في استديو الفنانة السعودية دانية الصالح ... نساء وذكاء اصطناعي وأغنيات حب

حديث حول الفن والمجتمع والتكنولوجيا

دانية الصالح في الاستوديو (الفنانة)
دانية الصالح في الاستوديو (الفنانة)
TT

في استديو الفنانة السعودية دانية الصالح ... نساء وذكاء اصطناعي وأغنيات حب

دانية الصالح في الاستوديو (الفنانة)
دانية الصالح في الاستوديو (الفنانة)

تجلس الفنانة السعودية دانية الصالح في الاستوديو الخاص بها في «أثر غاليري» بمبنى حي جميل بجدة، منكبَّةً على عملها ومحاطة بأعمال معرضها الأخير. ترحب بالزائر العابر للاستوديو، وتشرح لمن يريد الاستفسار عن أعمالها. للفنانة شعائر عمل ومكملات «مزاجية» تتمثل في القهوة العربية التي تقدم لي منها قدحاً نُطلق على أبخرته العبقة برائحة الهيل حديثاً طويلاً يمر على محطات مسيرتها الفنية وأعمالها الموجودة حولنا في الاستوديو.

تتحدث دانية الصالح عن بداياتها في الفن عبر الرسم ثم دخولها عوالم التقنية والذكاء الاصطناعي. النقلة حدثت، كما تقول، بعد مرحلة الماجستير (حصلت على ماجستير في الفنون الحاسوبية من كلية غولد سميث في عام 2020): «بدأتُ بدمج التقنيات في أعمالي وتطعيم الأعمال بالتكنولوجيا، وربما ساعد ذلك في التعريف بأعمالي على نحو أوسع».

لم تبتعد عن الرسم كما عرفته، ولكنها قررت الاستفادة منه عبر الذكاء الاصطناعي: «مرت عليَّ فترة كنت أنفذ فيها رسوماً تعتمد على أشخاص مزيفين، أو حسب المصطلح فهي أعمال تعتمد التزييف العميق (بالإنجليزية: Deepfake)». رؤيتها لنظرية التزييف العميق تتيح لنا معرفة المزيد حول طريقتها في العمل، تُرجع الأسلوب لمفهوم فلسفي «المحاكاة»: «تعتمد على تصوير نسخة عن نسخة عن نسخة من الأصل حتى نصل إلى مرحلة تصديق النسخ ونسيان الأصل، ونبدأ بالتعامل مع النسخ ونسيان مُنشئها».

عمل بعنوان «36» للفنانة دانية الصالح (الفنانة)

تشرح خطوات عملها في تكوين البورتريه «المزيف» «بعد تكوين صور الأشخاص الزائفين أرسم لوحات شخصية لهم ثم بعد ذلك أحوِّلها على لوحات القماش، وأستخدم ألوان الأكريليك لتلوين الخلفيات... أعتقد أني بهذا الشكل أتلاعب بالإدراك البشري، وأطلب من الناظر ألا يأخذ الأمور على ظواهرها. باختصار هذا ما أقوم به، وأسمّيه التكييف الاجتماعي. «أغنيات الحب والذكريات، ما رد فعل المشاهد هنا؟ هل يستقبل المتلقي ذلك التلاعب الموجَّه نحو إحساسه وإدراكه لما يرى أمامه؟»، تصف ردود الفعل بـ«المثيرة جداً والمهمة»، وتضرب المثل بعمل لها عُرض ضمن فعاليات «نور الرياض» في عام 2022. حمل عنوان «قصص الحب»، تقول: «من أقوى ردود الفعل على أعمالي كانت حول عملي في (نور الرياض)». العمل الذي عُرض في مساحة عامة في وسط مدينة الرياض خلط بين المعروف وغير المعروف، بين الحقيقي والمزيف، ولكن الرابط بين كل هذه العناصر كان حقيقياً، وتَمثل في مقاطع من أشهر أغاني الحب العربية. «كل ما فعلته كان استكشاف التعبير العلني عن أحاسيس الحب». في الواقع العربي تعد قصائد الغرام والأغاني العاطفية من أساسيات الثقافة الاجتماعية، ولكن هناك دائماً الحواجز التي تجعل التعبير العلني عن العاطفة على نحو فردي أمراً محفوفا بالمحاذير، «نحتفل بأغاني الحب والغرام وبالقصائد العاطفية، ولكن في الواقع يدخل الأمر في حيز (التابو) عند كثير من الناس، وتتحول الأحاسيس المسموح بها في الغناء والفن إلى أمر حساس إذا دخل إلى حيز العائلات».

«قصص الحب 2022» لدانية الصالح خلال عرضه في «نور الرياض» (تصوير: نيك جاكسون)

تعمد دانية الصالح إلى طريقة مبتكرة للتعامل مع موضوعها: «كل ما فعلته هو اختيار عدد من أغنيات الحب الشهيرة في منطقة الشرق الأوسط، من أم كلثوم إلى عبد المجيد عبد الله وأحلام وغيرهم، ثم كوَّنت 26 شخصية مزيفة عبر الذكاء الاصطناعي، 13 رجلاً و13 امرأة بملامح عربية في إطارات كبيرة وُضِعت في مساحة عامة بعضها بمواجهة بعض، حيث يبدأ الرجل بالغناء بينما تنظر إليه المرأة في الإطار المقابل، وما إن ينتهي حتى تنطلق المرأة في غناء أغنية أخرى وهكذا».

ردة الفعل كانت مثيرة جداً، التقطت عبرها تأثير تلك اللوحات في إثارة مشاعر متباينة لدى أفراد الجمهور: «بعض الناس كانوا يتوقفون أمام العمل، آخرون كان يتساءلون عمّا يحدث أمامهم، وكثيرون استفسروا عن هوية المغنين. أوقفني أحدهم ليقول لي إن الأغنيات أثارت داخله حنيناً إلى الماضي، حكى لي قصة لقائه زوجته. شباب آخرون كان يسألون عن وجود الحب الحقيقي.

قالت لي سيدة كبيرة: هذا الكلام غير موجود الآن». العمل فتح موضوعات كثيرة للنقاش، وأُعده من أكثر الأعمال التي نجحت في الوصول للمتلقي. «هل ترى أن التأثير كان سيكون بنفس القوة إذا كنت استخدمت صوراً للمغنين الأصليين؟» ترى أن استخدام الشخصيات «المزيفة» نجح أكثر في التواصل مع الجمهور، من المحتمل أنهم رأوا في تلك الشخصيات انعكاساً لأنفسهم أو أنهم «أفاتار» فكل شخص وضع نفسه مكان الشخص المغني. لا تداعب دانية الصالح الذكريات لمجرد إشباع الإحساس بالحنين إلى الماضي، بل هي تجرِّدها من كثير من صفاتها، فالأغاني الشهيرة نراها من خلال أشخاص صنعتهم التقنية المتقدمة، وبذلك ينتفي الرابط مع جانب كبير من الذكرى.

تلجأ إلى تركيب شخصية مختلفة لا تربطها بالمشاهد أي ذكرى أو حنين مشترك، بهذه الطريقة تحرر المُشاهِد من بعض رواسب قديمة، وتتركه ليكوّن روابط جديدة مع أغنية تعود من عمق الذكريات في هيئة يستطيع قولبتها حسب خياله وتفاعله. الماضي عبر الذكاء الاصطناعي يبدو في استدعاء مشاهد الماضي ومعاملتها بطريقة عصرية وملامح أسلوب فني خاص اعتمدته الفنانة، وهو ما تفعله في عمل آخر استخدمت فيه لقطات من أفلام العصر الذهبي للسينما المصرية. تقول إنَّ العمل كان يتعامل مع مفهوم «الاختفاء»، وتضيف: «شاهدت الكثير منها، وبدأتُ بتجميع لقطات تدور حول 15 تيمة محددة تتكرر في الأفلام القديمة منها على سبيل المثال اجتماع العائلة على مائدة الإفطار، واللقطات المقربة على الوجوه، ولقطات في السيارة، ومشاهد رنين الهاتف القديم، وغيرها من الثيمات المتكررة». تقول: «قمت بجمعها، ومرَّنت أدوات الذكاء الاصطناعي على اللقطات والمقاطع التي جمعتها من تلك الأفلام، لتكوين صور مشابهة للأصل، أردتها أن تبدو مضبَّبة ومشوَّشة». من تلك اللقطات الخاطفة كوَّنت الفنانة مقاطع تجتمع في تيمة محددة: «عندما نرى المقاطع نرى كل الذكريات من الطفولة (عبر مشاهدة الأفلام) مختزلة في 10 دقائق مركَّزة تعرض لنا تيمة فأخرى، وهكذا، في تلاعب إلكتروني بالشعور والإحساس بالحنين».

«قصص الحب 2022» لدانية الصالح خلال عرضه في «نور الرياض» (تصوير: نيك جاكسون)

ردود فعل المشاهدين اختلفت حسب الشريحة العمرية، فالجيل الأكبر الذي نشأ على مشاهدة تلك الأفلام على التلفزيون اختلف في تعامله مع المقاطع بخلاف الجيل الأصغر الذي لم تكن له ذكريات معها. لمن مثَّلت الأفلام جزءاً من تكوينهم العاطفي والثقافي كانت تلك الأفلام تحمل واقعاً منفصلاً عن الحياة اليومية: «كنا نرى قصص الحب وأوقات السهر والمرح والأبطال المحببين، كل ذلك من مسافة، كان مسموحاً لنا بالتفرج، ولكن الواقع الاجتماعي لم يكن يسمح بالتقليد». مرة أخرى تتحدث الفنانة عن «التكييف الاجتماعي»، وعن استكشاف الأفكار التي كوَّنت ذاكرة أجيال وطريقة تعامل المجتمع معها. نفس الأمر الذي طرحته في تقديم أغاني الحب، وترى أن العملين مرتبطان: «نحن نردد الأغاني، ونحفظ قصائد الحب، ولكن في الحقيقة هذا ليس هو واقعنا، نفس الشيء في الأفلام، ربما كانت متنفساً للمشاعر وليست بالضرورة أن تكون حقيقة للمشاهد. هذا ما أحب في فكرة التكييف الاجتماعي، كيف أننا متكيفون مع النظر إلى شيء بطريقة محددة مع الأفلام أو الأغاني وغيرها».

ارتداء الأقنعة

الشخصيات في أعمالها لها ملامح تُشبهنا، ولكنها لأشخاص غير واقعيين، بعض الأعمال تستخدم الصور المضببة والغائمة للوجوه، كأنهم أشخاص نعرفهم، ولكنهم يرتدون أقنعة لا تكشف شخصياتهم الحقيقية. على جدار في الاستوديو عمل يحمل عنون «تقاطعات»، مكون من ثلاث شاشات تعرض مقاطع فيديو مركَّبة على خلفيات ثابتة تمثل مدينة الرياض. المقاطع المتحركة مقطَّعة على هيئة شرائط طولية، تبدو من خلالها وجوه لسيدات وفتيات يتحدثن، وبحكم أن الصور غير مكتملة فكل ما نشاهده هو مقاطع طولية وأجزاء من وجوه لنساء لا نعرفهن، بوضع السماعات والجلوس لبعض الوقت أمام العمل تتفتح أمامنا نوافذ على حياة كل واحدة من النساء، يتحدثن ويروين تفاصيل بينما الخلفية ثابتة لا تتحرك. تشبّه الصالح الشرائط الطولية بالمشربيات الخشبية على نوافذ البيوت القديمة في جدة، تطل النساء من تلك الفتحات على المشاهد، كأنهن يسترقن النظر من خلف فتحات المشربيات الخشبية.

«تقاطعات» للفنانة دانية الصالح (تصوير: محمد فتال)

التضاد بين الخلفية بألوانها الأحادية، الأبيض والأسود، مع الألوان في اللقطات الحية يصنع فارقاً كبيراً من الناحية البصرية، التضاد يظهر أيضاً في الحركة والسكون، ويمتد للأصوات التي تعلو، وتخفت، تتحدث السيدات فيأخذن المشاهد من هدوء وسكينة المدينة إلى حياة وتفاصيل وحركة، ثم تخفت الأصوات، ونغوص في قاع المدينة الساكنة في الخلف.

العمل نفَّذته الفنانة ضمن معرض بعنوان «صور منسوجة وأحلام مدينة» الذي أُقيم خلال شهر رمضان الماضي في غاليري «الفن النقي» بالرياض. تقول إنَّ المعرض كان نتاج إقامة فنية شاركت فيها مع الفنانة الفرنسية كاثرين جفلر. عبر لقاءات مع 57 سيدة جمعت الفنانة كمّاً هائلاً من المادة البصرية: «الإقامة كانت في الرياض، قررنا وقتها استكشاف مَن هنّ السيدات اللواتي يعشن في المدينة، وشملت اللقاءات سيدات من جنسيات مختلفة، ومن خلفيات اجتماعية وتعليمية مختلفة أيضاً، ألقينا عليهم ذات الأسئلة، واستمرت المقابلات لعشرة أيام، بعدها قمت بالعمل على التفسير الخاص بي لتلك المقابلات، وكذلك فعلت زميلتي الفنانة الفرنسية، وفي العرض تقاسمنا مساحة العرض بيننا لتقديم وجهتَي نظر حول قاطنات الرياض».

«تجمع» للفنانة دانية الصالح (تصوير: محمد فتال)

باستخدام مقاطع فيديو لنفس السيدات نفّذت الفنانة عملاً ثانياً بعنوان «التجمع»، السيدات هنا أيضاً غير محدَّدات الملامح (هذه المرة للحفاظ على خصوصيتهن)، ولكنهن حقيقيات، عبر الشريط المرئي نرى وجوههن وحركة الرأس والإيماءات «في هذا العمل تبدو السيدات كأنهن مُجتمِعات في غرفة واحدة، يتحدثن ويشاركن المشاهِد مشاعرهن، نستطيع رؤية الحركة الغائمة لكل منهن، ولكن المشاعر والأحاسيس واضحة هنا، يتحدثن عن الوحدة، وعن الحب والعلاقات، وعن الشعور بالرفض. تروي كيف أثار العمل مشاعر لدى بعض الزوار من البكاء، للحزن، للتفكير في قرارات حياتية.

دانية الصالح في الاستوديو (الفنانة)

النظرة الجمعية

من المقابلات نفَّذت الفنانة عملاً آخر، ولكنه يعتمد على الرسم، إذ تعرض 196 رسمة بمقاس A4: «بعد مشاهدة التسجيلات المستمدة من المقابلات التي امتدت على مدار40 ساعة، قمت باختيار انطباعات مصغرة عكست وجوه تلك السيدات»، وعبر كل رسمة ركزت الفنانة على «النظرة الأنثوية» التي تمر سريعاً أو تبقى ثابتة على الوجه، تلك النظرة التي تمنح المرأة كيانها الخاص: «سمَّيتُ القطعة (عبر عيونهن) وجمعت النظرات المتشابهة، ونسَّقتها حسب اتجاه الوجه من اليسار إلى الأسفل ثم إلى اليمين، وأخيراً النظرة المباشرة التي نسّقتها في وسط العمل الفني وضعت النظرة المباشرة في مواجهة المشاهد في منتصف العمل، وهي نظرة تحمل بعض التحدي والإحساس بالثقة والتمكن». أترك الفنانة وأحمل معي وجوهاً وأصواتاً سمعتها عبر أعمالها، عن نساء ومشاعر وتحديات، وفي خيالي تمتزج الوجوه المنفَّذة بالذكاء الاصطناعي مع وجوه أخرى حقيقية غير واضحة المعالم مصاحبة بأصوات مختلفة تحكي عن تجارب ومشاعر وخيبات أمل.


مقالات ذات صلة

«الأبد هو الآن» يراهن على الأيدي الناعمة في استدعاء روح الماضي

يوميات الشرق «الأبد هو الآن» معرض يقام أمام الأهرامات (من الملصق الترويجي للمعرض)

«الأبد هو الآن» يراهن على الأيدي الناعمة في استدعاء روح الماضي

في نسخته السادسة، يبدو معرض «الأبد هو الآن» محملاً بسمتين مختلفتين عن الدورات السابقة، إحداهما تتمثل في الهيمنة النسائية اللافتة بمعدل 5 فنانات من أصل 8 فنانين.

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق إقبال لافت على منطقة المغامرات في المعرض (معرض الصيد والصقور السعودي الدولي)

مسارات صخرية وخيل ومركبات... «المغامرة» توسّع تجربة زوار «الصقور والصيد السعودي الدولي»

بين الصخور والمسارات المرتفعة تبدأ واحدة من أكثر التجارب حركة في معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر

ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر

في منطقة ترسانة بإسطنبول، وعلى امتداد ساحل القرن الذهبي حيث كانت تُبنى السفن العثمانية، يشعر الزائر بأنه يقف عند تقاطع بين التاريخ والحاضر.

عبير مشخص (اسطنبول)
يوميات الشرق عبد الرسول سلمان يستعيد في لوحاته ملامح من ذاكرة الكويت (الشرق الأوسط)

بيوت الكويت القديمة تفتح نوافذها في القاهرة

لا تنفصل تجربة عبد الرسول سلمان عن مسيرته في المشهد التشكيلي الكويتي والخليجي.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق قرنان يفصلان اليد عن بصمتها (أ.ب)

«رسالة حبّ كبرى» عمرها قرنان تعود إلى روما

المرة الأخيرة التي بيعت فيها اللوحة كانت عام 2014، حين دفع أحد هواة جمع الأعمال الفنية 30.3 مليون جنيه إسترليني لقاءها...

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسيس هالزن: كنت أشعر بالتعاسة لعدم فوزي بـ«نوبل الفيزياء»

العالِم البالغ من العمر 82 عاماً هو العقل المدبر لإنشاء مرصد «آيس كيوب» (إ.ب.أ)
العالِم البالغ من العمر 82 عاماً هو العقل المدبر لإنشاء مرصد «آيس كيوب» (إ.ب.أ)
TT

فرنسيس هالزن: كنت أشعر بالتعاسة لعدم فوزي بـ«نوبل الفيزياء»

العالِم البالغ من العمر 82 عاماً هو العقل المدبر لإنشاء مرصد «آيس كيوب» (إ.ب.أ)
العالِم البالغ من العمر 82 عاماً هو العقل المدبر لإنشاء مرصد «آيس كيوب» (إ.ب.أ)

يمتلك عالمُ الفيزياء البلجيكي - الأميركي فرنسيس هالزن، الحائزُ جائزة «نوبل» في الفيزياء لهذا العام، سجلاً حافلاً ومثيراً للإعجاب من التكريمات الأكاديمية، لكنه يعترف بأنه كان يشعر بـ«التعاسة» في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، عندما يحل موعد الإعلان عن جوائز «نوبل»؛ لعدم فوزه بتلك الجائزة.

وقال هالزن، في مؤتمر صحافي عُقد الثلاثاء، بجامعة ويسكونسن - ماديسون الأميركية، حيث يعمل أستاذاً لفيزياء الجسيمات: «أشعر بالارتياح الشديد الآن، فالأمر لم يكن متوقعاً بالكامل». وقد كان هالزن يتحدث عبر تقنية الفيديو من غرفة فندق في إيطاليا، حيث كان يحضر اجتماعاً علمياً.

وأضاف: «في هذا الوقت من العام، كنت أشعر دائماً بالتعاسة لأنني لم أفز بالجائزة، وكنت أفكر... كم كان الأمر محبِطاً لزملائي المتعاونين معي الذين استحقوها بجدارة».

وتابع: «كنت أشعر بأنني خذلت فريق (آيس كيوب) بأكمله في شهر أكتوبر من كل عام. لذا؛ فقد حُلّت تلك المشكلة أخيراً، وأنا ممتن جداً لذلك».

أعرب هالزن عن سعادته بالفوز أخيراً بجائزة «نوبل» المرموقة (رويترز)

ويُعدّ العالِم، البالغ من العمر 82 عاماً، العقل المدبر وراء مرصد «آيس كيوب» للنيوترينو، وهو تلسكوب مدمج داخل كتلة من الجليد يبلغ حجمها كيلومتراً مكعباً واحداً في القارة القطبية الجنوبية. وتتمثل مهمته في رصد جسيمات النيوترينو، وهي جسيمات تكاد تكون عديمة الكتلة، ونادراً ما تتفاعل مع المواد الأخرى.

وفي كل ثانية، يمر نحو 65 مليار نيوترينو آتٍ من الشمس عبر ظفر أصبعك الصغيرة. وتحمل تلك الجسيمات الآتية من أعماق الفضاء في طياتها أدلة على ألغاز كونية.

وقد أشاد هالزن، الذي نشأ في بلجيكا، بجهود نحو 450 شخصاً من أكثر من 12 دولة، أسهموا في تحويل الفكرة؛ التي ابتكرها في أواخر ثمانينات القرن الماضي، واقعاً ملموساً.

وقال عن جامعته: «لقد واجهتْ جامعة ويسكونسن تحديات هائلة وخاضت مخاطر كبيرة في هذا المشروع. كان علينا اجتياز محطات عدَّة ومراحل حاسمة، وكان من الممكن أن يفشل المشروع في أي منها».

كما أعرب عن شكره «مؤسسة العلوم الوطنية (NSF)» على تبنّيها المشروع والمخاطرة بدعمه، قائلاً: «عند النظر إلى الوراء، يدهشني ذلك الأمر؛ فلست متأكداً مما إذا كان من الممكن حدوث ذلك اليوم، لكنه حدث بالفعل، وكنا محظوظين للغاية».

يُذكر أن إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، دعت إلى إجراء تخفيضات كبيرة في ميزانية «مؤسسة العلوم الوطنية (NSF)»، وهي الوكالة الأميركية المسؤولة عن تمويل الأبحاث الأساسية، ووجّهتها إلى التركيز على الأولويات التكنولوجية.

كان علماء الفيزياء، قبل هالزن، قد اقترحوا إمكانية استخدام الماء لرصد النيوترينوات الآتية من الفضاء؛ فعندما يصطدم نيوترينو بنواة ذرية، فإنه يولّد جسيماً مشحوناً يتحرك في الاتجاه نفسه ويُصدر ضوءاً أزرق يمكن رصده بفضل شفافية الماء.

فرنسيس هالزن الحائز جائزة «نوبل» في الفيزياء لعام 2026 (إ.ب.أ)

وقد تمثّلت القفزة النوعية التي حققها هالزن في استخدام الجليد بدلاً من الماء؛ فالجليد، على عكس الماء السائل، لا تعكّر صفوه الكائنات الحية، كما أنه يحافظ على ظلمته الثابتة في الأعماق السحيقة.

لقد كان تحويل هذه الفكرة واقعاً ملموساً تحدياً شاقاً، غير أن الصور الأولى للنيوترينوات، التي التقطها نموذج تجريبي أولي سابق لمشروع «آيس كيوب»، أثارت في نفس هالزن «أعظم شعور بالإثارة» اختبره طيلة مدة عمله في هذا المشروع. وقال: «كان الأمر مذهلاً حقاً؛ فنجاحنا في جعل النظام يعمل كان إنجازاً رائعاً».

ويعمل مرصد «آيس كيوب» بكامل طاقته منذ عام 2011، وقد نجح في رصد نيوترينوات عالية الطاقة آتية من مجرة بعيدة تقع في اتجاه «كوكبة الجبار (أوريون)»، بالإضافة إلى نيوترينوات أخرى مصدرها مجرتنا؛ «درب التبانة».

وبشأن المستقبل، أشار هالزن إلى أنه كلما فتحت البشرية «نافذة جديدة على الكون»، ثبت خطأ التوقعات بشأن ما سيلي ذلك.

وقال: «من المستحيل التنبؤ بما سيتمخض عنه هذا الأمر، لكن النتائج كانت دائماً رائعة، ولا يوجد سبب يمنعنا من الاعتقاد أنها ستكون رائعة في المستقبل أيضاً».


«منتدى الأفلام السعودي» يعود إلى الرياض أواخر أكتوبر

يشكل المنتدى منصة تجمع المستثمرين وصناع الأفلام (هيئة الأفلام)
يشكل المنتدى منصة تجمع المستثمرين وصناع الأفلام (هيئة الأفلام)
TT

«منتدى الأفلام السعودي» يعود إلى الرياض أواخر أكتوبر

يشكل المنتدى منصة تجمع المستثمرين وصناع الأفلام (هيئة الأفلام)
يشكل المنتدى منصة تجمع المستثمرين وصناع الأفلام (هيئة الأفلام)

تنطلق النسخة الرابعة من منتدى الأفلام السعودي يومي 28 و29 أكتوبر (تشرين الأول) في استوديوهات جاكس للأفلام بالرياض، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة ورئيس مجلس إدارة هيئة الأفلام. وتشرف هيئة الأفلام على المنتدى، فيما تتولى شركة «بنش مارك» تنظيمه تحت شعار «لقاء صُنّاع المشهد»، بمشاركة قيادات القطاع وصُنّاع القرار والمحترفين والمختصين في صناعة الأفلام.

ويأتي المنتدى في نسخته الجديدة لمواصلة دوره في تمكين صناعة الأفلام في المملكة وتطويرها، وتعزيز فرص الاستثمار والشراكات في القطاع، بما يتسق مع الاستراتيجية الوطنية للثقافة المرتكزة على «رؤية السعودية 2030». كما يصف الموقع الرسمي للمنتدى فعالياته بأنها منصة تجمع صنّاع السينما والمستثمرين والمبدعين، وتستهدف بناء الشراكات وفتح آفاق الأعمال والإبداع، بما يدفع صناعة الأفلام نحو حضور عالمي.

ويمثل المنتدى منصة أعمال متخصصة تجمع أطراف المنظومة السينمائية، من شركات الإنتاج والتوزيع إلى مزوّدي الخدمات التقنية، والجهات الاستثمارية وصناديق التمويل، والمؤسسات التعليمية والجهات الحكومية ذات العلاقة. ويتيح هذا اللقاء فرصاً لبناء الشراكات وعقد الاتفاقيات وتبادل الخبرات بين العاملين في القطاع، فيما يضع الموقع الرسمي للشركات والمشروعات دوراً محورياً في رسم مستقبل الأفلام السعودية.

لقطات من نسخة العام الماضي (هيئة الأفلام)

وتُقام نسخة 2026 بصيغة فعالية مهنية متخصصة تمتد يومين، وتستهدف العاملين والمهتمين بقطاع الأفلام من شريحتين رئيسيتين: القادة وصُنّاع القرار من رؤساء الشركات والجهات الحكومية والمؤسسات غير الربحية المعنية بالقطاع، والمحترفين والمختصين من منتجين ومخرجين وكتّاب سيناريو وشركات إنتاج وتوزيع ومزوّدي خدمات فنية وتقنية.

ويتضمن المنتدى مؤتمراً يحتضن جلسات حوارية، ومعرضاً للشركات ذات الصلة بقطاع الأفلام، إلى جانب ورش عمل متخصصة. وتتيح هذه الفعاليات للمشاركين تبادل المعرفة والخبرات والتواصل مع الجهات والشركات العاملة في الصناعة. في حين تأتي نسخة 2026 امتداداً لمسيرة من الشراكات التي أثمرها المنتدى؛ إذ شهدت النسخ الثلاث الماضية توقيع 94 اتفاقية بقيمة إجمالية تجاوزت مليار ريال سعودي (266.7 مليون دولار).

وأكدت هيئة الأفلام أن المنتدى يعزز مكانة المملكة باعتبارها مركزاً لدعم صناعة الأفلام وتمكينها في المنطقة، علاوة على أنه يسهم في بناء قطاع سينمائي سعودي مزدهر وقادر على المنافسة إقليمياً ودولياً.


تعطل معظم دورات المياه يجبر طائرة أميركية على تغيير مسارها والهبوط اضطرارياً

 طائرة تابعة لشركة «أميركان إيرلاينز» (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «أميركان إيرلاينز» (رويترز)
TT

تعطل معظم دورات المياه يجبر طائرة أميركية على تغيير مسارها والهبوط اضطرارياً

 طائرة تابعة لشركة «أميركان إيرلاينز» (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «أميركان إيرلاينز» (رويترز)

اضطرت طائرة تابعة لشركة «أميركان إيرلاينز»، تقل 287 شخصاً في رحلة طويلة من مدريد إلى دالاس، إلى تغيير مسارها والهبوط في نيويورك، بعدما تعطلت 6 من أصل 8 دورات مياه على متنها، ولم يتبقَّ للركاب سوى مرحاضين صالحين للاستخدام.

وكانت الطائرة، وهي من طراز «بوينغ 777»، متجهة إلى مطار دالاس-فورت وورث الدولي في رحلة تستغرق عادة أكثر من 10 ساعات، قبل أن يقرر الطاقم تحويل مسارها إلى مطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك، بعد ظهر الثلاثاء، وفقاً لشبكة «سي إن إن».

وقالت إدارة الطيران الفيدرالية، في بيان، إن «الرحلة رقم 37 التابعة لشركة (أميركان إيرلاينز) هبطت في مطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك، بعد أن أبلغ الطاقم عن عدم توفر عدد كافٍ من دورات المياه الصالحة للاستخدام».

وتضم طائرات «بوينغ 777» التابعة لشركة «أميركان إيرلاينز» عادة ثماني دورات مياه، إلا أن اثنتين فقط كانتا تعملان على متن هذه الرحلة.

وخلال اقتراب الرحلة «أميركان 37» من مطار جون إف كينيدي الدولي، أبلغ الطيار برج المراقبة الجوية بالمشكلة، قائلاً: «لدينا مرحاضان فقط يعملان على متن الطائرة».

وسعى المراقب الجوي إلى التأكد من المعلومة، سائلاً: «قلتَ إن هناك مرحاضين فقط، هل هذا صحيح؟»، ليرد الطيار: «هذا صحيح».

لكن مشكلة دورات المياه لم تكن التحدي الوحيد الذي واجه الطاقم قبل الهبوط. فالطائرة كانت لا تزال تحمل كمية من الوقود تكفي لأكثر من أربع ساعات من الطيران، ما جعل وزنها يتجاوز الحد المسموح به للهبوط في الظروف العادية.

وقد يؤدي الهبوط بطائرة يزيد وزنها على الحد المعتاد إلى مشكلات، من بينها ارتفاع درجة حرارة المكابح. وفي ضوء ذلك، أعلن الطيار حالة «بان-بان» (Pan-Pan)، وهو مصطلح دولي يُستخدم للإبلاغ عن حالة عاجلة تتطلب اهتماماً فورياً، لكنها لا ترقى إلى مستوى حالة طوارئ تنطوي على تهديد مباشر للحياة.

وهبطت الطائرة بسلام في نيويورك، قبل أن تستأنف رحلتها إلى دالاس بعد توقف استمر أكثر من ثلاث ساعات، وفقاً لموقع تتبع الرحلات الجوية «فلايت أوير» (FlightAware).

ورغم عدم اتضاح طبيعة العطل الذي أصاب دورات المياه على متن هذه الطائرة تحديداً، أوضح خبراء لشبكة «سي إن إن» أن مراحيض الطائرات تعتمد على أنظمة معقدة تعمل بضغط الهواء، ما يجعلها عرضة للانسداد وغيره من الأعطال.

وقد تكون معالجة هذه الأعطال أكثر تعقيداً مما تبدو عليه، نظراً إلى طبيعة شبكة الأنابيب المستخدمة في أنظمة الصرف داخل الطائرات.

وفي هذا السياق، قال نايجل جونز، وهو مهندس سابق في الخطوط الجوية البريطانية، لشبكة «سي إن إن» عام 2024: «إنها مجرد أنابيب صغيرة، ومع ذلك يلقي الناس فيها أشياء مثل الحفاضات؛ بل لقد رأيت أدوات مائدة وعلب مشروبات غازية تُلقى بداخلها، إذ يراودهم فضول لمعرفة ما إذا كانت ستمر عبر الأنابيب أم لا».

وأوضح جونز أن العثور على موضع الانسداد وإصلاحه قد يتحول إلى عملية طويلة بسبب تعقيد نظام الأنابيب داخل الطائرة، مضيفاً: «قد تستغرق عملية الإصلاح أياماً؛ نظراً لوجود شبكة واسعة ومعقدة من الأنابيب التي تتطلب تفكيكاً لتحديد مواقع الانسداد».