرويـــد اخـتـفـاء أنــــواع الـعـجـز الهستيري بتأثير التنويم سنة أن شاركوه 25 المغناطيسي، وقال بعد كان غير ميَّال إلى نظريات علم النفس بل كـــان فـــي الـــواقـــع يـفـكـر فـــي مـسـائـل أخـــرى، فميَّز ثــاث مـراحـل للتنويم المغناطيسي مما تظهر فـي حــالات الهستيريا والشلل الــــهــــســــتــــيــــري، وهــــــــي ظــــــواهــــــر الـــتـــخـــشـــب والــســبــات والــســيــر فـــي أثـــنـــاء الـــنـــوم ولـكـل منها أعراض جسمانية معينة. ورغـــم المــركــز المـمـتـاز الـــذي تمتعت به «مــــدرســــة بــــاريــــس» فـــي هــــذا الـــســـيـــاق، فــإن ،1860 «مـــــدرســـــة نــــانــــســــي»، الـــتـــي ظـــهـــرت تـــجـــاوزتـــهـــا حــــن عَــــــــزَت ظــــاهــــرة الــتــنــويــم المغناطيسي إلـى الإيـحـاء، وبـهـذا التفسير خــــطــــت إلـــــــى الأصـــــــــل الـــنـــفـــســـي لـــــأعـــــراض الجسمانية الخاصة بالهستيريا ولكنها لم تشر إلى مفتاح يحدد لنا الأجهزة المسبِّبة لها، ولم يكن لهذا إلا نتيجة واحدة وهي أن قابلية مرضى شاركوه للإيحاء قد ضلَّلته وأن المراحل الثلاث التي سبق ذكرها كانت أمورا مفتعلة ظهرت في باريس. كان اهتمام فرويد يتجه إلى الأمراض العصبية، لا إلـــى الـتـنـويـم المغناطيسي، فهو يريد تعليلا لتلك الأمراض العصبية الـــتـــي يـكـتـنـفـهـا الـــغـــمـــوض فــــي ظــهــورهــا واخـتـفـائـهـا، وكـــان هـدفـه التعليل وليس مـجـرد مـراقـبـة الــحــالات وتسجيلها، كما كـــانـــت أمــنــيــتــه أن يـــغـــوص إلــــى مـــا تحت السطح ليفسر سـر حــدوث تلك الأعــراض وسبب تباينها في الحالات المختلفة. ويــــوضــــح الـــكـــتـــاب أنـــــه مــــن الـــعـــوامـــل التي ساعدت فرويد على وضع يده على بـــدايـــات أســـس الـتـحـلـيـل الـنـفـسـي وجـــود حالتي الغيبوبة والأعـــراض المـوحـى بها نفسياً، مما مكَّنه من اقتفاء أثر الأعراض الــــتــــي قــــدمــــت مـــفـــتـــاح المــــوقــــف والــــتــــي تـم التخلص منها فــي حـالـة غـفـو أو تفكيك خفيف. تـــعـــمَّـــق فــــرويــــد فــــي مـــحـــاولـــة مـعـرفـة أســــبــــاب الــــجــــزر والمــــــد فــــي الاضــــطــــرابــــات النفسية سواء أكانت منتظمة أم مختلفة، ليصل لاحقا إلى مفاهيم الـ«أنا» والـ«هو» والـــــ«أنــــا الأعـــلـــى»، فــضــا عـــن مـسـتـويـات الشعور و«ما قبل الشعور» و«اللاشعور»، وكـــــــذلـــــــك حـــــيـــــل الــــــــدفــــــــاع الــــنــــفــــســــي مـــثـــل «الإسقاط»، و«التسامي»، و«الكبت». وتقوم مدرسة التحليل النفسي عند سيغموند فرويد على فكرة أساسية، وهي أن الــســلــوك الــبــشــري لــيــس نــتــاجــا لإرادة واعية فحسب، بل تحركه دوافع وصراعات مخفية في اللاوعي واللاشعور، من خلال الــــــ«هـــــو»، وهـــــو مــنــبــع الـــغـــرائـــز الــفــطــريــة والـــشـــهـــوات، ويـعـمـل وفـــق «مـــبـــدأ الـــلـــذة»، وبالتالي يريد إشباعا فورياً. وهـنـاك الـــ«أنــا الأعـلـى» ويمثل القيم الأخلاقية والمثالية والضوابط المجتمعية ليكون بمثابة الضمير، أمـا الــ«أنـا» فهو المحرك الواقعي الذي يحاول الموازنة بين رغـــبـــات الــــ«هـــو» المـتـطـرفـة وقـــيـــود الــــ«أنـــا الأعلى». القاهرة: «الشرق الأوسط» محسن يونس يستعيد أجواء الليالي وتراث الحكي الشعبي «جزيرة هرموش »... مغامرة روائية مفعمة بالغرابة تـنـطـلـق روايــــــة «جــــزيــــرة هـــرمـــوش» لــــلــــروائــــي المــــصــــري مـــحـــســـن يــــونــــس مـن مفهوم اللعب الجمالي الحر، اللعب مع الحكاية، وبـهـا، فتغدو الــروايــة مساحة للتجريب، والمــغــامــرة، وتــأخــذ جـدارتـهـا من القدرة على البناء، ثم الهدم، ثم إعادة البناء مرة أخرى، لتأخذ القارئ في رحلة ممتعة، ليس إلــى الـجـزيـرة المـركـزيـة في الأحـــــداث، لكنها رحـلـة نـحـو الـبـحـث عن جـمـالـيـات جــديــدة لـلـفـن الـــروائـــي ورؤيـــة العالم بشكل مغاير. الـــروايـــة صـــدرت عــن دار «غــايــا» في الـــقـــاهـــرة، وحــصــلــت عــلــى جـــائـــزة أفـضـل ،2025 رواية في معرض القاهرة للكتاب وتـــتـــكـــون مــــن خــمــســن مــقــطــعــا ســـرديـــا، فـــي ثـــاثـــة فـــصـــول، لــكــن الـفـصـلـن الأول والــــثــــانــــي لا فــــــــارق جــــوهــــريــــا بــيــنــهــمــا، ويــمــكــن عـــدّهـــمـــا فـــصـــا واحـــــــداً. ينهض الـفـصـان عـلـى بـنـاء حـكـايـة خـيـالـيـة عن مـجـمـوعـة أصـــدقـــاء وزمــــاء يـعـمـلـون في مصلحة حكومية، منهم البطل «سلامة هـــــرمـــــوش»، الــــــذي يــكــتــشــف بــالمــصــادفــة جزيرة مسحورة وسط البحر، في مقابل مدينتهم الساحلية الـصـغـيـرة، ممتلئة بــالــذهــب والمــــعــــادن الـنـفـيـسـة والأحـــجـــار الــكــريــمــة، فـيـخـبـر صـديـقـه المـــقـــرب خليل حـــــواس بـــأمـــرهـــا، ويــعــتــزمــان اسـتـئـجـار قارب صغير والذهاب للجزيرة، ليجمعا ما يقدران عليه من كنوزها. في هذين الفصلين، تبدو الرحلة إلى الـجـزيـرة وتفاصيل البقاء فيها والنهل مــــن كـــنـــوزهـــا هــــي مـــركـــز الـــحـــكـــايـــة، بـكـل مــا تشتمل عليه مــن غـرائـبـيـة، فالرحلة الـــتـــي كــــان مـخـطـطـا لــهــا أن تـــكـــون لهما هـمـا وحــدهــمــا تـشـعـبـت، واشـــتـــرك فيها ستة أشخاص، زوجـة سلامة وثلاثة من أصدقاء خليل، فضلا عن صاحب القارب الـــذي أبـحـر بـهـم، وخـــال الـرحـلـة تتبدى كـثـيـر مـــن الــعــجــائــب، مـنـهـا أن الــجــزيــرة تبتعد كـلـمـا اقــتــربــوا مـنـهـا، ويــــرون في الـبـحـر الـكـثـيـر مــن الــغــرائــب والـعـجـائـب، ســـواء مـن قـسـوة الطقس أحـيـانـا، أو من هـــجـــمـــات الـــطـــيـــور عـــلـــى قـــاربـــهـــم بـشـكـل مـــفـــاجـــئ، أو فــــي الـــــدلافـــــن الـــتـــي تــحــوم حــــول الــــقــــارب ويـــتـــخـــذون مــنــهــا وسـيـلـة مــــــواصــــــات، فـــيـــركـــبـــون عـــلـــى ظـــهـــورهـــا ويـــلـــهـــون فــــي المــــــاء طــمــعــا فــــي الـــوصـــول للجزيرة المستحيلة، خصوصا مع عدم تمكن القارب من الوصول لها. عجائب كثيرة تشهدها هذه الرحلة الـــغـــرائـــبـــيـــة، لـــجـــزيـــرة تـــبـــدو مـــســـحـــورة، وعـــــجـــــائـــــب أكـــــثـــــر تــــتــــبــــدى مــــنــــذ لــحــظــة الـــوصـــول لـلـجـزيـرة الـغـامـضـة الـسـخـيـة، التي تمنحهم حتى جميع أنـواع الطعام الــذي يشتهونه، وكـل ما يحتاجون إليه مـــن أوجـــــه الــعــيــش، ولـــيـــس فــقــط الــذهــب والأحــجــار الكريمة، بما يجعل الحكاية أقـــرب إلـــى حـكـايـات ألـــف ليلة ولـيـلـة، في إفادة واضحة من النص الشعبي الأشهر والأكـــــثـــــر مــــركــــزيــــة فـــــي الأدب الـــعـــربـــي، وتوظيف لتقنيات الليالي وغرائبيتها فـــي إنـــتـــاج نـــص روائـــــي مــعــاصــر، بعيدا عن استعارة الواقعية السحرية بسمتها القادم من أميركا اللاتينية. وإمعانا في تأكيد التناص مع الحكي الشعبي، يبدأ الـــســـارد كـــل مـقـطـع ســــردي فـــي الفصلين الأولـــــن بـجـمـلـة «يُــحــكــى أن»، فـــي إبــــراز لمركزية الحكاية الشعبية وتقنياتها في هذا السرد الروائي. الجزيرة تبدو، منذ العنوان، فضاء مركزيا للرواية، لكنها ليست مجرد مكان تدور فيه الأحداث، بل أشبه بمختبر، أو فضاء امتحان لكل من يستطيع الوصول إلــيــهــا، فـهـي تـمـنـحـه كـــل مـــا يـصـبـو إلـيـه ويحلم به، فهل سيكتفي من يصلون بما يحصلون عليه ويــعــودون بما يـقـدرون عـــلـــى حــمــلــه مــــن كـــنـــوزهـــا، أم سـيـظـلـون طامعين فـي الحصول على المـزيـد، حتى يتحول امتلاك ثـروات الجزيرة هدفا في حد ذاته، حتى لو أصبحوا حبيسي هذا المكان النائي، بل تنشب بينهم صراعات، ســــواء بـــن شــلــة الأصــــدقــــاء أنــفــســهــم، أو بينهم معا في مواجهة الدخلاء الآخرين الـــذيـــن يــحــطــون الــــرحــــال عــلــى الــجــزيــرة بالمصادفة، فتتحول من فضاء حلم إلى فضاء اسـتـاب، تسلبهم إنسانيتهم في مقابل منحهم كنوزها الملعونة، القادرة عـلـى قـتـل كــل مــن يـحـصـل عـلـيـهـا، ســواء باستثارة غريزة الطمع لدى الإنسان، أو بإثارة الصراع على السلطة والسيطرة، وعـــلـــى الـــــثـــــروة، رغـــــم وفـــرتـــهـــا المـــفـــرطـــة، وسهولة الحصول عليها، فهي موجودة تـحـت أقــدامــهــم، ولــيــس عليهم ســـوى أن يمد الـواحـد منهم يــده ليلتقط مـا تحت أقدامه من ذهب. فـي الفصل الـثـالـث الأصـغـر حجماً، تــتــحــول الــلــعــبــة مـــن لـعـبـة الــحــكــايــة إلــى لـعـبـة الـــســـرد، ويـنـكـشـف جــوهــر الـــروايـــة ولعبتها الـسـرديـة، فـا شــيء مما حكاه الـراوي في الفصلين الأولـن حقيقي، فلا وجود للجزيرة ولا للقارب ولا الرحلة، لا شيء حقيقيا سوى مجموعة الأصدقاء، وأن هذه الحكاية برمتها مختلقة تماماً، صحت عليها المدينة الصغيرة ذات يوم، كشائعة تـطـارد هــؤلاء الأصــدقــاء، الذين يتعجبون مـن الحكاية وإلصاقها بهم، ولا يعرفون من الـذي اختلقها وأشاعها عنهم في كل ربوع المدينة، حتى أصبحت تـطـاردهـم فـي أي مـكـان يـحـلّــون فـيـه، من مكان عملهم إلى المقاهي التي يجلسون عـلـيـهـا، ويــســألــهــم الـــنـــاس عـــن تفاصيل الـرحـلـة والــجــزيــرة وكــنــوزهــا، ومـــا يثير عجب الأصدقاء أكثر هو كيف أظهرتهم الحكاية بهذا القدر من الشراهة والجشع فــــــي جــــمــــع الـــــكـــــنـــــوز؛ حــــتــــى غــــــرقــــــوا فــي مستنقع الذهب على هذه الجزيرة لدرجة أنهم لا يعودون إلى مدينتهم للاستفادة مـــن وضــعــهــم الــجــديــد بـصـفـتـهـم أثـــريـــاء وأصحاب كنوز. يـتـفـتـق ذهـــن الأصـــدقـــاء عـــن أنـــه إذا كــانــت الــحــكــايــة مـخـتـلـقـة تــمــامــا، فـــا بد أن ثمة شيئا حقيقيا بـهـا، ويـفـكـرون لِــم لا يــكــون وجــــود هـــذه الــجــزيــرة حقيقياً؟ فـيـقـررون الإبـحـار بحثا عنها، على أمل العثور على جزيرة بالمواصفات نفسها الـــتـــي جـــــاءت فـــي الــحــكــايــة، مـــع تحسين شـروط الرحلة، فيشترون قاربا بموتور بــــدلا مـــن الــتــجــديــف، ويــســتــعــدون بـمـؤن كافية للرحلة، مع وعـي بعدم استلابهم وتـــــــفـــــــادي الــــــشــــــره فــــــي جــــمــــع الــــكــــنــــوز. ويجوبون البحر، ويعثرون بالفعل على الـجـزيـرة، وعلى كـنـوزهـا، لكنهم يقعون فـــي الــفــخ نــفــســه، فـــخ الــطــمــع والــتــوحــش المـــــــــادي والــــنــــهــــم المــــبــــالَــــغ فـــيـــه لـــلـــثـــروة، فتستلبهم الجزيرة، ويقعون في حبائل كنوزها. هنا تبدو الحكاية كأنها نبوءة، أو أحجية، حتى وإن عـرف الإنـسـان مثالب الـــتـــجـــربـــة بــشــكــل مـــســـبـــق، لــكــنــه عــنــدمــا يخوضها فعلياً، يقع في الأخطاء نفسها. ففي البدء كانت الحكاية، حكاية خيالية مـــســـلـــيـــة، ثــــم يـــأتـــي تــحــقــقــهــا بـــعـــد ذلــــك، بالشروط نفسها تقريباً، وكأنها قدر، أو كـأن الإنـسـان مجبول على اقـتـراف الآثـام والـوقـوع في المحظور. هنا تتبدى لعبة الـــروايـــة، وتجريبية الــســرد، بــن حكاية أصــــــل، ســـابـــقـــة عـــلـــى الأحـــــــــداث، وتـحـتـل الـــجـــزء الأكـــبـــر مـــن الــــســــرد، ثـــم الانــتــقــال لـــلـــواقـــع الـــــذي يــعــيــد إنــتــاجــهــا ببنيتها نفسها تقريباً، مع اختلاف في تفاصيل بسيطة وغير فارقة، وكأن العالم حكاية تعيد إنـتـاج نفسها، والإنــســان منذ بدء الخليقة يعيد إنتاج أخطائه، بل إننا هنا نـــرى الأشـــخـــاص أنـفـسـهـم وهـــم يـعـيـدون إنــتــاج أخـطـائـهـم الـتـي نسجتها حولهم الـــحـــكـــايـــة، ولــــيــــس فـــقـــط أخــــطــــاء أجـــــداد ســابــقــن مـــن أجـــيـــال ســـابـــقـــة، فــالإنــســان لا يــكــف عـــن الــقــتــل والـــســـرقـــة والـــحـــروب وغيرها من الجرائم، رغم معرفته المسبقة بالنتائج الكارثية لهذه الأفعال المشينة، إذ تبدو هذه الجرائم كحكايات كبرى لا تكف عن إعــادة إنتاج نفسها، والإنسان محض وسيلة، تستخدمه الحروب، كما يستخدمه القتل والسرقة، فهو مفعول به من حكاية سابقة عليه، وتالية له، كأنها حكايات أبدية لا تنتهي، حتى لو عرف الإنـسـان نتائجها مسبقاً. فهذه الـروايـة مــســكــونــة بــأســئــلــة فـلـسـفـيـة ووجــــوديــــة كبرى، عن الإنسان والمصير، كما تنشغل كثيرا بالبحث عن طرائق سردية جديدة، تــعــتــمــد عـــلـــى الـــــتـــــراث وتـــعـــيـــد تــوظــيــفــه بشكل يتناسب مع السرد الحديث، فهذا التناقض بين الفصلين الأولين من جهة، والثالث من جهة أخـرى، أو بين الحكاية وتحققها في الواقع، هو ما يمنح الرواية جدارتها، ومغامرتها التجريبية. عمر شهريار يبدأ السارد كل مقطع في الفصلين الأولين بجملة «يُحكى أن»، في إبراز لمركزية الحكاية الشعبية وتقنياتها

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky