الاحـد 22 جمـادى الاولـى 1427 هـ 18 يونيو 2006 العدد 10064 الصفحة الرئيسية







 
الصادق المهدي
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
هل أنقذ الانقلابيون السودان؟

عندما أقدم الانقلابيون على انقلابهم في يونيو 1989، اقتسموا المهام على أن يتسلم العسكريون السلطة، وأن يحموها، وأن يديروا الحرب الأهلية، وفي المقابل يقوم الإسلاميون المدنيون بمهام الملفات: السياسية والاقتصادية والخارجية.

وبعد كل هذه الأعوام من التجربة المرة، قال شيخها: إن ما يتعرضون له الآن هو عقاب إلهي على فعلتهم. وقال آخر: إن ما فعلوا هو خطيئتهم التاريخية.

ولكن آخرين من صناع الانقلاب، ما زالوا يمجدون الانقلاب ويعدون إنجازاته: استغلال البترول، وبناء سد مروي، وإبرام اتفاقيات السلام. نعم استغلوا البترول الذي اكتشفته شفرون، في عهد النظام المايوي (1969 ـ 1985)، وجمدت نشاطها لأسباب أمنية، ولنفس الأسباب واصلت موقفها. ولكن أثناء العهد الديمقراطي، وبعد مد وجزر، اتفقنا معهم، أنهم بعد عامين يستأنفون عملهم أو يتنازلون عن حقوقهم لآخرين، هذا الاتفاق مكن السيد محمد جار النبي استنجازهم وعدهم، ففعلوا مقابل ثمن بخس، وفتحوا الطريق لاستغلاله عن طريق الشركات الآسيوية. ولكن عائد البترول السوداني اقتدى بعائد البترول النيجيري ولم يظهر له أثر تنموي ولا خدمي.

إن سد مروي هو ثالث ثلاثة سدود معدة للإنشاء منذ عهد الديمقراطية، وهو سد هام لزيادة الطاقة الكهرومائية في السودان. وكان ينبغي أن تتم تعلية خزان الرصرص، ثم أن يقام سد ستيت ثم سد مروي. لماذا قدم الثالث على الأول؟ إذا استطلع رأي مهندسي الري السودانيين كافة، لأعلنت أغلبيتهم عدم صحة هذا القلب للأولويات. وربما قال قائلهم: إن لقلب الأولويات أسباباً سياسية جهوية لا فنية اقتصادية!. أما بالنسبة للسلام كان هناك وقف مستمر لإطلاق النار، ومشروع اغاثة إنسانية مطبق باسم شريان الحياة، واتفاق على عقد مؤتمر قومي دستوري في 18/9/1989 بلا أستاذية أجنبية وبلا فرض تقرير المصير.

ولكن مهما اختلفت الرؤى حول هذه القضايا، فلا يستطيع الانقلابيون ردا على مقولة انهم دمروا وطنا باسم تطبيق الشريعة فيه!

النخبة التي دبرت الانقلاب صفوة سودانية ممتازة، وإذا قورنوا برصفائهم من الحركات ذات المرجعية الإخوانية في مصر، وفي الجزائر، وفي اليمن، وفي باكستان، فإن النخبة السودانية أكثر تأهيلاً علمياً، وأكثر انفتاحاً على الآخرين داخلياً وخارجياً، وأكثر وعياً، مع هذا التأهيل لماذا كان نصيبهم من الإخفاق ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة؟

تتكاثر الأسباب وأهمها سبعة هي:

أولاً: كافة أصحاب الرؤى الأيدولوجية أنجح في المعارضة منهم في السلطة، الهدم أسهل من البناء؛ لاسيما والإقدام على السلطة لم يسبقه تحضير مدروس لما يفعلونه بها؟!

ثانياً: التكوين السوداني بالغ التنوع دينياً وثقافياً وإثنياً، وهو لذلك لا يقبل الأحادية الدينية والثقافية، لاسيما في مناخ داخلي أدرك فيه غالبية المنتمين للديانة والثقافة المركزية ضرورة الاعتراف بالآخرين، ومناخ خارجي أكثر حفاوة بحقوق الإنسان الدينية والثقافية.

ثالثاً: المجتمع السوداني ذو مقومات ذاتية، استعصت على القبضة الشمولية في عهودها الثلاثة وفرضت تطلعاتها.

رابعاً: لكي يحكم الإنقلابيون قبضتهم، حلوا حزبهم نفسه أسوة بالأحزاب الأخرى فضاقت المشاركة، وانعدمت المساءلة، واعتمدوا على أجهزة السلطة فجرفتهم فتنة المال والسلطان.

خامساً: ضيق هامش المشاركة في حزبهم، أفرز مذكرة العشرة، وانفجرت صراعات متعددة الأضلاع بين عسكريين ومدنيين وطامعين فانقسم الحزب على نفسه انقساماً أفقد التجربة توازنها.

سادساً: برنامجهم التوسعي خلق ضدهم استقطابا إقليمياً واسعاً.

سابعاً: سياساتهم كونت ضدهم لوبيات دولية نافذة.

عوامل الإخفاق هذه أجبرت النظام على التراجع عن مشروعه الحضاري. التراجع لم يتخذ نهجاً استراتيجياً بديلاً، بل اتخذ طابع صفقات ومساومات وترضيات بدأت باتفاقيات السلام من الداخل، وانتهت إلى اتفاقية نيفاشا (يناير 2005) الاتفاقية أوقفت الحرب في جبهتها الجنوبية، ووضعت التحول الديمقراطي في أجندتها، ولكنها في التحليل النهائي، كرست صفقة ثنائية، سموها اتفاقية سلام شامل، بتحكيم ومباركة أجنبية، ومن دون مشاركة قومية.

ارتكب الإنقلابيون في دارفور تجاوزات خطيرة، خلقت استقطاباً داخلياً حاداً، وشدت إليها اهتماماً دولياً مدوياً. ورغم ذلك وما صحبه من مآسٍ، دمرت دارفور ومزقت إنسانها، فإن اتفاقية سلام دارفور أبقت على سياسات الانقلابيين المرتجلة، وعلى سقوف نيفاشا الثنائية، ولم تستجب لمطالب أهل دارفور.

إذا لم يتخل المؤتمر الوطني عن سياساته المرتجلة التي فرضها على السودان، دون مشاركة أهله، ولم يتخل عن سقوف نيفاشا الثنائية، فإنه لا يستطيع أن يبرم اتفاقاً يعطي الآخرين حقوقهم المستحقة، لذلك كان اتفاق القاهرة مظهرياً، واتفاق أبوجا نسخة ثانية منه، وستكون الاتفاقيات اللاحقة مماثلة.

بدأت الأطراف المعنية الأكثر وعياً، تدرك أن السلام العادل الشامل والتحول الديمقراطي الحقيقي، لا تؤسسهما الاتفاقيات الثنائية، مهما حظيت به من مباركات خارجية. وسوف يأتي يوم يعم هذا الإدراك الكافة، ويومئذ سوف يدرك بقية الواهمين، ان الاجماع الوطني هو السبيل الأوحد لاحتواء الغضبة الشعبية، ولا جدوى في تبضع الوساطات والمباركات في العواصم الأجنبية، ولا في الامتثال للإملاءات الخارجية:

وذي علة يأتي عليلاً ليستشفي به

وهو جار للمسيح بن مريم!

> > >

التعليــقــــات
ياسر زكريا، «المملكة العربية السعودية»، 18/06/2006
مأساة السودان تكمن فى غياب التقنين الذي يؤسس الديمقراطية ويرسخ دعائمها ويحول دون الإنفراد بالسلطة وبالتالى إفسادها والإفساد بها، ولا يقتصر ذلك على الحقب العسكرية بل حتى الديمقراطية منها، فالجميع يعلمون مدى الفساد والمحسوبية التي استشرت فى عهد (أو لنقل عهود الإنقاذ) وما تبعها من إنفراد بالرأى وتهجير وطرد لكل سوداني ليس به سحنة حزب الله المختار (الجبهة)، ولكن ألم تفسر الأحزاب في عهود ما يسمى بالديمقراطية القوانين على هواها للتنكيل وإفشاء الفساد الإدارى والمالي و بيع رخص السلاح حتى انفلت زمام الأمن الداخلي؟ لك الله يا سودان ، فالجميع سواسية في حب السلطة و التسلط على العباد. أين أنت يا زمان عمر بن عبد العزيز؟ بيننا و بين هؤلاء وأولائك يوم ينفرد به مالك الملك للحساب و حينها يعلم الجميع أن السلطة (حسرة وندامة ).
صلاح الدين سليمان طه، «المملكة العربية السعودية»، 18/06/2006
يا سيدي الفاضل الشعوب تحكم على حكامها بما ترى لا بما يفكرون فيه او يخططون له .. فإن كان آخرون خططوا للبترول او للسدود او لبعض المشاريع ولم ينفذوها فكأنهم لم يفعلوا شيئاً في نظر شعوبهم .. فشعب السودان يريد أن يرى مشاريع تساهم في رفاهيته .. لا مشاريع يتشدق بها الحكام في خطبهم قائلين سنعمل وسنفعل ولا شيء يُرى .. أما بالنسبة للمشاكل السياسية فشيءٌ خيرٌ من لا شيء وفي عهدكم وعهود من سبقوكم لم نر شيئا .. وأنتم تقولون لولا الإنقلاب كنا فعلنا كذا وكذا.. وهذه هي ردود العاجزين عن الفعل وأصحاب النظريات التي لا يستطيعون انزالها لأرض الواقع .. حكموا عقولكم واتركوا المركب تسير ..ساعدوا على التبحر بأمان لا أن تحاولوا وضع السدود في طريقها لتنقلب فنغرق جميعاً .. نسأل الله الهداية والتوفيق للجميع.
مهند هاشم، «المملكة العربية السعودية»، 18/06/2006
لا اختلف مع ما ورد في مقال السيد الصادق المهدي حول الانقاذ وما اتت به من افعال وضمائر مستترة , ولكن يا سيدي الصادق الم تكن يوما في مقدمة الريادة والسيادة السودانية فلماذا لم تفعل ما قلته الآن أم ان التنظير الكلامي اخذ جل وقتك, دعوا السودان ينعم بالسلام والأمان واتركوا الساحة لغيركم فالسودان ليس إرثا لاحد, واذهبوا فلا خير فيكم أو في أهل الانقاذ.
هيثم صغيرون _المملكة العربية السعودية، «المملكة العربية السعودية»، 18/06/2006
لم ينقذ الانقلابيون السودان بل وسعوا من دائرة الحرب في الجنوب فاكلت الاخضر واليابس ولما كانوا قلة زرعوا الفرقة بين ابناء الوطن الواحد في الجنوب دعموا فصيل ضد فصيل فعمق المرارت في النفوس وفي الغرب جندوا الجانجويد علي حساب القبائل الأخرى فعمقوا مشكلة دارفور التي صعبت علي المجتمع الدولي ايجاد حل لها وكذلك في الشرق وهذه من اسوأ المشاكل التي تواجه السودان هي العرقية والعنصرية والجهوية التي استشرت وهذه اسوأ من كواراث المجاعات، والفقر وهذا الداعي الذي دعاهم انهم كانوا قلة لذا استخدموا هذه السياسات العقيمة والمشكلة السودانية هي ازمة الحكم فكل النظم الديمقراطية والعسكرية لم تفلح في ايجاد طريقة لحكم السودان كما هو موجود في الهند البلد المتعدد الاعراق والصاعد الي مصاف الدول الصناعية الكبري ومازالت العداوات بين قادة الاحزاب والاختلاف مما ادي الى الفساد والفقر.
Shawqi Hassan، «المملكة العربية السعودية»، 18/06/2006
أنا لا أتفق مع حديث السيد الصادق المهدي مع احترامي له، حكومة الإنقاذ فعلا كانت منقذ للشعب السوداني رغم اختلافي معها، لكن كل الأشياء التي ذكرتها من بترول وغيره كانت حقيقة وواقعة وكانت لديهم الشجاعة لتنفيذها، وعلى الاقل اصبحنا دولة يحترمنا الكثيرون وأقول لأهل الإنقاذ سيروا ونحن من خلفكم، أما أنتم لم نجن منكم شيئا سوى القراءة الأولى والقراءة الثانية وهلم جرا.
مهند الطاهر محمد، «السودان»، 18/06/2006
مشكلة السودان في أنه يفتقد حب أبنائه خاصة اولئك المثقفين المتعلمين الذين يريدون أن ينصبوا انفسهم حكاماً والا سيكونون معارضة ضد النظام القائم وليتها كانت معارضة تتفادى الخراب والسلاح ولكن مسكين السودان كل من هب ودب يود محاربة النظام ولكن في حقيقة الأمر هو يحارب السودان فكل طوبة تقع هي من جسم السودان وتعالوا معي لنحسب الذين خرجوا من السودان وكونوا جيوشاً منذ الإستقلال لتحارب وتقتل السودان لا الأنظمة والتي يمكن أن تزال بطرق مختلفة غير التعرض للأوطان وممتلكاتها تعالوا معي نحسب أولئك الذين فعلوا ذلك هل يا ترى يحبون السودان؟ إننى أشك في ذلك. أخشى ان يكونوا حتى تجردوا من الإحساس فبعد كل أفعالهم هذه يريدون أن يحكموا!
د. هاشم الفلالى، «المملكة العربية السعودية»، 18/06/2006
لا أظن أن ما يحدث في السوادان هو شأن داخلي صرف، وإنما هناك اياد خفية تقوم بمحاولة زعزعة الامن والاستقرار في السودان، والغاية او الهدف معروف مسبقا من دون داع لذكر كل تلك الاسباب التي من شأنها زعزعة الاستقرار في كافة دول المنطقة. ومن هذا المنطلق لابد من أن يكون هناك الوعي والادراك الكافي الذي يتواجد لدى السوادانيين في الحفاظ على الوحدة الوطنية، ومنع كل تلك المحاولات حتى تبوء بالفشل، ولا يكون لها التأثير المدمر المقصود منها، للبلد الشقيق والشعب السوداني الطيب والكريم.
فضل عبدالله فضل، «المملكة العربية السعودية»، 18/06/2006
السيد الصادق، أنت أحد الرموز السودانية التي نعتز بها. اختلفنا أو اتفقنا معها فالحقيقة تبقى حقيقة عكسا للمفهوم السائد لدى العقلية المعارضة السودانية والتي أنت أحد دهاقنتها. هل ما نسمعه منك وأنت تجوب ارجاء السودان وما نقرأه لك في الشرق الأوسط نتاج عدم تمكينك من قيادة السودان الأمر الذي سعيت له منذ نعومة أظافرك وواتاك الحظ أكثر من مرة ولكن سرعان ما يأفل نجمك أو هو عملا بالمثل العامي ( لا يعجبك العجب ولا الصيام في رجب)؟ نحن لا نقول إن كل الانقاذ خير ولكنها رغم مساوئها التي لا تعد ولا تحصى سوف تظل أكثر نفعا للعباد من كل الديمقراطيات التي تتباكى عليها المعارضة فالسودان لم يعرف يوما ديمقراطية. دعنا سيدي نبني بلدا فالتنظير لم يعد يجدي في عالم تتسارع خطاه للريادة والسيادة الفيصل فيه البقاء للاقوى.
د. هشام النشواتي,CA، «المملكة العربية السعودية»، 18/06/2006
الانقلابات العسكرية التي حصلت في العالم العربي هي ضد الإسلام والانسانية أي ضد لا إكراه في الدين ونشرت الرعب والطائفية والفساد. الديمقراطية هي التطبيق الحقيقي للعدل وللإسلام أي اللاعتف وسيؤدي بشكل حتمي إلى ازدهار البلد ومنع الفساد والنهب.
osama sayed، «السويد»، 18/06/2006
الحبيب الصادق السؤال ليس في لماذا قدم الثاني على الثالث ولكن في لماذا أهمل الأول والثاني والثالث من قبل حكومات السودان منذ الإستقلال.
د. هشام النشواتي,CA، «المملكة العربية السعودية»، 18/06/2006
مقال رائع بارك الله فيك. نعم الانقلابات العسكرية تحمل الفساد والديكتاتورية والتخلف للبلد والامة ومن الصعب تحولها الى نظام ديمقراطية دون ثورة شعبية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام