الاحـد 07 ذو القعـدة 1422 هـ 20 يناير 2002 العدد 8454
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

البحث عن تاريخ الفينيقيين تحت أسس مباني المدن اللبنانية

أحمد عثمان

رغم مرور حوالي مائة سنة على بدء اعمال الكشف الأثري في لبنان، ما زالت معلوماتنا عن التاريخ الفينيقي القديم مقتصرة على ما ورد في المصادر غير اللبنانية في مصر واشور وبابل واليونان. ورغم تعدد البعثات الاثرية التي عملت في جميع المواقع الفينيقية القديمة، فإن الكشف في هذه المواقع لم يتعد الطبقات الارضية التي ترجع الى العصور البيزنطية والرومانية. اما الآن مع بداية القرن 21 فيأمل المسؤولون عن الآثار اللبنانية في الحفر عميقا في مواقع المدن القديمة، لازاحة الحجارة والرمال عن تاريخ عريق ينبئ بمفاجئات لا نعرفها حتى الآن، ويساعد على اكمال صورة جذور الحضارة العربية منذ خمسة آلاف سنة.

امتدت المدن الفينيقية في العصور القديمة، على المنطقة الساحلية من مدينة اوغاريت في شمال سورية (رأس شمرا الحديثة) الى عكا بشمال فلسطين، بطول يبلغ حوالي 322 كيلومترا. وتمكن رجال الآثار من الكشف عن 21 قلعة في المنطقة الواقعة جنوب العاصمة اللبنانية بيروت. اذ لم تكد القوات الاسرائيلية تنسحب من الجنوب اللبناني في مايو (ايار) سنة الفين، حتى بدأ رجال الآثار التنقيب في هذه المنطقة الغنية بالبقايا القديمة. وبعد 22 سنة من احتلالهم للمنطقة، لم يتردد الجنود الاسرائيليون في تحطيم جزء من قلعة الشقيف الأثرية عند انسحابهم منها. وتعتبر قلعة الشقيف التي تقع في منطقة ذات كثافة شيعية شرق مدينة النبطية، من اهم القلاع البيزنطية التي استولى عليها الصليبيون وتحصنوا بها بسبب موقعها الاستراتيجي، حيث تسيطر على الطريق الموصل بين دمشق وبيروت في الشمال وبين القدس وصور في الجنوب. لقد شيدت قلعة الشقيف في ايام حكم البيزنطيين الرومان، في منطقة مرتفعة تطل على مساحة شاسعة من الاراضي الزراعية غرب جبل الشيخ (حرمون) ومرتفعات الجولان السورية.

وبعد الفتح الاسلامي وهزيمة البيزنطيين، رمّم العرب قلعة الشقيف ووسعوها لتكون حصنا يحمي الجنوب اللبناني. ثم جاء الصليبيون سنة 1138 بعد مد سيطرتهم على الاراضي الفلسطينية، وتمكنوا من الاستيلاء على القلعة بعد حرب مريرة مع العرب الدروز المدافعين عنها. وظلت قلعة الشقيف تابعة لمملكة القدس الصليبية اذ كانت تعرف بقلعة «ارتو دي بوفور» او «بوفور» الى ان استعادها صلاح الدين الايوبي، الذي حرر اراضي الشام وطرد الصليبيين.

ثم صارت قلعة الشقيف القاعدة التي اعتمد عليها الامير فخر الدين الثاني المعني امير الدروز بعد ذلك ببضعة قرون، عند تمرده على حكم الدولة العثمانية. وتبين لرجال الآثار ضرورة القيام بأعمال ترميم وتحديد القلعة التي تتطلب ميزانية ضخمة. فرغم ان القلعة تبدو متكاملة من الخارج بجدرانها العالية وابراجها وشرفاتها، فإن الحال يختلف داخل القلعة نفسها الذي تحول في معظمه الى حطام.

* صور

* ولكن احد اقدم المواقع الاثرية في جنوب لبنان، بدون شك مدينة صور القديمة، التي ترجع الى حوالي خمسة آلاف سنة، وكانت في الازمنة القديمة اهم ميناء على الساحل الفينيقي. وقد اعلنت هيئة اليونسكو الدولية للثقافة، مدينة صور محمية عالمية عام 1979 نظرا لاهميتها التاريخية. ورغم ان صور الآن مدينة ساحلية صغيرة بجنوب لبنان، فإنها كانت تشكل مملكة فينيقية مهمة قبل حوالي ثلاثة آلاف سنة حتى العصر الروماني، بناها اهل صيدا فوق جزيرة بالقرب من الشاطئ الى الجنوب من مدينتهم لتكون تابعة لهم. ثم امتد عمرانها الى المنطقة الساحلية القريبة منها. وسرعان ما تعاظمت اهمية صور حتى اصبحت مركزا تجاريا يفوق اهمية صيدا نفسها، وذلك بعدما مدت خطوطوها البحرية الى كافة انحاء البحر المتوسط الا ان صور وقعت مع باقي المدن الفينيقية تحت سيطرة الآشوريين لمدة قرنين من الزمان منذ بداية القرن الثامن قبل الميلاد، ثم انتقلت الى ايدي الفرس الذين بنوا امبراطورية تمتد الى صعيد مصر جنوبا ومضيق البسفور شمالا.

وعندما جاء الاسكندر الاكبر وسقطت الامبراطورية الفارسية امام قواته، كانت صور هي المدينة الوحيدة التي رفضت فتح ابوابها للقائد المقدوني. ولكن بعد حصار استمر سبعة اشهر تمكن الاسكندر من ردم طريق داخل البحر ليصل الى جزيرة صور متمكنا من دخولها منذ ذلك التاريخ ربطت الجزيرة بالساحل عن طريق الردم، فصارت صور الحديثة على شكل شبه جزيرة داخل البحر.

وفي العصر الاسلامي اصبحت صور مركزا تجاريا مهما على الساحل الفينيقي لخمسة قرون، الى ان وقعت تحت سيطرة الصليبيين وخضعت للمملكة التي كونوها في القدس خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر.

تعتبر كاتدرائية صور من اقدم الكنائس المسيحية في لبنان، اذ بنيت قبل عدة سنوات من اعلان الامبراطور قسطنطين الاكبر المسيحية ديانة رسمية للامبراطورية الرومانية عام 324، واعاد الصليبيون تشييدها عندما سقطت صور تحت سيطرة الصليبيين في القرن الثاني عشر، وجعلوها مقرا لهم. وتعتبر الكاتدرائية من اكبر المنشآت التي بناها الصليبيون بعدما تمكنوا من اقامة دولتهم اللاتينية في القدس خلال القرون الوسطى، في تلك الحقبة حولوها الى مركز للبطريركية الكاثوليكية. ولا يزال الميناء الفينيقي القديم قائما في صور حتى عصرنا هذا وفيه بقايا رومانية وبيزنطية، وقد كشف عن موقع الميناء في منتصف القرن الماضي بعدما ازاح رجال الآثار الرمال التي كانت تغطيه.

* صيدا

* اما عن صيدا، فقد بدأت بعثة المتحف البريطاني العمل في صيدا بعد حصولها على تصريح من السلطات اللبنانية عام 1998، عند المدخل الشرقي للمدينة القديمة، ووضعت البعثة خطة تهدف الى الوصول الى بداية تاريخ المدينة الفينيقية، عن طريق حفر عميق يصل الى الارضية الصخرية التي بنيت عليها المدينة القديمة.

وتمكنت البعثة من الوصول الى بقايا من العصر البرونزي القديم قبل حوالي اربعة آلاف سنة كانت مدفونة على عمق ثمانية امتار من سطح الارض، وامكن الكشف عن بقايا لبعض المساكن والادوات الفخارية تعود الى العصور الفينيقية الاولى. وهذه هي المرة الاولى التي تكتشف فيها آثار من العصر البرونزي الاول في مدينة صيدا، اي منذ ستة آلاف سنة.

وفي العام الماضي عثرت البعثة على 19 مقبرة موزعة في انحاء مختلفة من الموقع الذي تبلغ مساحته 435 مترا مربعا، ترجع الى العصر البرونزي الوسيط أي لحوالي الفي سنة قبل الميلاد، ووجدت الهياكل العظمية مدفونة مع مجموعة من الادوات والاوعية الفخارية والحلي والاسلحة احيانا، في مقابر بعضها محفور في الرمل والآخر مبني من الحجارة، كما عثر على هياكل عظيمة لاطفال مدفونة داخل جرار فخارية تحتوي على بعض الحلي. وساعد على تحديد الزمن التاريخي لهذه المقابر، ما عثر عليه في ثلاث منها من بقايا مصرية تعود الى العصر البرونزي الوسيط وكل هذه الاكتشافات التي يعود تاريخها الى 4 آلاف سنة قبل الميلاد، وجدت في اقدم طبقة ارضية لصيدا على عمق عشرة امتار، وهذه طبقات لم تكن معروفة او مكتشفة من قبل في لبنان، باستثناء ما عثر عليه في بيروت أخيرا.

* بيروت

* وبما يخص العاصمة اللبنانية بيروت قارب مشروع انقاذ اثار بيروت القديمة مرحلة الاكتمال، ومن شأن هذا المشروع وضع العاصمة اللبنانية على قائمة اهم المدن الاثرية في العالم. ولقد كانت منطقة السوق بوسط بيروت قد تعرضت للدمار الشامل ابان الحرب الاهلية نتيجة سبع عشرة سنة من القتال، ثم اتاح تدمير الاحياء السكنية في وسط المدينة الفرصة لاجراء الحفريات تحتها، فلم يكن من الممكن في السابق التنقيب عن بقايا بيروت القديمة، لأنها كانت تقع كلها تحت الاماكن المزدحمة بالسكان في وسط المدينة الحديثة. وفي عام 1991 بدأت محاولات اعادة اعمار بيروت واعد مشروع للبناء على مساحة مليون و200 الف متر مربع، في قلب العاصمة. وكانت هذه فرصة ذهبية لفحص البقايا الاثرية في هذه البقعة التي بنيت في موقع المدينة الفينيقية القديمة، قبل بدء اعمال الحفر والبناء. وللعلم يتضمن تخطيط بناء المدينة اقامة نظام جديد للطرق له انفاق ارضية ونظام حديث للصرف الصحي، الى جانب مواقف متسعة للسيارات تحت الارض. وقررت الجهات اللبنانية المعنية بالاشتراك مع منظمة اليونسكو محاولة انقاذ التراث القديم قبل ان يضيع الى الابد تحت اعمال البناء الجديدة، في مناطق تبلغ مجموع مساحتها 20 الف متر مربع بين ساحة البرج (الشهداء) والبرلمان ـ الى جانب المرفأ ـ وتشمل سوق الطويلة المعروف.

وحقا عثر على مقابر كثيفة تعود الى الفترة التي تسبق الحكم الفارسي، في القرن السادس قبل الميلاد، كما وجدت بقايا ترجع الى العصر البرونزي قبل حوالي اربعة آلاف سنة، وتبين ان المدينة القديمة اتسعت تدريجيا في جميع الجهات بما في ذلك اتجاه البحر نفسه، حيث ردم جزء من الميناء. وعثر ايضا على بقايا عديدة للمدينة التي ترجع الى العصرين الروماني والبيزنطي، كما عثر بين المباني على تماثيل وعملات رومانية ونقوش وكتابات. ومما يستحق الاشارة هنا ان بيروت تعرضت الى موجة من الزلازل العنيفة عام 551 ادت الى تدمير المدينة بأكملها، واضمحلت المدينة بعد ذلك وقل عدد سكانها فأصبح لا يتعدى بضعة آلاف.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام