صدمة النشطاء السياسيين بأزمة علاء عبد الفتاح هائلة. أولاً، ليقينهم بأنَّها لا تخص علاء وحدَه. ثم لأنَّها ضربت صميم الصورة التي صنعوها لأنفسهم محلياً، وأخلّت بقواعد العلاقة مع داعميهم الدوليين. النتيجة كانت حيرة وارتباكاً، وعجزا كاملا أو إحجاما واضحا عــن تـقـديـم الــدعــم لــه حـيـث يـحـتـاج إلــيــه، عـلـى عـكـس ما اعتادوا في البيئة المحلية. في هذه الأزمة رأينا الناشط السياسي منزوعا عن بطانته، ورأتْه بطانتُه منزوعا منها. الناشط ظاهرة برزت مع العولمة وصعود المنظمات غير الحكومية. وهو ليس سياسيا بالمعنى التقليدي. لا ينتظم في فصيل ذي توجهات محدَّدة، ولا يُساءل على تصريحاته في استحقاق. وهو بهذا معادل سياسي للمروج العقاري. يعفي المالك من الظهور في الصورة. سعي سماسرة عقارات إلى تسويق عقار بعينه لا يخلق وحـدة هـدف، بل يخلق تنافساً. وهـذا يفسر لماذا يتحوَّل نشطاء مشهورون يروّجون أفكارا متقاربة إلى خصوم ألداء، بدل أن يجمعَهم كيان واحد. تجتمع هذه الخصائص لتجعل عالم النشطاء، على حداثته، أقـــرب إلـى النمط السياسي لعصر المقاطعات، بما فيه من مركزية للبطانة. ينقسم جمهور النشطاء إلى بطانات، ينتمي كل منها إلى شخص تستقيم مصالحه معها، أو تمنحها صلته به وجاهة اجتماعية إضافية. أمَّا الفكرة السياسية فتتراجع إلى المركز الثاني، وتُقاس قيمتها بقيمته، فيتحول انتقادُها إلى انتقاد شخصي له، وتشكيك في مهارته المهنية، وقدرته على الترويج! تتكوَّن بين الناشط المشهور وبطانته علاقة أحادية الاتـجـاه، يضمحل فيها النقد ويحاط بشروط صارمة: ألا يــكــون عـلـنـيـا، وألا يـتـكـرر أكــثــر مــن المــســمــوح. عـــزَّزت السوشيال ميديا هـذه العلاقة، حيث يصبح المهتمون بـــآرائـــك مـتـابـعـن، وحــيــث يـفـتـح الانــتــقــاد الـبـسـيـط بـاب الانتشار الفيروسي. وحتَّم ذلك أن تكون عقوبة مخالفة شروط الانتقاد قاسية، تبدأ بالحرمان من المتابعة، ولا تنتهي عند تحويل المنتقد إلى مادة للتنمر الإلكتروني. من دون هذه الصرامة سيقضي الناشط وقته في محاورة بطانته، بدل توسيع قاعدته في مواجهة المنافسين. ترسخت العلاقة العضوية بـن الناشط وبطانته إذن. مـنـحـتـه دائــــــرة آمـــنـــة تُــغــنــيــه عـــن مـــراجـــعـــة نـفـسـه، وتشجعه على التمادي، وتحول الاستعلاء الأخلاقي من طبع شخصي يحضر ويغيب إلى ضرورة مهنية. أمــا البطانة فـصـارت رأســمــال الـنـاشـط. بها تسبغ عليه الخوارزميات صفة «المؤثر»، وتجعله معروفا لدى جهات خارجية تبحث عن مؤثرين. دخول هذه الجهات يوفر دعما مـاديـا، ويـوفـر دعما معنويا مهماً، يشجعه على تقديم نفسه لمجتمعه المحلي كما قــدم المتعلمون الــريــفــيــون الأوائــــــل أنـفـسـهـم لـلـنـجـع: هـــو يــعــلــم، وهــــم لا يعلمون. وهو صديق العِلْية. تبدو الأمور في هذه المرحلة مستقرة تماماً: ببطانة محلية صـلـبـة، وعُــلـويـة أخـاقـيـة فــي مـواجـهـة السلطة، ودعـــــم عـــالمـــي مـــتـــراكـــم. تــرتــيــب مــثــالــي لـتـويـسـت درامــــي مشهود، أو- بالتعبير الشعبي- فرشة مثالية لنكتة... ولكن سوداء. يتعرَّض الناشط لتمحيص عالمي على الآراء التي أكسبته مكانته لـدى بطانته. تحاول البطانة استخدام أسـلـوبـهـا الــوحــيــد: بـاتـهـام المـنـتـقـديـن، وإعـــفـــاء الناشط من المسؤولية عن آرائه المكتوبة والمعلنة. لم تدرك أن ما اعتادت النجاة به محليا لن ينفع في البيئة الجديدة. لـــم يـكـن هـــذا الانــكــشــاف الــعــالمــي إلا بـــدايـــة سلسلة الحرج. أعقبه أن الناشط أحرج بطانته نفسها باعتذاره عـــن المـــنـــشـــورات الــتــي حــــاول أفــــرادهــــا تــبــريــرهــا محلياً. انــهــارت الــصــورة المـقـدمـة عـن النفس بوصفها مرجعية أخلاقية لا تُختبر، وصلابة لا تنثني. وانـهـارت صورة الــعــالمــي، صــديــق الــعــالــم المــتــنــور، الـــذاهـــب إلـــى التتويج بـوصـفـه بـطـل الــــرأي الــحــر. ليحل محلها مشهد مقابل تماماً: المنبوذ من ذلك العالم، والواقف أمام بوابة القصر المغلقة، يتنكر له الحضور، ويعتذرون بأنهم خُدعوا به. بينما كان المراقبون يُحاولون تتبع مستقبل «الملف الــنــووي الإيـــرانـــي»، ومـــا إذا كـانـت هـنـالـك مــفــاوضــات قد تحدث بين واشنطن وطهران، أم أن الأمر مؤجل بانتظار جولة مواجهة عسكرية إسرائيلية - إيرانية قد تعود في أي وقت؛ حدث أمر قد لا يكون مفاجئاً، لكنَّه دراماتيكي في توقيته، ودلالته، وما سوف يؤول إليه، وهو الاحتجاجات ،2025 ) التي اندلعت في إيران أواخر ديسمبر (كانون الأول التي لا يمكن قراءتها بوصفها حراكا سياسيا تقليدياً، بل إشارة صريحة إلى الضغط الكبير معيشيا الذي بات يثقل كاهل المواطنين. لقد كانت نقطة الانـطـاق اقتصادية فاقعة، نتيجة تجاوز سعر صرف الدولار في السوق مستويات قياسية. خــــروج الاحــتــجــاج مـــن أســـــواق طـــهـــران يـحـمـل دلالـــة رمزية - تاريخية، فهي المكان ذاتـه الـذي دعم الثورة ضد نظام الشاه محمد رضا بهلوي! التجار في إيران، كما في معظم الاقتصادات المماثلة، يُشكلون فئة حذرة سياسياً، تميل إلى الاستقرار، وتبحث عن التكيف أكثر من الـصـدام. من هنا، فتحرك هـذه الفئة يعكس وصول الضغوط الاقتصادية إلى مستوى لم تعد معه أدوات الصبر ممكنة. وهــذا مـا يُفسر سرعة انتقال الاحتجاج من الإغــاق الصامت للمحال إلـى التجمع في الشارع، قبل أن تمتد آثاره إلى طلاب الجامعات وشرائح مدنية أخرى. الرئيس الإيـرانـي مسعود بزشكيان تعامل مع هذه التطورات بسياسة التفهم والإصـغـاء لمطالب المحتجين، خـصـوصـا أنَّــــه حــــذَّر مـــن أن الـــوضـــع الاقـــتـــصـــادي السيئ سيقود إلى غضب الشارع، في أكثر من مناسبة. بزشكيان أعلن أنَّه كلف «وزير الداخلية بالاستماع إلـــــى المـــطـــالـــب المـــشـــروعـــة لـلـمـحـتـجـن مــــن خـــــال الـــحـــوار مـــع مـمـثـلـيـهـم، حـتـى تـتـمـكَّــن الـحـكـومـة مـــن الــتــحــرك بكل طـاقـتـهـا لــحــل المــشــكــات والــتــعــامــل مـعـهـا بـمـسـؤولـيـة»، مبينا أن الحكومة وضـعـت «إجــــراءات أسـاسـيـة لإصـاح النظام النقدي والمصرفي، والحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين»، ساعيا عبر ذلــك إلــى احـتـواء الأزمـــة قبل أن تخرج عن دائرة السيطرة! بموازاة ذلـك، عمدت الحكومة الإيرانية إلى سياسة تفصل بين المطلب الاجتماعي والمـسـار الأمـنـي. المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، قالت: «نحن نعترف رســـمـــيـــا بــــوجــــود هـــــذه الاحـــتـــجـــاجـــات، ونـــســـمـــع أصـــــوات الـــنـــاس، ونــــــدرك أن مــصــدرهــا ضــغــط طـبـيـعـي نـــاتـــج عن الـضـغـوط المعيشية الـتـي يواجهها المــواطــنــون»، دون أن تتَّهم المحتجين بأنَّهم عملاء للخارج، أو ينفذون أجندات مشبوهة. رغـــم هـــذه الـلـغـة الـحـكـومـيـة المـــرنـــة، لـــم يــبــق المشهد ضمن هـذا الإطــار السلمي، فتقارير متواترة تحدثت عن وقوع اشتباكات في عدد من المدن، واستخدام قوات الأمن الغاز المسيل للدموع، إضافة إلى سقوط مصابين، ووقوع اعـتـقـالات، وأعــمــال شـغـب، وهـجـوم على مـقـار قـامـت بها عناصر من المحتجين، أو قد تكون مندسة أو إجرامية! هذا التصعيد كان له صـداه داخـل النظام بأجنحته المختلفة. في حين قدّم الخطاب الرئاسي والحكومي لغة احــتــواء نـسـبـي، صـــدرت عــن مـؤسـسـات أمـنـيـة وعسكرية توصيفات تتحدَّث عن «فتنة»، وأن هنالك مَــن يريد جر البلاد إلى الاقتتال الداخلي. هــذا التباين فـي المـقـاربـة يعكس اخـتـافـا فـي تقدير المـــخـــاطـــر بــــن مَـــــن يـــــرى أولـــــويـــــة الاحـــــتـــــواء الاقـــتـــصـــادي والاجــتــمــاعــي، ومَــــن يـــرى فـــي اتـــســـاع الاحــتــجــاج تـهـديـدا مـــبـــاشـــرا لـــاســـتـــقـــرار الـــســـيـــاســـي قــــد يــضــعــف «الــجــبــهــة الـــداخـــلـــيـــة»، ويـجـعـلـهـا أكـــثـــر هـــشـــاشـــة، وبـــالـــتـــالـــي يـزيـد انكشافها أمـام أجهزة الاستخبارات الأجنبية، وتحديدا «الموساد» الإسرائيلي. من جهته، الرئيس الأميركي دونالد ترمب قال عَبْر منصة «تــروث سوشيال» إن الـولايـات المتحدة ستتدخل إذا جرى قمع المحتجين السلميين بعنف، مضيفاً: «نحن فــي حـالـة جـهـوزيـة كـامـلـة، ومـسـتـعـدون لـلـتـحـرك». وهــذا التصريح يرى البعض أنَّه أدخل الاحتجاجات إلى معادلة الصراع الأميركي - الإيراني، ورفع تكلفة أي معالجة أمنية داخـلـيـة، وفـي الـوقـت نفسه وفّــر ذريـعـة إضافية للحديث داخل إيران عن تدخل خارجي محتمل. رئــــيــــس «المــــجــــلــــس الأعـــــلـــــى لــــأمــــن الــــقــــومــــي» عـلـي لاريـجـانـي، رد على تصريحات تـرمـب، قـائـا إنَّـــه «يجب على ترمب أن يدرك أن تدخل الولايات المتحدة في مشكلة داخلية يعني فوضى في كامل المنطقة، وتدميرا للمصالح الأمــيــركــيــة»، مـضـيـفـا: «عــلــى الـشـعـب الأمــيــركــي أن يعلم أن ترمب هـو مَــن بــدأ هــذه المـغـامـرة، وعليه أن ينتبه إلى جنوده». مــوقــف لاريــجــانــي يـكـشـف عــن مـسـتـوى الحساسية الـسـيـاسـيـة والأمــنــيــة لـــدى طـــهـــران مـــن أي تــدخــل أو دعـم خـــارجـــي لــاحــتــجــاجــات الـــجـــاريـــة، وهــــو دعـــــم، وإن كــان إعلامياً، فإنَّه قد يمنح التيار المتشدد أن يشن حملة قمع عـنـيـفـة، وبـالـتـالـي إفــشــال المـسـاعـي الإصــاحــيــة للرئيس مسعود بزشكيان. بالنسبة لــدول الخليج العربي، فهي تـــراقـــب مـــا يـــحـــدث بـــحـــذر، دون أن تــتــدخــل فـــي الـــشـــؤون الإيــرانــيــة، فـهـي دائــمــا تـعـد أن علاقتها مــع طــهــران يجب أن تُبنى على حُــسـن الــجــوار، وعـــدم التدخل فـي الـشـؤون الداخلية، ورفض إثارة القلاقل؛ خصوصا أن دول الخليج العربي لديها مشروعات تنموية كبيرة، واخـتـال الأمن في المنطقة يؤخر هذه المشروعات. في الوقت ذاتـه، فإن أي اضطراب طويل الأمد تتسع رقـعـتـه فــي المـــدن والــقــرى الإيــرانــيــة، ويـتـحـول إلـــى العنف المسلح، سيقود إلى الفوضى وتدخل جهات أجنبية تغذي الصراع، ما ينعكس سلبا على أمن الخليج العربي وأمن المضائق المائية وأسواق النفط. مـــن هـــذا المــنــظــور، فــــإن الــحــفــاظ عـلـى مــســار تغيير سلمي هادئ ومنضبط داخل إيران يعد مصلحة إقليمية، لأنَّه يقلل احتمالات الفوضى، ويكبح رغبات إسرائيل في إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها الضيقة وسياساتها التي لا تحترم القانون الدولي. OPINION الرأي 12 Issue 17206 - العدد Tuesday - 2026/1/6 الثلاثاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حسن المصطفى خالد البري إسرائيل وتركيا: المواجهة المنتظرة على أرض سوريا المــصــلــحــة دائـــمـــا تـــحـــدد تـــوجـــهـــات الـــــدول، وعندما تتعارض المصالح تندلع الحروب بكل تبعاتها. ويـــرى الـنـاظـر إلـــى الـسـاحـة الـسـوريـة أن إســرائــيــل وتــركــيــا دخـلـتـا دائـــــرة الــتــعــارض، واحـــتـــمـــالات المـــواجـــهـــة الــعــســكــريــة؛ لأن تـركـيـا راهنت على انتصار الثورة، بعدما رفض بشار الأســـد الاعـــتـــراف بمصالحها، وانـتـصـرت عليه عــســكــريــا، وراهـــنـــت إســـرائـــيـــل عــلــى بـــقـــاء بـشـار ضعيفاً، واستمرار حرية تحركها في الأراضـي السورية. وسقط بشار، وترك فراغا أمنيا دفعها لملئه بهدف حماية حدودها، وتأمين ممر جوي فـــوق ســـوريـــا لـتـوجـيـه ضـــربـــات لأعـــدائـــهـــا، مثل إيران. ولسد الفراغ تحركت تركيا لدعم الحكومة السورية الوليدة، عسكرياً، واقتصادياً، لتثبت نـــفـــوذهـــا، وســــارعــــت إســـرائـــيـــل بـــالمـــقـــابـــل لــدعــم الأقـــلـــيـــات والـــكـــرد لإضـــعـــاف الـسـلـطـة المــركــزيــة، ومنع تبعيتها للنفوذ التركي. وبـــمـــا أن المـــصـــالـــح هـــي المـــحـــرك الأهــــــم، لم تـــتـــردد إســـرائـــيـــل فـــي قــصــف مــنــشــآت عـسـكـريـة ومـــــطـــــارات ســــوريــــة فــــي الـــشـــمـــال، كـــــان الأتــــــراك يـــفـــكـــرون فــــي اســـتـــخـــدامـــهـــا كـــقـــواعـــد عــســكــريــة. هــذا التحدي الإسرائيلي فهمته تركيا إضــرارا بـمـصـالـحـهـا، وردَّت بـــزيـــادة دعـمـهـا للحكومة السورية، وعقدت اتفاقات عسكرية معها، ربما تصل –بـتـدرج- لاتفاقية دفــاع مشترك لمواجهة التهديدات الإسرائيلية. يحمل هـذا التنازع كثيرا من المخاطر؛ لأن البلدين يملكان قدرات عسكرية كبيرة، ويجسان بــتــهــور نــبــض بـعـضـهـمـا بـعـضـا عــســكــريــا، مما سـيـجـرُّهـمـا حـتـمـا لمــواجــهــة مــبــاشــرة؛ لـــن تغير سـوريـا فـقـط؛ بـل المنطقة؛ اقتصاديا وعسكريا واسـتـراتـيـجـيـا. ويـنـبـع الـخـطـر مـــن قناعاتهما بــــأن انــتــصــار أحــدهــمــا يـمـثـل تــهــديــدا وجـــوديـــا للآخر، ومن انشغال الشرطي الأميركي بالصين، وأوكــرانــيــا، وتنمية الاقـتـصـاد، والهيمنة على جنوب أميركا. ولـعـل أهــم العناصر الـتـي تـعـزز المـواجـهـة: أولاً، تـــفـــوق الــــقــــدرات الــعــســكــريــة الإســرائــيــلــيــة تقنيا وميدانياً، كما رأينا في حروبها الأخيرة. بــالمــقــابــل تـمـكـنـت تــركــيــا خــــال الــخــمــســة عشر عاما الماضية من تحقيق الاستقلال في الإنتاج فــــي المــــائــــة مـن 65 الـــعـــســـكـــري المـــحـــلـــي بــنــســبــة احـتـيـاجـاتـهـا الـعـسـكـريـة، وتـنـتـج الآن طــائــرات «الـــــــــدرون» المـــتـــطـــورة، والــــذخــــيــــرة، والـــعـــربـــات، والـسـفـن الـحـربـيـة، وقـريـبـا طــائــرة مـقـاتـلـة. هـذا يـــعـــود إلــــى صـــب الـــرئـــيـــس الـــتـــركـــي رجــــب طيب إردوغان المليارات في الصناعات الحربية، على حساب الاقتصاد، واعتماد خطة صناعية بشراء قطع من بلدان مختلفة وتجمعيها وفق نموذج تـــركـــي خـــالـــص، وفــــي الـــوقـــت ذاتـــــه الــعــمــل على إنتاج تلك القطع محلياً، وتجريبها وتطويرها. تــركــيــا الآن دولــــة عـسـكـريـة مـــتـــطـــورة، وقـــرارهـــا غـيـر مــربــوط بــمُــصــدِّري الــســاح لـهـا، ويمكنها شـــن حــــرب دونـــمـــا خـــــوف، ووصـــلـــت مبيعاتها مـلـيـارات دولار بعدما تبينت 7 العسكرية إلــى فاعليتها في المعارك. ثانياً، التحالفات، وهي مهمة جداً، لدرجة أن وزيــــر خــارجــيــة الإمـــبـــراطـــوريـــة الـنـمـسـاويـة، كليمنس فـــون مـتـرنـيـخ، تمكن مــن مـنـع سقوط الإمـــبـــراطـــوريـــة لــزمــن طــويــل لــقــدرتــه عـلـى نسج تـحـالـفـات مـكَّــنـتـه مــن هـزيـمـة نـابـلـيـون؛ وكـذلـك كـسـر هـنـري كيسنجر الـسـوفـيـات بتحالفه مع الصين. وتركيا اليوم أقدر من إسرائيل لكونها في حلف «الناتو» ومحورية بعد حرب أوكرانيا، وتتعاون مع السعودية والـدول الإسلامية لحل قـضـيـة فـلـسـطـن، وإطـــفـــاء الـــنـــزاعـــات؛ بـالمـقـابـل إســـرائـــيـــل مــنــبــوذة إقـلـيـمـيـا ودولــــيــــا، وتــتــراجــع شعبيا في عمقها الغربي، فعززت –للتعويض- تحالفها مـع اليونان وقـبـرص المتوجستين من صعود تركيا في شرق المتوسط، ومن مطالبات تــركــيــة (مـــســـتـــتـــرة) بــــإعــــادة الــنــظــر فــــي تـسـويـة الـــحـــرب الــعــالمــيــة الـــثـــانـــيـــة، وبــــالــــذات اســتــعــادة الجزر اليونانية المأخوذة منها ظلماً. ولكونهما يـنـتـسـبـان للحلف الأمــيــركــي، وخـافـهـمـا يضر بـهـمـا، حــــذَّر الــرئــيــس الأمــيــركــي دونـــالـــد تـرمـب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو فـــــي المــــؤتــــمــــر الــــصــــحــــافــــي الأخـــــيـــــر بــــصــــراحــــة: «إردوغان رئيس ممتاز، لا تصطدم معه، وعليك إيجاد حلول مع الحكومة السورية». ثالثاً، الاقتصاد، وهو عنصر مهم، وتعاني إسرائيل وتركيا من تبعاته السلبية؛ فإسرائيل تــضــررت كـثـيـرا مــن حـربـهـا فــي غـــزة، وأكــثــر من حــربــهــا مـــع إيـــــــران، وبـــالـــتـــالـــي تـــراجـــع مــدخــول قــطــاع الـسـيـاحـة، وتــضــرر قــطــاع التكنولوجيا المـعـتـمـد عـلـى الاســتــثــمــارات الأجـنـبـيـة، وارتــفــع التضخم، واضطرت إلى سحب اليد الماهرة من الاقتصاد للخدمة العسكرية، فازدادت حاجتها للعامل الـبـشـري؛ بينما لــدى تركيا فـي المقابل مـخـزون بشري كبير، ليسد الـفـراغـات فـي حالة الحرب. وتركيا تعاني من التضخم، ومن تدني الاقـــتـــصـــاد، ولـكـنـهـا أكـــثـــر قـــــدرة عــلــى الـصـمـود لمــســاحــتــهــا الـــجـــغـــرافـــيـــة، وتـــطـــورهـــا صــنــاعــيــا، مــمــا يـمـكـنـهـا مـــن تـشـغـيـل الــقــطــاعــن الـــزراعـــي والـــصـــنـــاعـــي لــســد احـــتـــيـــاجـــات الــــحــــرب، بينما تـحـتـاج إســرائــيــل لــدعــم خـــارجـــي، ولا سـيـمـا إن طال أمد المعركة. هذه العناصر الثلاثة ترجِّح الموقع التركي، وتشجع القيادة على مغامرات، انطلاقا من أن مصالحها الوجودية في خطر، وتدفع إسرائيل للرهان على قوتها العسكرية لتحجيم الوجود التركي في سوريا ومحاصرته؛ وهكذا سيلجآن للتصعيد المــتــدرج لتخويف بعضهما بعضاً، وإجبار أحدهما على القبول بهيمنة الآخر. وتـــكـــمـــن المــشــكــلــة فــــي أن نــتــنــيــاهــو يــؤمــن بـفـرصـة تـاريـخـيـة لـتـوسـيـع كــيــانــه، وهـيـمـنـتـه، متسلحا بإيمان توراتي، وكذلك يؤمن إردوغان بفرصة تاريخية لتوسيع دور تركيا التاريخي؛ ليس كمفهوم إمـبـراطـوري؛ بل كدولة حضارية قومية إسـامـيـة لها حـق فـي الهيمنة الثقافية والاقــتــصــاديــة، وتـوفـيـر الـحـمـايـة لـــدول تشترك معها حـضـاريـا. هــذا النهج الـتـركـي الحضاري يضرب أمن إسرائيل، ونهج نتنياهو التوراتي يـــضـــرب المــــشــــروع الـــتـــركـــي الـــحـــضـــاري، ومــــا لم يتدخل ترمب، ويوفق بين تعارض مصالحهما، فالمواجهة العسكرية آتية لا ريب فيها. الاحتجاجات في إيران... اختبار الاقتصاد والأمن! علاء عبد الفتاح خارج بطانته أحمد محمود عجاج
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky