يعد رأس السَّنة فـرصـة ذهبية للمنجمين والـعـرافـن فـي الـظـهـور والـحَــديـث المتخيَّل عمَّا ســتــصــيــر عــلــيــه أحــــــــداث الـــــعـــــام. هـــــذه الأوهــــــام والمــــمــــارســــات الـــخـــاطـــئـــة يـــحـــشـــوهـــا الـــعـــرافـــون والدَّجالون في عقول الناس البسطاء، في نهاية كل عام. فـفـي مـثـل هـــذه الأيـــــام تـتـلـقـف الـفـضـائـيـات والإذاعــــــــــــات ووســـــائـــــل الــــتــــواصــــل الاجـــتـــمـــاعـــي العرافين؛ حيث يُــدلُــون بأحابيلهم وأكاذيبهم، بــــــدءا مــــن قـــــــراءة الـــفـــنـــاجـــن وأوراق الــــتــــاروت، مـرورا بمن يزعم قـراءة الطالع والكف، وآخرين يـسـتـخـدمـون عـلـم الأرقـــــام والــجــفــر، وجميعهم يــزعــمــون «المـــعـــرفـــة» بـالـغـيـب، ويـــدّعـــون معرفة المـسـتـقـبـل أو مـصـيـر الـــنـــاس مـــن خـــال الـنـجـوم والكواكب. وإن كان بعضهم يتهرَّب من تسمية مُنجّم، واصــفــا نفسه بالفلكي، فــي مـحـاولـة للتضليل وتــــجــــنُّــــب لــــفــــظ مــــنــــجــــم، ويــــســــتــــخــــدم بــعــضــهــم مــخــطــطــات مــثــل «هـــــوراســـــكـــــوب»، وهـــــو عــبــارة عن خريطة تُبين مراكز الكواكب ونسبتها إلى الأبـــــــراج وربـــطـــهـــا بـمـصـيـر الإنــــســــان وتـكـهـنـات أخــــرى، رغـــم أن هــنــاك دراســـــات حـديـثـة أظـهـرت اخــتــافــا كـبـيـرا فـــي الـتـقـويـم الـشـمـسـي المـرتـبـط بالأبراج وتواريخ ميلادها، بل هناك مَن يتحدث عن سنوات مفقودة، وأننا نعيش في أعوام غير التي نظنّها، وجميعها تكهنات لا إثبات علميا لها. فــالــرَّجــم بـالـغَــيْــب فــي الـلـغـة هــو كـمـن تكلّم بما لا يعلم ورجـم بالظن ورمـى به، على سبيل الظّن، من دون دليل ولا برهان، فالغيب علميا ينقسم إلى أنواع مختلفة، منها النسبي ومنها المطلق، ومن باب الغيب النسبي تسلل المنجمون والعرافون، فالتنجيم كانت نشأته عند البابليين في بلاد ما بين النهرين، فمنهم من راقب حركة النجوم والكواكب في مسارها في السماء، ورسم لــهــا خــــرائــــطَ، ووضــــع لــهــا رمــــــوزاً، مــثــل الــجــدي والميزان والسرطان والجوزاء والعقرب والقوس والحوت، وربطها بقدر الإنسان. وحقيقة القول قـد يُحالف الحظ بعضهم، إلا أنَّــه يبقى رهينا لــاحــتــمــالات، ونـسـبـة حــــدوث الـــحـــدث مـرهـونـة بنسبة تكراره، فالرجم بالغيب، خلاصة، يعني الكلام بلا دليل أو معرفة، ويبقى مجرد تخمين وظنون. التنجيم والرَّجم بالغيب ومحاولة جعلهما ضـــمـــن الــــعــــلــــوم الــتــطــبــيــقــيــة خـــطـــأ يـــقـــع ضـمـن مـــحـــاولات الــقــائــمــن عـلـيـه إقـــنـــاع الـــرافـــضـــن له بكونه مجرد «علم تطبيقي» يمكن الخوض فيه، ونــظــرا لشغف الإنــســان وولــعــه بمعرفة الغيب والاطــاع عليه، رغـم تحذير الخالق بـأن الغيب خالص له في قوله: «عَالِم الغَيْب فَلا يُظْهِر عَلَى غَيْبِه أَحَــداً»، فإن الإنسان خاض فيه فكان ظالما جهولاً. نحن نـؤمـن بالغيب لكنَّنا لا نـعـرفـه، وفقا للقرآن الكريم: «الَّذِين يُؤْمِنُون بِالْغَيْب وَيُقِيمُون الصَّلَة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُم يُنفِقُونَ». ولـــعـــل فـــي قــصــة الـــســـكـــارى الـــثـــاثـــة الــذيــن نـبـشـوا قـبـر نـــوســـتـــرادامـــوس -أشـــهـــر المـنـجّــمـن الذين عرفهم التاريخ- بعد وفاته بقرون عبرة توضّح أن القصة مختلقة؛ فقد قيل إنهم وجدوا في القبر نقشا يوافق تاريخ نبشهم، ما زاد من الأساطير حوله هذا المُنجم الفرنسي، الذي كان يقوم بكتابة الأحـــداث على شكل رباعيات غير مفهومة فــي كـتـابـه «الـــنـــبـــوءات»، الـتـي يصعب فـــك طــاســمــهــا، وهـــنـــاك مَــــن يــظــن أنـــهـــا تصلح لعصرنا، ويقال إنه تنبأ بنبش قبره بعد وفاته، وهي في الواقع ليست حقيقة تاريخية مثبتة، بل أسطورة شعبية. التنجيم عرفه العرب في الجاهلية، إذ كان بـعـض الــعــرب يـعـتـمـدون عـلـى المنجمين لمعرفة المــصــيــر أو الــتــنــبــؤ بـــــالأحـــــداث، ومــــن أشــهــرهــم «سطيح» و«شِــقّ» اللذان ارتبطت بهما قصص أسطورية خرافية كثيرة. وكــان هـنـاك ربـيـع بـن ربيعة مـن بني مـازن الأزد، وكان العرب يحتكمون إليه. وجـــــاء فـــي الإســــــام قــــول «كـــــذب المـنـجـمـون ولـو صـدقـوا»، وقـال رسـول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: «ل تُجَالِس أَصْحَاب النُّجُومِ». وكــــانــــت الــــعــــرب تُـــعـــد الــتــنــجــيــم مــــن أعــمــال الكهانة. ويكفي ذلـك في جـواب قس بن ساعدة لملك الـــروم عندما سـألـه: خبّرني هـل نظرت في الـنـجـوم؟ قـــال: مــا نـظـرت فيها إلا بـمـا أردت به الهداية، ولم أنظر فيما أردت به الكهانة. فالتنجيم هو ربط حركة الكواكب والنجوم بـــمـــصـــائـــر الـــــنـــــاس، وبـــعـــضـــهـــم الـــــيـــــوم يـــحـــاول تسميته علم الفلك، بل الزعم بأنه علم مختلف عـن التنجيم، وأنــه دراســـات احتمالية مرتبطة بـــحـــركـــة الــــكــــواكــــب ونــســبــتــهــا لمــــيــــاد الإنــــســــان وتأثيرها عليه للقول بــأن علم الفلك ليس هو الـتـنـجـيـم الــــذي عـرفـتـه الـجـاهـلـيـة قـبـل الإســـام ومــن بعدها الـعـصـور المظلمة فـي أوروبــــا، قبل أن تـنـهـض أوروبـــــا وتــرمــي التنجيم والـخـرافـة خلفها، وتـتَّــجـه نـحـو الـصـنـاعـة وتنمية عقول البشر. المشكلة أن مسألة التنجيم وإهــدار الإنفاق عـلـيـه إعـامـيـا فــي بـــاد الــعــرب أصـبـحـت عـــادة، ولــــو صـــرفـــت هــــذه الأمــــــوال فـــي أوجـــــه الـتـنـمـيـة، لاسـتـطـعـنـا انـــتـــشـــال بــــاد الـــعـــرب مـــن أســاطــن الـتـخـلـف، وتـحـقـيـق تـنـمـيـة مـسـتـدامـة تــبــدأ من العقل العربي بعد تـحـرره مـن سطوة التنجيم والكهانة. ثمة تقليد مألوف في بعض وسائل الإعلام وبالذات الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية، عـلـى أن تـــتـــوِّج الـــعـــدد الـــصـــادر مـــن صـحـيـفـة أو مجلة في اليوم قبْل الأخير من العام، باختيار شخصية ذات تأثير في اتخاذ خطوات أو قرارات ذات فعالية على صعيد الدولة التي يترأسها مَن هو شخصية العام، أو تكون لخطوات أو قرارات يُصدرها ذات تأثير فوري أو على المدى القصير بالنسبة لأوضاع في دول أُخرى. وكنَّا بالنسبة إلى الدولة العظمى الولايات المتحدة نترقَّب صــدور العدد الأخير من السنة لمجلة «تايم»، لنرى مَن هو الذي وضعت صورته عـلـى غـافـهـا «رجـــل الـــعـــام»، ومــثْــل هـــذا التقليد مـــن جـــانـــب «مــجــلــة تـــايـــم» كــــان يـلـقـى فـــي نفس مَـــن اخــتــارتــه الابــتــهــاج كــونــه يـمـيـزه عـــن سـائـر الرؤساء. إلـــــى الــتــقــلــيــد المــــشــــار إلــــيــــه كــــانــــت أطـــيـــاف مــن الــــرأي الــعــام تـتـابـع بـــدورهـــا، بـحُــكـم الـرصـد الـــدائـــم، الـعـمـل الـسـيـاسـي واتــخــاذ الـــقـــرارات من جــانــب كـوكـبـة مــن رؤســــاء دول الــعــالــم. وكـثـيـرا مـــا كـــان الــحــديــث فـــي مـجـالـس الأطـــيـــاف المـشـار إليها يتناول ما أنجزه هذا الرئيس أو ذاك مع تصنيف الإنـــجـــاز، بـحـيـث إذا وصـــل إلـــى الـرقـم الأعلى يُعتبر هذا الرئيس «رجل العام». في العام الـذي ودعناه أمـس الأربـعـاء، كان الـرئـيـس دونــالــد تـرمـب حـاضـرا فـي كـل يــوم من أيـام العام، والحضور يتسم بـقـرارات لم يسبق أن تجرَّأ رئيس للولايات المتحدة على اتخاذها، ســواء بالنسبة إلـى قضايا تنحصر في الدولة الأمـيـركـيـة، أو بالنسبة إلـــى الـعـاقـات مــع دول الــــعــــالــــم، وبـــــالـــــذات حـــيـــث المـــصـــالـــح الأمـــيـــركـــيـــة التجارية في الدرجة الأساس تتأثر بفعل ما يتم استحداثه في تلك الــدول، مما يأخذ من عوائد الشركات الأميركية. إلى ذلك نرى «رجل العام» (الرئيس ترمب) يـمـسـح بتوقيعه مـهـابـة بـعـض الــذيــن سـبـق أن تـرأسـوا الـدولـة الأميركية، ويتخذ من الـقـرارات ما بدا يعكس جنوحه نحو المواجهة مع آخرين، وهــــــذا يــتــمــثــل بـتـغــيــيــر تــســمــيــة وزارة الـــدفـــاع (البنتاغون) بحيث بات اسمُها «وزارة الحرب»، كما يستبدل تسمية مركز ثقافي أقيم تكريما لـلـرئـيـس جــــون كـيـنـيـدي الـــــذي قــضــى اغــتــيــالاً، بـــإطـــاق اســـم «مـــركـــز تــرمــب الــثــقــافــي» بــــدلا من «مركز جون كينيدي الثقافي». ما هو مهم في العام الترمبي هو وضْع حالة «حــمــاس» و«مـصـيـر غـــزة» عـلـى طـريـق الحسم. لـكـن ذلـــك سـيـبـدو أكــثــر وضــوحــا وربــمــا حسما فــي ضـــوء زيــــارة رئـيـس الـحـكـومـة الإسـرائـيـلـيـة بنيامين نتنياهو إلـى فلوريدا هـذه المــرة، التي باتت تندرج لكثرة القيام بها تقليدا لم يحظ به رئيس حكومة إسرائيلية مِن قبْل. ثمة أرقام تؤكد ارتباك الوضع الاقتصادي الذي تدهور حاله بعد الحرب البنيامينية على غزة، والصواريخ التي استهدفت مواقع أساسية داخــــل إســرائــيــل مــن بينها مــطــار بــن غــوريــون، وثمة معلومات مفادها أن ملياري دولار تحتاج إليها إسرائيل البنيامينية راهناً، لإعادة ترميم الوضع عمرانيا وصناعيا وسكنياً. وهنا تصبح زيــارة نتنياهو بين المناسبة زيـــارة 2025 المــيــاديــة ومـنـاسـبـة انــقــضــاء عـــام مَــن يريد مِــن «رجـل العام» إنقاذ ما في الإمكان إنقاذه. تكتمل مــواصــفــات «رجـــل الـــعـــام» بالنسبة إلـــى الـــولايـــات المــتــحــدة، و«رجـــــل الـــعـــام» لثلثي دول العام حيث تأثير سياسته، وقراراته تشكِّل إقـــاقـــا لــشــعــوب هــــذه الــــــدول مِــــن رفْـــــع مـنـسـوب الإنـــذار، فالتهديد إلـى حــالات حربية تــؤدي مع التكرار إلى اضطراب أنظمة فسقوطها. تـكـتـمـل المـــواصـــفـــات فـــي حــــال أخـــــذت كفة إحــــقــــاق الــــحــــق نــصــيــبــهــا مــــن رئــــيــــس الــــدولــــة العظمى دونالد ترمب، بحيث لا تفوته فرصة الاهـتـمـام بـالـوضـع الـصـحـي المـتـدهـور سكنيا فـــي غــــزة، واســـتـــمـــرار الـقـصـف بـــن حـــن وآخـــر على بيوت، كما الحال مع جنوب لبنان الذي لم يهنأ بما فيه الكفاية بوعود «رجــل العام» تـرمـب عـبْــر مبعوثيه، بـأنـه حـريـص عـلـى هـذا الـــوطـــن المــســتــبــاح. ومـــثْـــل هـــذا الاهــتــمــام الـــذي نشير إليه لا يتحمل انتظار إعـادة إعمار غزة أولاً، ولا اســتــكــمــال وضْــــع الــيــد الإسـرائـيـلـيـة وبعض الشركات النفطية والغازية الأميركية على بقية ثــروة فلسطين، ونعني بها كميات النفط في حقول سواحل غـزة، شأنها في ذلك شـــأن حــقــول «فـلـسـطـن المـحـتـلـة» فـــي سـواحـل حــيــفــا والـــرمـــلـــة وعـــســـقـــان. ومــــا يــخــص نفط سواحل غزة، فإنه يتصل بتدمير القطاع لكي يصبح إسرائيليا وبارتضاء الولايات المتحدة لذلك. في ضوء ما أوردناه ألا يبدو الرئيس ترمب أنه «ترمب رجل العام» في نظر أكثرية شعوب الــولايــات المـتـحـدة بمختلف أصـولـهـم، ومِنها الأصل الاسكوتلندي للرئيس ترمب، لكنَّه في واقع الحال ومِن قبل التكهن بما سيكون عليه ، هو «رجل العام الأممي»، وتلك حالة 2026 عام لم يسبق أن ارتبطت بشخص رئيس أميركي. وكـــل عـــام ونــحــن نـتـرقـب المـــأمـــول مِـــن هـذا «الرجل الاستثنائي». الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17201 - العدد Thursday - 2026/1/1 الخميس فؤاد مطر جبريل العبيدي رجل العام الأممي رأس السَّنة ودجل العرَّافين والمنجّمين
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky