يوميات الشرق ASHARQ DAILY 22 Issue 17202 - العدد Friday - 2026/1/2 الجمعة عبر استكمال مشروع ترميمها وتحويلها إلى مراكز ثقافية بيوت دمشق العتيقة لاستعادة بريقها بعد «سنوات عجاف» فــي قـلـب الـعـاصـمـة الــســوريــة دمـشـق، الــــتــــي يـــطـــلـــق عـــلـــيـــهـــا فـــــي أنـــــحـــــاء الــــبــــاد وجوارِها «الشام»، تقبع المنازل الدمشقية العتيقة بتصميماتها الفريدة وزخارفها المـنـمـقـة وأشــجــارهــا المــثــمــرة، حـيـث تبوح بـــــأســـــرار مــــن ســـكـــنـــوهـــا قـــبـــل قـــــــرون مـمـن اسـتـمـتـعـوا بـالـنـسـمـات المـنـعـشـة وروائــــح الزهور بالصيف، وأشعة الشمس الدافئة في صحن المنزل في الشتاء. وتـشـتـرك الـبـيـوت الدمشقية العتيقة فـــــي كـــثـــيـــر مـــــن الأشـــــــيـــــــاء، فـــــي مــقــدمــتــهــا «البحرة»، وهي نافورة مائية تتوسط فناء البيت، والإيـــوانـــات الـتـي تطل على الفناء وأشـجـار النارنج (البرتقال المــر) وأشجار الــ«يـوسـف أفــنــدي»، كما يطلق عليها في ســـوريـــا، والـيـاسـمـن، كـمـا تـتـكـون أغلبها من طابقين، ورغم المساحات الواسعة التي تتمتع بـهـا هـــذه الـبـيـوت مــن الـــداخـــل، فـإن جميعها يطل على حارات ضيقة ومتفرعة. وقـــد عـبّــر المـسـلـسـل الـــســـوري الشهير «باب الحارة» عن هذه الأجـواء التي باتت دربــــا مـــن الـنـوسـتـالـجـيـا عــبــر كــلــمــات تتر بــدايــتــه «والـــدنـــيـــا بـتـضـحـك لمـــا بنضحك، بـتـزيـن أفــراحــنــا، وردة وبــحــرة ونـارنـجـة، أحـــــلـــــى الأســـــــامـــــــي، زيـــــنـــــة الــــــحــــــارة فـــرجـــة لـلـيـاسـمـن الـــشـــامـــي»، وقـــد احـتـضـن بيت «نـــــظـــــام» الــــتــــاريــــخــــي، أحـــــد المـــــنـــــازل الــتــي أتيحت لـ«الشرق الأوسط» فرصة زيارتها، تـصـويـر كـثـيـر مـــن مـشـاهـد المـسـلـسـل، ولا ســيــمــا لــقــطــات «بـــيـــت أبــــو عـــصـــام» ضمن العمل. بــيــوت أثـــريـــة فـــي دمـشـق 3 وتــخــضــع الـــقـــديـــمـــة، تـــعـــود مـلـكـيـتـهـا إلــــى مـحـافـظـة ، لكنه تَعطّل 2008 دمشق، لترميم بدأ عام مـعـظـم الـــوقـــت بـسـبـب الـــحـــرب والــحــصــار. الـبـيـوت هـي بيت الـسـبـاعـي، وبـيـت نظام، وبــــيــــت الــــقــــوتــــلــــي، ويـــنـــفـــذ هــــــذا الـــتـــرمـــيـــم «صــنــدوق الآغـــا خـــان لـلـثـقـافـة»، الـــذي قـام بتوثيق كل موقع بدقة باستخدام أحدث التقنيات الهندسية والفنية لتوفير مسح تفصيلي للجدران والأسقف والأرضـيـات، قــبــل أن يـــبـــدأ فـــريـــق مـــن الـــخـــبـــراء بـأعـمـال تـــرمـــيـــم الأجــــــــزاء الأشـــــــد تــــضــــرّرا فــــي هـــذه المــبــانــي الـجـمـيـلـة، الــتــي يـحـمـل كـــل واحـــد منها هوية خاصة. بيت السباعي يبدو بيت السباعي من الخارج مجرد بيت عادي يتم الدخول إليه من خلال باب ضـيـق يـطـل عـلـى حــــارة ضـيـقـة، لـكـن هـذه الصورة تتبدل بمجرد الولوج إليه ورؤية مساحته الكبيرة وطرازه المعماري الفريد. بـيـت الـسـبـاعـي يـعـد نــمــوذجــا مميزا ،18 للبيوت الدمشقية القديمة في القرن الـ ويحوي زخارف تمثل هوية دمشق في تلك الفترة، وفـق المهندس بشر بــري، المشرف على صيانة وترميم هذه البيوت القديمة ضمن مشروع صندوق الآغا خان للثقافة. ويـــشـــيـــر المــــهــــنــــدس بـــشـــر إلــــــى اســـتـــخـــدام الــحــجــر الأســــــود الـــبـــازلـــتـــي والــرحــيــبــانــي والـــرخـــام الإيــطــالــي فـــي بــنــاء هـــذا الـبـيـت، بـــجـــانـــب زخـــــــارف الأبــــلــــق المـــنـــحـــوتـــة عـلـى الحجر بأشكال هندسية أو نباتية. وكــحــال الـبـيـوت الدمشقية القديمة، يتكون البيت مـن فسحة سـمـاويـة، يطلق عليها السوريون «أرض الـديـار»، وبحرة وإيــوان جنوبي وقاعة رئيسية لاستقبال الـضـيـوف، ويسمح ارتــفــاع سقف الإيـــوان بمرور تيارات هوائية بالفسحة السماوية مــــــــــــرورا بــــالــــبــــحــــرة وأشـــــــجـــــــار الــــنــــارنــــج والياسمين والبرتقال، لتعود في النهاية إلــى الـجـالـس فـي الإيــــوان كنسائم عطرية ترطب الأجواء والنفوس. ويـــقـــابـــل هـــــذا الإيـــــــــوان مــــن الــنــاحــيــة الـشـمـالـيـة؛ الــقــاعــة الـرئـيـسـيـة الــتــي كانت تـــخـــصـــص لاســـتـــقـــبـــال الــــضــــيــــوف، وتـــعـــد هـــذه الـقـاعـة مــن أنـــدر الــقــاعــات الدمشقية العتيقة، لأنها مؤرخة بنصوص واضحة هجريا ً، 1187 تؤرخ لإتمام القاعة في عام مـيـاديـا تـقـريـبـا، وفـــق المهندس 1773 أو السوري بِشر بِري. واكـــتـــشـــف فـــريـــق الـــتـــرمـــيـــم الــــــذي تـم تدريبه مـن خــال «الآغـــا خـــان» فـي ألمانيا أن ألـــــــوان الـــــزخـــــارف الــخــشــبــيــة بــالــقــاعــة معتمة قليلاً، لأنها مطلية بطبقة حماية كيماوية غير أصلية، تجري إزالتها ببطء وحـــذر شـديـديـن. ورغـــم إنـجـاز الكثير في بيت السباعي، فإن العمل ما زال مستمرا به، بعد التأكد طوال الوقت من عدم وجود تسرب لمياه الأمطار والرطوبة إلى أسقفه وإلى زخارفه النادرة، خصوصا بالطابق الـــعـــلـــوي الـــــذي تـــوجـــد فــيــه قـــاعـــة فسيحة مـــقـــســـمـــة إلــــــى قـــســـمـــن، تـــفـــصـــل بـيـنـهـمـا بحرة مائية رخـامـيـة، فيما تخفي بعض رســــومــــات الــــجــــدار الأيــــمــــن خــــزائــــن داخــــل الجدار السميك، يتم استخدامها مكتبات للكتب والمــصــاحــف، بينما تـقـود إحـداهـا إلى شرفة تطل على فسحة البيت الزاخرة بــالأشــجــار المــثــمــرة والمــعــطــرة، فــي مشهد يسر أعين الناظرين. وعــــــــن كـــــثـــــرة انـــــتـــــشـــــار «الــــــبَــــــحــــــرَة» فــــي مـــعـــظـــم قــــاعــــات وفـــســـحـــات الـــبـــيـــوت الدمشقية القديمة، يقول بشر لـ«الشرق الأوسـط»: «هي كانت جزءا أساسيا لكل بـيـت نـظـرا لـتـوفـر المـيـاه الـعـذبـة حينذاك ســاعــة، وكــانــت تـسـهـم في 24 عـلـى مـــدار تلطيف الأجواء بشكل ملموس جداً». بيت القوتلي رغــــم أن بــيــت الــقــوتــلــي يـــجـــاور بيت الــســبــاعــي، فــإنــه مـخـتـلـف عــنــه تــمــامــا من حــيــث الـتـصـمـيـم والمــــــواد المـسـتـخـدمـة في البناء، وهو يعود إلى عائلة القوتلي أحد أشهر وأعــرق العائلات السورية، ويرجح أن يـــكـــون قـــد ولــــد فــيــه الـــرئـــيـــس الـــســـوري الأسـبـق شـكـري القوتلي، الـــذي تـنـازل عن حكم سـوريـا لصالح جمال عبد الناصر، .1958 كي تقوم الوحدة بين البلدين عام ويـعـد عـمْــر هــذا البيت أحـــدث نسبيا مــــن بـــيـــت الـــســـبـــاعـــي، إذ يــــعــــود لـلـنـصـف الثاني من القرن التاسع عشر، وخصصت عائلة القوتلي هذا البيت للاحتفالات نظرا لامــتــاكــهــا الــعــديــد مـــن الــبــيــوت الأخـــــرى، ويــتــنــاســب الــبــيــت مـــع الــــطــــراز الـــبـــاروكـــي الأوروبــــي، الـــذي انتشر فـي دمـشـق بشكل سـريـع جـــدا فــي الــقــرن الـتـاسـع عـشـر، لكن مـــع حــفــاظــه عــلــى روح الـــبـــيـــوت الـشـامـيـة حيث الفسحة السماوية والبحرة والإيوان الجنوبي. وسـكـنـت الــبــيــت عــائــات فلسطينية ، مــا أدى إلـى 1948 مـهـجـرة مــن نكبة عـــام تـــأذيـــه، خـصـوصـا مــع ازديـــــاد عـــدد الأســر الـسـاكـنـة فــي الـبـيـت، فاستلمت محافظة دمشق البيت مجدداً. ويـعـتـمـد طــــراز الـبـيـت عـلـى الأشــكــال الهندسية المنتظمة والـعـنـاصـر المـتـكـررة والمـتـنـاظـرة، وكـحـال معظم بـيـوت دمشق الــقــديــمــة فــــإن طــابــقــه الأرضــــــي مــبــنــي من الـــــحـــــجـــــارة، والــــثــــانــــي مـــــن الـــــطـــــوب الـــلـــن والـــخـــشـــب، ويــمــكــن لـــلـــمـــارة رؤيـــــة أســـاس الـــشـــرفـــات الــــبــــارزة، الــتــي تـخـضـع لإعــــادة البناء، وهي مكونة من الأخشاب. ويـحـتـاج هـــذا الـبـيـت إلـــى عـمـل كبير ليستعيد سيرته الأولـــى، وعـن ذلـك يقول بشر: «إننا نستخدم نفس نوعية الخشب المـــــورد مـــن مـنـطـقـة الـــغـــوطـــة، لـكـنـنـا نـقـوم بعمل معالجة جيدة له، ثم نعمر الجدران والأسقف ونضع الزخارف حتى يعود إلى حالته الأصلية». بيت نظام ورغــــم الــجــمــالــيــات الــتــي يـتـمـتـع بها البيتان السابقان، فـإن كثيرين يعتبرون بيت نظام الأكبر والأجمل، نظرا لاحتوائه على كثير من الـزخـارف المنمقة والـنـادرة، بــــاحــــات 3 بـــــالإضـــــافـــــة إلـــــــى تــــكــــونــــه مــــــن مـــتـــشـــابـــهـــة، تــــم تـــصـــويـــر بـــعـــض مــشــاهــد الــــدرامــــا الـــســـوريـــة بـــهـــا، خــصــوصــا «بـــاب الحارة». يـــؤكـــد بــشــر أن كــثــيــرا مـــن المــواطــنــن الـــعـــرب يـــعـــبّـــرون عـــن ســعــادتــهــم الـبـالـغـة عند رؤيـة إحـدى الباحات التي احتضنت مـشـاهـد بـيـت «أبـــو عــصــام» ضـمـن أحـــداث المسلسل الذي شهد أشهر طلاق في أجزاء المسلسل بين «أبو عصام» و«سعاد». ويــتــمــيــز هـــــذا الـــبـــيـــت بــكــبــر فـسـحـتـه الـــداخـــلـــيـــة وكـــثـــافـــة الــــلــــون الأخــــضــــر بـهـا لاحـــتـــوائـــهـــا عـــلـــى الــــنــــارنــــج والـــيـــاســـمـــن والأكــاديــا والــرمــان، وهـي أشـجـار صديقة لـــفـــنـــاء الــــبــــيــــوت، عـــكـــس أشــــجــــار الـنـخـيـل والــــتــــوت الـــتـــي تـــــؤذي أســـــاس وأرضـــيـــات الـــبـــيـــوت، لــكــن شـجـعـت المــســاحــة الـكـبـيـرة للفسحة الرئيسية للبيت أصـحـابـه على زراعــــة تـلـك الأشـــجـــار، والأرجــــح أن تجري إزالتها عند بدء الترميم من جديد لحماية البيت. وتعد القاعة الرئيسية في بيت نظام مـــن أجـــمـــل الـــقـــاعـــات الــدمــشــقــيــة وأكــثــرهــا ثـــــراء فـــي اســـتـــخـــدام الــــزخــــارف المـنـحـوتـة والبارزة والمنقوشة على الصدف والرخام. واكتشف فريق الترميم أن اللون الأخضر الذي كان يسيطر على زخارف القاعة ليس أصليا فعملوا خلال الأعـوام الماضية على إزالة الطبقات غير الأصلية والعودة للون الذهبي والسماوي والبيج والسكري. وتتخيل نقوش وزخارف هذه القاعة الــفــريــدة شـكـل «الــجــنــات الــتــي تــجــري من تحتها الأنهار»، وفق بشر. تطوير شامل وتتجه شبكة الآغا خان للتنمية خلال الفترة المقبلة لاستبدال مشروعات الترميم الفردية بمشروعات التطوير الشاملة على غرار تطوير منطقة الدرب الأحمر بالعاصمة المصرية القاهرة، وفق غطفان عجوب، الممثل )AKDN( المقيم لشبكة الآغـــا خــان للتنمية فـــي ســـوريـــا، الــــذي يـضـيـف فـــي تـصـريـحـات لــ«الـشـرق الأوســـط»: «العمل فـي ترميم هذه البيوت لم يتوقف طـوال السنوات الماضية، إذ كــــان لــديــنــا بـــرنـــامـــج ســـنـــوي لـتـرمـيـمـهـا والـحـفـاظ عليها»، متوقعا أن يتم الانتهاء ، «وســـوف تخصص 2026 منها نهاية عــام لاســـتـــقـــبـــال الأنــــشــــطــــة الـــثـــقـــافـــيـــة بـــضـــوابـــط محددة». ورغــــــــم أنــــــه تـــــم الاتــــــفــــــاق بـــــن الــشــبــكــة والمسؤولين السوريين على تخصيص أرض فضاء تتوسط البيوت الثلاثة لإنشاء فندق جـديـد على مساحة تصل لنحو ألـفـي متر، فإنه تم تأجيل الفكرة بناء على توجيهات «الآغا خان» الخامس، الأمير رحيم آغا خان، الذي طالب بدعم سوريا أولا في هذه المرحلة والابـــتـــعـــاد عـــن أي مـــشـــروعـــات اسـتـثـمـاريـة ضمن حزمة المساعدات التي التزم بها خلال مؤتمر المانحين فـي بروكسل بشهر مـارس . وفق عجوب. 2025 (آذار) من عام وكشف عجوب أنه «سـوف يتم الاتفاق قريبا على تطوير المنطقة المحيطة بالبيوت الثلاثة، التي تقع جنوب قلعة دمشق»، لافتا إلــى «أن مديرية السياحة والآثـــار السورية طلبت أن يشمل المشروع محيط بـاب توما، أحـــــد الأبـــــــــواب الـــســـبـــعـــة الــــتــــي تــشــتــهــر بـهـا دمشق». وأكد أن «رفع الحصار الاقتصادي عــــن ســــوريــــا ســيــســهــم فــــي تـــســـريـــع وتـــيـــرة مشروعات الترميم والتطوير». دمشق: عبد الفتاح فرج البيوت تتضمنزخارف ورسومات نادرة (الشرق الأوسط) بيت نظام من أجمل وأكبر البيوت الدمشقية (الشرق الأوسط) استئناف أعمال الترميم في البيوت الدمشقية الأثرية (الشرق الأوسط) بيت القوتلي يخضع للترميم بنفس المكونات الأصلية (الشرق الأوسط) المهندس بشر بري (الشرق الأوسط) بيوت أثرية في 3 تخضع دمشق القديمة لترميم بدأ ، لكنه تَعطّل 2008 عام معظم الوقت بسبب الحرب
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky