الأحد - 26 رجب 1438 هـ - 23 أبريل 2017 مـ - رقم العدد14026
نسخة اليوم
نسخة اليوم 2017/04/23
loading..

منسوب {الإسلاموفوبيا} والاستثمار الخاطئ للإرهاب

منسوب {الإسلاموفوبيا} والاستثمار الخاطئ للإرهاب

الثلاثاء - 22 جمادى الآخرة 1438 هـ - 21 مارس 2017 مـ رقم العدد [13993]
نسخة للطباعة Send by email
للأسف ورغم كل التفاؤل الحذر بهزيمة الإرهاب المنظم، فإن منسوب الإسلاموفوبيا والعمل الدؤوب لأحزاب اليمين، في ظل تقاعس صوت الاعتدال، في ارتفاع كبير قد يصل في خلال سنوات قليلة إلى حد القطيعة، وهو أمر في غاية الخطورة لأنه يعني أن ينعزل المسلمون في الغرب داخل كانتونات ومجتمعات ضيقة، وبالتالي تستيقظ كل دوافع الغضب والكراهية والهويّة القلقة والعودة إلى الجذور، وهو ما يعني سهولة الدخول في براثن التطرف لأن المشهد الديني العام مختطف من قبل الأصوات المغالية.
الإرهاب المنظم قد يعاني من ضربات مؤقتة؛ قد يحاصر «داعش» هنا أو هناك، أو يتم القضاء على بعض قيادات «القاعدة» أو الميليشيات الصغيرة، إلا أن الصورة الكبرى هي تضخم الفكر المتطرف على حساب الانخراط في جماعات وتنظيمات وميليشيات باتت المحركة لملفات المنطقة السياسية، بحكم ازدواجية المجتمع الدولي والغرب في التعامل مع مخرجات الإرهاب من عمليات، دون تلمس حلول طويلة الأمد لمشكلة التطرف، وحماية الأقليات المسلمة التي تنتمي إلى البلدان الغربية على سبيل المواطنة والانتماء، وليس التجنس. وهنا تتشكل معضلة أكبر في المواجهة بين الغرب والتطرف، حيث إن الأخير يحاول تأسيس مرجعية على مفاهيم الغلو والتكفير والعمليات الانتحارية، وهي مفاهيم تتداخل فيها قضايا فقهية وعقائدية لم يتم الحسم فيها في الفضاء الديني العام الذي يشمل كل أطياف الإسلاميين، من المعتدلين إلى المؤسسات الرسمية وصولاً إلى الضفة الأخرى؛ «الإسلام السياسي» والراديكالية المتطرفة.
هناك مؤشرات غير إيجابية مع الإدارة الأميركية الجديدة والأحزاب اليمينية الصاعدة في بعض البلدان الغربية، رغم تفهم الدوافع الأمنية وراء هذا الهلع وتلك المخاوف، فهناك حديث اليوم عن آيديولوجيا إسلامية وراء تنظيمات كـ«داعش» و«القاعدة»، وهذا صحيح، إلا أن تعقيد الموضوع هو وجود مشتركات عامة في المفاهيم المتصلة بالعنف تشترك بشكل عام مع الخطابات الدينية الموجهة للعامة (التدين الشعبوي)، وبالتالي فإن عدم التمييز بين أصل تلك المفاهيم والاختطاف للمعنى من قبل الإرهابيين لتلك المفاهيم سيوقع في كوارث، على مستوى النظرية والممارسة. بالأمس القريب، أكد بيان الشرطة أن منفذ هجوم أورلي، بحسب والده، كان تحت تأثير الكحول، وأنه لم يكن يصلي أبداً، وهي تصريحات تعيد النظر في قضية مهمة جداً، ألا وهي التفريق بين الأنواع المتكاثرة للإرهاب، ومنها «الإرهاب العدمي»، وهو أكثر ما يميز تلك العمليات ذات الطابع الفردي.
بحسب ماثيو ليفيت، مدير برنامج «ستاين» للاستخبارات ومكافحة الإرهاب في معهد واشنطن، فإن ثمة كياسة غائبة عن إدارة ترمب في التعامل مع الملف الإرهابي، وأول آيات ذلك الارتباك محاولة استبدال التطرف بوصف التطرف الإسلامي، وهو ما يعني المزيد من الضبابية حول المصطلحات، كالعنف والإرهاب والتطرف، التي تفتح الباب مشرعاً على خلط الحابل بالنابل، في حال عدم وجود إجماع دولي أو رغبة مشتركة في التعامل مع الإرهاب، وتعريفه بشكل واضح ومحدد، وهو ما كان قد دعا له الراحل الملك عبد الله، مؤكداً ضرورة الاضطلاع بدور دولي منظم تجاه الإرهاب، وبصندوق يمول مركز أبحاث تتبناه المملكة حرصاً على توحيد الجهود، وهي فرصة اليوم تبدو أكثر ضرورة وإلحاحاً، لا سيما بعد الاعتراف الأميركي والدولي بالسبق السعودي في مكافحة الإرهاب، بقيادة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف، وهو ما سوف يؤسس لمفهوم غير منحاز للإرهاب الذي لا ينحصر في دين أو عقيدة أو منطقة.
أولوية محاربة الإرهاب في الذهنية الأميركية الجديدة تدعو للتفاؤل، لا سيما مع وجود مؤشرات على إعادة النظر أيضاً في الإرهاب بمرجعيته الشيعية المتطرفة (إرهاب الميليشيات)، الذي تقوده إيران وأذرعها في المنطقة. هذه الأولوية كانت تعاني من ضمور شديد في العهد الأوبامي إلى أن جاء الضغط من المؤسسات الأمنية الأميركية عقب تفجيرات ماراثون بوسطن، في عام 2013، التي أعادت الإرهاب العابر للقارات والمعولم إلى الواجهة مجدداً.
الحقيقة التي لا يرغب السياسيون الغربيون في سماعها هي أن الإرهاب والتطرف تحول إلى وباء عالمي لا يمكن التخلص منه، مع بقاء دوافعه سواء السياسية أو تسيّد خطابات التطرف للفضاء الديني. وفي السياق ذاته، فإن العالم الداخلي لجماعات العنف المسلح، وعلى رأسها «القاعدة» وأخواتها، عالم متشابك ومعقد وكثيف الظلال، عكس ما يبدو أنه بسيط ومباشر (أشخاص ناقمون يسعون للتغيير بالقوة)، كما أن جماعات العنف المسلح تختلف عن جماعات الإسلام السياسي، وإن كانت منبثقة عنها في الرؤية والتكوين الفكري والقضايا العامة، إلا أنها تختلف عنها باعتبارها جماعات فوضوية ذات منزع عقائدي، وليست جماعة سياسية تهدف إلى السيطرة على مفاصل المجتمع عبر شعارات دينية.
ومع ظهور «داعش» وما بعدها من الإرهاب المسيس، نكون قد دخلنا متاهة كبيرة من التفاصيل الصغيرة في الدوافع والمحركات، بل وحتى في الاستثمار في الإرهاب والمنافسة، فكما نعلم أن ثمة حرباً شرسة بين مختلف التيارات المتطرفة بهدف انتزاع الشرعية فيما يخص خيار العنف المسلح؛ رأينا ذلك في منافسات وتنويعات «القاعدة» و«داعش» و«القاعدة في جزيرة العرب»، كما نجده في جماعات العنف في سيناء، وفي ليبيا وتونس ومالي وشمال أفريقيا، وفي القرن الأفريقي. وبالطبع هذه المجموعات تختلف جذرياً عن حالة مقاتلي «جبهة النصرة»، أو حتى مثلاً عن المجموعات الصغيرة المسلحة في لبنان التي تستهدف بناء توازن مسلح يقابل قوة «حزب الله» من دون أن تكترث بأكثر من ذلك. وفي كل منطقة من هذه المناطق تختلف جماعات العنف المسلح عن السياق العام لتنظيم القاعدة، من حيث استهداف المواقع الغربية، ورفع العداء لأميركا، والقيام بعمليات كبيرة ونوعية ذات بعد إعلامي.
والحال أنه لا يمكن مكافحة الإرهاب إلا بخطاب ديني، واجتهاد شرعي مؤسساتي، تشترك في الاتفاق عليه وإنتاجه كل المؤسسات الدينية المعتدلة، والمؤثرين من الرموز الدينية الفاعلة، في محاولة لفهم تحول العنف من ظاهرة عابرة إلى خطاب مستقر. ومن هنا، فالتناول الإعلامي السطحي للإرهاب على طريقة الكاوبوي في الأفلام الرديئة للسينما الأميركية، قد يؤدي إلى دعاية مضادة وخدمة غير مسبوقة للتطرف، وهو ما يعني كارثة محققة على العباد والبلاد.