issue17205

الثقافة CULTURE 18 Issue 17205 - العدد Monday - 2026/1/5 الاثنين تفتيت الزمن في رواية مصرية عــن دار صـفـصـافـة للنشر بـالـقـاهـرة صدرت أخيرا رواية «سر الهوى» للروائي المـــصـــري صـبـحـي مـــوســـى. تــــدور الـــروايـــة حــــــول ســــيــــرة رجــــــل عــــجــــوز مـــســـن يـــدعـــى الـــشـــهـــايـــبـــي، لا أحـــــد يـــعـــرف الــــزمــــن الــــذي ولـد فيه، ويكاد يكون متأبيا على المـوت، فكلما تعرض لحادث أيقن الناس أنـه لن ينجو منه وسيموت فيه، لكنه يفاجئهم بنهوضه، وكأنه استمد روحا جديدة من أرواحه العديدة. تنطلق الرواية من إحدى المرات التي يـــواجـــه فـيـهـا الـشـهـايـبـي المـــــوت، واعـتـقـاد الجميع أنه مات، لكنه سرعان ما استفاق، كــي يحكي لـهـم عــن الأهــــوال الـتـي عاشها طيلة الليل، بينما هم نائمون في أحضان زوجاتهم. تـعـتـمـد الــــروايــــة عــلــى تـقـنـيـة تفتيت الزمن وتشظيه، بين الماضي الــذي يرويه الـــشـــهـــايـــبـــي بـــصـــيـــغ عــــديــــدة ومـــتـــبـــايـــنـــة، والــحــاضــر الــــذي يـــرويـــه ابــنــه عــمــر، الـــذي يـعـمـل صـحـافـيـا فــي المــديــنــة، ويــعــود إلـى الـــقـــريـــة بـــمـــجـــرد مـــعـــرفـــتـــه بــــمــــرض أبـــيـــه، لــيــتــم نـــســـج أحـــــــداث الـــــروايـــــة وصــــراعــــات الشهايبي مع أبنائه، الراغبين في الحجر عليه وتــوزيــع تركته عليهم. وبينما هو يـفـكـر فـــي طـريـقـة لـحـرمـانـهـم مـــن أمــاكــه، فإنهم يفكرون فـي طريقة للخلاص منه، ويــــســــتــــقــــرون عـــلـــى تــــزويــــجــــه مـــــن ســـيـــدة صــغــيــرة الـــســـن، تـــزوجـــت ثــــاث مـــــرات من قــبــل، ومــــات أزواجـــهـــا الــثــاثــة بـعـد أشهر مــن زواجـــهـــا بــهــم، فـيـفـكـرون فــي تـزويـجـه منها للخلاص منه، لكن ابنه عمر يكتشف تلك الحيلة، ويستدعي الـزوجـة المنتظرة زبـيـدة كـي تذيب الجليد الــذي تـراكـم على قلبه وأعضائه، لكن الأب ينهض فجأة من مـوتـه، ويختفي مـن غرفته، بينما يبحث أبناؤه عنه في كل مكان فلا يجدوه. وبرغم أن الشهايبي عرف عددا كبيرا مـــن الـــنـــســـاء، فـــإنـــه رفــــض أن يـــتـــزوج بــأي مـنـهـن طـيـلـة حـــيـــاة زوجـــتـــه فــاطــمــة، بعد أن قطع لها على نفسه عـهـدا بــألا يتزوج عـلـيـهـا، حــن طـالـبـه والــــده بـــأن يبني لها بيتا واسعا قبل أن يتزوج بها، لكن فاطمة قــررت أن تذهب مع الشهايبي إلـى غرفته عــلــى أرض طــــرح الــنــهــر، فـــي ذلــــك الــخــاء الواسع المظلم الذي أطلق عليه الناس اسم «المجهول» لكثرة ما يجتاحه من كائنات غريبة، بدءا من اللصوص وقطاع طرق أو الجن والعفاريت. كـــان مـــن بـــن الــنــســاء الـــائـــي عرفهن الشهايبي «نـجـمـة» الجميلة الـتـي كانت تـــعـــانـــي مـــــن صـــــــداع نـــصـــفـــي لا يــــهــــدأ إلا بممارسة الحب العنيف، و«الكاوية» التي عالجت ابنه حمدان باستخدام كي رأسه بالمسامير الـحـمـراء، و«المـلـيـحـة» صاحبة البيت الـذي تتردد عليه نجمة، و«زبيدة» الــتــي طـلـبـت مــن الـشـهـايـبـي أن يتزوجها بعد وفاة زوجها، لكنه رفض، مصرا على أن يفي بوعده لفاطمة وألا يتزوج عليها. بـمـوت فـاطـمـة حـــاول أن يـفـي بـوعـده لـــــزبـــــيـــــدة، فـــطـــلـــب مـــــن بــــنــــاتــــه أن يـــذهـــن لخطبتها له، لكنهن أبلغن أبناءه الذكور، واتـــفـــقـــوا جـمـيـعـا عــلــى مـنـعـه مـــن الـــــزواج، بــل تـهـديـد زبــيــدة فــي بيتها بــالمــوت حـال قبولها بالزواج من أبيهم. فقرر الشهايبي أن يـــتـــحـــدى أبــــنــــاءه ويـــتـــزوجـــهـــا، لـكـنـهـا رفضت قائلة إنها لا تريد أن تخسر معاش زوجها. القاهرة: «الشرق الأوسط» كيف يسهم الأدب في بناء ثقافة نزاهة مجتمعية؟ يـــشـــكّـــل الأدب أحــــــد أكــــثــــر الـــحـــقـــول الـــثـــقـــافـــيـــة قــــــــدرة عـــلـــى مــــســــاءلــــة الــــواقــــع وصياغة الـوعـي، فهو ليس فعلا جماليا مــــعــــزولاً، بـــل مــمــارســة إنــســانــيــة ذات أثــر مـعـرفـي وأخـــاقـــي. فـالـكـاتـب، فــي لحظات الــتــحــوّل الــكــبــرى، لا يُــخـتـبـر بـقـدرتـه على الـسـرد فقط، بـل بمدى نزاهته فـي تمثيل الـحـقـيـقـة، ومــســؤولــيــتــه فـــي الــتــعــامــل مع القيم التي يضخّها فـي الـوعـي الجمعي. ومــن هنا تـبـرز الـنـزاهـة لا بوصفها قيمة أخلاقية خارج النص، بل بوصفها عنصرا بــنــيــويــا فـــي الــكــتــابــة نــفــســهــا، يـــربـــط بين صـــدق الـــرؤيـــة، وعـمـق الـتـجـربـة، واحــتــرام القارئ. الأدب، فــــي جــــوهــــره، تــعــبــيــر لــغــوي جمالي يعكس التجربة الإنسانية ويقدّم رؤيــة للعالم، لكنه فـي الـوقـت ذاتــه يحمل وظـيـفـة ثـقـافـيـة تــتــجــاوز المـتـعـة إلـــى بـنـاء الـوعـي، وحفظ الــذاكــرة، ونقد الاخـتـالات الاجــتــمــاعــيــة والــســيــاســيــة. وحــــن ينجح الأدب في أداء هـذه الوظائف دون تزييف أو ادعـاء أو خطابية مباشرة، فإنه يسهم تـلـقـائـيـا فـــي تـرسـيـخ ثـقـافـة الـــنـــزاهـــة، لأن الــنــزاهــة هـنـا لـيـسـت شـــعـــارا أخــاقــيــا، بل مـمـارسـة مـعـرفـيـة تـحـتـرم الـعـقـل والــواقــع والإنسان. وتتجلى النزاهة في الكتابة والبحث مــن خـــال جـمـلـة مــن الـقـيـم المـتــداخـلـة، في مقدمتها الصدق في الرؤية والتعبير، أي قدرة الكاتب على مواجهة الواقع كما هو، دون تجميل مضلل أو شيطنة مجانية. وقـــــد جـــسّـــد تـــشـــارلـــز ديـــكـــنـــز هـــــذا المـعـنـى حـــن قـــــدّم صـــــورة قــاســيــة لـلـفـقـر والــظــلــم فـي المجتمع الإنجليزي، كما فعل نجيب محفوظ وفــواز حــدّاد في فضح اختلالات السلطة والمجتمع العربي دون الوقوع في فــخ الــدعــايــة أو التبسيط الآيـديـولـوجـي. ويُـــضـــاف إلـــى ذلـــك مــبــدأ الـشـفـافـيـة، الــذي يـــفـــرض عـــلـــى الـــكـــاتـــب والـــبـــاحـــث احـــتـــرام الحقيقة والمـصـدر، وعـدم توظيف المعرفة بـوصـفـهـا أداة إغــــواء أو تــاعــب، وهـــو ما نجده واضحا في أعمال كبار الروائيين، حــيــث تـــقـــوم الــــروايــــة عــلــى مــعــرفــة دقـيـقـة تحترم ذكاء القارئ بدل استدراجه. غــــيــــر أن الـــــنـــــزاهـــــة لا تـــكـــتـــمـــل دون شعور عميق بالمسؤولية، فالكلمة ليست بـريـئـة مــن آثـــارهـــا، والــكــاتــب مــســؤول عن الأثـــر الاجـتـمـاعـي والمـعـرفـي لـنـصّــه. ولعل تجربة غــازي القصيبي فـي كتابه (حياة فــي الإدارة) تمثل مــثــالا واضــحــا لتحوّل الـــكـــتـــابـــة إلـــــى مـــمـــارســـة أخـــاقـــيـــة تـسـائـل البيروقراطية، وتدعو إلـى تحديث القيم المهنية بلغة أدبية قريبة من القارئ. كما أن النزاهة تفترض أمانة معرفية ترفض الانتحال والتلفيق، وتقوم على نقد الذات قــبــل نــقــد الآخــــــر، وهــــو مـــا مـــيّـــز مــشــاريــع فكرية كبرى عند طه حسين ومحمد عابد الـــجـــابـــري، حــيــث تـــحـــوّل الــنــقــد إلــــى فعل تحرير للثقافة لا إلى محاكمة لها. ولا يمكن الحديث عن نزاهة الكاتب بـمـعـزل عــن نــزاهــة الـثـقـافـة نـفـسـهـا، إذ إن الــثــقــافــة لــيــســت مـــجـــرد إنـــتـــاج نــصــوص، بــــل مــنــظــومــة مــؤســســيــة وقــيــمــيــة تــحــدد مـــا يُـــكـــتـــب، وكـــيـــف يُــســتــقــبــل، ومــــا يُــكــافــأ أو يُــقـصـى. فـنـزاهـة الـثـقـافـة تـقـاس بمدى استقلال مؤسساتها، وشفافية أنشطتها، وعــــدالــــة مــســابــقــاتــهــا، ووضــــــوح مـعـايـيـر التحكيم فيها. وعندما تتحول الجوائز والــفــعــالــيــات الـثـقـافـيـة إلـــى دوائـــــر مغلقة أو أدوات مـجـامـلـة أو نــفــوذ، فـإنـهـا تُــفـرغ الإبداع من معناه، وتدفع الكاتب والباحث إلـى التكيّف بـدل الابتكار، وإلـى التماهي بدل النقد. وفي هذا السياق، تبرز أهمية تفعيل ثقافة النزاهة داخـل المؤسسات الثقافية، لا عبر الشعارات، بل من خلال ممارسات واضحة تحترم الجهد البحثي والإبداعي، وتضمن تكافؤ الــفــرص، وتمنع تضارب المصالح، وتفصل بين الإدارة والتحكيم. فــــالــــثــــقــــافــــة الــــنــــزيــــهــــة هــــــي الـــــتـــــي تــســمــح بالاختلاف، وتحمي حق الـسـؤال، وتـدرك أن النقد ليس تهديدا بل ضــرورة حيوية لتجددها. ويــظــل الــتــحــدي الأكـــبـــر أمــــام الـكـاتـب والـبـاحـث هـو تحقيق الــتــوازن بـن حرية الإبــــداع والمـسـؤولـيـة الأخــاقــيــة، فــالإبــداع لا ينمو في بيئة فوضوية، لكنه أيضا لا يبرر التحريض أو الكراهية أو التسطيح. وقــد نجح الأدب فـي تحقيق هــذا الـتـوازن عبر الانـحـيـاز إلــى الإنـسـان بوصفه قيمة عليا، كما فعل غـازي القصيبي بالفكاهة والرمز، وفـواز حـدّاد عبر السرد الكاشف، وأورويـــــــل وهـــوغـــو وآتــــــوود عــبــر مـقـاومـة الهيمنة دون الــوقــوع فــي خـطـاب مباشر أو تبسيطي، في زمن تتزايد فيه ضغوط السوق، وإغراء الشهرة، وتسييس الجوائز وتحوّلها من وسيلة تشجيع إلى تنفيع، ولعل أبسط علامات النزاهة في الجوائز الـــتـــزامـــهـــا بــالمــعــايــيــر المــعــلــنــة والمـــواعـــيـــد المحددة لكونها عقدا أخلاقيا بين المؤسسة والمـبـدعـن، لتصبح الـنـزاهـة فعل مقاومة ثقافية بـامـتـيـاز. فالكاتب الـنـزيـه هـو من يحافظ على صوته الـخـاص، ويرفض أن يتحول إلى مروّج، أو أن يختزل الأدب في سلعة أو موقف عابر. ومن هنا فإن تعزيز النزاهة ليس مسؤولية فردية فحسب، بل مــشــروع ثـقـافـي متكامل يـبـدأ مــن الكاتب والـبـاحـث، ويمتد إلـى المؤسسة، ويكتمل في وعي المجتمع. إن الأدب، حـــــــن يُـــــكـــــتـــــب بــــنــــزاهــــة ويُحتضن في بيئة ثقافية شفافة، يتحول من فعل جمالي إلـى قـوة أخلاقية ناعمة، قادرة على بناء وعي نقدي، وترسيخ قيم العدالة، وصيانة كرامة الإنسان، وذلك هو الـــدور الأعـمـق الــذي كُتب لــأدب أن يؤديه عبر التاريخ. *إعلامي وناقد كويتي د.غازي القصيبي *د. فهد توفيق الهندال تحفل بتعليقات على أعمال أدبية وتكشف عن بصيرته النقدية النافذة رسائل ت. س. إليوت في زمن الحرب العالمية الثانية كـــيـــفَ، فـــي قــلــب مــشــاغــلــه الـــعـــديـــدة، وجـــد الــوقــت للجلوس إلـــى آلـتـه الكاتبة أو إملاء سكرتيرة مكتبه هذه المئات من الرسائل الشخصية والمهنية؟ أو ما كانت إدارة قرص التليفون خليقة أن تغني عن هذا الجهد؟ أســئــلــة لا بــــد أن تـــتـــبـــادر إلـــــى ذهــن الـقـارئ وهـو يتناول هـذا المجلد الضخم عن دار «فيبر وفيبر» 2025 الـصـادر في صفحة. إنه الجزء 1080 للنشر بلندن في الـعـاشـر مـن رسـائـل ت. س. إلـيـوت التي تصدر تباعاً، ومـن المنتظر أن تصل إلى جزءا ً. 20 The Letters of T. S. Eliot، Volume )1944 -1942( 10 وقـــــد أشـــــــرف عـــلـــى إصــــــــدار الـــكـــتـــاب وزوده بـهـوامـش ضـافـيـة جـــون هافندن أستاذ الأدب الإنجليزي John Haffenden بـــجـــامـــعـــة شــفــيــلــد الـــبـــريـــطـــانـــيـــة، وذلــــك Valerie بـــالاشـــتـــراك مـــع فــالــيــري إلـــيـــوت أرمـــلـــة الــشــاعــر الـــراحـــلـــة وزوجـــتـــه Eliot الثانية. تــغــطــي رســــائــــل هـــــذا الــــجــــزء أعـــــوام ويخيم عليها شبح الحرب 1944 - 1942 العالمية الثانية التي مست شتى مناحي الـحـيـاة فــي بـريـطـانـيـا. فـنـحـن نـجـد هنا ذكــرا لـغـارات الطيران الألمـانـي على لندن وكوفنتري وغيرهما من المــدن، وتوزيع الـــطـــعـــام بـــالـــبـــطـــاقـــات، وإطــــفــــاء الأنــــــوار، وصعوبات الاتصال مع العالم الخارجي، وتعطل الأنشطة الفنية من مسارح ودور سـيـنـمـا ومـــعـــارض ومـــهـــرجـــانـــات. كـذلـك شحت كمية الـورق الـازم لطباعة الكتب والمجلات والصحف. وانعكس ذلـك على دار النشر التى كان إليوت أحد مديريها فـــاضـــطـــرت إلــــى الإقــــــال مـــن إصـــداراتـــهـــا وتأجيل الكثير مما سبق التعاقد عليه. ومن هنا كانت العديد من هذه الرسائل تحمل اعـــتـــذار إلــيــوت عــن قـبـول عـشـرات المخطوطات التي كانت تفد على الدار ما بين دواويــن شعر وروايـــات ومجموعات قصصية ومسرحيات ودراســـات نقدية، مما لا بد أنه سبب إحباطا شديدا للأدباء والنقاد الذين كانوا يطمحون إلى أن ترى أعمالهم النور وأن تحظى بمباركة أشهر شاعر أنجلو-أميركى في القرن العشرين. رسائل إليوت موجهة إلى أفـراد من أســـرتـــه مـثـل شـقـيـقـه الأكـــبـــر هــنــري الـــذي كـــان بـاحـثـا متخصصا فـــي دراســـــة آثـــار أشـــور وإيـــــران والـــشـــرق الأدنـــــى، وإميلي هيل محبوبة إلـيـوت فـي شبابه قبل أن يهاجر مـن الــولايــات المـتـحـدة الأميركية إلـــــى بـــريـــطـــانـــيـــا، وجــــــون هــــيــــوارد الــــذي شــــــارك إلــــيــــوت الـــســـكـــن فــــي لـــنـــدن زمـــنـــا، ومــتــرجــمــي أعــمــالــه إلــــى لــغــات أجـنـبـيـة، والشعراء سان جون بيرس وو. ه. أودن وستفن سبندر، والروائيين إ. م. فورستر وجورج أورويل ولورنس دريل، والكتاب المسرحيين شون أوكيزي ورونالد دنكان، والمخرج السينمائي جورج هولرنغ الذي حـــول مسرحية إلــيــوت «جـريـمـة قـتـل في الـــكـــاتـــدرائـــيـــة» إلــــى فـيـلـم سـيـنـمـائـي نــال رضا إليوت، والنقاد ا. ا. رتشاردز وف. ر. ليفيس وآلن تيت وكثيرين غيرهم. تـــحـــفـــل هـــــذه الــــرســــائــــل بــتــعــلــيــقــات إليوت على الأعمال الأدبية المقدمة للدار وتـكـشـف عــن بـصـيـرتـه الـنـقـديـة الـنـافـذة وفـــطـــنـــتـــه إلــــــى مـــــواضـــــع الـــــقـــــوة ونـــقـــاط الــضــعــف فـــي أدب عـــصـــرنـــا. وقـــبـــل ذلــك تكشف عـن الـتـزامـه الأخــاقــي وضميره المــهــنــي الــيــقــظ فــهــو يـــقـــرأ كـــل كــلــمــة مـن الــنــص المــقــدم إلــيــه قـبـل أن يــصــدر عليه حــــكــــمــــا، ولا يـــــعـــــرف المــــجــــامــــلــــة وإنــــمــــا يقبل مـا يستحق الـنـشـر ويـرفـض مـا لا يـسـتـحـق، ويـطـلـب مــن الـكـاتـب أن يلتزم بأعلى معايير الـدقـة وألا يبخل بجهد في سبيل إزالة الشوائب ودعم النواحي الإيجابية في نصه. ومن الأحداث التي تسجلها الرسائل عـــمـــل إلــــيــــوت فــــي الـــــدفـــــاع المــــدنــــي أثـــنـــاء الـــحـــرائـــق الــنــاجــمــة عـــن غـــــارات الــطــيــران الألمــــانــــي عـــلـــى لــــنــــدن، وخـــمـــســـة أســابــيــع قـــضـــاهـــا فــــي الـــســـويـــد، ورحــــلــــة قـــــام بـهـا ، ومشروعات رحلات 1944 إلـى ويلز في (لـــم تـتـم) إلـــى آيـسـلـنـدا وشــمــال أفريقيا، واعــــــــتــــــــذاره عـــــن قــــبــــول عـــــــرض بــالــعــمــل مستشارا للشعر في مكتبة الكونجرس بواشنطن دي سـي، ومحاضرات ألقاها ونــــدوات شـــارك فـيـهـا، وأحـــاديـــث إذاعـيـة ســـجـــلـــهـــا، ومـــســـرحـــيـــات شـــاهـــدهـــا مـثـل مسرحية «جوستاف» للكاتب السويدي سترندبرغ، وأوبرا «كريستان وأيزولده» لـــفـــاجـــنـــر، وأعـــــمـــــال المــــثــــال هــــنــــري مــــور، وأعـــــمـــــال مـــوســـيـــقـــيـــة كــــــان يــحـــبــهـــا مـثـل رباعيات بتهوفن الوترية. وتنتثر في تضاعيف الرسائل آراء نقدية مهمة لإليوت كقوله مـرددا كلمات الشاعر الـرمـزي الفرنسي مـالارمـيـه: «إن الـشـعـر يصنع مــن كـلـمـات لا مــن أفــكــار»، مـضـيـفـا: «إن الـقـصـيـدة فـــي المــحــل الأول شكل ونفخ للحياة في الكلمات». والشعر «يتطلب اختيارا حريصا واستخدام حد أدنـــــى مـــن الاســـتـــعـــارات والـــصـــور ومـنـح كـــل مــنــهــا الـــحـــد الأقـــصـــى مـــن الــتــأثــيــر»، فـ«الإسراف في الزخرفة عدو الشكل». ويرى أن على الشاعر أن يكتب «أقل» قـدر ممكن مـن الشعر، فالمهم هـو الكيف لا الكم. ولــدى أغلب الشعراء نجد خَبثَا (بفتح الخاء والباء) كثيرا وعروقا نضارا قليلة. والنظم «يجب أن يكون على الأقل صنعة قبل أن يكون فناً». وتلقي الرسائل أضــواء على ما كـان إليوت يحب ويكره. فـــهـــو يــفــضــل مـــثـــا الـــشـــاعـــر الــبــرتــغــالــي لـويـس دي كـامـوش (مــن الـقـرن الـسـادس عشر) على الشاعر الإنجليزي ميلتون. ويسخر إليوت من الصورة التي رسمها ميلتون للجحيم في قصيدته «الفردوس المفقود». وفـــي إطــــار تفضيله لـشـعـر المـاضـي على شعر الحاضر يقول: «أشك في أنني أجــد متعة كبيرة فـي أي شعر معاصر ـ ســــــواء لمـــعـــاصـــريـــي أو لمــــن يـصـغـرونـنـي سناً». بل يذهب إلـى حد القول (لا يجب أن نـحـمـلـه عــلــى مــحــمــل الـــجـــد بطبيعة الــحــال): «إنـــي أكـــره الشعر» راسـمـا كلمة ) بـحـروف الـتـاج الكبيرة HATE( » «أكـــره إمعانا في التوكيد! ومــــــن الــــطــــريــــف أن نــــجــــده يــخــطــئ أحيانا في هجاء بعض الكلمات أو رسم أسـمـاء الأعـــام أو قـواعـد النحو (صـوّب لـه المـحـرر جـون هافندن هـذه الأخـطـاء). ولكن من الـواضـح أن ذلـك كـان من قبيل السهو لا الـجـهـل. فما كــان لمثل إلـيـوت، وهـــــــو إلـــــــى جـــــانـــــب جـــــويـــــس مـــــن أعـــظـــم مـــن اســـتـــخـــدمـــوا الــلــغــة الإنــجــلــيــزيــة في عــصــرنــا، أن يـجـهـل الـــصـــواب. وينطبق عــلــيــه فـــي هــــذا الـــصـــدد قــــول أبــــي فـــراس الحمداني عن نفسه: وأغفو ولا أعطي الهوى فضل مقودي وأهفو ولا يخفى علي صواب والكتاب محلى بصور فوتوغرافية لإلــــيــــوت بــــن ســــن الـــثـــالـــثـــة والــخــمــســن والـــــســـــادســـــة الـــخـــمـــســـن (فـــــتـــــرة كـــتـــابـــة الــرســائــل)، وأغـلـفـة الـطـبـعـات الأولــــى من كـتـبـه، وصــــور مـــن راســلــهــم، وصـــــورة له وهو يسجل حديثا من استوديو محطة الإذاعـة البريطانية في لندن مع الروائي جــــورج أورويــــــل والــنــاقــد ولــيــم إمـبـسـون والقاص الهندي مولك راج أناند وآخرين، وهو 1943 ) وصورة له في أبريل (نيسان يقرأ قسما من قصيدة «الأرض الخراب» في حضور الملكة الأم (زوجة الملك جورج السادس ووالدة الملكة إليزابيث الثانية)، والأمـــيـــرات إلـيـزابـيـث (المـلـكـة فيما بعد) وشقيقتها مرجريت، وصورة له منهمكا فــــى الـــعـــمـــل مــــع زمــــائــــه مــــن مــــديــــري دار «فيبر وفيبر» للنشر قبل أن تصيب الدار قنبلة من طائرة ألمانية، وبهذا الاجتماع للكلمة والصورة تتكون لدى القارئ فكرة جلية عن حياة شاعر «الأرض الخراب» وأفــكــاره وعـاقـاتـه الإنـسـانـيـة فـي لحظة زمنية فارقة من عمره ومن تاريخ القرن العشرين. د. ماهر شفيق فريد من الطريف أن نجده يخطئ أحيانا في هجاء بعض الكلمات أو رسم أسماء الأعلام أو قواعد النحو وقد صوب له المحرر جون هافندن هذه الأخطاء

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky