الأحد - 2 شهر رمضان 1438 هـ - 28 مايو 2017 مـ - رقم العدد14061
نسخة اليوم
نسخة اليوم 2017/05/28
loading..

لو عاش طه حسين!

لو عاش طه حسين!

الخميس - 7 شعبان 1438 هـ - 04 مايو 2017 مـ رقم العدد [14037]
نسخة للطباعة Send by email
كان طه حسين وزيراً للمعارف، في آخر حكومة وفدية تشكلت قبل قيام ثورة يوليو 1952، وعندما قامت الثورة، جرى تغيير اسم الوزارة من (المعارف) إلى (التربية والتعليم) ثم بقي هذا هو اسمها حتى اليوم، دون أن يعرف أحد لماذا، فالاسم القديم ألطف، فضلا عن أنه أكثر تعبيراً عن دور الوزارة المفترض في مجتمعها!
وفي فترة وجوده القصيرة في الوزارة، تبنى عميد الأدب العربي شعاراً شاع عنه، وارتبط به، وكان المصريون يرددونه، ولا يزالون، ليس فقط في مقام الإشارة إلى اهتمام الوفد، وحكومته، ووزير معارفها، بالتعليم، كقضية، ولكن في مقام ما يجب أن يكون عليه التعليم، باعتباره خدمة عامة على الحكومة أن تؤديها لمواطنيها في زمن طه حسين، وفي غير زمن طه حسين!
كان الشعار يقول إن التعليم كالماء والهواء... أو بمعنى أدق، فإنه يجب أن يكون كذلك!
وكان طه حسين يقصد من وراء شعاره الأشهر، كما شرحه في أكثر من مرة، وفي كل مناسبة سألوه فيها عن الشعار، أن يُتاح التعليم لكل مواطن، إتاحة الماء والهواء بالضبط لكل الناس!
وأظن أن الإتاحة التي قصدها العميد من وراء شعاره، كانت في اتجاه كل مواطن عربي، ولم تكن تخص المصريين وحدهم بطبيعة الحال!
ولا بد أن الإتاحة هنا، هي الإتاحة المجانية، إذ لم يحدث إلى اليوم، أن كان الهواء سلعة يبيعها شخص لشخص، ولا حكومة لمواطنيها، وكذلك الحال بالنسبة للماء... وإن كان وضع الماء قد اختلف، لأنه في زمن طه حسين لم يكن على الندرة التي صار عليها، فيما بعد زمنه، حتى إن كثيرين قد راحوا يرشحون الماء سبباً لحروب يمكن أن تنشب في المستقبل البعيد، أو ربما القريب، بين دول مختلفة بامتداد العالم.
ولأن عميد الأدب هو الذي أطلق الشعار، ولأنه هو صاحبه، فقد راح يطبقه وزيراً، وكانت حكومة الوفد هي التي أقرت مجانية التعليم الأساسي في مرحلتيه الابتدائية والإعدادية، ثم حدث أن جاءت الثورة لاحقاً، لتشمل المرحلة الثانوية، ومرحلة الجامعة، بالمجانية ذاتها!
وقد ثبت بالتجربة العملية على مستوى شتى الدول، منذ أيام طه حسين، إلى هذه الأيام، أن المجانية كمبدأ في التعليم، لا يجوز أن تتعدى مرحلة التعليم الأساسي، فليست هناك دولة في العالم المتقدم، إلا وتتعامل مع المجانية على هذا الأساس، لأن المجانية الحقيقية هي تلك التي تُتاح للطالب خلال السنوات التسع الأولى من تعليمه، ليكون من حق الطالب نفسه أن يكمل تعليمه بعدها، على نفقة الدولة إذا كان متفوقاً، وعلى نفقته هو، إذا لم يكن من بين المتفوقين!
ثبت أن هذا هو الصحيح، بل الأصح، وثبت أن الدول التي أطلقت المجانية، في جميع مراحل التعليم، دون تمييز، ودون أن تكون عندها القدرة المادية الكافية للإنفاق عليها، لم تحصل في النهاية، على أي تعليم، ولا على أي شيء له قيمة، وأنها حصلت بالكثير على خريجين يتعاقبون على سوق العمل، دون أن يكون لهم مكان فيه، ليس بالطبع لأنه لا مكان لهم هناك، ولكن لأنهم يتخرجون غير مؤهلين لما تحتاجه هذه السوق!
القصة في الأصل هي أنه لا يوجد تعليم مجاني من الأساس، ولكن يوجد تعليم تنفق عليه الدولة من خزانتها العامة، لتجعله مجانياً، والقصة أيضا أن التعليم كخدمة عامة، له تكلفة، وليس مجانياً في كل أحواله، وهذه التكلفة لا بد أن يدفعها طرف من طرفي العملية التعليمية: الطالب إذا لم يكن متفوقاً... أو الدولة على متفوقيها... ولا يوجد بديل ثالث!
وقد جاء وقت اشتكى فيه المصريون من تلوث الماء والهواء، فتساءل كثيرون منهم عما إذا كان طه حسين سيظل يُطلق شعاره الشهير، لو كان قد عاش بيننا إلى اليوم، ليرى أن هذا هو وضع الماء، وأن هذا هو حال الهواء، تلوثاً، وسوء حال؟!
بعض الذين اقتربوا من الرجل، في آخر أيامه، يقولون إنه قد راجع نفسه في شعاره، في مراحل حياته الأخيرة، وأنه بمراجعته أراد أن يقول للدولة... أي دولة... إن المجانية التي كانت حكومة الوفد قد أقرتها على يديه، والتي كانت يقينا لديه، ومضمون شعاره، وجوهره الأصيل، ليس معناها إتاحة الذهاب إلى المدرسة والجامعة للكافة، لمجرد الذهاب والمجيء، لأنه فارق كبير جداً بين أن يذهب الطالب إلى المدرسة أو الجامعة، ويظل يروح إليهما ويجيء، وفقط، وبين أن يتعلم فيهما بجد، ويحصل منهما على التعليم كخدمة عامة مكتملة وحقيقية!
ليس في الدنيا شيء اسمه تعليم مجاني، وإنما فيها تعليم له ثمن، وليس مُهما مَنْ يدفع هذا الثمن، فالمهم أن يجري دفعه، من جانب الدولة، أو من جانب الطالب، وإذا لم يحدث هذا، فلا تعليم، لأن طرفاً ثالثاً لن يدفعه، حتى ولو ظللنا نتكلم عن مجانيته عقوداً من الزمان!
لنا صديق من رفاق الدراسة في جامعة القاهرة، كان يتندر على حكاية المجانية فيها ويقول إن رسوم دراسته في هذه الجامعة الأم، وكان ذلك في مطلع ثمانينات القرن الماضي، كانت جنيهات معدودة، وأنه دفعها فحصل على تعليم يوازي قيمتها، وأنه لو دفع رسوماً أكثر، لحصل على خدمة تعليمية بجودة أعلى، وأن هذا هو كل ما في الموضوع!

التعليقات

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
04/05/2017 - 03:36

استاذ سليمان جودة
1- مقالك هذا جعلنى ارجع بذاكرتى الى العام الدراسى 1946 \ 1947 وهو العام الذى التحقت فيه ببداية المرحلة الابتدائية القديمة بعد ان امضيت عامين بالتعليم الاولى , وذلك قبل تولى الدكتور طه حسين وزارة المعارف العمومية , وكان التعليم بمصروفات فى ذلك الوقت , وكانت النقود عزيزة جدا لدرجة ان احد اقاربنا نصح والدى بان يلحقنى باى عمل احصل منه على اجر لمساعدته لانه لن يقدر على تحمل المصروفات الدراسية , وامضيت فى المرحلة الابتدائية اربعة سنوات حصلت بعدها على شهادة اتمام الدراسة الابتدائية القديمة وكنا ندرس فى هذه المرحلة اللغة الانجليزية فى الصفين الثالث والرابع وكان التعليم جادا وحازما ولم نكن نعرف شيئا اسمه الدروس الخصوصية , وفى العام الدراسى 1950 \ 1951 التحقت بالمرحلة الثانوية وكانت الدراسة فيها بمصروفات ايضا الى ان قامت ثورة

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
04/05/2017 - 03:40

يتابع
2- يوليو 1952 وكان وقتها الدكتور طه حسين وزيرا للمعارف العمومية وكان قد اعلن شعاره المشهور وهو ان ( التعليم كالماء والهواء ) كناية عن ان التعليم يجب ان يكون مجانيا لكل الناس كالماء والهواء وجاءت ثورة يوليو وحافظت على نفس الشعار وغيرت اسم وزارة المعارف العمومية الى وزارة التربية والتعليم وعين الصاغ كمال الدين حسين احد رجال الثورة من الضباط الاحرار وزيرا للتربية والتعليم وكانت هذه هى بداية انهيار التعليم فى مصر ورغم ان الحال قد تغير بالنسبة للماء فلم يعد بالوفرة التى كان عليها وقت ان اعلن الدكتور طه حسين شعاره الا ان الثورة لم تجد مفرا من الاستمرار فى تطبيق مجانية التعليم اى تحمل مصاريف التعليم فى كافة المراحل حتى المرحلة الجامعية وعندما التحقت بالمرحلة الجامعية كنت احصل الى جانب مجانية التعليم على منحة تفوق فى الثانوية العامة قدرها

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
04/05/2017 - 03:42

يتابع
3- سبعة جنيهات ونصف تصرف شهريا طوال العام الدراسى , وقد نتج عن استمرار تمسك الدولة بما يسمى مجانية التعليم ان ساءت احوال التعليم فى مصر وعجزت الدولة عن الاستمرار فى تطبيق هذا الشعار فبدأت تنسحب تدريجيا من التمسك به عن طريق رفع المصروفات الدراسية لمواجهة العجز فى ميزانية التعليم الذى استفحل واضطر المدرسون للجوء الى الدروس الخصوصية كمصدر دخل يعينهم على مواجهة ظروف الحياة الصعبة وبدأ نشاط المدرسين يقل تدريجيا فى المدارس وقاموا بتوفير جهودهم وادخارها لتبذل فى الدروس الخصوصية وبدأ اولياء الامور يصرخون ويضجون بالشكوى من انعدام التعليم فى المدارس وعزوف التلاميذ منذ بداية العام الدراسى عن الذهاب الى المدرسة اعتمادا على الدروس الخصوصية وتعثرت كل المحاولات التى تبذل لمنع الدروس الخصوصية او الحد منها لان التعليم فى المدارس انتهى ولم يعد له وجود

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
04/05/2017 - 03:50

يتابع
4 - ومما زاد الطين بلة ان انتشرت ظاهرة الغش الفردى والجماعى بين التلاميذ والطلبة فى شتى المراحل والدولة تقف عاجزة واولياء الامور اصبحوا بين نارين نار الدروس الخصوصية ونار ارتفاع المصاريف المدرسية , والمشكلة تحتاج الى حل جذرى يتمثل فى اعلان الدولة صراحة الغاء مايسمى بمجانية التعليم لان هذا الشعار اصبح لا يتمشى مع الواقع , وفى نفس الوقت تؤكد الدولة ان التعليم حق لكل مواطن قادر على تحمل نفقاته وتشجيعا للعلم تعلن الدولة انها ستتولى نفقات تعليم المتفوقين علميا فقط فى كافة المراحل اما غير المتفوقين فعليهم تحمل كافة مصاريف تعليمهم حتى تستقيم الامور وحتى لاتهدر الدولة اموالها فى الانفاق على من ليس لديهم الرغبة فى التعليم والتفوق العلمى وحتى تنهض الدولة بالتعليم الذى هو العمود الاساسى لقوة الدولة ومكانتها بين الدول

حسان عبد العزيز التميمي
البلد: 
المملكة العربية السعودية
04/05/2017 - 10:37

وما ذكره الكاتب يبدو واضحا من خلال مشاهداتنا للنتائج ، فغالبية خريجي الجامعات المجانية هم من ذوي الكفاءات المتدنية ، وكذلك بناة الجامعات الخاصة المبالغون في أسعار التعليم الجامعي والذين يريدون حصد الأموال وتخريج دفعات ليس لها ارتباط بشيء ، ولا اتقان لعمل ، فالجامعات ما هي إلا للمتفوقين الذين يعودون بالتقدم على وطنهم وشعبهم ، لأنّ القضية قضية نوعيّة وليست كميّة وقد تداركت الجامعات في الدول المتقدمة مثل هذا الأمر ، فهي إما تعلم المتفوقين على حسابها شريطة العمل في الاماكن المحددة لهم فيما ىبعد ، أو انها تطلب من الطالب المتفوق والذي تخرج بتفوق أيضا بسداد قرض كانت قد منحته اياه وذلك بعد انحراطه بالعمل فيصبح منتجا ، وفخرا لبلده