الثلاثـاء 13 ربيـع الثانـى 1433 هـ 6 مارس 2012 العدد 12152 الصفحة الرئيسية







 
غسان الإمام
مقالات سابقة للكاتب    
سين وجيم حول عسكرة الانتفاضة السورية
سباق بين الأمركة والأسلمة لاحتواء الانتفاضة
مصير نظام الأسد تقرره حرب الاستنزاف
الصراع الاجتماعي وجه آخر للمأساة السورية
في انتظار المساومة بين بوتين وأوباما
العرب بين «ماما» أميركا و«خالتي» إيران
المتغيرات التي حولت بشار إلى شمشون
من قارئ إلى الصحافيين فقط!
هل يمكن تأجيل المشروع الديمقراطي؟!
إبحث في مقالات الكتاب
 
قراءة في دستور الشبيحة

غريزة الامتلاك في النفس الإنسانية ترافقها دائما شهوة جارفة للسلطة. للسيطرة على الآخرين. يقول نيتشه: «من يعرف كيف يقود، يجد دائما من يجب أن يطيع». في خداعنا لأنفسنا، فنحن ندرج سوق القطعان البشرية تحت ما نسميه «الإنسان مخلوق اجتماعي». فهو إنسان ودود. مطيع. ميال في فطرته إلى التجمع.

هذه السيطرة السلطوية هي أساس الشقاء الإنساني. فالسلطة معقدة جدا. تنمو. تتسع شباكها بمجرد احتكار ممارستها باستمرار. القيصر يفضل أن يكون الأول في فريقه، على أن يكون الثاني في عاصمته. ويبدو أنه شقاء لا بد منه. لأنه لا بد من التعاون للتغلب على قوى الطبيعة، ولتطويعها في خدمتنا، نحن أشقياء الاجتماع وضحاياه. مع التقدم الحضاري المتدرج للإنسانية، أفاق العقل والضمير على الحاجة إلى تهذيب السلوك الإنساني، في التعامل مع الذات والغير. بدأ البحث عن أداة غير القوة للسيطرة. ولامتلاك السلطة. هنا على الأرض العربية، سن حمورابي القانون أساسا لتعامل الدولة مع الإنسان. والإنسان مع الإنسان.

بعد حمورابي، صاغ أرسطو السياسة أساسا للحكم والإدارة. جاء أفلاطون بالجمهورية الفاضلة. المدينة المؤسسة على العقل. المنطق. أي على الثقافة في أسمى صورها: الفلسفة.

ثم بعد ألف سنة، انطلقت صيحة عربية تحت منبر الإسلام. دوى سؤال استنكاري لعمر بن الخطاب: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!». بعد ألف سنة ثالثة، بدأ التفكير جديا لدى فلاسفة عصر التنوير (مونتسكيو. روسو. كانت) بوضع ناظم تعاقدي لتنظيم التعامل بين الدولة والمجتمع: الدستور الملهم للقوانين.

مع ولادة الجمهورية، بات الدستور رمزا للحرية. مهمة الدستور إرساء نظام عاقل. منفتح. مستقر، سواء كان التشريع مستلهما من الفضيلة الأخلاقية والدينية (الشريعة). أو مستقى من التشريع الوضعي الحداثي.

مع الناظم القانوني (الدستور)، باتت الدولة أداة السلام المدني، والأمن الاجتماعي، من دون إكراه. وبلا خداع، سواء كانت جمهورية. أو ملكية وراثية.

كان النضال العربي من أجل الاستقلال ديمقراطيا. بل دستوريا. عرفت مصر دستورها مع سعد زغلول، منذ عام 1923. عرفت سوريا أول برلمان ديمقراطي، في ذروة نضالها ضد الاستعمار (1928). عرفت دول المغرب العربي أشكالا متقدمة للحزبية الديمقراطية، خلال نضال مماثل.

لكن لماذا شقي العرب بغريزة امتلاك السلطة؟ كسب العرب الاستقلال. فخسروا الوحدة القومية! بل خسروا الحرية. وزوروا الديمقراطية. فقدوا السياسة أداة للحوار. للتسوية. للنضال السلمي. كانت سلطة الاستعمار تغلق صحيفتك. ثم تمنحك في اليوم التالي ترخيصا لإصدار صحيفة جديدة. في سوريا. لم تصدر صحيفة سياسية واحدة مستقلة على مدى خمسين سنة من حكم «البعث»، و42 سنة، من حكم الأسد الأب والابن.

كان الظن العربي خاطئا. ظن البعث وعبد الناصر الملكية حائلا دون الوحدة القومية. ها هي أوروبا تبني اتحادا من ملكيات وجمهوريات. ها هو عاهل عربي جليل يطلق صيحة الخطر، مذكرا خليجه المهدد، بقيمة الوحدة الاتحادية، للحفاظ على الهوية. الانتماء. الاستقلال. السيادة. الثروة. الكرامة. قيل ما قيل، صدقا أو كذبا، عن أسباب ابتذال الحرية. تزييف الديمقراطية. بهدلة القانون، في جمهوريات السبعينات. وما دام الحديث عن دستور غابة الأسد الجمهورية، فأكتفي بعرض سريع لسجلها الحافل. أبدأ بمنطق التوريث لأقول إن دستور نظام الشبيحة ينص على أن جمهورية الأسد الابن «دولة ديمقراطية»! ليست هناك جمهورية ديمقراطية ووراثية في العالم كله، إلا في دول على شاكلتها. كوريا الشمالية حاليا وكوبا وهاييتي سابقا.

النظام الملكي العربي يملك شرعية وراثية ونضالية تاريخية. الأنظمة الخليجية ورثت شرعيتها، حتى قبل حلول الانتداب البريطاني. آل خليفة جاءوا من قلب جزيرة العرب منذ ثلاثة قرون، ليستعيدوا البحرين من الدولة الفارسية. البحرين التي تشهد اليوم تحركا بقناع فارسي يطمح إلى تحويلها مستوطنة على شاكلة مستوطنة «حزب الله» في لبنان، لتكون عبئا على الديمقراطية والحرية فيه.

الـ«ترزي/ الخياط» المخضرم مظهر العنبري هو العبقري الذي خاط منذ عام 1964 كل دساتير البعث، مرة على قياس الأب. ومرة على طول الابن. في كل بند وفقرة، أسدل الترزي الفقيه برقع التنظير الدستوري فوق إجرامية التطبيق التعسفي. فصارت دمشق «قلب العروبة النابض... في العقود الأخيرة» (عصر الأسد الأب) رديفا لطهران في الكيد لكل ما هو عربي.

نص الدستور/ الفلتة على «صيانة الكرامة الإنسانية لكل فرد» في المدن والقرى السورية المحاصرة بدبابات فرقة ماهر الأسد، وبالصواريخ، وقذائف مدافع «القرنفل» و«الأكاسيا» الروسية المهداة من بوتين مع «الفيتو». في الاقتصاد، يتباهى الدستور بـ«منع الاحتكار». عمليا، بات حكرا لأولاد العيلة. والمتنفذين الفاسدين من ضباط ورجال بزنس.

«المواطنون متساوون في تولي وظائف الخدمة العامة». ماذا أقول عن بطالة تتراوح بين 25 و35 في المائة من الشباب؟ ماذا أقول عن الطبقة الإدارية التي رباها النظام على أساس «تكافؤ الفرص» بين الطائفة والعيلة؟ ماذا أقول عن «إشراف الدولة على مؤسسات التعليم الخاص»، فسمحت لملالي إيران بفتح عشرات الكليات (الحوزات) «لتشييع» ألوف السوريين، إمعانا في تمزيق النسيج الديني لمجتمع سوري لا شيعة فيه؟

«المساكن مصونة لا يجوز دخولها أو تفتيشها، إلا بأمر من الجهة القضائية المختصة، وفي الأحوال المبينة للقانون» الذي تخرقه الأجهزة الأمنية المخيفة قبل الانتفاضة. وخلالها باقتحام البيوت. و«تنظيف» بابا عمرو من السكان الباقين على قيد الحياة. والإعدامات الميدانية بلا محاكمة. ليست هذه الإعدامات الأولى. إنما تقليد تاريخي للبعث. في تمرد العميد جاسم علوان (1963). أعدم حافظ الأسد وصلاح جديد ميدانيا دفعة وراء دفعة من العسكريين والمدنيين. وتباهَيَا بإذاعة الأسماء علنا من الإذاعة والتلفزيون.

في ديمقراطية بشار، لا حدود لسلطات وصلاحيات بشار الدستورية. منها: إعلان حالة الطوارئ. وإلغاؤها (ألغيت قانونيا. تنفذ عمليا). تعيين الموظفين المدنيين والعسكريين. حل مجلس الشعب. اغتصاب سلطة التشريع بحجة غياب البرلمان. إبرام المعاهدات... بعد كل هذه الملبوسات الفاخرة، فصل «الترزي» ثوبين «إكسترا» على قد الطول والمقام. الأول لإحداث صدمة الأمر الواقع: «رئيس جمهورية غير مسؤول عن الأعمال التي يقوم بها»! من المسؤول؟ لا أحد يدري! ولا حتى الترزي.

أما الملبوسة الثانية، فهي للسهرة فغدت نكتة عالمية: «تنتهي مدة ولاية رئيس الجمهورية الحالي (بشار) بانقضاء سبع سنوات ميلادية من تاريخ أدائه القسم الدستوري رئيسا للجمهورية (بانتهاء ولايته الثانية التي بدأت في عام 2007). وله حق الترشح مجددا لمنصب رئيس الجمهورية (2014)، وتسري عليه أحكام المادة 88 من هذا الدستور اعتبارا من الانتخابات الرئاسية القادمة». أي يحق له التجديد، خلافا للدستور، في عام 2014 ثم للمرة الرابعة عام 2021، بحيث تنتهي في عام 2028!

هيك دستور يحتاج لهيك رئيس. والعكس صحيح. بس في الأمثال الشعبية السورية اللاذعة، مثل يقول بلا مؤاخذة! «عيش يا كديش حتى ينبت الحشيش». هذا الشبل الفخور من ذياك الأسد الهصور. جدد الأب لنفسه خمس مرات. طلب الشهادة في المرة الثالثة 1985، اقتداء بمسيرة الخميني (البعثي بعمامة). فلم يحظ بها. جددوا له مرتين أخريين. مات بعد الخامسة. لم يجرؤ شبيحة العائلة على دفنه في عاصمته. حملوا القيصر ليدفن في قريته القرداحة.

> > >

التعليــقــــات
تراحيب عبدالله الرويس، «الولايات المتحدة الامريكية»، 06/03/2012
الكثير من دساتير الجمهوريات العربية تم خياطها وحياكتها لتناسب رؤسائها بكل ما يحملون في رؤوسهم من
ديكتاتورية مطلقة، الكثير منها تحتاج الى مراجعة وتصحيح، وأخرى تحتاج إلى إحراق وتمزيق، طالما كانت
دساتير ديكتاتورية وقاهرة للحريات ومستعبدة للشعوب. مثل الدستور السوري الذي اضحى اليوم مجرم حرب
بقيادة الدكتور السفاح بشار الأسد.
سامي بدر، «فرنسا ميتروبولتان»، 06/03/2012
انتظرنا بفارغ الصبر التعليق من السيد غسان الامام على دستور الشبيحة، ها نحن قرأنا هذا الدستور والذي أطلق الشعب
السوري عليه الديكور وليس الدستور، لأن هذا الديكور قد فصل على مقاسات الشبيحة إلى الأبد، فلم تفصل فيه السلطات
الثلاثة وبقيت بيد الشبيح الأول، ولم يذكر نص في الدستور أن الشبيح الأول لا يحق له الترشح نظرا لأنه حكم سوريا
فترتين بفضل التزوير الذي حصل في الدستور الأول، والذي زور أكثر من مرة بقوة الإرهاب، ما رسم في المسمى
بالقصر الجمهوري وهو مكان تجمع أعضاء هذه العصابة الإرهابية في سوريا.
إليك ما يلي: 1- الاسد باق للأبد وهذا هو عنوان الدستور في اعلى جبل قاسيون. 2- بعد انتهاء ولايتين لبشار الاسد في
عام 2028 ونظرا لأن وريث الجمهورية حافظ ابن بشار لم يبلغ الاربعين عام ونظرا لعدم ترشح اي سوري تنطبق عليه
الشورط الى انتخابات رئاسة الجمهورية يبقى بشار الاسد هو رئيس حتى عام 2042 3- في عام 2042 يصبح حافظ
ابن بشار عمره اربعين سنة ويحق له الترشح للإنتخابات الرئاسية ويفوز بأغلبية ساحقة هذا هو دستور الشبيحة المطبق
على ارض الواقع، الف شكر للكاتب.
معروف حاتم، «الاردن»، 06/03/2012
السيد الكاتب المحترم لقد اصبت كبد الحقيقة فهذا النظام ولد على سفك الدماء.
تامر حسن، «فرنسا ميتروبولتان»، 06/03/2012
هيك دستور بدو هيك رئيس ؟ وهيك دستور بدو هيك ختم ؟ وهيك معاملة بدها هيك ختم ؟ لقد ختم الشعب السوري على
هيك دستور ويعرف الشبيحة جيدا ختم الشعب السوري على دستورهم والمعذرة من ذكر هذا الختم الذي يليق بدستورهم
سلمت ايها العزيز الكاتب التي تأتي بالوقائع والحقائق التي لا لبس فيها ولا مجاملة.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام