issue17202

Issue 17202 - العدد Friday - 2026/1/2 الجمعة صحتك HEALTH 17 التحديات الصحية تتجسد في تعدد الأمراض المزمنة لدى الشخص الواحد من علاج يستهدف الأمراض إلى عناية متكاملة تحسّن جودة الحياة كيف نقدم الرعاية لكبار السن «متعددي الأمراض»؟ تــشــهــد المــمــلــكــة الــعــربــيــة الــســعــوديــة ودول الخليج الـعـربـي، شأنها شــأن بقية دول الـعـالـم، تــحــولا ديـمـغـرافـيـا متسارعا يتمثل في تزايد أعداد كبار السن وارتفاع متوسط العمر المتوقع. ومن خلال الممارسة السريرية، يتضح أن الـتـحـديـات الصحية، مـع هــذا التحول، لـــم تــعــد مــقــتــصــرة عــلــى أمــــــراض حـــــادة أو حـــالات مـنـفـردة، بــل أصـبـحـت تتجسد في نـــمـــط مـــعـــقّـــد مــــن تـــعـــدد الأمــــــــراض المــزمــنــة لدى الشخص الواحد. فالسكري، وارتفاع ضــغــط الــــــدم، وأمـــــــراض الـــقـــلـــب، وأمـــــراض الـــجـــهـــاز الـــتـــنـــفـــســـي، وهـــشـــاشـــة الـــعـــظـــام، واضـــطـــرابـــات الــــذاكــــرة، والاكـــتـــئـــاب، كثيرا مـا تجتمع لــدى كـبـار الـسـن، لتشكّل عبئا صحيا وإنـسـانـيـا يـتـجـاوز قـــدرة الـنـمـاذج العلاجية التقليدية القائمة على التعامل مع كل مـرض بمعزل عن الآخــر، ويجعلها غير كافية، بل وقد تكون مضرة إذا لم تُراع الصورة الكلية للمريض. هـــــذا الــــواقــــع الـــجـــديـــد يـــفـــرض إعـــــادة النظر فـي مفهوم الـرعـايـة الصحية لكبار السن، والانتقال من منطق «علاج المرض» إلـــى منطق «رعـــايـــة المـــريـــض» بـكـل أبـعـاده الصحية والنفسية والاجتماعية. التعدد المرضي لدى كبار السن Multi-( يُــــــعــــــرّف الــــتــــعــــدد المـــــرضـــــي ) بــوجــود حـالـتـن مـزمـنـتـن أو morbidity أكثر لدى الشخص نفسه، وهو أمر شائع بـن مـن تـجـاوزوا سـن الخامسة والستين. وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن أغلبية كبار السن يعانون من أكثر من مـــرض مــزمــن، مــع تــزايــد هـــذا الــعــبء كلما تقدم العمر نتيجة التغيرات الفسيولوجية الطبيعية، وتــراكــم عـوامـل الـخـطـر، وطـول فـتـرات الـتـعـرض لــأمــراض المـزمـنـة. ويُعد هذا النمط من المـرض أحد أبـرز التحديات الــــصــــحــــيــــة المــــــعــــــاصــــــرة، نـــــظـــــرا لـــتـــعـــقـــيـــده وصـــعـــوبـــة الـــتـــعـــامـــل مـــعـــه وفـــــق الـــنـــمـــاذج العلاجية التقليدية. غــيــر أن خـــطـــورة الـــتـــعـــدد المـــرضـــي لا تـكـمـن فـــي عـــدد الأمـــــراض فـحـسـب، بـــل في تداخلها وتأثيرها المتبادل على الـقـدرات الوظيفية، والاستقلالية، والحالة النفسية، والقدرة على التكيف مع متطلبات الحياة اليومية. كما يمتد أثــره ليشمل الجوانب الاجــتــمــاعــيــة، مــثــل زيــــــادة الاعـــتـــمـــاد على الآخـــــريـــــن، وتـــــراجـــــع الــــــــدور الاجـــتـــمـــاعـــي، وارتفاع العبء الواقع على الأسرة ومقدمي الـــرعـــايـــة، فـــضـــا عـــن الـــعـــبء الاقـــتـــصـــادي المتزايد على المريض وعلى النظام الصحي ككل. ويؤدي هذا التعقيد إلى جعل الرعاية الصحية فـي هــذه المرحلة مسألة متعددة الأبـــــعـــــاد، تـــتـــجـــاوز الــتــشــخــيــص والـــعـــاج الــدوائــي إلــى معالجة الـجـوانـب الوظيفية والنفسية والاجتماعية. فالعلاج الأمثل لمـرض معين قد يزيد مـــن مــعـــانـــاة مــــرض آخـــــر، كــمــا أن الالـــتـــزام الـــصـــارم بــــإرشــــادات عــاجــيــة مـبـنـيـة على مـــــرض واحــــــد قــــد يــــــؤدي إلـــــى نـــتـــائـــج غـيـر مـتـوقـعـة، أو حـتـى ضـــــارة، عـنـد تطبيقها على مريض يعاني من عدة أمراض في آن واحــد. ومـن هنا تبرز الحاجة إلـى مقاربة شمولية تراعي الصورة الكلية للمريض، وتـــــوازن بــن الــفــوائــد الـعـاجـيـة والمـخـاطـر المحتملة، بدل الاكتفاء بمعالجة كل مرض على حدة. التقييم الشامل لكبار السن تقييم شامل. يُعد التقييم الشامل > Comprehensive Geriatric( لـكـبـار الــســن ) حجر الـزاويـة ونقطة Assessment, CGA الانــــطــــاق الــحــقــيــقــيــة فــــي رعــــايــــة المـــرضـــى مـــتـــعـــددي الأمـــــــــــراض، حـــيـــث يــــوفــــر إطــــــارا مــنــهــجــيــا لــتــقــيــيــم الــــحــــالــــة الـــصـــحـــيـــة مـن جــوانــب مــتــعــددة. هـــذا التقييم لا يقتصر على التشخيص الطبي، بـل يشمل تقييم الـــــقـــــدرات الـــوظـــيـــفـــيـــة، والــــحــــالــــة المــعــرفــيــة والنفسية، والـوضـع الاجتماعي، والحالة الـــتـــغـــذويـــة، إضـــافـــة إلــــى مـــراجـــعـــة شـامـلـة للأدوية. وقــــــــد أظــــــهــــــرت دراســــــــــــــات مــــدعــــومــــة بــتــوصــيــات مـنـظـمـة الــصــحــة الــعــالمــيــة أن اعـــتـــمـــاد هــــذا الـتـقـيـيـم يـسـهـم فـــي تحسين النتائج الصحية، وتقليل معدلات التنويم المـتـكـرر بـالمـسـتـشـفـيـات، وتـوجـيـه الـرعـايـة نـحـو مــا يـهـم المــريــض فـعـلـيـا، لا مــا تمليه المؤشرات الرقمية وحدها. فريق صحي متعدد التخصصات. > أحـــد أبــــرز أوجــــه الـقـصـور فــي رعــايــة كبار السن متعددي الأمراض هو تجزئة الرعاية بـــن تــخــصــصــات ومــــرافــــق مـــتـــعـــددة، دون وجــــود جـهـة تنسيقية واضـــحـــة، وهـــو ما يــؤدي إلـى تكرار الفحوصات، أو تعارض الخطط الـعـاجـيـة، أو غـيـاب رؤيـــة شاملة لـحـالـة المـــريـــض. كـمـا أن ضـعـف التنسيق بـــــن مـــقـــدمـــي الــــرعــــايــــة يــــزيــــد مـــــن الـــعـــبء على المـريـض والأســــرة، ويـؤثـر سلبا على استمرارية الرعاية وجـودتـهـا، وهـو تحد متكرر في الأنظمة الصحية المعقدة. هــنــا يـــبـــرز مــفــهــوم تـنـسـيـق الــرعــايــة ) كعنصر حـاسـم في Care Coordination( تحسين النتائج الصحية، حيث لا يمكن لطبيب واحد، مهما بلغت خبرته، أن يدير بـــمـــفـــرده تــعــقــيــدات الـــتـــعـــدد المـــرضـــي لــدى كبار السن. فالرعاية الفعالة تتطلب فريقا صحيا متعدد التخصصات يضم أطباء الأســـرة، وأطـبـاء الشيخوخة، والصيادلة، والتمريض، وأخصائيي العلاج الطبيعي، والأخصائيين الاجتماعيين. وتشير التجارب الدولية إلى أن غياب الـتـنـسـيـق لا يـنـعـكـس فــقــط عــلــى الـنـتـائـج الـــصـــحـــيـــة، بــــل يــــــؤدي كـــذلـــك إلـــــى ارتـــفـــاع الــتــكــالــيــف الـــصـــحـــيـــة، وزيــــــــادة اســـتـــخـــدام الخدمات الطارئة، وإرهاق المريض والأسرة فــي الـتـنـقـل بــن الــعــيــادات والـتـخـصـصـات المختلفة. وفـي المقابل، فـإن وجــود نموذج واضـــــح لـتـنـسـيـق الـــرعـــايـــة، يـــقـــوده طبيب أســـــرة أو مـنـسـق حـــالـــة، يـتـيـح بـــنـــاء خطة عـــاجـــيـــة مــــوحــــدة، تــقــلــل الازدواجــــــيــــــة فـي الفحوصات، وتحد من التعارض الدوائي، وتــضــمــن وضـــــوح الأدوار والمـــســـؤولـــيـــات داخـــــل الـــفـــريـــق الـــصـــحـــي. كــمــا يــســهــم هــذا الـــنـــمـــوذج فـــي تــعــزيــز الـــتـــواصـــل المـسـتـمـر مــــع المــــريــــض والأســــــــــرة، وشــــــرح الأهــــــداف العلاجية، ومتابعة الالتزام بالخطة المتفق عليها، وهــو مـا ينعكس إيجابا على ثقة المــــريــــض بـــالـــنـــظـــام الـــصـــحـــي ورضـــــــاه عـن الرعاية المقدمة. وقد بينت دراسات منشورة في المجلة ) أن هذه النماذج BMJ( الطبية البريطانية التنسيقية تـؤدي إلـى تحسن ملموس في جــــودة الــحــيــاة، وتـقـلـيـل مـــعـــدلات الــدخــول المـتـكـرر للمستشفيات، خـاصـة لـــدى كبار الـسـن المصابين بـأمـراض مزمنة متعددة. كـمـا تــؤكــد مــراجــعــات مــنــشــورة فـــي مجلة «لانـــســـيـــت» أن الــعــمــل الــجــمــاعــي المــنــظــم، الـــقـــائـــم عـــلـــى تــــبــــادل المـــعـــلـــومـــات واتـــخـــاذ القرار المشترك، يقلل من الأخطاء الطبية، ويـــحـــســـن اســــتــــمــــراريــــة الــــرعــــايــــة، ويـــعـــزز النتائج الصحية طويلة الأمد. إدارة الأدويــــــــــــــــــــــــة وتـــــخـــــفـــــيـــــف > الــــعــــبء الــــعــــاجــــي. يـــمـــثـــل تــــعــــدد الأدويـــــــة ) أحد أخطر تحديات رعاية Polypharmacy( كبار السن متعددي الأمراض، حيث يؤدي وصـــف عـــدة أدويــــة لمعالجة كــل حـالـة على حدة إلى زيـادة خطر التداخلات الدوائية، والآثـــــــــار الـــجـــانـــبـــيـــة. كـــمـــا أن الاســـتـــخـــدام المتزامن لعدة أدويــة يزيد من مخاطر تلك التداخلات، وقد يؤدي إلى حالات السقوط، والارتـــبـــاك الــذهــنــي، خـاصـة مــع الـتـغـيـرات الفسيولوجية المرتبطة بالتقدم في العمر، مثل انخفاض كفاءة الكلى والكبد وتغير الاستجابة الدوائية. ويؤثر ذلك سلبا في الالـــتـــزام بـالـعـاج وجــــودة الــحــيــاة، ويـزيـد مـــن مـــعـــدلات الــــدخــــول إلــــى المـسـتـشـفـيـات. ويـتـطـلـب هــــذا الـــواقـــع مـــوازنـــة دقــيــقــة بين الـــفـــائـــدة الــعــاجــيــة والمـــخـــاطـــر المـحـتـمـلـة. وتشير تحليلات في مجلة «لانسيت» إلى أن خفض العبء الدوائي، عندما يتم بشكل مـــــدروس، قـــد يـحـسـن الــوظــائــف الإدراكـــيـــة والحركية، ويقلل من معدلات المضاعفات دون الــتــأثــيــر ســلــبــا عــلــى الــســيــطــرة على الأمراض. لـذا، أصبحت مراجعة الأدويـــة بشكل دوري، وإيقاف العلاجات غير الضرورية، وضبط الجرعات بما يتناسب مع الحالة الــوظــيــفــيــة لــلــمــريــض، جـــــزءا أســـاســـيـــا من الرعاية الحديثة لكبار السن. الرعاية طويلة الأمد والتلطيفية تـــخـــفـــيـــف المــــــعــــــانــــــاة. فــــــي مــــراحــــل > مـعـيـنـة مـــن الــتــعــدد المـــرضـــي، قـــد لا يـكـون الـهـدف مـن الـعـاج هـو السيطرة الصارمة عــلــى الأمــــــراض والمــــؤشــــرات الــحــيــويــة، بل يتحول إلى تخفيف المعاناة من الأعراض، والمحافظة على الراحة والكرامة الإنسانية وتـحـسـن جـــودة الـحـيـاة. وهـنـا يـبـرز دور الرعاية التلطيفية، التي لم تعد حكرا على المـراحـل النهائية مـن المـــرض، بـل أصبحت تُدمج مبكرا ضمن خطة الرعاية العلاجية الـشـامـلـة. وقـــد أكـــدت مــراجــعــات علمية أن هــذا النهج يساعد المـرضـى وأسـرهـم على اتخاذ قرارات واقعية، ويقلل من التدخلات غير الـضـروريـة، ويحسن تجربة المريض وأسرته والرعاية ككل. دور المـــريـــض والأســـــرة والمـجـتـمـع. > تـــــؤكـــــد الاتــــــجــــــاهــــــات الــــحــــديــــثــــة فــــــي طــب الـــشـــيـــخـــوخـــة عــــلــــى أهــــمــــيــــة الــــتــــحــــول مــن الــــرعــــايــــة المــــتــــمــــحــــورة حــــــول المــــــــرض إلـــى الـرعـايـة المتمحورة حــول المـريـض. ويضع هــــذا الـــنـــمـــوذج المـــريـــض فـــي قــلــب الـعـمـلـيـة الـــعـــاجـــيـــة، ويـــأخـــذ فـــي الاعـــتـــبـــار أهـــدافـــه الشخصية، وتفضيلاته، ونوعية حياته، وليس فقط المؤشرات السريرية. كما تؤكد الـنـمـاذج الـحـديـثـة لـلـرعـايـة الصحية على أهمية إشـــراك المـريـض وأســرتــه فـي اتخاذ الـــقـــرار الـــعـــاجـــي، خــاصــة فـــي ظـــل الـتـعـدد المـــرضـــي. فــــالأهــــداف الــعــاجــيــة لــــدى كـبـار الـسـن تختلف؛ فبعضهم يفضل الحفاظ عـلـى الاسـتـقـالـيـة والـــقـــدرة عـلـى الـحـركـة، بينما يـركـز آخـــرون على تخفيف الألـــم أو الأعراض المزعجة. وقـد أوضحت تحليلات منشورة أنه لا يمكن فصل الحالة الصحية لكبار السن عن ظروفهم الأسرية والاجتماعية، إذ تؤثر العزلة، والفقر، وصعوبات النقل، وضعف الـدعـم الأســـري بشكل مباشر فـي النتائج الصحية. كما أن الرعاية، المتمحورة حول المريض، القائمة على الحوار واتخاذ القرار المشترك ترتبط بتحسن الالـتـزام العلاجي وجودة الحياة. وقــد شـــددت منظمة الصحة العالمية عــلــى أن الــصــحــة الـنـفـسـيـة تـمـثـل عـنـصـرا أســاســيــا فـــي رعـــايـــة كــبــار الــســن مـتـعـددي الأمراض، إذ ترتبط حالات الاكتئاب، مثلاً، بـتـدهـور الـحـالـة الصحية الـعـامـة وضعف الالــــتــــزام الـــعـــاجـــي، وأكــــــدت المـنـظـمـة على ضرورة دمج دعم الصحة النفسية وتعزيز الـروابـط الاجتماعية ضمن خطط الرعاية لما لذلك من أثر مباشر على جودة الحياة. دور الـــرعـــايـــة الأولــــيــــة والـتـقـنـيـات > الحديثة. تلعب الـرعـايـة الصحية الأولـيـة دورا محوريا في تنسيق رعاية كبار السن متعددي الأمــراض، من خلال الاستمرارية وبناء علاقة طويلة الأمد مع المريض. كما تسهم التقنيات الحديثة، مثل السجلات الــصــحــيــة الإلــكــتــرونــيــة والـــطـــب عـــن بُــعــد، في تحسين المتابعة، وتقليل الحاجة إلى زيــــارات مـتـكـررة للمستشفيات، وتسهيل الـــتـــواصـــل بـــن مــقــدمــي الـــرعـــايـــة، وهــــو ما تدعمه تقارير منظمة الصحة العالمية حول التحول الرقمي في الرعاية الصحية. خـتـامـا، يـتـضـح مــن هـــذا المـــقـــال، ومـن الاتجاهات الحديثة في النظم الصحية، أن رعاية كبار السن متعددي الأمراض لم تعد تحديا طبيا فحسب، بل أصبحت مقياسا حقيقيا لقدرة النظم الصحية والمجتمعات على تقديم رعاية إنسانية متكاملة، فعّالة، ومستدامة. ويتطلب النجاح في هذا المجال اعتماد نـمـاذج رعـايـة شمولية تـــوازن بين الـتـعـقـيـد الإكـلـيـنـيـكـي والــبــعــد الإنــســانــي، وتـضـع كـرامـة المـريـض وجـــودة حياته في صميم صنع القرار الصحي، مستندة إلى الأدلـــة العلمية، والـعـمـل الجماعي متعدد التخصصات، واحترام تفضيلات المرضى واحـــتـــيـــاجـــاتـــهـــم الـــــفـــــرديـــــة. ومــــــع تـــســـارع شيخوخة المجتمعات على مستوى العالم، يـغـدو الاسـتـثـمـار فـي هــذا النهج المتكامل ضــــرورة صحية وأخــاقــيــة لا غـنـى عنها، تعكس الـــتـــزام المـجـتـمـعـات بـتـوفـيـر رعـايـة عـــادلـــة تــحــفــظ كـــرامـــة كـــبـــار الـــســـن وتــعــزز استدامة النظم الصحية. * استشاري في طب المجتمع *جدة: د. عبد الحفيظ يحيى خوجة اضطراب قد يقود إلى حالات الوسواس القهري ًالهوس بالطعام الصحي ربما يعكس سلوكا مرضيا كـشـفـت دراســــــة حــديــثــة لـبـاحـثـن من قــســم الـــطـــب الــنــفــســي وعـــلـــم الأعــــصــــاب في الجامعة الكاثوليكية بـرومـا فـي إيطاليا، ونُـــــشـــــرت فــــي الـــنـــصـــف الــــثــــانــــي مــــن شـهـر ديسمبر (كـانـون الأول) المـاضـي فـي مجلة the journal Current« تـــقـــاريـــر الـــتـــغـــذيـــة » عن مدى شيوع أعراض Nutrition Reports «اضــطــراب الـهـوس بـالأكـل الـصـحـي» حول الــــعــــالــــم، مـــــا يـــجـــعـــلـــه عــــرضــــا مـــــن أعــــــراض اضطرابات الطعام المختلفة. اضطراب الأكل الصحي العصبي أوضح الباحثون أن الالتزام الطبيعي بتناول الطعام الصحي من الأمـور الجيدة بطبيعة الحال، ولا يُعد اضطرابا نفسيا في حد ذاته، ولكن الهوس الجنوني بمحاولة الــوصــول إلـــى الـكـمـال ربـمـا يعكس سلوكا مــرضــيــا، خــاصــة بـــن المـــراهـــقـــن، لتعلقهم الــزائــد بـفـكـرة الـجـسـد المـثـالـي. وعـلـى وجـه التقريب هـنـاك نسبة مـن الـذيـن يتناولون في المائة يرتبط 27.5 طعاما صحيا تبلغ فيها الـهـوس ارتـبـاطـا وثيقا بالمثالية، ما يُعد سمة من سمات الوسواس القهري. يُعد اضطراب الأكل الصحي العصبي مـصـطـلـحـا ON) Orthorexia nervosa( حـديـثـا، حـيـث يُــشـيـر إلـــى الاهـتـمـام المبالغ فيه بفحص كل ما يتم تناوله من طعام من الناحية الصحية بشكل شـديـد الـصـرامـة، بغض النظر عن الاحتياج النفسي لتناول طـــعـــام مــعــن (حـــتـــى ولــــو بــكــمــيــات قـلـيـلـة) باعتبار أنـه نـوع مـن المشاركة المجتمعية، مـا يستلزم اتـبـاع سـلـوك صـــارم جــدا يؤثر بالسلب على المـــزاج الـعـام، وجـــودة الحياة الاجـــتـــمـــاعـــيـــة.ومـــن المـــفـــارقـــات الــغــريــبــة أن هـذه المـحـاولات للوصول إلـى حالة صحية غـــذائـــيـــة مــثــالــيــة مـــن خــــال الاهـــتـــمـــام بكل تـــفـــاصـــيـــل الــــنــــظــــام الــــغــــذائــــي تـــرتـــبـــط فـي الأغـلـب بشكل مـتـزايـد بـسـوء الـتـغـذيـة، لأن الاســـتـــغـــنـــاء الـــكـــامـــل عـــن بــعــض الـعـنـاصـر الغذائية -مـثـل الــدهــون- يمكن أن ينعكس بــالــســلــب عــلــى صــحــة الـــجـــســـم، بــالإضــافــة إلــــــى فــــقــــدان الـــشـــهـــيـــة الـــتـــدريـــجـــي نـتـيـجـة لــتــفــضــيــل الــــطــــعــــام الـــصـــحـــي عـــلـــى المــــــذاق الجيد باستمرار.وبينما تركز اضطرابات الـــطـــعـــام الــتــقــلــيــديــة (مـــثـــل فـــقـــدان الـشـهـيـة العصبي، والإفراط في تناول الطعام) على كمية الـطـعـام، والتحكم فـي الــــوزن، يتميز اضطراب الأكل الصحي العصبي بالتركيز الـشـديـد عـلـى جـــودة الـطـعـام ونـظـافـتـه، ما يـؤدي إلـى أن يتجنب الأفـــراد بشكل صارم الأطعمة التي يعتبرونها غير صحية، مثل السكر، ومنتجات الألبان، أو المنتجات غير الــعــضــويــة، مـــا يــــؤدي إلــــى ســــوء الـتـغـذيـة، والعزلة الاجتماعية. ألف 30 قام الباحثون بتحليل بيانات دولـــة على المـواقـع الطبية على 18 فــرد فـي الإنترنت، وركـزت التحليلات على سؤالين رئيسين، الأول هو: ما مدى انتشار أعراض اضـــطـــراب الــطــعــام الــتــي تـــم الإبـــــاغ عنها؟ والـــــســـــؤال الـــثـــانـــي: مــــا الـــســـمـــات الـنـفـسـيـة المرتبطة بهذا الاضطراب؟ هوس منتشر عالميا أوضـــحـــت الـــدراســـة أن حـجـم انـتـشـار أعـــــــراض اضـــــطـــــراب الـــطـــعـــام حـــــول الــعــالــم فــــي المـــــائـــــة، وخـــافـــا 27.5 تــــجــــاوز نـــســـبـــة للتصورات السابقة أن اضطرابات الطعام تُــصـيـب الإنـــــاث أكــثــر مـــن الـــذكـــور، لـــم يجد الباحثون أي فروق واضحة بين الجنسين، فـي المائة) 34.6( حيث كانت نسبة الإنـــاث في المائة). 32.1( والذكور وقــــد اخــتــلــف انـــتـــشـــار الأعـــــــراض بين المـجـمـوعـات الـفـرعـيـة، حـيـث أظــهــر الأفــــراد الـــذيـــن يـــركـــزون عــلــى الأداء الـــريـــاضـــي، أو تـكـويـن الـجـسـم أعــلــى نـسـبـة انــتــشــار نحو فــي المــائــة، ومعظمهم مــن المـراهـقـن، 34.5 والشباب. ولاحظ الباحثون أن هذه النسبة زادت فـــي الــعــقــد الأخـــيـــر أكــثــر مـــن الـعـقـود السابقة مـع انتشار المـواقـع الصحية على الإنترنت. وأكـــــــدت الــتــحــلــيــات وجــــــود ارتـــبـــاط بين الهوس بالطعام الصحي والعديد من المـشـكـات النفسية، حيث ارتـبـط الامتناع الـــــصـــــارم عــــن تــــنــــاول طــــعــــام مـــعـــن (حــتــى بكميات قليلة) بسلوك قهري، ما يشير إلى تشابه هذه الأعراض مع اضطرابات الطعام التقليدية. وكـــان الــدافــع الـرئـيـس لـهـوس الطعام الـــصـــحـــي مـــحـــاولـــة الـــســـعـــي نـــحـــو الــكــمــال ، ممثلا في الجانب الغذائي. Perfectionism وعلى عكس فقدان الشهية العصبي الذي تـتـركـز فـيـه مــحــاولــة الـسـعـي نـحـو الـكـمـال حـــول الــــوزن، تـتـركـز مـحـاولـة الـسـعـي نحو الكمال في هوس الطعام الصحي بالمحتوى الغذائي أكثر من الوزن. ووجـدت الدراسة أن الأفــراد المصابين ) كانوا ON( بهوس تناول الطعام الصحي الأكــــثــــر شــــكــــوى مــــن المـــشـــكـــات الــنــفــســيــة، وانخفاض معدل الرضا عن الحياة، وزيادة القلق، والتوتر، وفي المجمل كانت أعراض الاكـــتـــئـــاب لــديــهــم أكـــثـــر وضــــوحــــا، بـجـانـب أن هـــذا الـنـظـام الـغـذائـي أثـــر بالسلب على الأداء الوظيفي العام مقارنة بـالأفـراد غير الملتزمين به. ولاحـــظ الـبـاحـثـون أن وجـــود العديد مــــن الــــعــــوامــــل المـــخـــتـــلـــفـــة، مـــثـــل المــــوروثــــات الثقافية، والحالة الاقتصادية، أثرت بشكل واضـــح فـي زيـــادة مـعـدل الإصــابــات بهوس الـــطـــعـــام الــصــحــي فـــي مـجـتـمـعـات مـعـيـنـة. وعــلــى سـبـيـل المــثــال كـــان مــعــدل الإصــابــات أعلى في مجتمعات الــدول الغربية الغنية التي يتمتع فيها الأفــراد بمستويات أعلى مــــن الــتــعــلــيــم، وفـــــي المـــقـــابـــل قـــلـــت مـــعـــدلات الإصـــابـــات فــي الــــدول الـفـقـيـرة الـتـي تفتقر إلــى الـخـدمـات الأسـاسـيـة. وأكـــدت الـدراسـة أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا مهما في انتشار هوس الطعام الصحي من خـال الترويج لأنظمة غذائية محددة يتم وصفها بشكل حصري على أنها صحية، كما أن وسائل التواصل تُــروج في الأغلب لمـــعـــايـــيـــر جـــمـــالـــيـــة غـــيـــر واقـــعـــيـــة لــلــجــســم، بالإضافة إلـى ذلـك ساهمت هـذه الوسائل في ظهور عادات اجتماعية وثقافية جديدة تؤكد على السعي وراء حالة صحية نفسية وجــســديــة مـثـالـيـة، تـرتـبـط ارتــبــاطــا وثيقا بالتحكم فـي الـنـظـام الـغـذائـي، والمحافظة على صورة مثالية للجسد. وحــــــــذرت الــــــدراســــــة مــــن الإفــــــــــراط فـي ممارسة الرياضة بشكل قهري، لأنه يمكن أن تــرتــبــط بـــحـــدوث اضـــطـــرابـــات الــطــعــام، لأن مـمـارسـة الـريـاضـة بشكل مكثف ربما تــــــؤدي إلـــــى تـــرســـيـــخ أهـــمـــيـــة اتــــبــــاع نــظــام غذائي صــارم، والسعي وراء بنية جسدية مثالية، ما يُحفز سلوكيات قهرية تتعلق بـالـتـحـكـم الــــصــــارم فـــي تــفــاصــيــل الــطــعــام، وتــــكــــرار الـــتـــدريـــب بــشــكــل عــنــيــف. وتــــؤدي هـــــذه الـــســـلـــوكـــيـــات مــــع الــــوقــــت إلـــــى زيـــــادة خطر الإصـابـة باضطرابات تناول الطعام المختلفة، ومنها الهوس بالطعام الصحي. • استشاري طب الأطفال *القاهرة: د. هاني رمزي عوض

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky