الاربعـاء 06 صفـر 1434 هـ 19 ديسمبر 2012 العدد 12440 الصفحة الرئيسية







 
عادل الطريفي
مقالات سابقة للكاتب    
الثورة.. والبطيخ
«ثلاثية» الجماعة والحزب والدولة
من يحاسب «المقاومة»؟
بترايوس العربي.. بين الصيت والشهرة
الانتخابات الأميركية.. من عبد الناصر إلى الأسد
لماذا يسكت المراجع الشيعة عن ما يجري في سوريا؟
علل المعارضة في الخليج
أين تذهب أموال النفط العراقي؟
مرسي في مائة يوم
في رحيل ناشر.. دروس صحافية
إبحث في مقالات الكتاب
 
في رحيل مثقف غير ثوري

في العهد البهلوي حين اشتعلت شوارع طهران بالمظاهرات اليومية، وأغلقت المحال أبوابها بسبب من الإضرابات، ازدادت حيرة الشاه في قراءة ما يجري، فلا مستشاروه كانوا يملكون أن يجلوا عنه القلق والحيرة، ولا تقارير الأجهزة الأمنية نجحت في تخفيف حالة الارتباك التي كانت تعصف به. حينها اقترحت الشهبانو فرح بهلوي على زوجها، استشارة أستاذ في العلوم الاجتماعية كانت تعطف عليه وتقربه منذ زمن، ويدعى البروفسور إحسان نراقي. سأل الشاه سكرتيره الشخصي بأن يزوده بتقرير عن هذا الأستاذ الجامعي حين يتسنى له دعوته، ولكن بعد اطلاعه على تقرير لجهاز «السافاك» تبين أن نراقي اعتقل مرات عدة لانتقاده النظام، وطالته اتهامات؛ مرة بأنه شيوعي، وأخرى بأنه متعاطف مع الإسلاميين، وعلى الرغم من أنه أستاذ مرموق لعلم الاجتماع حيث عمل في مؤسسات جامعية ودولية مثل اليونيسكو، فإن ذلك لم يشفع له. على الرغم من كل ذلك، فإن الشاه الحائر - ربما بسبب من إحباطه - التقى بالأكاديمي المنتقد لسياساته - ولا نقول المعارض - للاستماع إلى نصيحته في لقاءات ثمانية أصدرها في كتاب بعد مرور أعوام احتراما لعلاقته بالشهبانو، وصدرت بعنوان: «من بلاط الشاه إلى سجون الثورة» («الساقي» 1991).

قبل أسبوعين، توفي البروفسور نراقي في طهران في ظل صمت حكومي وثقافي، بل وتم رفض طلب بدفنه في القسم المخصص لكبار الشخصيات من مقابر «بهشت زهرا»، بعد إصرار رئيس مجلس مدينة طهران على رفض إصدار ترخيص بذلك. صحيح أن نراقي اعتزل المشهد الثقافي في العقدين الأخيرين، إلا أن أهميته ما زالت حاضرة ليس فقط عبر مؤلفاته المهمة، بل في نموذجه بصفته مثقفا مستقلا في آرائه عن المعارضة قبل السلطة.

المتأمل في الانتفاضات العربية التي اجتاحت المنطقة العربية منذ 2011، يدرك أن الأحداث أخذت الأنظمة السياسية على حين غرة، بل وهزت إلى حد ما عددا من المسلمات السياسية. لا شك أن البعض قد يدرك متأخرا أن حالة «الهيجان» التي انتابت الشارع في أكثر من بلد عربي قد بدأت تنحسر قليلا، فالآمال المتعجلة التي خلعت على ما تم تسميته «الربيع العربي» تلاشت سريعا تحت ضوء الواقع ما إن انقشع الغبار. في تونس تم رشق الرئيس التونسي المنتخب بالحجارة في ذكرى محمد البوعزيزي الذي أطلقت حادثته - أو كما يراد أن يخيل لنا - سلسلة الانتفاضات الشعبية. وتعاني تونس اقتصاديا في ظل ضعف الإدارة، وتصاعد الخلافات السياسية بين معارضي الأمس. أما في مصر، فهناك حالة من الانقسام السياسي الحاد، ومواجهات عنيفة في الشوارع، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن حجم الجرحى خلال الشهور الستة الماضية من حكم أول رئيس منتخب، يتجاوز أولئك الذين سقطوا خلال الأسابيع التي سبقت رحيل نظام الرئيس مبارك.

لسنا هنا في مقام نقد «الثورات»، فهذا موضوع آخر، ولكن من المؤسف أن تلك الأحداث التي ذكرت هنا وغيرها كان عدد من المثقفين في العالم العربي والغربي مسؤولين عنها بشكل مباشر أو غير مباشر.. هناك من المثقفين من بارك وتحمس لما حدث، ثم عاود نقده دون أن يعترف أو يقر بخطأ قراءته. ربما ذلك أمر طبيعي في النفس البشرية، ولكن هناك مثقفون نظروا - بل وساهموا بشكل عملي - في تغذية المناخ الثوري، وتطوعوا بتأييد زعماء وأحزاب هم يزعمون اليوم أنهم يعملون ضد الدستور أو الوحدة الوطنية. أولئك الذين اكتشفوا لاحقا خطورة ما جرى معذورون، ولكن المثقفين الذين لا يزالون يراهنون على حسم الصراع السياسي عبر قوة الشارع ما زالوا يتورطون في التحريض على العنف أو الفوضى.

وعودا إلى سيرة نراقي، فإن المثقف في منطقة الشرق الأوسط ربما هو في أمس الحاجة إلى التعرف على نموذج لمثقف غير ثوري، ولكنه في الوقت ذاته لم يفقد الأمل في الإصلاح حتى وهو يرى النظام يتهاوى. للأسف، بعض المثقفين العرب كانوا ينظِّرون قبل الانتفاضات عن الإصلاح، والانفتاح التجاري، وضرورة العمل من الداخل لتصحيح الخلل في البنى الدينية، والاجتماعية والسياسية، ولكن بعد «الربيع» تحولوا إلى النقيض كمبشرين للثورة. يرى نراقي أن مفهوم الالتزام الثقافي الذي انتقل إلى المنطقة كان مضرا بدرجة كبيرة لأنه أسس للتحزب السياسي والآيديولوجي على حساب المنهج العلمي القائم على الحياد والاستقلال التام عن تأثيرات السلطة أيا كان مصدرها، ولذلك وجه انتقادات مهمة لشخصية مثقف ثوري مثل علي شريعتي، بل وكشف نراقي أن هيام الجيل الثوري المؤدلج بشخصية مثل شريعتي قاده إلى تضخيمه، واختلاق - أو تصديق - حكايات غير صحيحة، فمثلا؛ شريعتي لم يلتق جان بول سارتر، أو لويس ماسينيون، ولم يدرس على بعض علماء الاجتماع الذين ذكرهم.

كان نراقي مثقفا «واقعيا»، يؤمن بالشروط الموضوعية للتغير، وبطبيعة العلاقة التي تحكم القوى السياسية والتيارات الحزبية المحركة لها، وفطنا للتفريق بين الشعارات المرفوعة للتضليل - أو الاستغلال - السياسي، وتلك المعبرة حقا عن مطالب حقيقية لفئة من الناس. في كتبه، وأحاديثه القليلة، كان نراقي ينتقد التعصب الآيديولوجي، ويرى أن الثورات تقضي على إمكانية الحوار بين المكونات الاجتماعية، ويبرر ضرورة الاتصال بالسلطة لتحقيق الإصلاح وتجسير الفجوة بين المطالب الشعبية والسلطات الحاكمة. لقد جسد نراقي هذا المنهج أيام كان يسدي النصائح للشاه في أحلك الظروف، وقد رفض بعد الثورة أن يشتم الشاه أو أن يتقول عليه رغم ضغوط الثوريين، ومن أجل ذلك، فقد أودع السجن لثلاثة أعوام قبل أن يتم الإفراج عنه، وصدرت بحقه أحكام جائرة لمعاقبته بوصفه من «فلول» النظام السابق، ورغم ذلك، فإن نراقي لم يتحول إلى عدو للنظام الحاكم في الجمهورية الإسلامية الجديدة، بل استمر في تقديم الانتقادات، والحض على الإصلاح، مشيرا إلى أن الحل يكمن في إقناع الملالي بأن نموذجهم للحكم غير صالح، وأن عليهم الإقرار بالإصلاحات التدريجية حتى تخرج إيران من أزمتها الثورية.

للأسف، في المنطقة العربية تحولت كلمة «الإصلاح» إلى شبهة بعد أن لوثتها أنظمة مثل القذافي في ليبيا، أو الأسد في سوريا، ولكن من قال إن الفساد والاستغلال لخطاب «الإصلاح» في الماضي يبرران النموذج الثوري للحكم في مصر أو تونس، ثم من قال إن على المثقف التخلي عن منهجه العلمي ليكون ثوريا.

يروي نراقي أن الشاه قال له في أحد حواراته: «أيعتقد الناس بأن أوضاعهم المعيشية ستكون أفضل لو تسلم الخميني الحكم؟ ما الخطة الاقتصادية التي سيتمكن الخميني بفضلها من تحسين معيشتهم؟ أنا متأكد من أنهم سيخسرون كل ما أمكنهم تحصيله.. أنا لا أفهم هذا الشعب. يمكن القول إنه فقد عقله».

في الحقيقة، يمكن للشارع الغاضب أن يفقد عقله لبعض الوقت، ولا يلبث المواطن المسالم أن يعود إلى حد أدنى للتفكير المنطقي بشأن أمنه وقوته، ولكن من المؤسف أن يفقد بعض المثقفين عقولهم تحت سحر الثورة دون أن يدركوا ذلك.

> > >

التعليــقــــات
كاظم مصطفى، «الولايات المتحدة الامريكية»، 19/12/2012
والسؤال الذي يطرح اليوم لما نجحت ثورات الربيع لشرق اوروبا واستقامت وخرجت من بوتقة الحكومات الديكتاتوريه
الى حكومات تنعم شعوبها بالحرية والديمقراطيه والعداله الاجتماعيه بالرغم من تواجد مختلف القوميات والطوائف الدينيه
احيانا في حين ربيعنا خريفا والتغيير من سيء الى اسؤا المشكله استاذ عادل بالوعي الثقافي والعلمي والتعليمي فان كان
بعض مثقفينا واعلامينا لهم نصيب من الوعي هذا بدرجة 50% فالشعوب 10% وصفر ايضا ومن اننا نتأخر عن اللحاق
بالتقدم الحاصل في اوروبا بـ 200 سنه على اقل تقدير . اجيال أخرى لابد لها ان تتفاعل وتتعايش مع المحيط العالمي
المتقدم وسنبقى حاملين صفات مجتمعات ودول العالم الثالث لعدم وجود الرابع او الدول الناميه اي انها لا زالت في طور
انفلاق البذره من على سطح الارض ولن تثمر الا بعد عقود أو قرون.
أمجد القادري، «المملكة المتحدة»، 19/12/2012
عزيزي الطريفي عندما يسال الشاه مستشاره ماذا بأمكان الخميني أن يفعل لمساعدة الشعب ألأيراني كان في وقتها لا أحد
يعلم كم من المليارات رصيده في بنوك سويسرا حتى الشاهبانو لا تعلم ولكن عندما طرد وظهرت أصابته بالسرطان عندها
أخبر زوجته وحول ثلاثين مليار بأسمها..هذا كان قبل 33 سنة وكانت نفوس أيران ربع نفوسها حاليآ فألشاه كان يخدع
نفسه وغطرسته قتلته
حمدي صفا، «المملكة العربية السعودية»، 19/12/2012
لا فض فوك
omar، «الامارت العربية المتحدة»، 19/12/2012
نصيحة تراقي الإصلاح،ونصيحة الكاتب كذلك، لكن الأخير يقر أن كلمة’الإصلاح‘ لوثتها أنظمة مثل القذافي في ليبيا أو
الأسد في سوريا. والنظامان المشارإليهما من الكاتب هما نظامان جمهوريان، أو جماهيريان بلغة القذافي الخاطئة، لعائلتين
قام رب أولهماالمسرح بانقلاب على سلطة شرعية، ثم قام باختطاف حزب ودولة وجيش وأمن وتنازل عن السيادة الوطنية
لجزء من البلاد لصالح إسرائيل وقامت هي بالمقابل بضمها إليها،وسادس لام من دون اتفاق شابته حربا النكسة والتحريك
بزعمهما وقام رب ثانيهما بانقلاب بجوارأكبرقاعدة أمركية بالشرق الأوسط بحينه بليبيا، ثم زارعبد الناصر وذكره بصباه
ثم اختارطريقه الثالث وأهداه للعالم.عائلتي النظامين سارتا على نهج توريث البلاد بتوجيه من أمريكا للحاجة لحفظ التراث
التعاوني والله أعلم، نجح أحدهما بالتوريث وباركته مدلين أولبرايت بالخلوة وسار الثاني عهديه لكن للأسف صفيت كل
عائلة التراث رعت أمريكا الخميني بالعراق والغرب وسمحت له بتسميتها الشيطان الأكبرلأنها قررت أن تزيل الشاه.
ولوانتظرالشاه قليلا لعرف مااكتشفه لاحقا بمصر حين قال لقد ألقت بي الولايات المتحدة كفأرخارج إيران هذه الأنظمةلاينفع
معها الإصلاح لأنهاأنشئت لأسباب يمكن استقراؤها
عبد العزيز الجاسر - الرياض - السعودية، «فرنسا ميتروبولتان»، 19/12/2012
الحكمه ضالة المؤمن، والإصلاح هو ضالة الحاكم الحكيم إن وجد! في حالة الثوران تفقد العامة توازنها وقدرتها على
التمييز، هذا الفقد قد يؤسس لمآسي لا تحمد عقباها، وما إيران اليوم إلا مثلا لذلك، ولا أستبعد أن تكون مصر هي الثانية،
مع أني لا أظن أن حكم الإخوان سيعمر بمصر بسبب تحسن أدوات التواصل والذي نتج عنه تصغير المساحة وتحسين
المعلومة ومحاصرة المفسد، هذه النتائج قد تقلل عمر سلطة الإخوان وإذا ما قورنت مع وضع مصر الاقتصادي المؤلم
فسيصبح وضعهم صعب، هنا يبرز دور المثقف الواعي الرزين لكي يساهم بعملية إنتاج ثقافة إيجابية تؤثر وتغير الممسك
على السلطة إن أمكن أو تؤثر بالإنسان العادي لكي يضغط على السلطان بوعي ليراكم الإنجازات مع الوقت ولا يحرق
المراحل ينتج معها إنتكاسات أسوأ من مرحلة ما قبل التغيير. دور المثقف والحكيم والواعي هو قدرته على رؤية الغابه
وتمييز أشجارها بينما ما عداهم لا يرون إلا شجره بمعزل عن محيطها وجذورها! وقود التطور والرقي ليس التقدم المادي
والفني، بل الوعي والثقافه الإيجابيه (positive culture)

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام