issue17201

طَـــرَق الـعـام الـجـديـد بــاب الـعـالـم ثـم دخـل، بينما غــادر الـعـام المنقضي ممسكا متعلقاته في يده، آسفا على ما رآه منا طول السنة. غــادر متمنيا لو أن له لسانا يستطيع به رد الأذى الذي أصابه وهو يلملم أشياءه. غادر ولـــســـان حــالــه يــــردد بـيـتـن مـــن الـشـعـر لـإمـام الشافعي الذي عاش يقول: نعيب زماننا والعيب فينا ٍوما لزماننا عيب سوانا ونهجو ذا الزمان بغير ذنب ولو نطق الزمان لنا هجانا ولا بد أن كثيرين ممن تابعوا العالم وهو يُــعـلّــق أخــطــاءه وخـطـايـاه على شماعة السنة المـنـقـضـيـة، قـــد أســـفـــوا عـلـى ذلـــك أشـــد الأســـف، ولا بد أنهم قد ذكروا ما رواه القرآن الكريم عن مـوسـى عليه الـــســـام، وهـــو عـائـد يُــعـنّــف بني إســرائــيــل عـلـى مـــا ارتــكــبــوا فـــي غــيــابــه، وعـلـى عـبـادتـهـم الــعــجــل، وعــلــى اسـتـضـعـافـهـم أخـــاه هارون، فقال: «فَرَجَع مُوسَى إِلَى قَوْمِه غَضْبَان أَسِفا ً». مضى الـعـام المنقضي إلــى غايته، ثـم إلى مكانه في عالم الغيب، وهـو في أشـد الغضب مما راح العالم يُعلقه على كتفيه، مع أنه عام مـثـل كــل الأعـــــوام، إن كـــان فـيـه خـيـر فـبـمـا فعل الذين عاشوا فيه، وإن كان العكس فبما فعلوا هُم أيضا لا سواهم. مضت السنة المنقضية وهي تتساءل عما ارتـكـبـتـه فــي حــق أي أحـــد، وعـمـا جَــنـتـه يـداهـا لتتلقى كـل هــذا الـلـوم الـــذي طـالـهـا، والتقريع الــذي أدركـهـا، والـسـوء الــذي تطلعت به الأعين إلـــيـــهـــا، والـــضـــيـــق الـــــذي وجـــدتـــه فـــي وجــــه كل واحـــد كــان يـودعـهـا، والبهجة الـتـي بَـــدَت على وجـــوه كـل الـذيـن تمنوا رحيلها. لـم يـذكـر لها أحــــد خـــيـــرا رآه فــيــهــا، ولــــم يــتــوقــف أحــــد أمـــام غيث جـاءه خلالها، ولا أقـر أحد بشيء حصل عـلـيـه أثــنــاءهــا. لا شـــيء أبــــداً، ولا حـتـى شـيء يشبه الشيء؛ فالمشاعر كانت كلها استياء في استياء، وحنقا في حنق، وغضبا في غضب، وكل ما جاء على هذا المستوى، أو هذه العينة، أو هذا المَعين الـذي امتلأ عن آخـره حتى فاض على جانبيه! مضت السنة المنقضية وهي تُطلق علامة اسـتــفـهــام بـحـجـم الأرض، عــمــا إذا كــانــت هي الـتـي جـــاءت إلـــى الـبـيـت الأبــيــض بـرجـل اسمه دونالد ترمب في أولها، فلم يكد يدخل مكتبه البيضاوي الشهير حتى كـان قـد ســارع يقلب العالم رأسا على عقب؟ مضت السنة المنقضية وكأنها ذلك الرجل الــــذي جـــــاءوا لـــه بـــعـــروس لـــم يـتـوقـع أن تـكـون قبيحة المنظر، فراح يأسى لحاله ويقول: جاءوا بها قبل المحاق بليلة فكان محاقا كله ذلك الشهر نعرف أن المحاق هو القمر في أقـل حالات الإضـــــاءة فـــي الــشــهــر، وأنــــه حــالــة يـشـتـد فيها سواد الليل، فلا تكون الأجواء إلا ظلاما يتراكم بعضه فوق بعض. ومــن بيت الشعر نفهم إلــى أي حـد كانت مأساة الرجل مع العروس التي وجدها أمامه، فلم يذكر من دنياه إلا أن زواجه كان قبل المحاق بليلة واحـدة، وأن الشهر صار كله محاقاً، فلا القمر غادر مرحلة المحاق، ولا سواد الليل تبدد أو انكشف! شيء من هذا مع الفارق حدث مع العالم، فـكـان وكــأنــه نُــسـخـة بـالـكـربـون مــن أمـــر الـرجـل الذي تحوّل الشهر كله في حياته محاقا شاملاً. كــانــت حـالـتـنـا طـــول الـسـنـة المـنـقـضـيـة شاملة أيـــضـــا، وكـــانـــت صـــــورة مــكــبــرة بـحـجـم الـعـالـم مـن حالة الـرجـل مـع الـعـروس، ولـم نكن نعرف ونحن نستقبل الرئيس الأميركي الجديد في العشرين من يناير (كانون الثاني) في السنة المنقضية، أن حالنا في أركــان الأرض سيكون كــحــال ذلــــك الـــرجـــل. فـلـقـد تـخـيـل عــنــد لحظته الأولى أن عروسه ستكون فألا حسنا عليه، فإذا بها سوء الحظ يتجسد في امرأة! مضت السنة المنقضية وفـي فمها أسئلة حرَّى حول ترمب فهو لا يتوقف عن الكلام، ولا عن الاسترسال، ولا عن الهجوم، ولا عن توجيه الــلــكــمــات فـــي الاتـــجـــاهـــات الأربــــعــــة! إنــــه يـبـدو كالنار التي قيل فيها إنها تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله. إنه يمارس ما يمارسه في الليل كما يمارسه بالنهار، وكـأن نوما لا يـزوره، أو كأنه لا يعرف النوم! مــضــت الــســنــة المــنــقــضــيــة ولـــســـان حـالـهـا يقول إن الرجل القاطن في البيت الأبيض كذلك بالفعل، وإن الذين تَيسّر لهم أن يدرسوا هذه الـحـالـة عــنــده، قــالــوا إنـــه يـبـدو وكــأنــه قــد ورث مــا يــقــال عـنـه إنـــه «جـــن ثــاتــشــر». والـقـصـد أن مارغريت ثاتشر، رئيسة الحكومة البريطانية السابقة، لم تكن تنام إلا قليلاً، وكانت تُرهق مَــن حولها وتُتعبهم غاية التعب؛ لأنها كانت تريدهم متيقظين مثلها، ساهرين كحالتها، مـتـأهـبـن مـحـتـشـديـن كـمـا هـــي ســـاعـــات الليل والنهار! مضت السنة المنقضية وهي تأمل منا أن نكون أفضل حالا مع لاحقتها، ثم وهي تهمس فـــي آذانـــنـــا أنـــنـــا نــحــن الـــذيـــن عـلـيـنـا أن نـكـون الأفضل لا السنة اللاحقة، التي لن تختلف عن سابقتها في شيء كمساحة زمنية مجردة لم تمتلئ بعد. إنما الاختلاف كله هو بين الناس وفي الناس. إن اخـتـلـفـوا اخـتـلـف عـامـهـم الــــذي بـالـكـاد يـــدق الـــبـــاب، وإن لـــم يـخـتـلـفـوا فـلـيـبـحـثـوا عن سبب آخر لتعاستهم بخلاف إلقاء المسؤولية على كتف السنة. Issue 17201 - العدد Thursday - 2026/1/1 الخميس مــر زمـــن طـويـل لـم تُـــدرس فيه الـحـركـة الأصـولـيـة في ليبيا بـالـشَّــكـل المــطــلــوب. ســنــوات مــن الارتـــبـــاك بالتعامل مــعــهــا؛ تـــــارة بــالــتَّــعــتــيــم عــلــى أنــشــطــتــهــا، وتـــــــارات أخـــرى بــالــتــصــالــح مــعــهــا وامـــتـــطـــائـــهـــا ســيــاســيــا بــغــيــة الـكـسـب الشعبي، لاحقا بانت خطورتها، وظهر أثرها الكارثي الذي تعيشه ليبيا الآن. علّمنا التاريخ أن هذه الجماعات تعتاش على تحالف الآيـديـولـوجـيـا مـع الأفــكــار القبلية والـنـعـرات العنصرية، مــن هـنـا تـبـدأ الإشـكـالـيـة الـكـبـرى خـصـوصـا فــي التأجيج المجتمعي، بغية تغيير الجغرافيا والتأثير على المسار السياسي. هـــذه هـــي طـبـيـعـة الــحــركــات الأصــولــيــة الــتــي تنتهج هــــذا الأســـلـــوب خــصــوصــا فـــي مـجـتـمـع قــبــلــي مــثــل ليبيا؛ إذ تتخذ هــذه الـجـمـاعـات المــارقــة مـن القبائلية رافـعـة لها مــن أجـــل الــتــغــذّي عـلـى المـــدد المـعـنـوي والـلـعـب عـلـى أوتـــار حساسة يمكنها أن تُطيل من قدراتها الحركيّة والسياسية والاجتماعية والمالية. لـذلـك سـعـدت بــقــراءة كـتـاب: «ليبيا مـا بعد الـكـرامـة: الإســـــام الـسـيـاسـي والـقـبـيـلـة الـــحـــدوديـــة وســــاح الـتـديـن الإداري»، الــصــادر قبل أيـــام عـن مـركـز المـسـبـار لـلـدراسـات والبحوث. افـتُــتـح الـكـتـاب بـــدراســـة قـدّمـهـا الـبـاحـث الـلـيـبـي عبد القادر أرحيم عن تنظيمي «داعـش» و«القاعدة» في ليبيا، مـشـيـرا إلـــى أن ظــهــور «داعـــــش» وتــوســعــه بــــدءا مــن أبـريـل شكَّل تحوّلا استراتيجياً، إذ انتقل التنظيم 2014 ) (نيسان من مجرد واجهة رمزية إلى كيان عسكري وإداري فعليّ، بلغ ذروته بالسيطرة على مدينة سرت وإعلانها عاصمة لـــ«ولايــة بــرقــة»، محاكيا نـمـوذج «الـخـافـة» المـزعـومـة في العراق وسوريا. الباحث الجزائري حكيم غريب تناول موضوع جماعة الإخــــوان المسلمين فــي ليبيا متتبّعا مـسـارهـا السياسي ، واستغلّت 2011 والتنظيمي؛ إذ صعدت إلى الواجهة بعد هشاشة الدولة والصراع المسلح لبسط نفوذها على مراكز اتــخــاذ الــقــرار عـبـر أدوات سياسية وإعـامـيـة وعسكرية. وأسَّست حزب العدالة والبناء؛ خاضت به انتخابات يوليو ، ثم أثّرت في المؤتمر الوطني العام (البرلمان 2012 ) (تمّوز المؤقت آنــذاك). إلى أن اندلع الصراع بين حكومتَي الشرق ، ومـع دخــول ليبيا مرحلة وقـف إطلاق 2014 والـغـرب عـام أعــادت الجماعة 2020 النار وتشكيل حكومة الـوحـدة في موضعة ذاتـهـا، فزعمت حــل جماعة الإخــــوان! وتحويلها ؛2021 ) إلى جمعية الإحياء والتجديد في يونيو (حزيران لترسيخ تحالفات الحماية، ودعم صلاتها الإقليميّة. الــبــاحــث مــاهــر فـرغـلـي تــنــاول ســيــرة وتـــحـــوّلات عبد الــحــكــيــم بـــلـــحـــاج، بــوصــفــه نـــمـــوذجـــا حــيــا لــتــقــاطــع الـعـمـل الـعـسـكـري والــطــمــوح الـسـيـاسـي فــي الــســيــاق الإســامــوي الـــلـــيـــبـــي. يـــبـــدأ الـــبـــاحـــث عـــــرض خــلــفــيــة بـــلـــحـــاج الــفــكــريــة والـتـنـظـيـمـيـة الــــذي شــــارك فـــي تـأسـيـس تـنـظـيـم الـجـمـاعـة الليبية المقاتلة، وسافر أواخر الثمانينيات إلى أفغانستان لـــلـــتـــدرب والـــقـــتـــال ضـــد الـــســـوفـــيـــات. وبـــعـــد عـــودتـــه مطلع التسعينات، قاد تمردا مسلَّحا ضد النظام، قبل أن يُعتقل ويقضي سـنـوات فـي سجون القذافي حيث أعلن مراجعة فكرية زعمت فك الارتباط بالعنف. غير أن الدراسة توضح أن مراجعات بلحاج بدت وكأنها إعادة تموضع تكتيكية. بيد أن فكرة انتقال العنف الجهادوي إلـى السياسة لا تعدو العودة إلـى المربع الإخـوانـي الصرف! وهـو المربع الذي يحظى بدعم من محور إقليمي؛ غطَّته دراسة الباحثة فــاطــمــة الــــزهــــرة مـــســـعـــودي الـــتـــي لاحـــظـــت ارتــــبــــاط الـتـيـار بالمنطقة الغربية. ولـــفـــهـــم خـــريـــطـــة الــــتــــيــــارات الـــديـــنـــيـــة، كـــتـــب إبـــراهـــيـــم بلقاسم، مُسلّطا الضوء على ظاهرة تمدّد التيار المدخلي خلال السنوات التي أعقبت سقوط القذافي. ينطلق الباحث من تتبع تاريخي لبروز «المدخلية» في ليبيا، موضّحا أن هـذا التيار ذا المرجعية المحافظة الموالية ظهر بشكل غير ، ويبوّب بذلك إنشاء كتيبة «سبل السلام»، 2011 بارز قبل الــتــي انـتـشـرت حـتـى منطقة الـكـفـرة ومـــا حـولـهـا، مـتـأمّــا تزاوج الولاء القبلي والعقيدة السلفية، ومبيّنا أنّها مثَّلت خلطة نافعة للجيش الوطني لأنها صبّت في توجه، جعل الكتيبة ضمن هيكله الأمني، مما عزَّز نفوذ المدخليين في الجنوب. تُــخـتـتـم بـــحـــوث الــكــتــاب بـــدراســـة أمـــيـــرة مـحـمـد عبد الحليم، التي تقدِّم منظورا مغايرا عبر التركيز على واقع التيارات الصوفية في ليبيا ودورها التاريخي والسياسي. تـبـدأ اسـتـعـراض تـاريـخ الـتـصـوف فـي ليبيا، فتذكر تنكّر القذافي للتصوف، بسبب انقلابه على السنوسية والملك )، ملاحظة أن رحيل نظام 1969-1951( إدريـس السنوسي القذافي كان مناسبا لإعادة وضعها في المشهد. الخلاصة؛ أن التجربة الليبية مع الحركة الأصولية دُرســــــت أخـــيـــرا بـــهـــذا الــكــتــاب الـــقـــيّـــم، ثــمــة تـــجـــارب عــديــدة لمـجـتـمـعـات أخـــرى ذاقـــت الأمـــرَّيـــن، ولـكـن لــم يـسـلّــط عليها الضوء. مجتمع محب للعلم والحياة والدنيا مثل المجتمع الليبي أرهـقـه النفوذ الأصـولـي، ودمّـــر بنيته الاجتماعية بسبب استغلاله الـصـراع القبلي، وتشتيته قيمة التنوع المجتمعي؛ إنها مبادرة ضرورية لبحث تجارب المجتمعات كـلـهـا مـــع الأصــولــيــن بـغـيـة فـهـم الــعــاقــات والـتـنـاقـضـات السياسية والاجتماعية والمذهبية والقبلية. مـــا يـــجـــري فـــي الــــســــودان لــيــس حـربـا داخلية بالمعنى التقليدي للكلمة، فالبعد الخارجي كان حاضرا فيها منذ اندلاعها، وتداعياتها الإقليمية لم تكن خافية على أحد. فـــي بــــدايــــات الــــحــــرب، ســـــادت مـقـاربـة مـريـحـة لتبسيط المـشـهـد، بـوصـفـه خلافا بـــن شـــركـــاء مــرحــلــة انــتــقــالــيــة، أو نتيجة اخــــتــــال تـــــوازنـــــات ســيــاســيــة وعــســكــريــة. هـذا التوصيف لـم يكن بريئاً. فالواقع أن طبيعة الصراع في جوهرها يمكن فهمها بـــوصـــفـــهـــا صــــراعــــا بــــن نــــمــــوذج الــــدولــــة، ونموذج القوة المسلحة التي تعمل خارج مـنـطـقـهـا، وتــبــنــي شـرعـيـتـهـا مـــن الــســاح والتمويل الخارجي والتجنيد الأجنبي. الـــــــســـــــودان فــــــي هـــــــذا الـــــســـــيـــــاق لــيــس مــجــرد ســاحــة داخــلــيــة مــعــزولــة، بــل عقدة جيوسياسية حساسة. ولا يمكن اختزال الحرب فيه بوصفها صراعا على السلطة أو المــــــــــــوارد فــــحــــســــب، بـــــل يــــجــــب فــهــمــهــا بـوصـفـهـا مـعـركـة عـلـى المـــوقـــع. فـالـسـودان يتوسط الحزام الرابط بين العالم العربي وأفــريــقــيــا، ويــقــع فـــي قـلـب مـنـطـقـة تـمـاس جيوسياسي مع قوتين وازنتين في العالم الــعــربــي الـــيـــوم، هــمــا الــســعــوديــة ومــصــر. ومــن يسعى إلــى تطويق هـاتـن الدولتين أو تقليص هامش نفوذهما الإقليمي، لن تكتمل مخططاته من دون إشعال السودان، ومحاولة السيطرة عليه، واتـخـاذه نقطة قفز لاستكمال المـشـروع فـي صــراع جيو - استراتيجي يتجاوز حدوده بكثير. الـخـرائـط هــي مـفـتـاح فـهـم التحركات الـــجـــيـــوســـيـــاســـيـــة. فـــبـــعـــيـــدا عــــن الـــعـــوامـــل الــــداخــــلــــيــــة، مـــــن أراد اســــتــــيــــعــــاب أبــــعــــاد الــــــتــــــطــــــورات مــــــن الــــــــســــــــودان إلــــــــى الـــيـــمـــن والـــصـــومـــال، لا يــحــتــاج ســــوى إلــــى تـأمـل الخريطة، وقراءة شبكة المصالح والمطامع التي تعمل على إشعال المنطقة، والسيطرة على مقدراتها، وإعادة رسم خرائط النفوذ والتوازنات، وفرض واقع جديد في البحر الأحمر وباب المندب والقرن الأفريقي. وإذا نُـــظـــر إلــــى الـــحـــرب فـــي الـــســـودان مــن زاويــــة وجـــود جـهـة تسعى إلـــى تعزيز واســــتــــخــــدام قــــــوة مــســلــحــة تـــعـــمـــل خــــارج ســـلـــطـــة الـــــــدولـــــــة، وتـــــهـــــدد وحــــــــدة الـــبـــلـــد، وتـــحـــاول الـسـيـطـرة عـلـى المـــــوارد والمـنـافـذ الاستراتيجية، وتحويل البلد إلى ساحة ابــتــزاز إقـلـيـمـي، فـإنـنـا سـنـرى استنساخا للمشهد فـــي تـــطـــورات الـيـمـن والــصــومــال الأخيرة. الـخـطـر الأكــبــر لا يكمن فـقـط فــي فتح جبهة اقتتال، بـل فـي تطبيع فكرة وجـود قـوة مسلحة خـارج سيطرة الدولة تُعامل كــأنــهــا طــــرف ســيــاســي شـــرعـــي، أو كـأنـهـا حــقــيــقــة دائــــمــــة لا يــمــكــن تــــجــــاوزهــــا. هـــذا المــــســــار، إن اكـــتـــمـــل، يـعـنـي نــهــايــة مـفـهـوم السيادة بمعناه العملي. نجاح مشروع تمكين قوة مسلحة من الـدولـة في الـسـودان، أو ترسيخ كيان لها على رقعة مـن الأرض، سيجعله نموذجا قــــابــــا لـــاســـتـــنـــســـاخ فــــي ســــاحــــات أخــــرى تعاني هشاشة مشابهة. حين تُكافأ القوة الـــخـــارجـــة عـــن الــــدولــــة، أو يُـــغـــض الــطــرف عـن تمددها، فـإن الرسالة التي تصل إلى المـنـطـقـة واضـــحـــة: التفكيك أداة تـفـاوض، والــفــوضــى خــيــار قــابــل لـاسـتـثـمـار. هـذه الرسالة، إن تُركت دون ردع، ستعيد إنتاج نفسها بـأشـكـال مختلفة، وبتكلفة أعلى على الجميع. الـلـحـظـة الــحــالــيــة بــالــغــة الـحـسـاسـيـة لأنـــهـــا تـــتـــزامـــن مـــع مــرحــلــة إعــــــادة تـرتـيـب شاملة في المنطقة. فهناك من يسعى إلى إعـــــادة رســــم خـــرائـــط الــنــفــوذ والـجـغـرافـيـا عبر زراعة الفوضى، وهو ما يجعل الوعي بـأهـمـيـة تثبيت الاســـتـــقـــرار، ودعــــم وحــدة الـدولـة وسيادتها، مسألة تتجاوز الشأن السوداني إلـى الإقليم بأكمله. لقد أثبتت نماذج التفكيك فشلها، كما أن التعامل مع الميليشيات بـدائـل لـلـدولـة لـم ينتج سوى مزيد من الفوضى. المـــوانـــي الــواقــعــة عـلـى الـبـحـر الأحـمـر وبـــــاب المـــنـــدب والــــقــــرن الأفـــريـــقـــي تـحـولـت إلــــــى نــــقــــاط ارتـــــكـــــاز فــــي مـــعـــركـــة الـــنـــفـــوذ، حيث يجري الـربـط بـن الأمــن والاقتصاد والـــســـيـــاســـة فــــي نــــمــــوذج واحــــــــد، يُــقــصــي الـــدولـــة الــوطــنــيــة ويُــضــعــف قــدرتــهــا على اتـــخـــاذ قـــــرار ســـيـــادي مــســتــقــل. وفــــي هــذا الإطــار، يصبح تفكيك الجيوش النظامية أو إنهاكها، وصعود قوى مسلحة موازية، مدخلا عمليا للسيطرة غير المباشرة على الجغرافيا دون تكلفة الاحتلال التقليدي. الــــــســــــودان، بــحــكــم مـــوقـــعـــه وســاحــلــه وإمكاناته، يمثل حلقة لا يمكن تجاوزها فـي هــذا المـخـطـط. فتركه فـي حـالـة سيولة أمـــنـــيـــة، أو تـــحـــويـــلـــه إلـــــى دولـــــــة ضـعـيـفـة مــنــقــســمــة الـــنـــفـــوذ، يــفــتــح المــــجــــال لــفــرض تـــرتـــيـــبـــات إقـــلـــيـــمـــيـــة جـــــديـــــدة فـــــي الــبــحــر الأحمر، لا تُراعي بالضرورة مصالح دوله المـطـلـة ولا أمـنـهـا الـقـومـي. ومـــن هـنـا، فـإن ما يجري في الـسـودان لا يمكن فصله عن سباق النفوذ الجاري في الممرات البحرية، ولا عن محاولات خلق وقائع جديدة تُدار بمنطق الأمـــر الـــواقـــع، لا بمنطق الـقـانـون الدولي أو السيادة الوطنية. فـــي هــــذا الـــســـيـــاق، يــتــحــول الـــســـودان إلــــى اخـــتـــبـــار حــقــيــقــي: هـــل يُـــعـــاد تثبيته بصفته دولـة موحدة قابلة لإعـادة البناء، أم يُترك لينزلق كأنه نموذج آخر للتقسيم والفوضى القابلة للتعميم؟ مـا يحتاج إلـيـه الــســودان الـيـوم ليس وســـاطـــات تُــبـقـي جــــذور الأزمـــــة قــائــمــة، أو حـلـولا تُــســاوي بـن الــدولــة ومــن ينازعها وجـــــودهـــــا. مــــا يـــحـــتـــاج إلـــيـــه هــــو مــقــاربــة واضـحـة تعيد الاعـتـبـار لمـبـدأ بسيط لكنه حـــاســـم: لا اســتــقــرار دون دولـــــة، ولا دولـــة دون احتكار السلاح والقرار السيادي. هذا يتطلب دعــمــا صـريـحـا لــوحــدة الأراضــــي، ووقــــف الـــدعـــم الــخــارجــي بــالــســاح والمـــال لـ«الدعم السريع»، ورعاية مسار سياسي لا يُكافئ من يريد فرض نفسه بالقوة، بل يعيد بناء المؤسسات على أسـس وطنية، مهما كان الطريق صعباً. اللحظة الحالية بالغة الحساسية لأنها تتزامن مع مرحلة إعادة ترتيب شاملة في المنطقة تتخذ هذه الجماعات المارقة من القبائلية رافعة لها من أجل التغذّي على المدد المعنوي مضت السنة المنقضية وهي تتساءل عما ارتكبته لتتلقى كل هذا اللوم الذي طالها فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني سليمان جودة OPINION الرأي 14 من السودان إلى باب المندب: خريطة الصراع واحدة حول التجربة الليبية مع الجماعات الأصولية أمَّا السَّنة المنقضية فلا ذنب لها

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky