OPINION الرأي 14 Issue 17203 - العدد Saturday - 2026/1/3 السبت وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com السعودية وإنقاذ اليمن «أرض الصومال»... بروفة الخطر القارة الأفريقية وسياسة شد الأطراف الإسرائيلية لـم تـعـد الأزمـــة اليمنية قـابـلـة لـلـقـراءة بوصفها صراعا تقليديا على السلطة أو نزاعا بين أطراف متحاربة، بل تحوَّلت أزمـــة دولـــة غـائـبـة، أو بـــأدق مـن ذلـــك: أزمـــة «دولـــة فــــراغ». هذا الــفــراغ، لا الـحـرب وحـدهـا، هـو الخطر الحقيقي الـــذي يجعل اليمن قنبلة مؤجلة تهدد اليمنيين ومحيطهم الإقليمي على حد سواء. كشف هذه 2025 ما جرى في وادي حضرموت أواخر عام الحقيقة بوضوح غير مسبوق. لم يكن الحدث مجرد احتكاك أمني أو تنافس نفوذ محلي، بل لحظة مفصلية انتقلت فيها حضرموت من الهامش إلى المركز، ومن إقليم مؤجَّل الصراع إلى عقدة استراتيجية تتقاطع فيها الجغرافيا، وأمن الحدود، والموارد، ومستقبل الدولة اليمنية نفسها. الوادي بات معيارا حاسما لشكل اليمن القادم: إما استمرار إدارة الفراغ بالقوة، أو الـــشـــروع فـــي مــســار يـنـهـي الـــفـــراغ ويـعـيـد الاعــتــبــار لفكرة الدولة. حضرموت، تاريخياً، لم تكن أرضا سهلة الابتلاع. فقد تشكّل الوادي قبل الدولة اليمنية الحديثة كفضاء اجتماعي - قبلي ينظم الأرض والماء وطرق العبور، بينما انفتح الساحل على التجارة والهجرة. هذا التكوين أنتج لا مركزية طبيعية قاومت أي مركز سياسي قسري، وجعل التفاوض مع السلطة هو القاعدة لا الخضوع لها. وحتى مع تعاقب الدول والأنظمة، ظل الوادي محتفظا بشرعية اجتماعية مستقلة، عصيّة على الضبط الكامل. ومـع الوحدة اليمنية، دخلت حضرموت في عــاقــة قــبــول حـــذر مــع المـــركـــز، تـعـمّــقـت خـالـهـا فــجــوة المــــوارد والتمثيل، ما عزز خطاب الحقوق لا خطاب الانفصال. ، ثم تفكك الدولة بفعل 2011 مع انهيار المركز اليمني بعد الحرب، لم تسقط الدولة دفعة واحدةً، بل فُرِّغت تدريجياً. في الجنوب، لم يُملأ هذا الفراغ بدولة بديلة، بل بتعدد سلطات وســـاح ومـشـاريـع أمــر واقـــع تحت مظلة شرعية عـاجـزة عن الــحــكــم. فــي هـــذا الــســيــاق، بــــرزت مـــحـــاولات فـــرض السيطرة بالقوة بوصفها حلا زائفا لأزمة الفراغ، لا معالجة لها. مــــا جـــــرى فــــي حـــضـــرمـــوت لــــم يـــكـــن دفــــاعــــا عــــن مـظـلـومـيـة أو تصحيحا لمـسـار الـــدولـــة، بــل مـحـاولـة لإعــــادة إنــتــاج منطق المـيـلـيـشـيـا ذاتـــــه: مــــلء الـــفـــراغ بــالــقــوة بــــدل مـلـئـه بــالمــؤســســات، وتحويل المـــوارد إلــى أدوات ضـغـط، وفـتـح صـــراع داخـلـي يفتك بالنسيج الجنوبي نفسه. إدانة هذا السلوك لا تعني الحنين إلى دولة مركزية فاشلة، بل الدفاع عن فكرة الدولة بوصفها نقيضا للفوضى، لا واجهة لها. فـشـل الـحـسـم الــســريــع فـــي الـــــوادي لـــم يـكـن تفصيلا عـــســـكـــريـــا، بـــــل نــتــيــجـــة طــبــيــعــيــة لـــتـــركـــيـــبـــة حـــضـــرمـــوت الاجتماعية، واتساعها الجغرافي، ووجود سقف إقليمي واضح يمنع تحويلها إلى ساحة مغامرة. هنا بلغ منطق الوكلاء حدوده القصوى: ما يمكن فرضه في مدن منهكة لا يمكن استنساخه في إقليم متماسك، متصل مباشرة بالأمن الإقليمي، ويملك شرعية محلية راسخة. الأخطر أن أي صدام داخلي لا يضعف إلا فرص قيام دولة يمنية قابلة للحياة، ويُبقي البلاد أسيرة الفراغ المفتوح.في هذا المشهد، يبرز الـدور السعودي لا بوصفه طرفا في الصراع، بل بوصفه الضامن الأكثر اتساقا مع مصلحة اليمنيين أنفسهم. فالسعودية ليست دولـــة تبحث عـن نـفـوذ عـابـر فـي الـيـمـن، بل دولة متداخلة معه تاريخيا واجتماعيا وأمنياً. أمن اليمن جزء مــن أمـنـهـا الــقــومــي، وحـــــدوده مــن حـــدودهـــا، واســـتـــقـــراره شـرط لاستقرارها الداخلي. وجود ملايين اليمنيين داخل المملكة ليس تفصيلا ديمغرافياً، بـل تعبير عـن عمق الـعـاقـة، وأي انهيار يمني هو عبء مباشر على السعودية قبل غيرها. على عكس منطق إدارة الـفـراغ، لم تتعامل السعودية مع اليمن بوصفه غنيمة أو ساحة تصفية حسابات، بـل بوصفه دولة يجب أن تقوم، حتى وإن تطلب ذلك تكلفة عالية. التحول السعودي من التدخل المباشر إلـى دور الضامن الاستراتيجي يعكس هذا الفهم: لا تفكك للشرق اليمني، لا عسكرة للموارد، ولا صراعات داخلية تُدار بالقوة. حضرموت هنا ليست ساحة نفوذ، بل بوابة إنقاذ. المقاربة السعودية لا تقدّس هيكل أو شكل الدولة اليمنية فـي إطــار محدد سـابـق، ولا تـــروّج لـعـودة مركزية معطوبة، بل تفتح ســـؤال المستقبل: كـيـف يُــبـنـى يـمـن خـــارج منطق الــفــراغ؟ الجواب لا يكون بسلطة أمر واقع تحل محل أخرى، بل بتصور يعالج المظلوميات، ويحيّد المـوارد، ويؤسس لا مركزية واسعة بضمانة إقليمية مسؤولة، تعيد تعريف الشرعية بوصفها قدرة على توفير الأمن والخدمات، لا مجرد شعارات. اليمن اليوم أمام مفترق واضح: إما الاستمرار في الدوران داخـــل دولـــة الـــفـــراغ حـتـى الانــفــجــار، أو الـــشـــروع فــي بـنـاء دولــة مستقبلية تـبـدأ مــن حـضـرمـوت، وبـرعـايـة إقليمية جــــادة، في مقدمتها الـسـعـوديـة، بوصفها الـطـرف الأقـــدر على كسر حلقة الفراغ وفتح أفق الدولة. «أرض الـــصـــومـــال» بـــيـــدق جـــديـــد فـــي لــعــبــة الـخـطـر الـــدولـــي، حـــن أعــلــن بـنـيـامـن نـتـنـيـاهـو، رئــيــس الـــــوزراء الإســــرائــــيــــلــــي، عــــن اعـــــتـــــراف تــــل أبـــيـــب بـــاســـتـــقـــال أرض الــصــومــال، كــدولــة عــن الــوطــن الأم، الــصــومــال، كـــان ذلـك إشارة حمراء تكسر مفهوم الدولة الوطنية، وتغرس بذور الانفصال دون كلفة، وتوزع الكيانات المختلقة، والموازية على جغرافيا واسـعـة، لا تبدأ بأفريقيا وحـدهـا، لكن قد تشمل كل دول العالم، إذا ما أتيحت الفرصة، أو الرغبة أو تهيأت الـظـروف، أو حتى تـم اختلاقها، هنا يتلاشى الـقـانـون الــدولــي، وتـتـاشـى معه سـيـادة الــــدول، وكأنها استعادة الاستعمار مرة أخرى، لكن دون فواتير باهظة، إنها لعبة الأمم الجديدة. تعالوا بنا إلى قراءة سيرة أرض الصومال، المأساة بـدأت منذ وقت طويل، ما قبل استقلال الصومال ذاتها، ، حين قسم البريطانيون، والإيطاليون الأراضي 1960 عام الصومالية بينهما، شـمـالا وجـنـوبـا، وسيطر كـل طرف عــلــى جـــانـــب مـــن هــــذه الأرض، فـخـلـق ذلــــك تـنـاقـضـا بين أبـنـاء الشعب الــواحــد، ورأت أرض الـصـومـال أثـنـاء حكم الاستقلال، أنها مهمشة من المركز، وسعت إلى التوتر مع السلطة الوطنية الصومالية، بزعامة محمد سياد بري، وتـصـاعـدت فـي نهاية الثمانينيات، إلــى مـا يشبه حربا ، ضمن 1991 أهـلـيـة، حـتـى سقطت الـسـلـطـة نفسها عـــام سـيـاق سـقـوط وانــهــيــار الاتـــحـــاد الـسـوفـيـاتـي، الـــذي كـان آنذاك حليفا لها. منذ ذلك الوقت تحولت الصومال إلى «كانتونات»، وإلــــى أرض جـــاذبـــة لـلـتـنـظـيـمـات المــتــطــرفــة، ومـــكـــان آمــن للقراصنة، مما دعـا القوى الدولية إلـى التدخل أكثر من مرة، عن حق، أو عن باطل، في هذا البلد العربي - الأفريقي المهم. وكان أبرز هذه التدخلات تلك العملية الأميركية التي قادها الرئيس الأميركي الأسـبـق، بيل كلينتون، وأطلق عليها عملية الأمل، التي انتهت بخسارة فادحة للجنود الأميركيين، على نحو ما نعرف من هذه العملية الفاشلة. ومـــنـــذ ذلــــك الـــوقـــت تُـــــرك الـــصـــومـــال لمـصـيـر غــامــض، وعـنـدمـا أعــلــن إقـلـيـم «أرض الـــصـــومـــال»، الانــفــصــال عـام ، لــم تـعـتـرف بــه الـعـاصـمـة الـصـومـالـيـة، مقديشو، 1991 ولا أي حكومة تعاقبت في الصومال، ولم تعترف به أي دولة، لكن إثيوبيا، بهدف الإطلالة على البحر، ونحن كما نعرف أن إثيوبيا وقعت معه معاهدة لتسليم المجرمين، ، تمنح 2024 ) ومــذكــرة تـفـاهـم فــي يـنـايـر (كــانــون الـثـانـي إثيوبيا التي صـارت دولـة حبيسة بعد انفصال إريتريا عنها، الوصول للبحر الأحمر، عبر ميناء بربرة، مقابل الاعتراف بأرض الصومال. جاء نتنياهو من بعيد، ليكشف عن «بروفة الخطر»، ليس فقط على الصومال، إنما أولا على القرن الأفريقي، والــــدول المطلة على البحر الأحــمــر، وكـذلـك على أفريقيا ذاتها، فكل دولـة أفريقية لديها اختلالات بنيوية عميقة فــي تـكـويـن المـجـتـمـعـات، نـاتـجـة عــن ســنــوات الاسـتـعـمـار المـخـتـلـف، وبـالـتـالـي يمكن أن تـتـقـدم أي «أرض»، بطلب للاستقلال بذريعة أو أخرى، فتتفكك الدول والمجتمعات، في لحظة تتربص فيها قوى عظمى باحثة عن الثروات، والمـــعـــادن الـــنـــادرة، والـسـيـطـرة عـلـى المـــمـــرات الـحـسـاسـة، ومنها مسألة «أرض الصومال» القريبة من باب المندب، فــي المــائــة مــن الـتـجـارة 12 والـبـحـر الأحــمــر الـــذي يـمـر بــه الــعــالمــيــة، وقـــد يـصـبـح الـــقـــرن الأفــريــقــي ودولـــــه فـــي مهب الريح، فاستقلال أرض الصومال، يعني تدخلا دوليا غير قانوني بذريعة الاستثمار في المـوانـئ، أو حمايتها، أو حماية الممرات، مما يضعف سيادة دول القرن الأفريقي، بل يصل الأمر إلى تمزيقها وتحويلها إلى مجرد كيانات هشة. الاعـــتـــراف الإســرائــيــلــي بــــــ«أرض الـــصـــومـــال»، يفتح أعيننا على هـذه البروفة الخطيرة، والـبـروفـات الأخطر الـــتـــي تـــخـــرج الآن مـــن الأدراج، فـــي لــحــظــة تـــذكـــرنـــا بما كتبه العقيد الأميركي رالــف بيترز في المجلة العسكرية ، حين رأى أن دول ما 2006 الأميركية، عن خرائط الدم عام بعد الاستقلال من الاستعمار، تحتاج إلى إعـادة ترتيب جديد، يقوم على دول وكيانات صغيرة، عرقية ودينية وطائفية، لكن أرض الصومال تختلف هنا عن رؤية رالف بيترز، فالتقسيم هنا يقوم على الاعتراف الدبلوماسي، مــن قـــوى عـالمـيـة، والاســتــثــمــار والاقـــتـــصـــاد، وهــــذا أخطر مما طرحه بيترز، لا سيما أنه يعتمد على سياسة الأمر الواقع، والضغط الناعم، بالتمرير على الـدول الرافضة، مما يشكل زلزالا لمفهوم الدولة الوطنية، ولمفهوم النظام الدولي القائم على القواعد، فثمة أكثر من خمسين دولة أفريقية، باتت لوحة تنشين لمثل ذريعة «أرض الصومال». لــكــن تـبــقــى هــــذه الأرض أخـــطـــر مـــن أي مـــكـــان آخـــر، لجغرافيتها الحساسة، على «المخنق» الاستراتيجي المهم (بــاب المـنـدب)، الــذي تتطاير سهامه فـي أكثر مـن اتجاه، وقد يستدعى تدخل الأساطيل العالمية، في حالة حدوث أي عــائــق، يمنع سـيـولـة الـتـجـارة الـعـالمـيـة فــي هـــذا الممر الحساس. الـــصـــورة الآن فــي الــقــرن الأفــريــقــي، ومـــا يـــدور خلف كواليس المختبرات، تدفعنا إلى ضرورة العمل على حماية البحر الأحـمـر، ومـمـراتـه مـن قبل كـل الـــدول المشاطئة له، وتمكين الصومال «الدولة الأم»، من استعادة كل أقاليمه ضمن دولة وطنية مركزية واحدة، لها رأس واحد، وقرار واحد، وقطع الطريق أمام «بروفة الخطر»، وكل البروفات المشابهة التي توجد الآن في مخازن المغامرين. منذ سنوات التأسيس، اعتمد دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، اســتــراتــيــجــيــة شــــد الأطــــــــراف، وقــــد وقــر فــي يقينه أنـــه بـمـا أن إســرائــيــل محاطة بــــــدول عـــربـــيـــة مـــعـــاديـــة لـــهـــا، ومـــــن أجـــل كسر عزلتها، يتوجب بناء تحالفات مع دول غير عربية تقع على أطــراف العالم العربي. بـــدا واضــحــا مـنـذ نـهـايـة أربـعـيـنـات الـــقـــرن المـــنـــصـــرم أن هــــذه الــســيــاســة لها أهـداف مؤكدة، تتمثل في تطويق الدول العربية سياسيا واسـتـراتـيـجـيـا، عطفا على تقليل النفوذ العربي - الإسرائيلي، فـــيـــمـــا الأهـــــــم هــــو تــــأمــــن دعــــــم عــســكــري وسياسي واستخباراتي لإسرائيل. مـــــــن بـــــــن أطــــــــــــــراف كـــــثـــــيـــــرة ســـعـــت إســــرائــــيــــل لـــلـــتـــقـــارب مـــعـــهـــا، نــشــيــر إلـــى الـــــقـــــارة الأفــــريــــقــــيــــة، حـــيـــث «الــــخــــاصــــرة الـــرخـــوة لــلــعــالــم»، فـــي كـثـيـر مـــن دولــهــا؛ لـغـيـاب ســيــادة الــقــانــون، والـتـمـيـيـز بين ســـكـــان الـــوطـــن الـــواحـــد عِــرقــيــا وعــقــديــا، وتفشي الفقر، ما يفتح الباب للاحتراب الأهلي، ومن ثم التقسيم إلى دويلات أو كانتونات. يــبــدو الــصــومــال، لــأســف الـشـديـد، واحدا من تلك المجموعة الدولية الرخوة، والـــتـــي لا تـغـفـلـهـا الأعـــــن الإســرائــيــلــيــة لتنفيذ رؤيتها الممتدة مـن بـن غوريون إلى بنيامين نتنياهو. هـل جــاء اعــتــراف إسـرائـيـل بــــ«أرض الصومال» على حين غرة؟ الـــذيـــن طــالــعــوا صـحـيـفـة «يـديـعـوت أحـــرونـــوت» الإسـرائـيـلـيـة نــهــار الجمعة ديسمبر (كانون الأول) المنصرم؛ أي 26 الـيـوم الـــذي أعـلـن فيه نتنياهو اعـتـراف بـاده بـ«صوماليلاند» كدولة مستقلة، ربـمـا راعـتـهـم الـعـنـاويـن الـعـريـضـة التي تـــعـــتـــرف جــــهــــرا لا ســــــرا بــــــأن وراء هـــذا التطور الدبلوماسي سنوات من التدخل الــصــامــت لأجــهــزة الـــدولـــة الإسـرائـيـلـيـة، السياسية تـــارة، والاسـتـخـبـاراتـيـة تـارة أخرى. فـــــي هــــــذا الإطـــــــــــار، يــــبــــدو الـــحـــديـــث عــن الــعــاقــات الإسـرائـيـلـيـة – الإثـيـوبـيـة تـــحـــصـــيـــل حـــــاصـــــل، والـــــتـــــي تــعــتــبــرهــا تـــل أبـــيـــب، مــنــذ زمـــــان وزمــــانــــن، المــوقــع والمــــوضــــع المــفــضــلــن لـتـفـعـيـل خـطـطـهـا لمحاصرة مصر عبر نهر النيل. غير أن المــشــهــد فـيـمـا يــخــص «صـــومـــالـــي لانـــد» يـــتـــجـــاوز هــــذه المـــــرة مــصــر والمـــصـــريـــن، ويـــــمـــــتـــــد إلـــــــــى دول عـــــربـــــيـــــة مــــحــــوريــــة ومركزية، تعد أحجار زاويـة في الجيواستراتيجية العربية المعاصرة. الاعتراف الإسرائيلي بداية، وكنهج سياسي، يمثل خـطـورة بالغة وتهديدا لـــلـــســـلـــم والأمـــــــــن الــــدولــــيــــن فـــــي الــــقــــارة السمراء، لا سيما أنه يفتح الباب واسعا لانــفــاش نــمــاذج مـمـاثـلـة فــي دول هشة البنية التكتونية ورخوة. ما الذي تريده تل أبيب من هرغيسا، عاصمة «صـومـالـي لانـــد» غير المعترف بها دوليا حتى الساعة؟ قـــطـــعـــا هـــــنـــــاك قــــائــــمــــة مــــطــــولــــة مــن الأهــــــــداف، بـعـضـهـا عــلــى وجــــه الــعــجــل، والآخـر يراد إدراكـه في المدى الزمني من المتوسط إلى البعيد. ما تـردد بقوة، مؤخراً، الحديث عن تلك البقعة من الأرض الأفريقية كموطن لتهجير سكان غزة، ما يعني أن الأهداف الاسـتـراتـيـجـيـة لإســرائــيــل لا تـغـيـب عن أعـــيـــنـــهـــا، وحــــــال وجــــــود تـــضـــاريـــس مـن الـــجـــبـــال أو الـــهـــضـــاب والأنـــــهـــــار، تــؤكــد المضي قدما في الـحـال، فإنها تلتف من حولها تـالـيـا، لضمان تحقيق الأهـــداف في الاستقبال، ولهذا يبقى ما في القلب فـــي الــقــلــب بــالــنــســبــة لـــغـــزة وأهـــلـــهـــا من بؤساء العصر، انطلاقا من منطق «حق القوة»، لا «قوة الحق». تـبـدو إسـرائـيـل قــوة دافـعـة بالمطلق لدوائر نفوذها في أفريقيا، وفي المقدمة مــنــهــا إثـــيـــوبـــيـــا، والــــتــــي عـــرضـــت الـــعـــام الماضي على «صومالي لانــد» الاعتراف بها مقابل منح أديس أبابا حق الوصول إلـى البحر. وإذا كانت تراجعت من قبل تـحـت ضــغــوطــات دبــلــومــاســيــة، فــهــذا لا يعني أنها لن تحاول ثانية عما قريب. الـصـعـيـد الـلـوجـسـتـي يـبـقـى الأكـثـر أهمية بالنسبة للعلاقة الجديدة؛ ذلك أن الوجود الإسرائيلي هناك يعني إمكانية حـصـولـهـا عـلـى قــواعــد بـحـريـة وجــويــة، بالقرب من باب المندب، أحد أهم الممرات المـائـيـة الـعـالمـيـة عــامــةً، والأكــثــر قـربـا من إســـرائـــيـــل، ومــــن خـــالـــه يـمـكـنـهـا تـهـديـد المـــاحـــة فـــي الــبــحــر الأحــــمــــر. ومــــن جهة أخـــرى، تزخمها بــذرائــع طويلة بالقرب مـن خليج عــدن، وتسمح لها بـأن تطول نيرانها، بسهولة ويسر بالغين، اليمن في كافة أراضيه. لا تــغــيــب عــــن الأعــــــن فـــكـــرة حــــروب الـــوكـــالـــة فـــي الـــقـــارة الأفــريــقــيــة، وصــــراع الــــــقــــــوى الــــعــــظــــمــــى، وبــــخــــاصــــة الـــصـــن وروسيا والولايات المتحدة، على موارد القارة السمراء. هنا يعني الـوجـود الإسرائيلي في «صــومــالــيــانــد» وجـــــود أنــظــمــة مـراقـبـة وإشــــارة وتـتـبـع، مـا يـؤثـر على مـسـارات الـــطـــيـــران والمــــاحــــة الـــجـــويـــة فــــي الـــقـــرن الأفريقي. هل سيطول رفض ترمب للاعتراف بــــ«صـــومـــالـــي لانــــــد»؟ مـــؤكـــد لـــن يــطــول؛ ذلـــك أن «نـــظـــام الـتـشـغـيـل» مـــن تـــل أبـيـب إلـــى واشــنــطــن، وبـالـعـكـس، يـعـمـل بــذات الشفرة. شــد الأطــــراف الإسرائيلية مستمر، فيما طــرح القضايا المصيرية يـبـدأ من الذات لا من عند الآخرين. إميل أمين يوسف الديني جمال الكشكي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky