issue17201

يوميات الشرق ASHARQ DAILY 21 Issue 17201 - العدد Thursday - 2026/1/1 الخميس باحثا وراء الخبر... وقضى وبيده القلم عقود في 4 أمضى رحيل محمد الشافعي ... الصحافي الذي اقترب من أخطر العناوين ودّعـــت صحيفة «الــشــرق الأوســــط»، الأربــعــاء، واحدا من أبرز أعمدتها الصحافية، الأستاذ محمد عـــامـــا، بــعــد مـسـيـرة 74 الــشــافــعــي، الــــذي رحــــل عـــن مهنية حافلة امتدت لأكثر من أربعين عاماً، قضاها بـاحـثـا عـــن الــخــبــر، ومــاحــقــا لـلـتـفـاصـيـل فـــي أكـثـر الملفات تعقيدا وحساسية. كان الشافعي صحافيا متخصصا في شؤون الجماعات الإرهابية والمتطرفة، وأحد الأسماء التي أسهمت مبكرا في بناء هـذا الملف داخــل الصحافة العربية، واضعا معايير مهنية صارمة في التوثيق والتحليل والاقتراب من المصادر. التحق بصحيفة ، ليبدأ فصلا طويلا 1982 «الـشـرق الأوســــط»، عــام من العطاء المهني اتسم بالرصانة والدقة والالتزام الصارم بأخلاقيات العمل الصحافي. ، وفـــي 1951 وُلــــــد مــحــمــد الـــشـــافـــعـــي فــــي عـــــام سيرته تنوّع معرفي لافت؛ إذ تخرج في كلية الآثار ، حاصلا على ليسانس 1974 - جامعة القاهرة عام الآثار الإسلامية، قبل أن يشد الرحال إلى لندن عام . هــنــاك، اتـجـه إلـــى دراســــة الـتـرجـمـة، فحصل 1977 على دبلوم الدراسات العليا في الترجمة من جامعة ويـسـتـمـنـسـتـر، كــمــا تـلـقـى دورات مـتـخـصـصـة في الـتـرجـمـة الـصـحـافـيـة مــن جـامـعـة لـنـدن لـلـدراسـات الشرقية فـي منتصف الثمانينات، وهـو مـا أسس لقدرته الفريدة على التعامل مع المصادر الأجنبية، والـــوثـــائـــق المــعــقــدة، والــنــصــوص ذات الـحـسـاسـيـة الأمنية والسياسية العالية. بــــدأ مـــشـــواره الــصــحــافــي فـــي لــنــدن فـــي مطلع الثمانينات، متنقلا بين عدد من الصحف العربية الـصـادرة فـي الـخـارج، منها صحيفة «المسلمون»، الـــتـــابـــعـــة لــلــشــركــة الـــســـعـــوديـــة، قـــبـــل تـــوقـــفـــهـــا، ثـم صحيفة «العرب» الدولية في لندن، لفترة قصيرة، ليعود بعدها إلى الشركة السعودية عبر صحيفة «الــــظــــهــــيــــرة»، الــــتــــي تـــأســـســـت إبـــــــان غــــــزو الــــعــــراق للكويت، فـي مرحلة سياسية شـديـدة الاضـطـراب، شكّلت وعـيـه المبكر بطبيعة الـصـراعـات الإقليمية وتشابكاتها. البداية من الرياضة ومع انتقاله إلى صحيفة «الشرق الأوســط» في ، دخل الشافعي من 1991 عودة ثانية رسميا في عام بوابة قسم الرياضة، حيث أمضى قرابة خمسة عشر عـامـا، أظـهـر خلالها مهنية عالية وقـــدرة لافـتـة على المتابعة والتحليل، قبل أن ينتقل إلى محطته الأبرز حـن تـولـى ملف الإرهــــاب، ليصبح واحـــدا مـن رواده في الصحافة العربية، معتمدا على التوثيق الدقيق، والتحليل العميق، والابتعاد عن الإثـــارة، في تناول قضايا شائكة تتقاطع فيها السياسة بالأمن والفكر. وفي هذا السياق، أنجز محمد الشافعي واحدة من أهم التجارب الصحافية العربية في هذا المجال؛ إذ أجـــــرى حـــــــوارات مـــبـــاشـــرة مـــع كـــبـــار قـــــادة تنظيم «القاعدة»، كان من أبرزهم الملا محمد عمر، إلى جانب عدد من قادة حركة «طالبان»، وسافر إلى أفغانستان لـــلـــقـــاء هــــــؤلاء الــــقــــادة فــــي ظــــــروف بـــالـــغـــة الــصــعــوبــة والخطورة. وقد شكّلت تلك الحوارات، بما احتوته من معلومات وشهادات نادرة، مرجعا أساسيا للباحثين والصحافيين والمهتمين بملف التنظيمات الجهادية، وأسهمت في تقديم فهم أعمق لبنية هذه الجماعات وأفكارها ومساراتها. وخــــــال الــــحــــرب عـــلـــى تــنــظــيــم «الــــقــــاعــــدة»، قـــام الـشـافـعـي بـالـعـديـد مــن الـــزيـــارات المـيـدانـيـة للقواعد الأمــيــركــيــة فـــي أفــغــانــســتــان، ورافـــــق الـــقـــوات الـدولـيـة فــي مـنـاطـق الاشــتــبــاك، وأجــــرى تحقيقات صحافية مـبـاشـرة مــن أرض المــعــركــة، نـقـل مــن خـالـهـا صــورة دقـيـقـة عـــن تـــطـــورات المـــواجـــهـــة، وطـبـيـعـة الـعـمـلـيـات، وتـعـقـيـدات المـشـهـد الأمــنــي، مــا أضـفـى عـلـى تغطيته بعدا ميدانيا نادرا في الصحافة العربية آنذاك. كـمـا أجـــرى الـشـافـعـي حــــوارات عــديــدة مــع أبـنـاء أســــامــــة بــــن لادن، قــــــدّم مــــن خــالــهــا مــــــادة صـحـافـيـة توثيقية مهمة، كشفت عن جوانب إنسانية وتنظيمية قـلّــمـا تـنـاولـتـهـا الـصـحـافـة، وأكــــدت حــضــوره المهني القادر على الوصول إلى المصادر المغلقة، دون أن يفقد توازنه الصحافي أو موضوعيته. مقابلات في غوانتانامو وفــي امـتـداد لـهـذا المـسـار التوثيقي الــنــادر، كان مــحــمــد الـــشـــافـــعـــي مــــن الــصــحــافــيــن الــــعــــرب الــقــائــل الــذيــن أجــــروا مـقـابـات داخـــل سـجـن «غـوانـتـانـامـو»، حيث يُحتجز عــدد مـن المعتقلين مـن عناصر تنظيم «الـقـاعـدة». وقـد شكّلت هـذه المقابلات إضافة نوعية واستثنائية لملف الإرهــاب، لما تضمنته من شهادات مباشرة من داخل التجربة التنظيمية، وأسهمت في تفكيك الخطاب الآيديولوجي للتنظيم، وكشفت عن آليات الاستقطاب والبنية الداخلية له، وكان لها أثر كبير في إثراء المحتوى الصحافي والتحليلي العربي حول هذه الظاهرة. وشـارك الراحل في تأليف كتاب «رجـال القاعدة في إيران... الملاذ الآمن والتحالف المشبوه»، الذي يُعد من الأعـمـال المرجعية المهمة في هـذا المـجـال، مجسدا خلاصة سنوات طويلة من البحث والمتابعة الدقيقة. وتــبـــرز أهـمـيـة هـــذا الــكــتــاب بـوصـفـه أحـــد أوائـــل الأعـمــال العربية الـتـي قـدّمـت قـــراءة توثيقية معمّقة لطبيعة العلاقة بين إيران وتنظيم «القاعدة»، كاشفا عــن أنــهــا لــم تـكـن عــاقــة طـــارئـــة، بــل مـمـتـدة الــجــذور، وقائمة على التكيّف وتبادل المصالح رغم التناقضات المعلنة. واعتمد الكتاب على تحقيقات خاصة ووثائق نادرة، في مقدمتها «وثائق أبوت آباد»، التي أظهرت إصرار قيادة التنظيم، وعلى رأسهم أسامة بن لادن، على تحييد إيران واستثنائها من عمليات «القاعدة»، مــقــابــل تــوفــيــر مـــــاذات آمــنــة ومــــســــارات عــبــور ودعـــم غـيـر مــبــاشــر. كـمـا ربـــط بـــن هـــذه المـعـطـيـات وأحــكــام القضاء الأميركي التي حمّلت طهران مسؤولية دعم سبتمبر (أيــلــول)، 11 عناصر مـتـورطـة فـي هجمات مـا جعل الـكـتـاب مرجعا مهما لفهم تـداخـل الإرهـــاب مع سياسات الـدول في واحـدة من أكثر قضايا الأمن العالمي تعقيداً. رحل وبيده القلم وعــــلــــى المــــســــتــــوى الـــشـــخـــصـــي، تــــــــزوّج مـحـمـد الشافعي بعد وصوله إلى لندن نهاية السبعينات مـن سـيـدة تركية الأصـــل، ورُزق منها بـولـد وبنت. وقد سار الابـن، وهو محمود الشافعي، على خطى والده بالعمل الصحافي من بوابة الترجمة؛ إذ عمل في قسم الترجمة بصحيفة «الشرق الأوسط» لفترة سنوات. 3 تقارب وحـــتـــى قـــبـــل ســــاعــــات قــلــيــلــة مــــن رحـــيـــلـــه، ظـل الشافعي وفيًّا لمهنته، إذ كتب عددًا من الموضوعات الـصـحـافـيـة وأرســلــهــا إلـــى مــوقــع صحيفة «الــشــرق الأوســــــط»، وتـــواصـــل هـاتـفـيًــا مـــع عـــدد مـــن زمــائــه، متابعًا الشأن التحريري كما اعتاد طوال مسيرته، وبعدها سلم روحه الكريمة إلى بارئها. بــرحــيــل مـحـمـد الــشــافــعــي، تـخـسـر الـصـحـافـة العربية صحافيا هـادئـا، مثابراً، عُــرف بين زملائه بــالانــضــبــاط والـــتـــواضـــع، وبــالــعــمــل بـصـمـت خلف الخبر، دون ضجيج أو ادعاء. وتبقى سيرته المهنية شاهدا على جيل آمَن بالصحافة رسالة ومسؤولية، وتـــــرك أثـــــره فـــي المــهــنــة بـالـكـلـمـة الــدقــيــقــة والمــعــرفــة العميقة. رحـــــم الــــلــــه مـــحـــمـــد الـــشـــافـــعـــي، وألــــهــــم أســـرتـــه وزملاءه ومحبيه الصبر والسلوان. الزميل الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط ) لندن: «الشرق الأوسط» هذه قصتنا يا محمد هـــذه قصتُنا يــا مـحـمـد. وقـعـنـا بــاكــرا في الـفـخ. استدرجنا الحبر وهــو جميلٌ، ومـاكـرٌ. اخــتــرنــا مـهـنـة شــائــكــة. اخــتــرنــا نـفـقـا طــويــاً. لا اســتــراحــات ولا هــدنــات. مــطــاردة محمومة للأخبار تنسينا تـراكـم الـسـنـوات الـهـاربـة من شـــجـــرة الـــعـــمـــر. مــــطــــاردة مــضــنــيــة. لا الـــقـــارئ يرتوي، ولا المؤسسات تفعل. يغالب الصحافي الأخـــبـــار طـــويـــا ثـــم تـغـلـبـه. تــحــوّلــه خــبــرا في صحيفته. خبر وفاة. خبر وداع. كـــنـــا نـــســـتـــعـــد لـــــــــوداع الــــعــــام لا لـــــوداعِـــــك. شاركتنا اجتماع أول مـن أمــس. حملت دائما إلــى موعدنا الـيـومـي. خبرتَك الطويلة. ونبَل مشاعرك. ورقي لغة التخاطب. وكأنَّك تعمَّدت أن تُــبـلـغـنـا الـــرســـالـــة. إن المــــحــــارب الـــقـــديـــم لا يـتـقـاعـد. يـفـضّــل الـــسُّـــقـــوط عـلـى الـحـلـبـة. بعد ساعات فقط من الاجتماع جاءَنا الخبر المؤلم. خانَك القلب. ومن عادتِه أن يخون. شـــــــاءت المـــهـــنـــة أن يــنــشــغــل هـــــذا الـــرجـــل الهادئ بملفات عاصفة ورجـال قساة. سرقت أفغانستان جــزءا كبيرا من اهتماماته. وكـان يذهب إليها يـوم كانت تغلي بـ«المجاهدين». وكـــان يـرجـع مـن تلك الأســفــار المتعبة محمَّلا بــالأخــبــار، والـتـحـقـيـقـاتِ، والمــقــابــات. وحتى حـــن أوفــــد الـعـمـر رســائــلَــه لـــم يــتــنــازل محمد الشافعي عن شغفِه. تستوقفه كلمة. إشــارة. عـبـارة تشبه عـبـوَّة نـاسـفـة. وتـثـيـره الأخـبـار، ويغريه التعب المتوّج بهدية طازجة إلى القراء. قبل نحو أربـعـة عقود انتسب إلـى عائلة «الشرق الأوسط». أحبَّها، وأحبَّته. وكمَا في كل قصص الحُب لم يتردَّد ولم يتراجع ولم يبخل. أقــــول عـائـلـة «الـــشـــرق الأوســـــط» وهـــي حـديـقـة. حديقة أخبار وعناوين، وتحقيقات، ومقالات. وحـديـقـة جنسيات وخــبــرات، وتــجــارب. تحت ســـقـــف المـــهـــنـــة وســـقـــف الـــشـــغـــف. كـــــان فـــخـــورا بانتمائه إلى صحيفة متوثبة تُجدد وسائلها، وتحفظ روحَها. مَا أصعب أن يطرق الموت الباب! ويخطف مــن الـعـائـلـة ابـنـا عـــزيـــزاً، وأســـتـــاذا قـــديـــراً. ومـا أصـــعـــب الـــغـــيـــاب! اعـــتـــدنـــا أن نـــشـــاكـــسَـــك. وأن نسألَك. ونتعلم منك. ونعاتبَك على أصدقائك الـقـسـاة. مَـــا أصــعــب مكتبك مسكونا بغيابك! ومَــــــا أصــــعــــب الاجــــتــــمــــاع مــفــتــقــدا مـسـاهـمـتـك ورهافة تمنياتك. هذه قصتُنا يا محمد. نعيش بين سطرين ونـمـوت بـن سطرين. ننام أخـيـرا فـي أرشيف الــصــحــيــفــة. وفـــــي مـــــــودة زمـــائـــنـــا. و«الــــشــــرق الأوسـط» بتنوّعها، وأجيالها تحتضن ذكرى كـل من بنى مدماكاً، وفتح نافذة، وأثــرى أيـام قرائها. خانَك القلب ومن عادته أن يفعل، لكن المودَّات لا تعترف بالخيانات. غسان شربل الشافعي في إحدىرحلاته إلى أفغانستان (الشرق الأوسط) ... ومع نائب الرئيس الأفغاني السابق عبد الكريم خليلي (الشرق الأوسط) مع السفير البريطاني السابق في أفغانستان مارك سيدويل (الشرق الأوسط) ومع أحد الجنود الأميركيين في كابل (الشرق الأوسط) صورة ضوئية لمقالين سابقين للزميل الراحل محمد الشافعي في صحيفة «الشرق الأوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky