issue17206

2019 شـكـل الانــهــيــار المــالــي الاقــتــصــادي عـــام فرصة استثنائية لخلق مسار جديد ينتشل لبنان من الحضيض. لكن المنظومة السياسية المتسلطة 2017 التي عملت على تأجيل الانهيار منذ الـعـام جــعــلــت أولـــويـــتـــهـــا حـــمـــايـــة مــــصــــارف مــفــلــســة، مـع تــكــثــيــف تـــهـــريـــب الـــرســـامـــيـــل لــتــحــمــيــل المــــودعــــن والمجتمع تكلفة الانهيار. وجاءت النجدة لمنظومة الفساد مـن جانب «حــزب الـلـه»، راعــي فساد نظام المـحـاصـصـة، وسـلـط الـقـمـع عـلـى «ثــــورة تـشـريـن»، فأسقط فرصة تاريخية للبنان لبدء النهوض، رغم أن الانهيار أفقر الملايين، وفاقمت البطالة الكارثة. أغسطس 4 ورغم نكبة تفجير مرفأ بيروت يوم ، استمر تسلط منظومة الفساد المدعومة 2020 ) (آب بـــالـــســـاح الــــاشــــرعــــي، واتــــســــع مـــخـــطـــط تـحـمـيـل المجتمع تكلفة الانهيار من خلال بدع التعاميم التي طالت سعر الصرف، فأمّنت شبكة حماية لأصحاب 30 النفوذ. آنذاك كانت الموجودات النقدية تفوق الـ مليار دولار، وكافية لإطـاق عملية نهوض جدية لو اعتمدت المحاسبة، والشفافية، غير أن التحالف المــافــيــوي المـيـلـيـشـيـوي، وواجــهــتــه حـكـومـة حسان ديـــــاب، أســقــط خـطـة «لازارد»، المـــشـــروع الإنـــقـــاذي الوحيد، وجرى توجيه البرلمان والقضاء والإعلام لحماية الـنـاهـبـن، والـحـفـاظ على اقـتـصـاد ريعي يخدم مصالحهم. بعد كارثة جريمة حرب «الإسناد»، والهزيمة المـروعـة الـتـي نـزلـت بالبلد، وسحقت «حـــزب الله» متضخم الـقـوة، والمتوهم الـقـدرة، كما ترافقت مع الإعصار في المنطقة إثر تحطيم العدو الإسرائيلي الأذرع الإيرانية، وإخـــراج سوريا الجديدة النفوذ الإيـرانـي، بـدا منذ مطلع العام الماضي أن التحول متيسر، وأن لبنان لن يكون عصيا على التغيير. وحقيقة أن الآمال في ولوج زمن التغيير تضاعفت مع وصول جوزيف عون إلى سدة الرئاسة، والقول إنه آت من خارج الصندوق، ثم وصول نواف سلام إلى رئاسة الحكومة، وهو الآتي من رئاسة محكمة الـعـدل الـدولـيـة، لكن مـا تحقق كــان ضئيلا قياسا على الآمال الكبيرة التي راودت الناس. لقد جـــاءا على أجـنـدة تطبيق لـلـقـرار الـدولـي ، وتـــنـــفـــيـــذ قــــــــرار وقــــــف إطــــــــاق الـــــنـــــار بـكــل 1701 مـــنـــدرجـــاتـــه، وخــــاصــــة المـــقـــدمـــة الـــتـــي قـــالـــت بــنــزع الـــســـاح الــاشــرعــي عـلـى كـــل الأراضـــــي الـلـبـنـانـيـة، وحــــــــددت الـــجـــهـــات الــــســــت الــــتــــي يـــحـــق لـــهـــا حـمـل الـسـاح: الجيش، والأمـــن الـداخـلـي، والأمـــن الـعـام، وأمن الدولة، والجمارك، والشرطة البلدية. وكذلك الــبــنــد الـــســـابـــع مـــن الاتــــفــــاق المــتــضــمــن حـــل الـبـنـى الميليشيوية، والعسكرية خارج الشرعية، ويسري الأمــــر عــلــى تــركــيــبــات تـتـسـتـر بــالــلــبــاس الـكـشـفـي. ويــفــتــرض هـــذا المـنـحـى وقـــف الــتـــأويــات الـخـاصـة باتفاق وقـف إطـاق النار، فنصوصه واضحة. ما تحقق مـهـم فــي جـنـوب الـلـيـطـانـي، لكنه متواضع على مستوى البلد، والمقلق في الأمـر التعامي عن الأبـعـاد الخطرة لخطاب «حـــزب الـلـه» التخويني، كما لكثير من طروحات رئيس البرلمان نبيه بري التأويلية عن جنوب الليطاني وشماله! كـذلـك جـــاءا عـلـى أجــنــدة عـنـوانـهـا المحاسبة، والإصــــــــاح الــــجــــدي، وعـــمـــت الأجــــــــواء الإيــجــابــيــة بـعـد الـــوعـــود/ الــعــهــود الإصــاحــيــة الاقــتــصــاديــة، والسياسية، التي أطلقها رئيس الحكومة في أول إطــالــة مـتـلـفـزة لــه عـنـدمـا قـــال إن الــتــحــدي هــو أن تفضي الإجــــراءات الحكومية إلــى عــودة الكفاءات المـــهـــجـــرة، وقــــــال بــــضــــرورة عـــكـــس المــــســــار الـــراهـــن لتصبح الـهـجـرة مــن الـــخـــارج إلـــى الـــداخـــل، لحمل وزر الــنــهــوض وإعــــــادة الــبــنــاء، ووصــــف الـقـوانـن الانتخابية منذ النهاية الرسمية للحرب الأهلية بأنها متصادمة مع الدستور. 1990 في العام ومــن خـطـاب القسم إلــى الـبـيـان الــــوزاري بدا أن لـبـنـان عـلـى مــشــارف الانـــطـــاق لـقـيـام مـشـروع الــــدولــــة الــوطــنــيــة، وقـــاعـــدتـــه حــصــر الـــســـاح بيد القوى الشرعية، وإصــاح مالي اقتصادي يرتكز إلـــى المـحـاسـبـة و«الـتـدقـيـق الـجـنـائـي»، وهـــذا أمـر 2025 أكــــد عـلـيـه الــبــيــان الــــــــوزاري. غــيــر أن الـــعـــام انتهى، وسقط مع نهايته الوعد بأنه عام حصرية السلاح، في حين ما يجري من خطى تحت عنوان الإصــاح المـالـي مـريـب، لأنـه يقفز فـوق المحاسبة، والمساءلة، ويهمل «التدقيق الجنائي» في مغاور الفساد من مصرف مـركـزي، ووزارات، ومصارف تجارية. وثابت أن «التدقيق الجنائي» هو الذي يكشف كـيـف تـكـونـت الـحـسـابـات، المــشــروع منها وغــيــر المــــشــــروع، لـيـتـم تــحــويــل المـشـتـبـه بــهــم إلــى القضاء لمحاسبتهم. لكن ما هو حاصل هو عفو عـن مرتكبي الـجـرائـم المـالـيـة، وشبيه بالعفو عن مرتكبي جرائم الحرب. العفو الأول أوصـل لبنان إلــــى الــحــضــيــض، والـــثـــانـــي سـيـمـنـع قــيــام الــدولــة الطبيعية في لبنان! فـــــي هــــــذا الـــتـــوقـــيـــت يُـــــعـــــد الــــــذهــــــاب لإجــــــراء الانتخابات البرلمانية في موعدها في مايو (أيار) المقبل -احـتـرامـا للدستور، وإيـهـامـا بــأن السلطة محايدة- أكبر تزييف لحلم المواطنين بقيام الدولة المرجع التي تضمن الحقوق، وتصون الحريات، وتـسـتـكـمـل بــســط الـــســـيـــادة. ســتــكــون انــتــخــابــات معلبة، تعيد المنظومة إنتاج ذاتها، كونها ستتم وفـــــق قــــانــــون مــــنــــاف لإصـــــاحـــــات بـــنـــيـــويـــة، مـثـل «الميغاسنتر»، وحق اقتراع المغتربين في دوائرهم نائباً. والأخطر أنها ستتم في ظل سلاح لا 128 لــ شرعي، ومناطق أشبه بغيتوهات، بحيث يتحكم بقرار المقترعين الـسـاح، والتحريض، والـرشـوة، ليأتي برلمان مستنسخ عن البرلمانات التي شرعت الفساد، وحمت الفاسدين، ومنعت إنقاذ البلد عام !2025 ، وساهمت في إحباط التغيير عام 2019 استكمال نــزع الـسـاح، وبــدء إصــاح حقيقي لهما الأولوية على الانتخابات، لكي يكون للبنان برلمان لا يجدد زمن الفساد، والعزلة، والتبعية، بل يعكس الإرادة الحقيقية للناخبين بالانتقال إلى زمن لبنان الوطن المرتجى! Issue 17206 - العدد Tuesday - 2026/1/6 الثلاثاء ومع نهايتها، 2025 انتهت أيام العام السوري انــتــهــت جـــهـــود ومـــســـاعـــي الـــســـوريـــن وغـــيـــرهـــم من المهتمين بسوريا في الكتابة والـقـول عن خلاصات الـــعـــام، ومـــــاذا تـحـقـق فـيـهـا، ومـــا لـــم يـتـحـقـق منها. وكـثـيـر مـمـن كـتـبـوا وقـــالـــوا، وضـــعـــوا خـــاصـــات ما كتبوا ومــا قـالـوا فـي نـقـاط، ينبغي أن تـوضـع على جدول الأعمال السوري للعام المقبل، بوصفها تُمثل مخرجا لمـا هـو قائم مـن مشكلات، ولمــا هـو مطلوب علاجه من قضايا مطروحة ومحتملة، لا بوصفها جزءا في برنامج العمل السوري، لأن من الواضح أنه ليس هناك برنامج عمل، وإن كان هناك برنامج فهو غير معلن. تفتح الإشـارة إلى برنامج العمل السوري بوابة النقاش حول الموضوعات الأهـم المطروحة للمعالجة ، المـوصـوف بأنه عـام استهلال، ويمكن 2026 في عـام أن نستخلص نـقـاطـا مــن غـيـض فـيـض المـوضـوعـات والمشكلات والقضايا، التي واجهت السوريين شعبا وحكومة في العام التجريبي، وأن نضعها في جدول مــرتــبــة حــســب أهــمــيــتــهــا، وأن تُــصــنــف أيـــضـــا حسب مــوضــوعــاتــهــا، وأن يـشـمـل الـتـرتـيـب تـــوفّـــر إمـكـانـات الـتـعـامـل معها مــن الــجــوانــب المـخـتـلـفـة، وأن يخضع الترتيب لقراءات متعددة، ومن فرق متعددة ومتنوعة الاخـتـصـاصـات والــخــبــرات، وأن يـكـون الـنـقـاش فيها حـــرّا ومـفـتـوحـا غـيـر مـحـكـوم بــــآراء ومــواقــف مسبقة، باستثناء المصلحة السورية العامة والضرورات، التي تُركز على الحاضر وعيونها على المستقبل. إذا استطاع السوريون، أعني الحكومة في المقام الأول والدوائر المحيطة بها، بحكم موقعهم في القرار وبـمـسـاعـدة الـفـعـالـيـات الـسـيـاسـيـة والاقــتــصــاديــة/ الاجـــتـــمـــاعـــيـــة مــــن جـــمـــاعـــات وشـــخـــصـــيـــات، وضـــع ، وأخــضــعــوه إلـــى تدقيق 2026 بــرنــامــج عـمـل لــعــام وتـــصـــويـــب، فـــإنـــهـــم يـــؤســـســـون لــنــهــج يــتــعــامــل مـع الــــــضــــــرورات والإمـــــكـــــانـــــات، ويـــنـــتـــقـــلـــون مــــن ســيــاق المــبــادرات الفردية (الـتـي قـد تكون مهمة وضـروريـة فـي بعض الأحـيـان) إلـى العمل بــروح الفريق، التي هــي ضــــرورة ومـــؤكـــدة فــي ســوريــا الــيــوم عـلـى وجـه الخصوص، بل إن ذلك سيفتح بصورة خلّقة باب التشارك السوري ويُطوّره من خلال تجارب عملية، بعد كـل مـا أصـــاب الـفـكـرة مـن تشتت واخــتــاف في «هوشات النقاش» في العام الماضي بين السوريين في الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي حول نقاط ومـوضـوعـات هامشية فـي الغالب، وبعضها مضر بشكل خطير. وإذا كان من الصحيح، أن من شأن وضع وإعلان برنامج عمل حكومي لـه أهـــداف مـدروسـة ومدققة، وقابلة للتصحيح إذا أمكن، سوف يؤثر إيجابا على هيجان النقاش الشعبي السائد في الإعــام، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، لأنـه سينقل النقاش مــن الـتـهـديـدات الـتـي تشغل بـــال الــســوريــن، وتثير القلق بصدد حاضرهم ومستقبلهم إلى الموضوعات التي من شأنها تحسين حياتهم وتجاوز مشكلاتهم، إن لم يكن كلها فالأهم فيها، وهذا سيعطي الحكومة مزيدا من الأوراق المؤثرة في المحيط الوطني، ويُعزز قوتها وموقعها في علاقاتها الخارجية. لـيـسـت الــحــكــومــة والــــدوائــــر المـحـيـطـة بــهــا هي المستفيد الوحيد مـن إعـــان برنامج للحكومة، بل عـمـوم الـسـوريـن الــذيــن مــا زالــــوا يـعـانـون مشكلات وأوضــــاعــــا، كـــان يــفـتـرض أن بـعـضـهـا خـــف تـأثـيـره الـسـلـبـي فـــي حــيــاتــهــم، مــثــل أزمــــة الـــطـــاقـــة، أو تمت مــعــالــجــتــه مـــثـــل صـــعـــوبـــات الـــتـــعـــامـــل مــــع الــــدوائــــر الحكومية التي لا شك أنها صارت أفضل، وهي جزء في بند تحسين الأداء الحكومي في البرنامج الذي سيتضمن بنودا سياسية واقتصادية واجتماعية وثــقــافــيــة، تـــــؤدي إلــــى تــغــيــيــرات فـــي حـــيـــاة الـــنـــاس، خصوصا الـفـئـات الشعبية، وأولــهــم المنسيون من سكان المخيمات، وتراكم باتجاه تحولات عميقة في مستوى الدولة والمجتمع بما يُحقق المصالح الكبرى للسوريين. ولا شك أن الأبــرز في محتويات برنامج الأداء الحكومي سوف يركز في الجانب السياسي، وأولى نقاطه استعادة وحـدة الكيان السوري، وهو أمر لا يتعلق فقط بتعميم سلطة الدولة على مناطق شمال شرقي البلاد وجنوبها، بل أيضا يؤكد إقامة تفاعل خلاق بين المناطق السورية كافة، من خلال تصفية مخلفات المـاضـي، وبينها وقـف حملات التحريض والانـقـسـام وإشـاعـة الـكـراهـيـة، بـل تجريمها، وفتح أبـــواب المـشـاركـة الأوســـع فـي إدارة الــشــؤون العامة، وتصفية آثـــار الـحـرب فـي إطـــار الـعـدالـة الانتقالية، بما فيها محاسبة المجرمين وتعويض الضحايا، وعودة اللاجئين. إن تـــنـــاول هــــذه الـــنـــقـــاط فـــي بـــرنـــامـــج حـكـومـي معلن يُعيد إنـعـاش الآمـــال العريضة الـتـي ولّدتها عملية التغيير بالخلاص من نظام الأسد، ويساعد فــــي مــــواجــــهــــة مــــا حـــصـــل مــــن مـــشـــكـــات وتــــرديــــات ومعالجتها، وتُــعـيـد ترتيب أولــويــات واهتمامات الـــــحـــــراكـــــات الـــســـيـــاســـيـــة والـــشـــعـــبـــيـــة فـــــي ســــوريــــا، وبــالــنــتــيــجــة تــعــيــد بـــنـــاء الـــعـــاقـــات بــــن الــحــكــومــة السورية وأغلب السوريين، إن لم نقل كلهم. مـنـذ تـأسـيـس الــدولــة الـسـعـوديـة الحديثة، ارتـــــبـــــط دورهـــــــــا الإقـــلـــيـــمـــي بـــمـــنـــطـــق الـــــدولـــــة لا منطق الهيمنة، وبالسعي إلـى احـتـواء الأزمــات والانكسارات ومعالجة مهددات الاستقرار، أكثر مــن الانـــخـــراط فــي تـأسـيـس مـشـاريـع تقويضية أو فــــرض نـــمـــاذج جـــاهـــزة. فــفــي أكــثــر الـلـحـظـات العربية والإقليمية حـرجـا، مـالـت الــريــاض إلى مــد الـيـد، وفـتـح مــســارات الـتـهـدئـة، والــدفــع نحو التسويات، حتى عندما كان ذلك مكلفا سياسيا أو اقـتـصـاديـا، مـا دام لا يمس ثـوابـت وطنية أو ســيــاديــة غــيــر قــابــلــة لــلــمــســاومــة. ولــــم يــكــن هــذا الـــســـلـــوك تــعــبــيــرا عـــن تـــــردد أو ضـــعـــف، بـــل كــان انـعـكـاسـا لقناعة استراتيجية بـــأن الـفـوضـى لا تُدار، وأن الصدام المفتوح لا يصنع استقراراً، بل يراكم أزمات طويلة الأمد. ضـــمـــن هــــــذا الإطــــــــار الــــتــــاريــــخــــي، لا يُــفــهــم الصعود السعودي بوصفه توسعا في النفوذ أو محاولة لإعادة ترتيب الإقليم حول مركز واحد، بـــل بــوصــفــه مـــســـارا يـسـعـى إلــــى إدارة الـتـفـاعـل الإقـلـيـمـي بـطـريـقـة أكــثــر اســـتـــقـــراراً، فالسعودية تنطلق من قناعة بأن الاستقرار المستدام لا يُبنى عبر فرض نماذج سياسية أو هندسة المجتمعات من الخارج، بل من خلال تمكين الدول من الحفاظ عــلــى تــمــاســكــهــا الـــداخـــلـــي وتـــطـــويـــر مــســاراتــهــا الخاصة وفق ظروفها الوطنية. ولهذا، لم تُقدَّم المقاربة السعودية بوصفها بـــديـــا عـــن الآخـــريـــن أو مــشــروعــا لإزاحـــتـــهـــم، بل بوصفها إطارا ينظّم التنافس في بيئة إقليمية شديدة التنوع سياسيا واقتصاديا وثقافياً، فقد أظـهـرت التجربة أن مـحـاولات توحيد المـسـارات قــســرا غـالـبـا مـــا تُــنـتـج مــقــاومــة واخــــتــــالات، في حـــن تـتـيـح مـــقـــاربـــات الـــشـــراكـــة والمــــرونــــة فـرصـا أوسع للتكيّف والاستدامة. من هنا، ظل التركيز السعودي منصبا على منع الانـهـيـارات الكبرى وتقليص كلفة الصراعات، لا على استثمارها أو إدارتها بوصفها أدوات نفوذ. وتـــقـــوم هــــذه المـــقـــاربـــة عــلــى تـمـيـيـز واضـــح بــن الأمـــن بـوصـفـه مصلحة جماعية لا ينبغي توظيفها في التنافس السياسي أو الاقتصادي، وبــــن مـــجـــالات الــتــنــمــيــة والاقـــتـــصـــاد بـوصـفـهـا فضاءات مفتوحة للمبادرة والتحديث، فالحفاظ عــلــى اســـتـــقـــرار الـــــــدول، ومـــنـــع الــتــفــكــك، وتــأمــن المـــمـــرات الـحـيـويـة، تُـــقـــدَّم فــي الـــرؤيـــة الـسـعـوديـة بوصفها متطلبات أساسية لأي بيئة إقليمية قـــابـــلـــة لـــلـــنـــمـــو، لا بـــوصـــفـــهـــا أدوات ضـــغـــط أو مساومة. وفي المقابل، تُترك مجالات الاستثمار والــتــجــارة والــطــاقــة والـلـوجـيـسـتـيـات للتنافس المنظم وغير المسيّس، بما يقلل كلفة التوترات ويــمــنــع انــتــقــالــهــا إلــــى مــســتــوى يـــهـــدد الأمـــــن أو السيادة. ويظهر هذا النهج السعودي في سعيه إلى إعــــادة قـــدر مــن الـــوضـــوح لـلـتـداخـل المــتــزايــد بين الملفات الأمنية والاقتصادية الــذي طبع المشهد الإقليمي خلال العقدَيْن الماضيَيْ، فبدل التعامل مـع هـذا التداخل بوصفه ساحة صــراع مفتوح، عملت الـريـاض على تنظيمه ضمن أطــر تسمح باستمرار التنافس الطبيعي، من دون أن يتحول إلى توترات سياسية أو صدامات مباشرة. كــمــا تـتـضـح هــــذه المـــقـــاربـــة عــنــد مـقـارنـتـهـا بالتصورات التي تنطلق من فكرة «إعادة تشكيل الـشـرق الأوســــط» وفــق صيغ سياسية أو أمنية جـاهـزة، فمثل هــذه الـتـصـورات تفترض أن عدم الاســـتـــقـــرار نــابــع مـــن بـنـيـة المـجـتـمـعـات نفسها، وأن الحل يكمن في إعادة هندستها من الأعلى. غير أن تجارب السنوات الماضية أظهرت أن هذا المنطق غالبا مـا قــاد إلــى تفكيك الـــدول وتـدويـل الصراعات، بدل بناء استقرار فعلي. في المقابل، يركز النهج السعودي على الشراكة مـع الإقليم كــمــا هــــو، لا عــلــى إعـــــادة صـيـاغـتـه وفــــق نــمــاذج مفروضة. ويرتبط هــذا التوجه بالتحول الداخلي الـــــــذي تـــشـــهـــده الـــســـعـــوديـــة فــــي إطـــــــار «رؤيـــــة »، الـتـي تُــقــدَّم بوصفها عملية تحديث 2030 تــدريــجــي مــــتــــوازن، لا قـطـيـعـة مـــع الــهــويــة أو السياق الاجتماعي. هذا التوازن بين التحديث والـــحـــفـــاظ عــلــى الــتــمــاســك الـــداخـــلـــي انـعـكـس خارجيا في مقاربة أكثر قابلية للتنبؤ، وأقل ميلا إلى تصدير التوترات أو ربط التحولات الداخلية بمشاريع إقليمية صدامية. فـــــي المـــحـــصـــلـــة، لا يـــمـــكـــن فـــصـــل مـسـتـقـبـل الاسـتـقـرار فـي الـشـرق الأوســـط عـن فهم تراكمي لـــتـــاريـــخـــه وجـــغـــرافـــيـــتـــه وهــــويــــتــــه المـــتـــشـــابـــكـــة، فالصعود الذي يتجاهل هذه العوامل، أو يحاول الـقـفـز فـوقـهـا بـــإعـــادة تشكيل قـسـريـة، غـالـبـا ما ينتج اضطرابا أكثر مما ينتج نظاماً. ومن هذه الزاوية، تمكن قراءة الصعود السعودي بوصفه مـسـارا يسعى إلــى إدارة التفاعل الإقليمي وفق أطر السيادة والمصالح الوطنية والأمن الإقليمي، بما يهدف إلـى توسيع فـرص التعاون مـن دون مصادرة طموحات الآخرين المشروعة، شريطة ألا تتحول هذه الطموحات إلى أدوات تهديد للأمن والــســيــادة، أو إلــى امـــتـــدادات لأجــنــدات خارجية لا تنتمي إلـى السياق التاريخي والقيمي الذي تشكّلت فيه المنطقة. لا يمكن فصل مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط عن فهم تراكمي لتاريخه وجغرافيته وهويته المتشابكة من أبرز محتويات برنامج الأداء الحكومي استعادة وحدة الكيان السوري فايز سارة يوسف الديني حنا صالح OPINION الرأي 14 الصعود السعودي: منطق الدولة ومقاربة الشراكة إعادة ترتيب أولويات في سوريا نزع السلاح والإصلاح قبل الانتخابات في لبنان الأخطر أن الانتخابات ستتم في ظل سلاح غير شرعي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky