الأحد - 2 شهر رمضان 1438 هـ - 28 مايو 2017 مـ - رقم العدد14061
نسخة اليوم
نسخة اليوم 2017/05/28
loading..

السكة إلى جزيرة السويد

السكة إلى جزيرة السويد

الاثنين - 4 شعبان 1438 هـ - 01 مايو 2017 مـ رقم العدد [14034]
نسخة للطباعة Send by email
لم يبقَ أحد لم يحلم بشق قناة السويس. أو بالأحرى قناة تربط البحرين، الأحمر بالمتوسط، من الفراعنة إلى نابليون. ومن الإسكندر إلى عمرو بن العاص، ومن داريوس إلى محمد علي. في الحملة المصرية من أجل محاربة الإنجليز وتوسيع إمبراطوريته، لم يحمل معه فقط علماء الآثار والمؤرخين، بل أيضاً كبار المهندسين. لكن نابليون لم يبقَ طويلاً في مصر. وبعد سنوات قدّر للدبلوماسي الفرنسي فردينان دوليسبس أن يتولى الإشراف على أحد أعظم المشاريع الجغرافية في التاريخ.
أسس دوليسبس شركة لبيع أسهم المشروع الخيالي، فاندفع الناس لشرائها. وقال له أحد أصدقائه: «سجِّل لي سهمين في هذه السكة الحديدية التي تؤدي إلى جزيرة السويد». فأجابه دوليسبس: «هذه ليست جزيرة، بل قناة، وليست سكة حديد بل طريق مائية، وليست السويد، بل السويس». فقال الرجل: «كل ما تقول غير مهم. المهم أنها ضد الإنجليز». كان ذلك عام 1858.
انتهت المتاعب؟ بل بدأت المتاعب. عقبات يخترعها الإنجليز. وعقبات يضعها «الباب العالي» في إسطنبول. وأيضاً الفلاحون المصريون يتظاهرون بالآلاف عند موقع الحفر الأول، من أجل منع العمل. وكان دوليسبس، بناء على نصيحة الخديوي، قد خصص كميات من الأسهم للدول الكبرى، شراء لموافقتها. غير أن الحصة الكبرى ظلت للشركات الفرنسية.
وقع مصاب أهم للدبلوماسي الفرنسي. فقد الإنسان الذي كان أكبر عون له. ولم يكن هذا إلا حماته، المدام دو لامال. المرأة التي عنيت بتربية ولديه فيما كان يجوب العالم من أجل مشروعه. والمرأة التي كانت تحث كبار المسؤولين والنافذين على الثقة بأهمية المشروع. وكان كلما شعر باليأس، أو الإحباط، تقدمت منه جدة ولديه، تحضه على استكمال المستحيل: شق الأرض وربط البحرين.
لم يقرأ رسامو الكاريكاتير المصري، ولا الكوميديون، هذه الصفحة من التاريخ، فطفقوا يصورون الحماة على أنها الجزء الظالم في الزواج. وحمّلوها مسؤولية كل الأخطاء. ورسموها دائماً ساخطة تصرخ في غضب، وسمينة ترفع قبضتها في الهواء. وظلت النكات تؤلّف عليها إلى أن باخت ولم يعد لها سمّاع وضاحكون.
... في أي حال، أنشأ دوليسبس الماهر صحيفة خاصة يطلع فيها المساهمين على خطوات المشروع سماها «صحيفة وحدة البحرين». وترك للتاريخ مذكرات تروي شيئاً من أهرامات الماء. وكما ارتفع المصريون من قبل بالحجر على نحو غامض حتى اليوم، هكذا شقوا القناة التي غيرت طرق الملاحة في العالم. وأصبح لديهم نيل آخر، وإن يكن ليس «أسمر حليوة» كما دلَّل شوقي النيل الأسمر، الحليوة.

التعليقات

أحمد
البلد: 
القاهرة ، مصر
01/05/2017 - 08:43

للأسف يا أستاذ ، لن يبقى شئ من " الأسمر الحليوة " إلا النفايات بسبب سد النهضة الأثيوبي الذي سيحرم مصر من جزء كبير من حصتها المائية ، و على الضفة الشرقية لقناة السويس يرتع الإرهابيون في سيناء

حسن غلاب
البلد: 
المغرب
01/05/2017 - 12:01

ايه اصدو الحليوة.
يا عنابي ياخدود الحليوة
خاتمة موضوع مبهجة ، كشذرات الندى التي ينثرها استاذنا في الكثير من مقالاته الشيقة.
الاستعمار ممقوت ولا يمكن ان تغفر فظاعاته. لكن مع مرور الوقت ، وانت تقف على منجزات ومعالم فذة تركها هذا المستعمر، من انشاء قناة السويس ، الى قناة بنما، مرورا بالطرق المشيدة باوعر المسالك ، السكة الحديد، الموانيء البحرية والجوية، المدارس والمعاهد، واكثر من هذا وذاك ، انتشالك من القرنوسطية الى الزمن الحالي. والله لتحس برغبة جامحة في ان تقول لهذا المستعمر شكراً. شكراً حقيقية.
المهندس الفرنسي الذي تفتق

حسن غلاب
البلد: 
المغرب
01/05/2017 - 12:06

المهندس الفرنسي الذي تفتق ذهنه عن فكرة القناة، بامكاننا ان نتخذه كنموذج رائع ، نحذو حذوه، في عالمنا العربي .نرى حولنا، و نُشَمْشِم ،عبر هذه الطبيعة المتنوعة التي حبانا الله تعالى، كم من معجزات ،على غرار قناة السويس، بامكاننا اجتراحها، من شانها ان تاخذنا بعيدا. بعيدا عن هذا الواقع الصعب. يومها نغني جميعا كارم محمود، عنابي خدود الحليوة.

احمد ماجد
البلد: 
اليمن
01/05/2017 - 13:38

بالعادة يكون تطبيق أي فكرة أو تأسيس أي مشروع جديد ومبتكر يواجه الكثير من الصعوبات والمعوقات الطبيعية او غيرها مثل راس المال أو التقنية والايدي الفنية العاملة المتوفرة في ذلك الزمان والمكان وغيره لكن رأينا بأعيننا كيف تم انجاز القناة اي قناة السويس الجديد سواء من حيث الفترة والطريقة والامكانيات الحديثة التي ساهمت كلها بتنفيذ المشروع بوقت معقول اضافة الى عدم سماعنا عن حدوث كوارث طبيعية للعاملين وغيرهم على عكس المآىسي التي تركها مشروع انشاء قناة السويس الاول منذ اكثر من قرن ونصف القرن وفي كل الاحوال يبقي بصمة المؤسسين والمنفذين الاوائل واللاحقون بهم باكمال احلامهم بالتنمية والتطوير والقيمة المضافة لمثل هكذا مشاريع